أبلغنا عتبة التعافي؟ ١

أبلغنا عتبة التعافي؟ ١

38 0

٩٧ . . . . _كنت بتحب يا إلياس؟ في إحدى الليالي، وقد أوى سجناء دارين ومنهم موظفوها إلى مهاجعهم، ساد الصمت أرجاء المكان، ولم يتبقَ لإبراهيم وإلياس سوى هذه اللحظات الخافتة ليتبادلا همسًا قصيرًا، في خلوة لا تتاح إلا نادرًا. وتطلع إليه إبراهيم وقد أثاره الفضول، فسأله هذا السؤال بهدوء. ليتبسم إلياس ابتسامة خفيفة، كمن يزيح الستار عن صفحة قديمة من قلبه، ثم أجابه: _حبيت.. وانت؟ _لا بصراحة مكانش فيه الأوبشن دا في دماغي... احكيلي، حبيت مين بقى؟ ساد بينهما صمت خفيف، تخللته أنفاس إلياس وهو يسترجع ماضيه، يفتّش بين ذكرياته عن ملامح وجهٍ ما زال محفورًا في قلبه، ثم بدأ يحكي بصوتٍ تنثال منه الحكاية كما ينثال الألم: _كان إليَّ قرايب بمصر، قدروا يطلّعوني عندهم عشان أتعالج من أمراض وإصابات خطيرة إجتني... وأنا بالمستشفى، لمحت بنت سودانية، والله ما شفت أجمل منها، ولا أجمل من عينيها، ولا أجمل من ضحكتها... اسمها ريتاج، كانت هي كمان ناجية، متلي تمام. اتعرفنا على بعض... وعجبنا في بعض... وبعد ما هي خلصت علاجها، صارت تيجيلي كل يوم عالمستشفى، وبعد ما طلعنا... بلّشنا نخطط لمستقبلنا، حتى صارت بينا مشادة بسيطة... عن وين بدنا نعيش بعد ما تتعمر بلادنا، بالسودان ولا بفلسطين...، عيلتي بمصر، وعيلتها هناك، اتفقوا يزوّجونا، وبالفعل كتبنا عقد نكاحنا... بس ما لحقناش... توقف إلياس فجأة، يغالب غصة تفجرت في صدره، وحين استعاد شيئًا من ثباته، أردف بصوتٍ متهدج يحاول السيطرة عليه: _كان قانون بيع الناس قرب يبلّش... وأول شي عملوه، إنهم أخدوا اللاجئين من كل البلاد... فأخدوني أنا وهي، جابونا لهون، ومن وقتها مش عارف ريتاج وين راحت... لليوم بدوّر عليها بوشوش البنات السودانيات، بس ما بلاقيها... يمكن بعثوها على روسيا، يمكن بريطانيا... بس بيني وبينك... بتمنى تكون ماتت موتة سريعة، بلا وجع، بلا ما حدا يعذّبها أو يمدّ إيده عليها... والله... وعشان لما أموت، نلتقي سوا بالجنة... _لا يا عم متقولش كده، إنت مش هتموت.. إحنا هنتحرر سوا بإذن الله. نظر إلياس إلى إبراهيم بنظرة يغلفها الإصرار والرجاء، وقال: _ولو أنا مت... إنت حرّر حالك وحرّرهم، واعتبرني لسه عايش يا إبراهيم... لا تعوّل على وجودي، اتفقنا؟ _إنت مش هتموت عموماً، بس ماشي، اتفقنا. . . . . فتح إبراهيم جفنيه على مهل، مستيقظًا من حلمٍ لم يكن جديدًا عليه، بل كان جزءًا من ذكرياته مع إلياس التي تعاد حلقاتها كلما تغفو عينيه منذ رحيله. كان نائمًا في غرفة هاجر/أم نوح، وما إن تنبّه حتى بدأ يسعل بشدة، وقد ضاق صدره على أنفاسه من كثافة الدخان الذي طفح في المكان، واكفهر وجهه من رائحة لحم محترق قوية تفوح في الأرجاء، رائحة أقرب للجحيم منها للحقيقة. جلس يتلفّت في الظلام المكفهر كوجهه، كأن العتمة تسربت إليه، ثم مدّ يده المرتجفة إلى ضوء المصباح بجانبه، وأناره عسى أن يرى ما يُبدّد هذا الظلام المتلبد. وما إن أضاء الضوء حتى رآه جالسًا معه في الغرفة... كان إلياس. جالسًا على الأريكة بجانب السرير، كتمثال بائس من جمر وسواد... جسده متفحّم، يتلألأ بين شقوق لحمه المحترق شعلات صغيرة كأنفاس من نار، ويتصاعد منه الدخان ببطء، كأن اللهب ما زال يقتاته. كان جالسًا في صمتٍ مهيب، لا يصدر عنه سوى لهاثٍ ثقيل، غليظ، يقتلع السكون من جذوره. تجمّد إبراهيم في مكانه، وامتد الفزع في جسده كجليدٍ ينهش العروق، عيناه تسمرتا على هذا المشهد المرعب، وصوت أنفاس إلياس كاد يوقف نبضه من شدة الهول، ومع ذلك، وبحركة ثقيلة مترددة، نهض واقترب، يخطو نحو النار لا نحو صاحبه، ثم نطق بصوت مرتجف، يحاول أن يكبح هلعه: _ا... إلياس...؟ أجاب إلياس بصوت مبحوح، حارق، كما لو أنّ النار ذاتها قد نطقت: _ماي... بدي ماي... أومأ إبراهيم برأسه فورًا، بعينين مذعورتين، ثم اندفع راكضًا نحو المطبخ. ملأ كوبًا من الماء على عجل، ثم عاد يركض نحو الغرفة، وأشعل نورها... لكن الغرفة كانت خالية تمامًا. لا أثر لإلياس. كأنّ شيئًا لم يكن... سوى بقايا دخان رمادية لا تزال معلقة في الهواء، شاهدة على ما رآه. وفي ذات اللحظة، كانت هاجر قد فتحت عينيها في الصالة، فقد قررت أن تنام فيها تلك الليلة، وشاهدت إبراهيم وهو يركض جيئة وذهابًا. وقف إبراهيم متحجرًا، يحدّق في الكوب الذي بيده، ثم إلى الغرفة الفارغة، يحاول أن يستوعب ما رآه للتو، أو ما خُيّل إليه. وخلفه، جاءت هاجر وهي تسأله: _إبراهيم؟ مالك واقف ليه كده؟ _ه... هو الدخان دا كله طالع من إيه؟ _دخان إيه؟ مفيش دخان. رمقها إبراهيم بنظرة متهيعة، ثم أعاد نظره إلى الغرفة، ولمح أن الدخان قد اختفى هذه المرة تمامًا. هنا سكت إبراهيم تمامًا، بعدها تجرّع كوب الماء دفعةً واحدة، كأنّه يطفئ نارًا اشتعلت بداخله، ثم قال بصوت خافت، مشبع بالتوتر: _أنا مخنوق... استدار نحو الشرفة، وفتح بابها على عجل، ليتنفس نسمة هواء باردة، لعلّ برودتها تبدد غصته الملتهبة أو تجفّف دمعةً لم يذرفها. لحقت به هاجر، وقالت: _الفجر أذّن بقاله ساعة... اتوضى وصلي، ممكن ترتاح. أومأ إبراهيم برأسه، ممتنًا، ثم توجه إلى الحمام ليتوضأ. وما إن خرج، حتى وجد هاجر قد ارتدت ملابسها وأمسكت المفاتيح بيدها، وقالت: _لو حاسس بخنقة من الحيطان، فعندي ليك مكان كويس تقدر تقعد فيه شوية... بقعد فيه ساعات لما بحس بخنقة الحيطان دي. سكت إبراهيم برهة، ينظر إليها بتقدير، ثم أمسك بسجادة الصلاة وابتسم، قائلًا: _تمام.. يلا. خرجا سويًا من الشقة، تمشي هاجر بخطى هادئة نحو المصعد، يتبعها إبراهيم بصمتٍ ثقيل. دخل المصعد خلفها، وراح يراقبها وهي تضغط على زر الطابق الأخير، فاستدار نحوها وقد اعتلت نبرة الاستفهام الممزوجة بالدعابة صوته: _إنتِ مأجرة شقة خاصة بيكي ولا إيه؟ ابتسمت هاجر ابتسامة باردة رغم صدقها، ثم أجابته: _البواب شاري السطح كله ليه، ويُعتبر ملكه، أنا عملت معاه حركة كده خلّيته يديني نسخة من مفتاح السطح عشان أقعد فيه وقت ما أحب، من غير ما أعمل فيه حاجة. حين بلغ المصعد منتهاه، خرجا معًا. أخرجت هاجر المفتاح وفتحت باب السطح، فاندفع الهواء إليهما دفعة واحدة، نقيًّا، باردًا، مغمورًا بسكينة الفجر الأولى. لا سقف فوق رأسيهما، ولا جدران تحيط بهما. السماء وحدها كانت الحاضرة، واسعة كالأبد، وعميقة كوجعٍ قديم. السماء، بكل نجومها المنطفئة وبقايا الليل في أطرافها، تقف مقابلهما وجهًا لوجه. توقف إبراهيم لحظة، رافعًا بصره إلى هذا الاتساع، إلى السقف الذي لم يُتح له يومًا أن يصلي تحته. السقف السماوي الذي حُرم منه سنين طويلة... في السجن، حيث لم يكن هناك سوى جدار ضيق بينه وبين السقف الإسمنتي، والصلوات التي كان يهمس بها في قلبه كانت بلا قبلة، بلا سجادة، بلا طمأنينة. كانوا يمنعونه من الصلاة، كأن الصلاة جريمة اشد شناعة من تعذيب الناس وقتلهم. أما الآن... فها هو، واقفٌ، حرٌّ، بقلبه المهترئ وروحه المنهكة، يمدّ سجادته على الأرض كمن يبسط قلبه، ويقف بين يدي الله مباشرة، لا يحجبه عنه شيء... لا قضبان، لا رقابة، لا خوف، ولا سقف. كبْر ورفع يديه، وبدأ في الصلاة، التي بها ينقّي روحه من طبقات الغبار القديمة، من رماد الذكرى، من صدأ السجن. كل آيةٍ يتلوها كمن يستعيد نبضه الأول بها، وكل سجدةٍ كغُسلٍ من نارٍ لم تنطفئ بعد. لم يُصدر صوتًا، ولم يتحرك الهواء، فقط الملائكة كانت تنصت له، وكان الله أقرب إليه من نفسه. جلست هاجر بعيدًا عنه، تراقبه في صمتٍ خاشع، لم تشأ أن تقترب من هذه اللحظة. شعره لوهلة أنه عابر سبيل ضلّ الطريق طويلًا، وها هو أخيرًا قد عاد، يصلي صلاة اللقاء الأول. كان يطيل في سجوده حتى في كل مرة كانت تشعر هاجر أنه مات في كلٍّ منها. وحين انتهى... ظل جالسًا لحظة، لا يتعجل النهوض، غارقًا في صمتٍ كوني أثناء ترديده للأذكار، يرقب السماء بعينين واسعتين من الدهشة. نظر إليها طويلًا، كأنه يراها لأول مرة. لا يتفكر فيها فقط، بل يذوب فيها. كانت تلك السماء مرآةً مفتوحة فوقه، تعكس ما نُسي منه في الأعماق، وما لم يُشفَ بعد. ثم تنفّس ببطء، كما لو أن صدره امتلأ لأول مرة بحياة لا يملك لها وصفًا، وكانت السكينة قد تسللت إليه أخيرًا. هنا، نهضت هاجر من جلستها وسارت إليه، ثم مدت يدها بالمفاتيح نحوه قائلة: _خليهم معاك عشان أما تقفل الباب.. وأنا هرجع. رفع إبراهيم رأسه نحوها، وهو يقول: _خليكي، اقعدي معايا شوية. ترددت هاجر للحظة، ثم جلست إلى جواره. لم ينظر إليها، بل ظل يحدق في السماء بنفس السكون الذي كان عليه، وقال: _اقعدي، اتأملي السما معايا. رفعت هاجر بصرها نحو الأعلى، والتفت الضوء في عينيها كأنها تراه للمرة الأولى، ثم قالت: _عمري ما تأملتها قبل كده؟ _فعلاً؟ عشان كده مش بتشوفي نفسك جميلة. قالت هاجر بنبرة ساخرة، باردة: _إيه دخل ده بده يعني؟ _السما هي أوضح حاجة في كوكب الأرض تديكي المجال إنك تتأمليها، والتأمل في العادة هو إنك تعرفي تلقطي الجمال المدفون والتفاصيل الفاتنة في كل حاجة ربنا خلقها. كنت بصبّر نفسي في سنين السجن بالتأمل... في العادة مكانش فيه حاجة أتأملها هناك... بس مثلًا لما كنت بطبخلهم، كنت بمسك الخساية، أتأمل عروقها وتفاصيل أوراقها، أتأمل حلقات البصل، أتأمل لون الفواكه... يعني حاجة زي كده. ساد بينهما صمت لحظة، ثم أردف إبراهيم وهو ينظر إليها: _كونك مبتتأمليش السما، دا معناه إنك مبتتأمليش التفاصيل، ودا معناه إنك متأملتيش تفاصيلك وجمالك الحقيقي قبل كده، عشان لحد دلوقتي مستوعبتيش بوجوده. _وانت بقى استوعبت بوجوده؟ _استوعبت... من أول نظرة. ابتسمت هاجر ابتسامة حزينة، ساكنة، كأنها تُخفي خلفها سنوات من الحطام، ثم قالت بسخرية مشوبة بمرارة: _انت متعرفش حاجة، واحدة زيي... قتلت، وعذّبت، وزنت، وسرقت، وعملت كل حاجة وحشة في الدنيا دي، عايزها تشوف نفسها حلوة إزاي؟ واحدة اتحولت لمسخ، لا هي عارفة تبقى بنت طبيعية ولا عارفة تبقى ولد حتى... عايزها تشوف نفسها حلوة إزاي؟ _كنتي مجبورة من أدهم؟ تأهبت الكلمات في حلقها، كأنها توقفت على شفا جرفٍ يتداعى من الذاكرة. سكتت قليلاً، ثم تكلمت: _مش فكرة إجبار، بس أنا كنت بعمل اللي هو بيعمله، لأنه زرع في مخي فكرة إن... مفيش حاجة بتتعمل في الدنيا غير كده، دا الحل الأبدي لكل حاجة: القتل، والتعذيب، والزنا... هما وسائل بقاء، ووسائل للنجاة. فكنت بعمل اللي بيعمله، بس عمري ما كنت مرتاحة بكده، وكنت بتمنى أهرب، بس كل ما يشوفني بفكر في كده كان بيعاقبني إني أعذب ناس أكتر، ويخليني أتفرّج عليه وهو بيعمل حاجات بشعة، ويقولي: انتِ السبب في ده... استنشقت هاجر نفسًا ضيقًا، كأن الهواء ذاته بات ثقيلاً، وقالت: _عمري ما اتكلمت مع حد في المواضيع دي... حتى غادة، ما حكيتلهاش، ولا عايزة أحكي... قال إبراهيم، بصوتٍ خالٍ من النقد، رقيقٍ كنسمة ليل: _يمكن حكيتيلي عشان أنا عملت حاجات شبه اللي انتِ عملتيها... حسيتي بألفة. ابتسمت هاجر ابتسامة صغيرة، ثم قالت: _ممكن... بس انت مختلف عني، انت عملت كده عشان تنجو بجد... أنا عملت كده عشان أنا مجرمة وأستحق العقاب، وواضح إن دا اللي أنا مستنياه... العقاب. لحد دلوقتي ما اتعاقبتش زي ما عصام اتعاقب، أو زي ما نوح اتعاقب... أظن لو اتعاقبت، نظرتي لنفسي هتتحسّن. _انتِ كان معمولك غسيل مخ من أبوكي... وماكانش فيه حد يفوّقك منه... انتِ فوقتي نفسك بنفسك، والدليل هو هروبك منه في النهاية، بس في العموم، بالحالة اللي انتِ فيها دي تقدري تعاقبي نفسك بنفسك. اعتدلت هاجر في جلستها، كأنها أدركت لتوّها ما يثقل كاهلها منذ زمن، وقالت وهي تبتسم ابتسامة يشوبها التساؤل: _هو أنا هفضل أعمل كل حاجة بنفسي كده؟ حتى العقاب؟ أنا زهقت من استقلاليتي دي... حتى بعد ما رجعت لإخواتي وعيلتي، لسه حاسة إني مستقلة بذاتي ومش شبههم... وكل واحد فيهم عنده مليون مشكلة هو مشغول بيها، حتى مصطفى ما جاتلوش الفرصة إنه يعاقبني ولا يجلدني حتى... أنا زهقت من حوار إن أعمل كل حاجة لوحدي ده. نفسي حد يبقى معايا وينشغل بإنه يصلّحني... غادة كتر خيرها، هي الوحيدة اللي حاولت بكده، بس نوح بعدها عني. أنا حابة اعتمادهم عليا، بس... نفسي أعتمد على حد مرة. كان إبراهيم يصغي إليها بعينيه، وبقلبٍ تعرّف إلى الجحيم من قبل، ثم قال، وابتسامته تفيض حنانًا: _خلاص، مش عايزك تشغلي بالك بالموضوع ده تاني، أنا هبقى موجود، ومعاكي، تقدري تعتمدي عليا. نظرت إليه في استحياءٍ غلّفته بغضبها، وقالت: _أنا مبقولكش كده عشان تقولي أنا موجود، أنا مالي بيك، أنا بفضفض أصلًا! اتسعت ابتسامته، ليس سخرية، بل لفهمه الكامل لما تقوله، ثم ردّ عليها قائلاً: _ممكن نبدأ رحلة علاجنا سوا... لو لسه لحد دلوقتي ما جاتلكيش الفرصة للعلاج من كل اللي مريتي بيه، لأنك حسيتي بالوحدة، في إن حد يشاركك كده أو يساعدك في كده... فابدئيها معايا، إيه رأيك؟ صمتت هاجر برهةً، تتأمل عرضه، ثم ابتسمت وهي ترفع منكبيها وتقول: _مقدرش أقول لا على عرض لقطة زي ده، عن إذنك بقى عشان أرجع، المفاتيح عندك أهي لو حبيت تقعد أكتر. وما إن انتهت من كلماتها، حتى نهضت، وألقت على كتفه نظرة دافئة متحفّظة، ثم استدارت تسير بخطى متّزنة نحو الباب. كان الشروق قد تمدد كجناحٍ وثير فوق المدينة النائمة، والهواء يحمل بين أنفاسه رائحة خفيفة من حنينٍ لم يُسمّ بعد. لم تلتفت هاجر، لكن ابتسامتها كانت لا تزال مرسومة على شفتيها، ابتسامة صغيرة، هادئة، لم تكن ساخرة كما اعتادت، بل كانت شبيهة بزهرة برية نبتت أخيرًا في أرضٍ قاحلة. كانت تمشي وهي تشعر لأول مرة أن خطواتها لا تترك خلفها صدى الوحدة. هناك شيء في حضوره، في صوته، في حديثه عنها لا إليها، في ذلك التأمل البسيط للسماء، جعلها ترى نفسها من زاوية لم تطل منها أبدًا. لم تشعر بالغربة وهي معه، لم تتحسس ألفاظها، لم تنتبه لوجهها كيف يبدو، ولم تخشَ من اتساع صمتها. كانت جالسة بجانبه كما لو أنها بجانب مرآة لا تعكس شكلها، بل تعكس ما ظلّ غائبًا عنها من ذاتها. تلك الألفة التي لامست قلبها خلسة، لم تكن مجرد تشابه في ما عانياه، بل كانت اتفاقًا غير منطوق على أن الانكسار لا يعني النهاية، وأن من عرف العتمة يمكن أن يُصبح دليلًا في الظلام لغيره. وها هي، لأول مرة، تغادر مجلس أحدهم من بعد غادة وهي تحمل أثره في قلبها، لا كوجعٍ جديد، بل كطمأنينة خفيفة تبرعم في روحها، وشيء ما بداخلها يخبرها بأنها قد بدأت، دون أن تدري، تتعلّق.                          ************ في الوقت ذاته، كان الهدوء قد خيّم على منزل علا، وانسابت أنفاس الشروق في أرجائه بهدوء. وفي إحدى الغرف، حيث كانت هند غافية بعد ليلة طويلة بلّلها البكاء وأثقل جفونها الأسى، دلفت سعدية بخطى وئيدة، تشبه نسماتٍ حنونة تسللت من باب الذكرى. ألقت النظرة الأولى على أمها بعد فقدانها لسنين، ممدّدة على الفراش، وملامحها الشاحبة تخبر عن ليالٍ لم تنم فيها. نظرت سعدية إليها كما لو أنها ترى أمها للمرة الأولى... كل ما فيها كان يصرخ شوقًا، لكن بصمتٍ مهيب، كانت اللحظة أكبر منها، أكبر من الكلمات، أكبر من الاحتمال. لقد عادت... وأمها هنا، على بُعد لمسة، بعد غيابٍ ظنّته أبديًا. تقدمت بخطوات بطيئة، وكل خطوة كانت ثقيلة بأعوام الفقد، بالتجارب التي سلبت منها براءة الطفولة، بالليال التي نامت فيها على برد الوحدة، وهي تتخيّل لمسة من يد أمها على رأسها. اقتربت من السرير بحذر، ثم جلست برفق إلى جانب والدتها، ومدّت يدها تتحسس شعرها بأنامل مرتجفة، تلامس الحنين ذاته لا الخصلات، بأنامل اشتاقت لتفاصيل من كانت الأم والملاذ. أحسّت هند بدبيبٍ دافئ على شعرها، فتحركت جفونها بتثاقل، وحين فتحت عينيها، أبصرت وجه سعدية يطلّ عليها بلهفة مُحبّة، وابتسامة حبور صغيرة تعلو وجهها كضوء الفجر. ولكن هند، وقد أعياها التمني وطال عليها الحزن، ابتسمت في استياء مرير وهمست: _سعدية يا بنتي، حتى كيف رجعت، ما زلت نشوفك في منامي ونحس بيك... وقتاش باش ترجعلي يا روحي؟ خفتت ابتسامة سعدية في حيرة، ثم أشارت لها: _ماما، أنا جنبك أهو، انتِ مش بتحلمي. وفي تلك اللحظة، دوّى الإدراك في روح هند؛ فلم تكن تشبه رؤاها السابقة، لم تكن طيفًا صامتًا كما اعتادت في ليالي الأسر والوحدة. سعدية هذه، تُشير بلغتها وتنبض بالوجود. عندها فقط، اتسعت عينا هند في ذهول، رفعت رأسها فجأة، وتمتمت بذعر مشوب بالأمل: _سعدية؟ إنتِ بصحيح سعدية؟ أومأت سعدية برأسها وهي تطمئن قلبًا طال اغترابه، فاندفعت هند تنهض وقد شحب لونها من قوة المفاجأة، مدّت يديها تتحسس وجهها وكتفيها وذراعيها بقوة، تتحسسها كمن يعيد تشكيل العالم بين أصابعه. وما إن تأكدت من صدق المعجزة، حتى شهقت شهقة عميقة مبحوحة، وانهار جدار صبرها دفعة واحدة، واحتضنت ابنتها في قبضة دامعة، تحتضنها بكل ألم السنين التي افترقتهن، بكل أمومةٍ مجروحة كانت تنام على الوسادة وتستيقظ على الطيف. انهمرت دموعها كالوابل، وغاصت في عناقٍ يختلط فيه العزاء والفرح، الأمل والفقد، الشوق والانتماء... وكأنها أخيرًا قد استردت قلبها من التيه. ظلت هند تقبّل يد سعدية، رأسها، ووجنتها، وتضمها إلى صدرها كما لو خشيت أن تبتعد عنها مرة أخرى… جذبتها إليها بكل ما تبقى في قلبها من لهفة وألم، وكأنها تعوّض بعناقٍ واحد كل سنوات البُعد والغياب والانكسار. بكت هند بحرقة من نجت من العدم، من صبرت على قسوة السجن وهتك العرض ومرارة الفقد، ومن أنهكتها الليالي في الزنازين. دموعها كانت طوفانًا من كل ما كتمته حين كانت تعدّ الأيام وتخشى أن تنسى ملامح ابنتها، أن تُمحى من ذاكرتها رائحة شعرها، صوتها، ضحكتها. _لباس عليكي يا عمري؟ شبعانة؟ حدّ آذاك؟ توجع فيكي حاجة؟ طمأنتها سعدية بإشاراتها وبسماتها، لتعود لحضن أمها كمن وجد أخيرًا موطنه بعد تيهٍ طويل. وأغمضت عينيها وتركت الدموع تنساب بهدوء، كأنها تغسل ما علق بروحها من وحشة الأسر وظلمة الأيام. كانت تلك اللحظة بينهما لحظة تحرر. تحررت هند من استعبادها وإذلالها وحبسها، من وجع الفقد، من كوابيس الزنزانة التي كانت تطاردها بصورة ابنتها كل ليلة. وتحررت سعدية من شعور التيه، من العذاب الذي ذاقت ألوانه في الأسر المتكرر على يد الميليشيات، من الألم الذي لا يُحكى. كان حضنهما نجاة… لقاء الناجيتين، العائدتين من تخوم الموت. السماء في الخارج كانت تشرق رويدًا… كأنها تبتهج بلقاءٍ طال انتظاره، كأنها تبشّر بيومٍ جديد يحمل في طياته بداية، لا نهاية. نظرت سعدية إلى والدتها بعينين لامعتين، ثم أزاحت شعرها عن أذنها لتكشف عن السماعات الجديدة، فبدت الدهشة على وجه هند وهي تهتف بابتهاج: _جابولك كاسات؟ تسمعي فيّا مليح؟ أومأت سعدية برأسها وهي تضحك بطفولة متدفقة من شدة ابتهاجها، لا بسماعها وحده، بل بسعادة والدتها التي انعكست على ملامحها. سعدية، التي عانت طويلًا من فقدان سمعٍ جزئي حاد، كان يُطلق عليه العامة "صممًا"، بينما التشخيص الطبي لم يبلغ هذا الحد، كان عالمها مليئًا بالأصوات المكتومة، كأنها تستمع إلى العالم من خلف جدار زجاجي، ومنذ طفولتها كانت ترتدي سماعات كهذه تسمع بها الأصوات العالية أو الضجيج القوي. لكن تلك الأصوات لم تكن كافية لتمنحها القدرة على تقليد الكلمات بوضوح كما يفعل الآخرون. لطالما حاولت سعدية التحدث مثل صديقاتها في المدرسة، لكن كلماتها كانت تخرج مشوهة، فهي لم تكن بكماء بالمعنى الحقيقي، أحبالها الصوتية سليمة، لكن فقدان سمعها منذ سن مبكر سرق منها فرصة سماع الكلمات بدقة، تلك الكلمات التي كان يفترض أن تتعلمها كالأطفال الآخرين. ولم تتلقَ التدريب الكافي على النطق في صغرها، فوجدت ملاذها في لغة الإشارة. وبتلك الإشارات، عبّرت لوالدتها بحماسة ولهفة. ┐دلوقتي نقدر نعيش سوا مع بعض انا وانتِ وبابا. لكن ابتسامة هند خفتت، وسألتها وهي تشير بالكلمات والإيماءات: _شنوة؟ عصام؟! تراجعت بهجة سعدية، وذبلت قسماتها حين رأت الاحتدام يرتسم في عيني والدتها. وحين أومأت بالإيجاب، تسارعت الأسئلة واحتدت النبرة: _شنوة معناها؟ تعرفي بالموضوع؟ أومأت سعدية ثانية، فازدادت حدة هند: _إذا تعرفي، علاش تقول هكا؟ تحبني نعرّس بيه؟! فأشارت سعدية بإصرار بريء: ┐آه... أنا عايزة أعيش حياة جديدة مسالمة وسط عيلة حقيقية، وأخويا يبقى معانا كمان! صرخت هند بانفعال متأجج: _شنوة؟ يا سعدية، الأحلام متاعك هاذي ما تنجمش تصير! ما تعرفيش شنوة عمل فيّا؟ ما تعرفيش كيفاش جبتك منّو؟ لكن سعدية لم تتراجع، أشارت برقة: ┐عارفة، بس علا حكيتلي إن حصل له حاجات كتير واتعاقب من الموضوع دا، وهو نفسه عايز يشوفني. صرخت هند مجددًا، والسخط يكاد يخنق صوتها: _ما نخليش يشوفك يا سعدية! وما نخليهش يدخل حياتنا أصلاً! راهو راجل وصخ ومجرم! كيفاش تحبني نرقد معاه في نفس الفرش؟ إنتِ تخلّطت عليك الأمور؟! امتلأ وجه سعدية بالامتعاض، فقفزت من مكانها غاضبة وخرجت من الغرفة. فنادتها والدتها ولحقت بها، حتى رأتها تتوجه نحو غرفة علا، التي كانت جالسة تسبّح وتذكر الله حتى انبلاج الشمس. وما إن دخلت سعدية حتى أشارت لعلا بإشارة لم تُدركها تمامًا، لكن ملامحها كانت كافية لفهم أن أمرًا جللًا يحدث، لا سيما مع اقتراب هند. وحين اشتكت هند من حديث سعدية، التفتت علا إلى الفتاة وقالت بلطف: _طب اطلعي دلوقتي يا سعدية وسيبيني أتكلم معاها، تمام؟ قالت هند محتجّة: _تحكي معايا على شنوّة؟ الموضوع واضح وما يستحقّش كلام! إحكي معاها، هي اللي محتاجة تفهيم! أجلستها علا ثم جلست إلى جوارها محاوِلة تهدئتها بلين: _قالتلك إنها عايزاكي تتجوزي عصام وتعيشوا سوا، صح؟ _إي، تتصوّري؟! ساد صمت ثقيل، ثم قالت علا بهدوء: _ممكن تدي لنفسك فرصة إنك تحاولي تتقبلي الموضوع دا؟ قطّبت هند جبينها بشدة وقالت بنبرة محتقنة: _اتقبّل الموضوع؟ تحبني نرضى نعرّس باللي اغتصبني؟ باش يمدّ يدو عليّ مرّة أخرى كأنّو ما صار شي؟ _مش هيمد إيده ولا هيلمسك يا هند... مستحيل يقدر. وهو اتعاقب في الحتة دي. _شنوة؟ ما فهمتش. حينها سردت علا ما حلّ بعصام، من تعذيب نوح له، ثم انتقام أحمد الذي أفقده أعز ما يملكه الرجل، وما تلاه من تدهور نفسي ونهاية موجعة، حتى قالت في ختام الحديث: _عصام يعتبر أخد جزاته، مش في فكرة الإصابة دي بس، لا، دا نفسيًا برضو. وإنتِ ليكي الحرية في إنك تسامحيه ولا لا... بس رغبة سعدية ياريت متتجاهليهاش. حتى لو فعلًا مش عايزة تتجوزيه، تقدري تخلي سعدية تشوفه على الأقل. ساد السكون بينهما للحظة، وتبدلت ملامح هند من الغضب الجامح إلى شيء يشبه التعاطف، وقد خفضت صوتها وقالت: _هو فعلاً عدى على كلّ هالشي؟ _أيوة... وهو دلوقتي زي ما شوفتي، تايب وبيحاول يصلّح من نفسه. أظن دخول سعدية في حياته هيساعده إنه يبقى شخص أحسن. تأملت هند كلمات علا بصمت ثقيل، وظلت تفكر بتردد قوي محاولة اتخاذ قرار. ولما لاحظت علا ذلك، قالت لها: _متستعجليش في قرارك... تقدري تقرري بعد شهر أو شهرين أو أكتر... لأنك لسه محتاجة تتعافي الأول. _إي، يبرى قبل، وبعد نشوف الموضوع... أما سعدية تصبّر. _ماشي، متقلقيش، وأنا هتكلم معاها وهقنعها.                          *********** نشرة الأخبار العاجلة – العناوين الرئيسية: لقطة مصطفى عبدالباقي تشعل مواقع التواصل الاجتماعي: ابتسامة بين ذعر الجميع، ورباط حذاء يتحول إلى رمز جدليّ. في مشهد التقطته عدسات الهواتف ونُشر خلال دقائق، ظهر القائد السابق للمقاومة المصرية ذود "مصطفى عبدالباقي" لحظة نزوله من عربة الترحيلات متجهًا إلى سجن بدر٣، محاطًا بحشود غاضبة تهتف ضده وتتهمه بالارهاب وتدينه عن مجازر سانكتوريا وتطالبه بالمحاسبة، وذلك بعد أن تسرّب موقع السجن وموعد وصوله عبر وسائل غير رسمية. وبينما كانت الجماهير تصرخ وتهاجم لفظيًا، أقدم مصطفى على تصرف أثار الريبة والذهول: وقف فجأة، وهتف بصوت عالٍ "الله أكبر" بينما في يده رباط حذائه، ما دفع العديد من المتجمهرين إلى الركض هاربين، ظنًا منهم أنه يوشك على تنفيذ عملية انتحارية ارهابية، كما ترسّخت هذه الصورة في أذهانهم بفعل الروايات المتداولة عنه. لكن ما أعقب اللحظة، كان أكثر غرابة. لم يفعل شيئًا. لم يتحرك. فقط ظل واقفًا يبتسم ابتسامة هادئة خفيفة، وسط ساحة بدأت تخلو من المهاجمين بسرعة. والتقطت احدى كاميرات الصحفيين تلك اللقطة التي وصفتها بعض وسائل الإعلام العالمية بـ"المشهد السينمائي المتقن": مصطفى وسط الفوضى، ممسكًا برباط حذائه في يد، مبتسمًا ابتسامة هادئة، ثابت النظرات، بينما تراجعت بعض الجموع راكضة. الردود الشعبية والإعلامية على المشهد انقسمت إلى معسكرين بوضوح: المؤيدون رأوا في المشهد دلالة على الصلابة النفسية والهدوء تحت الضغط، معتبرين أن مصطفى لم يُرهب أحدًا، بل فضح ما سموه "هشاشة الصورة الذهنية المسبقة". بالنسبة لهم، المشهد كان كشفًا ساخرًا عن مدى تشويه صورته، وكيف اصبح مجرد صوته أو حركة بسيطة منه كفيلًا بإثارة الرعب في نفوس من لا يعرفون الحقيقة. وآخرون اعتبروا الرباط في يده "رمزًا رماديًا" لتقييد الداخل لا الخارج، و"تفكيكًا ناعمًا للصورة النمطية عن التهديد". أما المعارضون، رأوا في المشهد تصرفًا غير مسؤول، مؤكدين أن مصطفى كان يعلم مدى التوتر المحيط به، فاعتبروا الابتسامة استفزازًا متعمدًا، وربطوا تصرفه بمحاولة ذكية لتوظيف الخوف النفسي في المشهد العام، وأن اختياره للهتاف بتلك العبارة، في ذلك السياق، لم يكن بريئًا. متهمينه بـ"التلاعب الجماهيري" و"اللعب على الرموز الدينية والمجتمعية" بشكل غير مسؤول، خصوصًا في ظرف محتقن سياسيًا وشعبيًا. البعض الاخر وصفه بـ"استعراض عبثي"، وآخرون قالوا إنه "يلعب على الحافة بين السخرية والترهيب"، ويستغل التوتر الجمعي كأداة دعائية. اللقطة نُشرت في أكثر من 40 دولة خلال ساعات، وتحوّلت إلى مادة تحليل سياسي ونفسي عبر قنوات كبرى ومنصات رقمية، بينما أصدر مكتب الإعلام الرسمي بيانًا مقتضبًا نفى فيه وجود "أي نية ترهيب أو رسالة مبطّنة" وراء سلوك مصطفى. ومع وصول اللقطة إلى منصات عالمية، تصدّر وسم "#رباط_حذاء_مصطفى" كمحتوى رائج في عدة دول عربية، بين من رآها مشهدًا يليق بالسينما، ومن رآها مرآة مخيفة لما أصبحت عليه النفوس. َومع تصدّر هذا الوسم قوائم المحتوى الرائج في عدة دول عربية، انطلقت موجة من النقاشات العميقة التي تجاوزت حدود الواقعة الفردية، لتفتح ملفًا شائكًا طالما أُغلق دون حل: العلاقة بين صورة المسلم في المخيلة الجماعية، والربط التلقائي بين رموز الإسلام والإرهاب. برز تيار فكري عميق بين صفوف المؤيدين، لم يكتف بالدفاع عن تصرف مصطفى بوصفه لحظة إنسانية أو سلوكًا ساخرًا، بل اعتبره كشفًا وجوديًا خطيرًا عن هشاشة الصورة الذهنية المرسومة للمسلمين، وخصوصًا حين تهتزّ الجموع من مجرد سماع "الله أكبر"، وهي عبارة يستخدمها الملايين في الصلاة يوميًا، لكنها غدت مرادفًا للذعر في وعي الجماهير. كتب أحد المغرّدين: "رباط حذاء جعلكم تهربون؟ فماذا فعل بكم الإعلام حتى أصبحتم ترون القنبلة في كل دعاء، والانفجار في كل تكبيرة؟" وغردت أخرى: "لم يُفجّر شيئًا، بل فجر الصمت، وجعلنا نواجه سؤالًا مريرًا: من الذي زرع فينا هذا الخوف من كلماتنا؟" كتب أحد المفكرين الشباب: "لحظة الهتاف لم تكن استعراضًا… بل كانت سؤالًا فلسفيًا صامتًا: ماذا ترى حين تنظر إلى مسلم يهتف باسم الله؟ ترى ما في قلبه، أم ما في رأسك؟ ترى إنسانًا، أم قنبلة؟ مصطفى أدار المرآة دون أن يتكلم… فارتدّ الخوف على من حمله." وصف أكاديمي متخصص في علم النفس الإجتماعي المشهد بأنه: "تجربة اجتماعية قاسية نفذها اللاوعي الجمعي، لا مصطفى. الحبل في يده لم يكن تهديدًا، بل استعارة مكثفة لسؤال: كيف تفسر ما تراه؟ بناءً على ماذا؟ ولماذا بهذا الرعب؟" اخرون قالوا: "هذا الرجل لم يكن يحمل قنبلة، بل عبء التهم التي علّقها الناس على جبهته دون محاكمة." كتب أحدهم في ختام مقال تحليلي: "مصطفى لم يهدد، بل سأل… والركض لم يكن رد فعل على ما فعله، بل على ما لم يفعله." أما الفريق المعارض، فقد وجّه انتقادات شديدة لمصطفى، معتبرين أن التصرف لا يخلو من خبثٍ متعمد، واستفزاز محسوب يلامس جراحًا حساسة في الذاكرة الجمعية. كتب أحدهم:"يعلم تمامًا ما يعنيه أن يهتف (الله أكبر) في وسط محتقن، ويعلم كيف ستُفسّر حركته... هذه ليست سخرية بريئة، بل تحريض ناعم على اللعب بالهوية." وغرد احدى الصحفيين: "نحن لا نرفض الدين، بل نرفض استخدام رموزه في مشاهد تحمل ظلال العنف. المزج بين الحبل والتكبير ليس بريئًا." ومن جزء المعرضين كان من بينهم من يؤمن بحق ان مصطفى إرهابي وانه بالفعل الجاني في مجازر سانكتوريا، وعلى رأسهم أصوات أمنية وصحفيون في الإعلام الرسمي، أطلقوا تحذيرات صارمة: مصطفى ليس نبيلاً، بل "إرهابي بارع في التلاعب بالصورة"، يعرف تمامًا كيف يصنع مشهدًا سينمائيًا يظهره كضحية بينما هو "قنبلة اجتماعية موقوتة". كتب أحد الضباط المتقاعدين: "لا تنخدعوا بابتسامته… أمثال هؤلاء لا يحملون السلاح في أيديهم، بل في عقولهم. يعرف متى يبتسم، متى يسكت، ومتى يثير الفوضى بكلمة واحدة." وغردت مقدمة برامج معروفة: "كم من الذئاب ابتسمت للكاميرا قبل أن تنهش لحمنا؟ لا تجعلوا من اللقطة فيلمًا… هذا ليس مشهدًا سينمائيًا، بل مقدمة لعودة الإرهاب بوجه ناعم." اتهمه البعض بتوظيف الدين، واستغلال الحساسية المحيطة بكلمة "الله أكبر" لخلق انقسام، بل قال أحدهم: "هذا ليس تحديًا للصورة النمطية، بل استفزاز مقصود لترسيخها… كأنه يقول: أنظروا كيف أخيفكم حتى بلا سلاح!" بين الرأيين، ظهرت أصوات ثالثة حاولت الموازنة، فاعتبرت أن المشهد "تجريبي نفسي غير مقصود"، كاشف لأزمة أكبر من مصطفى نفسه، أزمة تتعلق بهشاشة العلاقة بين الدين والإعلام، وبين الخوف والتصور. وقد كتب أحد المحللين: "ربما لم يكن مصطفى ملاكًا ولا شيطانًا، لكنه تحوّل دون أن يدري إلى مرآة... ومن ينظر في المرآة، لا يحتمل دائمًا ما يرى." في النهاية، لم تحسم الصورة الجدال، بل أشعلته. وبين من يرى في مصطفى سؤالًا فلسفيًا كاشفًا، ومن يراه مخادعًا يتقن اللعب على أوتار الخوف والهوية يظل الأمر أكبر من رجل، وأقرب إلى اختبار جماعي: ماذا ترى حين ترى مسلمًا يكبر وفي يده حبل؟                           ************ في ذلك الصباح، فتح عمر عينيه ببطء، وقد تسلّل إليه ضوء الشمس الساطع كخنجرٍ منيرٍ يخترق عتمة جفونه الرقيقة، منبعثًا من ستارة النافذة في غرفة الموظف المتواضعة، التي تقع ضمن دار الرعاية التي يعمل بها فياض. ألقى نظرة شاحبة على ما حوله، في محاولة من عينيه في أن تسجلان تفاصيل الواقع الجديد، تفصيلًا تفصيلًا، كمن يحاول فك شيفرة حلمٍ لم يفق منه بعد. ظل ساكنًا لدقائق، لا يتحرك فيه سوى أنفاسٍ مثقلة بالخذلان، يستوعب أو يحاول أن يستوعب ما خسره، وما تبدّل، ما انكسر فيه وما انكسر من حوله. لم تكن خسارته زوجته وابنه فقط هي ما تنخر قلبه الآن، بل ذاك القرار الذي نزف منه مؤخرًا دون ضماد: أن يقطع صلته بنوح. صديقه، رفيق دربه. قرار جعله يتذوق مرارة الفقد مرةً أخرى، لكنها هذه المرة مغموسة بندمٍ لاذع، لا شفاء منه. جالت عيناه المنهكتان في أرجاء الغرفة، حتى وقعتا على كرسي خشبي بجوار السرير. كان عليه ملابس جديدة مطوية بعناية، وفوقه ورقة ومفتاح سيارة معدني لامع. انعقد الحزن في صدره لحظة، ثم نهض ببطء، وتقدّم حتى أمسك بالمفتاح أولًا. لم يكن غريبًا عليه... بل كان مفتاح سيارته، التي ظنّ أنه خسرها هي أيضًا، كما خسر أشياء أخرى كثيرة. مدّ يده إلى الورقة، وقرأ بتمعّن: <دي هدوم جديدة ليك تقدر تروح بيها شغلك، وعربيتك رجعتلك سليمة، هتلاقيها مركونة قدام الدار. وشوف في جيب البنطلون، هتلاقي فلوس، متشيلش همهم، ابقى رجعهملي وقت ما تحب. وبخصوص حوار الشقة، هشوفلك غيرها قريب إن شاء الله. وربنا يعوضك ويصبرك يا رب.> ابتسم عمر ابتسامة باهتة، امتزجت فيها الدهشة بالامتنان؛ فهو لم يتوقع كل هذا الكرم الصامت من فياض، وهذا الحنو النبيل، وهذا الحضور الخفيف الذي لا يطلب شيئًا في المقابل. يبدو حقًا أن فياض من أولئك القادرين على تضميد القلوب من دون أن يلمسوها. مدّ يده إلى جيب البنطال، كما أوصته الرسالة، ليجد فيه حزمة مالٍ مرتبة بعناية، كانت خمسة آلاف جنيه. لم يكن المبلغ صغيرًا، بل بدا له أكثر مما يحتمل في لحظته الراهنة. حدق فيهم طويلًا، كأنما يزن ثقلها المعنوي لا المادي ثم ارجعهم لجيبه مجددًا. بعد أن دخل الحمام وانتهى منه، ارتدى ملابسه الجديدة، التي كانت تناسبه تمامًا كأنها قد فُصّلت له خصيصًا، وانتعل الحذاء النظيف. أمسك بالمفتاح والورقة، وهمّ بالخروج، لكن قبل أن يبلغ الباب، دسّ يده في جيب آخر من البنطال، ليجد بطاقته الشخصية، وبطاقته الائتمانية، ومحفظته الصغيرة أيضًا، كما كانت دائمًا. توقف لحظة، تأمل المال في جيبه، وتساءل بدهشةٍ صامتة: إن كانت كل حاجياته قد عادت إليه... فما جدوى الخمسة آلاف إذًا؟ خرج عمر من غرفته، يسير بخطى متأنية يختلط فيها الإرهاق بالامتنان، واتجه صوب مكتب فياض. وقف أمام الباب، وطرقه بهدوء أولًا، ثم أعاد الطرق مرة تلو الأخرى، ولكن لم تأته أي استجابة. استدار وبعينين حائرتين التقط أحد الموظفين الشباب في الممر وسأله: _هو أستاذ فياض في مكتبه ولا فين؟ أجابه الموظف: _لا، أستاذ فياض مجاش النهارده خالص. سكت عمر في حيرة ثم قال برغبة وامتنان قوي في عينيه: _أنا بس حبيت أرجعله الفلوس دي وأشكره عليها وعلى الهدوم. _لا حضرتك، مش هو اللي جاب الحاجات دي. انعقد حاجباه بشكل طفيف، وقال متعجبًا: _أومال مين؟ _كانت آنسة دخلت وفي إيدها الهدوم ومفتاح العربية والورقة دي، ووصتنا نحطهم عندك، وإن دول ليك يعني. اشتدت حيرة عمر وأكمل في أسئلته: _متعرفش هي مين؟ _اللي أعرفه إنها كانت بتيجي لأستاذ فياض عشان تعالج ابنها، أعرفها شكلًا بصراحة، بس كهوية لا... معرفش. حتى لما سألتها، رفضت تقول اسمها. _طب اوصفهالي كده... أصل مينفعش آخد الفلوس كده ومرجعهاش. ساد صمت قصير بينما غرق الموظف في محاولات التذكر، ثم قال أخيرًا: _كانت ما شاء الله، واضح عليها إنها شخصية مهمة وغنية، محجبة وجميلة كده، وبيبقى معاها كلاب حراسة دايمًا. ظل عمر صامتًا، وقد ارتسمت على وجهه ملامح من الحيرة والذهول والامتنان المتداخلين. لم يعرف من تكون، لكن يبدو أنها آثرت أن تظل مجهولة، لا تنتظر شكرًا ولا عرفانًا. وحده كرمها هو ما تحدّث عنها، نُبلها في التخفي، وكأنها رمز للصلاح عابر اختار أن يغرس أثره دون أن يُبصره أحد. لم يعلم عمر من هي، واستسلم لجهله، فأومأ برأسه شاكرًا للموظف، ثم استدار يغالب في صدره موجة تأملٍ ثقيلة. مضى خارج الدار، وفي يده المفتاح، ضغط على زرّه الصغير، فدوّى صوت القفل الإلكتروني على بُعد أمتار، كأن السيارة تردّ عليه النداء بنداء. اقترب منها، نظر إليها للحظة، ليتأكد أنها حقًا عادت إليه، فتح الباب، وجلس في مقعده، ثم أدار المحرك، وانطلق، وقد عقد في قرارة نفسه عهدًا: سيذهب إلى عمله، يؤدي ما عليه، ثم يقصد قبر شيماء، يحدّثها بصمتٍ عن كل ما فاتهما ويدعو لها ولابنهما، ثم يزور أهلها، ليعزّيهم ويستمد منهم بعض العزاء، علّ اللقاء في الحزن يخفف من غربته العاطفية. كان في صدره شعور عظيم بالرغبة في الشكر... وبدأ في شكر الله عز وجل، المسبب لكل ذلك، المُعزّ والمُذلّ. بعد ساعة، وصل إلى المستشفى التي يعمل بها، ولقى تعازي ودعوات من أصدقائه في العمل، وحتى مدير المستشفى قال له ألا يهلك نفسه بالعمل، وسمح له بإجازات، ولكن عمر رفض. عاد إلى مكتبه وبدأ عمله بضعَ ساعات، حتى أتاه خبر من أحد الموظفين: _دكتور عمر، في واحدة عايزة تشوف حضرتك. تأهّب عمر لظنه أن تلك هي من أعطته المال، فنهض بسرعة وهو يقول: _آه، أنا مستنيها، وديني ليها لو سمحت. خرج عمر ودلّه الموظف على مكان من تنتظره، وما إن وصل إلى مقعد محدد في الحديقة حتى توقّف مشدوهًا، كابحًا ذهوله؛ فمن رآه كانت عبير، أخته، والتي لم يرها لسنين... فور أن رأته عبير، نهضت له كمن انتظرت هذه اللحظة عمرًا. تركهم الموظف، بعدها تقدم عمر بخطوات بطيئة وهو يتأملها، والزمن يتمزق داخله كشريط قديم يُعاد تشغيله فجأة، لكن دون صوت، دون تحكُّم. وجهها لم يتبدل كثيرًا، ملامحها ذاتها، لكنها مغطاة بطبقة من الحزن النبيل، كالتي نجت من حرائق العمر، لكن الدخان ما زال حولها. تأمل عمر عينيها.. هما نفس العينين اللتين ودّعته ليلتها عند تخوم الليل، حين أسلمته للهروب وأوصته بأن ينجو حتى لو لم يعد. كان داخله صراع، تشابك فيه الذنب بالامتنان، والخوف بالشوق، والانفصال بالرغبة في العناق. أراد أن يركض نحوها ويحتضنها كمن وجد أمّه بعد ضياعٍ طويل، لكنه أيضًا أراد أن يهرب، أن يختبئ تحت جلده من فيضان الذكريات. أحس أن وجودها أمامه يدكّ كل الجدران التي شيدها حول قلبه، كي لا ينهار، كي لا يُفتضح ضعفه. لقد تآمر على صورتها في ذاكرته لسنين، طمسها، وأعاد تشكيلها كذكرى باهتة كي يتحمّل الحياة دونها، وها هي الآن، بكل وضوحها، بكل دفئها وملامحها، تبعثر استقراره. لم تبكِ عبير، لكن عينيها امتلأتا بتلك اللمعة التي تسبق انكسار الماء من السدود. فيها حنان الأم، ودهشة اللقاء، وأسف العمر الذي مرَّ دون سؤال، دون رسالة، دون وداعٍ أخير. _ازيك يا ضي... يا عمر. _الحمد لله... مدّ عمر يده لها لتجلس في صمت يحمل ألف معنى. وجلس بجانبها، وبينهما هواء مشبع بالتاريخ، وجمر الكلام الذي لم يُقَل بعد. قالت عبير بنبرة يغلفها الحزن العميق: _البقاء والدوام لله، ربنا يصبّرك يا حبيبي ويعوّضك خير يا رب... الحادثة بشعة، وحقها مش هيضيع بإذن الله. أومأ عمر برأسه في صمت وصبر، ولم يسعفه لسانه بقول شيء آخر سوى شكرٍ مبحوح: _شكرًا يا عبير... فرج مجاش معاكي ليه؟ سكنت ملامح عبير، وتسللت إلى عينيها مرارة دفينة، ثم قالت بعد لحظة خرساء: _الله يرحمه. أغمض عمر عينيه بأسى، حركة تشبه سدًّا داخليًا يكبح انحدار الدموع. أومأ برأسه مجددًا، ثم فتح عينيه محاولًا التماس بعض الخفة في الجو: _شكرًا على المساعدة الجميلة دي... وأنا مش محتاجها بجد... أخرج من جيبه خمسة آلاف جنيه، ثم قال مازحًا: _أومال فين كلاب الحراسة يعني؟ نظرت إليه عبير بتعجبٍ صادق، وكأنها لم تفهم المقصود: _كلاب حراسة إيه؟ ناولها عمر المال وهو يقول بنبرة جادة تحمل شيئًا من الالتباس: _مش دي فلوسك؟ انتِ ادتيني الفلوس والهدوم دي، والموظف حكالي إن معاكي كلاب حراسة. احتارت عبير، وقالت بنبرة صادقة: _أنا مديتكش حاجة يا عمر... وبعدين كلاب حراسة إيه؟ أنا بخاف من القطط! ساد الصمت للحظة، وتهيع خافت ارتسم على وجه عمر، ثم عاد ودسّ النقود في جيبه مجددًا وقال، وعيناه تائهتان في مكان لا يُرى: _أومال مين اللي إدالي كل ده؟ ابتسمت عبير، ابتسامة دافئة تحمل في طياتها تطييبًا للخاطر: _توقع أي حد... حبايبك كتير. ارتسمت على وجه عمر ابتسامة باهتة، نصفها حسرة ونصفها خيبة: _معادش ليا حبايب خلاص يا عبير... حبايب إيه بس... غاص في لحظة صمت، وهو ينقّب في داخله عن شيء ضائع، ثم قال فجأة، بصوت هادئ يحمل شيئًا من الفضول القديم: _على سيرة الحبايب... إخواتك وأبوكي عاملين إيه؟ ابتسمت عبير ابتسامة ساخرة باهتة، ثم قالت: _أختك بتبعتلي أخبارهم... اخواتك منهم واحد اتقتل، والتاني اتسجن. _بس؟ والباقي محصلهمش حاجة؟ ضحكت عبير، ضحكة مزيج بين الذكرى والتهكم، فضحك عمر بدوره، قبل أن يسأل: _مين بقى؟ وعملوا إيه؟ قالت عبير، ونبرة التهكم تتسلل إلى صوتها تحاول منها أن تروّض الألم بحكاية: _أحمد وخليل، الاتنين هتكوا عرض معزة لحد ما ماتت. واحد اتلفقتله التهمة واتحبس، والتاني خليل طلع منها، بس صاحب المعزة كان متعصب أوي فقتله. غالبًا خليل كان يتمنى يعمل كدة بنت الراجل ده بدل المعزة... لأنه وقتها الراجل كان هيقتل بنته مش هيقتله هو! ابتسم عمر من هذه الكوميديا السوداء، ابتسامة تُخفي وجعًا أعمق مما يُقال: _طبيعي يشوفوا المعيز أهم من بناتهم... ساد صمت ثقيل بعد تلك الجملة، ذابت فيه الضحكات، وارتدت إلى صدر عمر الذكريات كجمرٍ يُشعل الجوف. اختفت ابتسامته تدريجيًا، وشريط الماضي قد انطلق من تلقاء نفسه، يعرض أمام عينيه الاتهامات، والشتائم، والنبذ، والتشكيك له ولوالدته. شعر بشوكة صاعدة، تمتد من معدته مرورًا بقلبه، حتى تصل إلى حلقه، وتسدّ أنفاسه. لم تكن شوكة ندم، بل شوكة شكّ. ابتلع ريقه، وقال بصوت خافت مبحوح: _عبير، أنا عايز أسأل سؤال بجد... وخليه جوابك مختصر بقدر الإمكان... هو أنا... ابن أبويا فعلًا؟ نظرت إليه عبير بدهشة وقلق، فاردف هو، وصوته مرتجف، وعيناه تفيض رجاءً: _أنا مش هشُك في شرفها... بس هو ممكن يكون حصلها حاجة من حد تاني؟ وأنا نتاج الحادثة دي؟ تنهدت عبير في ضيق، كأن السؤال أعادها إلى جرح قديم لم يلتئم بعد، ثم أخرجت هاتفها، وفتحت صورة قديمة التُقطت بعدسة مهترئة، لكنها واضحة كفاية... شاب أبيض البشرة، وسيم، ملامحه أوروبية... يكاد يكون نسخةً من عمر. ناولته الهاتف وقالت: _عارف ده مين؟ _مين؟ _ده جد أبوك. بعد ما هربنا أنا وإنت وفرج، روحنا لعمنا، وورّانا الصورة دي. وتعرف الحاجة العبثية؟ إن أبوك قتل أمك، وكان عايز يقتلك بسبب جينات عيلته هو! متخليش أي حاجة تخليك تشك في أعز ما تملك يا عمر... ظل عمر ينظر إلى الصورة، وقد بدا له أن ملامحه، لأول مرة منذ سنين، تجد لها موضعًا على خارطة الأنساب... لكن أكثر ما وجده في تلك اللحظة لم يكن نسبًا ولا يقينًا، بل ظلًا من السلام يتسلل إلى صدره، وأخيرًا قد استراح من مطاردة الشك، وتلك الشوكة التي غرزها الشك في صدره انحلت أخيرًا. وسيأخذ عمر هذه الحقيقة كدلالة على أنه لن يعود يبحث عن ماضٍ يبرّر الحاضر، ولا عن إجابة تسكن الريح. قرر، في صمت داخلي، أن يحمل تلك الفوضى التي مرّ بها من ماضيه مع نوح وأدهم مرورًا بموت شيماء، سيحملها كلها على ظهره، كعلامة نضوج واستمرار. فلم يكن عمر ناجيًا فقط، بل شاهدًا على نفسه، على نجاته المتعددة، على شقوقه التي لن تُرمم تمامًا، لكنها ستضيء في الظلمة. وسيمضي، متجاوزًا، عازمًا، وإنسانًا يعيد تكوين روحه، كما ينبغي أن تكون. -------------------------- *بعتذر عن التأخير واللغبطة في الفصول برضو والجزء التاني من الفصل دا هينزل قريب إن شاء الله*

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة