٥٢ بينما كانت غادة متشبثةً بحضنه نائمةً، تحدثت إليه عن كل ما يثقل قلبها من غم، إلى أن نظرت إليه وقالت: _نوح... ما تسمعني الموسيقى اللي عزفتها لي قبل كده؟ تبسّم نوح وهو يقول بعدما أعطاها قبلة: _من عيني يا حبيبة قلبي. نهض نوح وأخرج الكمان من خزانته وبدأ في عزف المعزوفة، وغادة تحدق فيه بإعجاب متلذذة بسماعها. بعدها سمعت تصفيقًا حارًا وصوت طفلة صغيرة تهتف بمرح: _الله! بجد يا نوح، بقيت شاطر أوي أوي! فتح نوح جفونه ليجد نفسه في صالة بيت لا يعرفه. أمامه طفلة ذات وجه يكسوه النمش، صاحبة بشرة قمحية، وعيون عسليتان، وشعر بني مموج، تبلغ من العمر تسع سنوات تقريبًا، تحدق فيه بعينيها المتسعتين من الحماس والدهشة. _فيه نوتات فلتت منك، بس واضح أن فيه تقدم. التفت نوح لمصدر الصوت ليجد خاله واقفًا بجانبه، مردفًا: _يلا، اجهز بقى عشان نجلاء عايزة تنزل البحر. قالت نجلاء، قاطبةً حاجبيها: _إيه دا، مش هتيجي معانا؟ _شوية يا حبيبتي، مش دلوقتي. هكلم عمتك في موضوع كده، وهجيلكم. ظل نوح، البالغ من العمر خمس عشرة عامًا، واقفًا يحدق فيهما وقد أخرسته الحيرة الشديدة من قفزة الزمكان الخارقة تلك. يلتفت حوله وعلم من المشهد المطل من شرفة الصالة أنهم في مدينة ساحلية للتنزه. وحين لاحظ وائل تبلد نوح، قال له: _مالك يا لا؟ _م.. مفيش. _طب يلا، اجهز والبس هدومك، البت مستنياك. نظر نوح لنجلاء الطفلة ووجدها بالفعل مرتدية ملابس سباحة، ثم سمع أم نجلاء وهي تخرج من المطبخ: _يلا يا نوح، أنا جهزت الأكل اللي هناخده، فاضل بس تتغير، يلا. اتجه نوح لممر الغرف وهو لا يعلم أي غرفة هي غرفته. _أنا أوضتي أنهي فيهم؟ _يالهوي يا نوح! انت هتفضل تنسى كده كتير؟ اللي على اليمين يا حبيبي. _ه.. هو أنا بنسى كتير؟ قالت نجلاء: _أه، بقيت بتنسى كتير أوي. قالت أمها: _شد حيلك بقى عشان السنة الجاية هتبقى تالتة إعدادي، لو هتفضل تنسى كده مش هتطلع منها. استقبل حديثهم بصمت، فمن حيرته لا يعرف ما الرد المناسب لهذا الموقف. دخل الغرفة ونظر إلى المرآة ليرى وجهه الصغير اليافع وهو في معية الصبا، قبل الهالات السوداء وتجاعيد الإرهاق واللحية المتناثر فيها الشعيرات البيضاء. كانت صدمته مكتومة لأقصى حد وهو يحدق في وجهه في هذا السن بعدما اعتاد على وجهه العجوز المرهق. بدأ يفكر بعمق عن سبب وجوده هنا، وأي نوع من الهلاوس تلك؟ ما سر تلك المعزوفة؟ لماذا كلما يعزفها يحدث شيء غريب؟ ها هو قد عاد للماضي ولا يعرف كيف ستكون العودة. ولكن ما جعله لا يتذمر ويهرع باحثًا عن العودة، أنه عاد للماضي الذي لطالما حاول تذكره، فتلك فرصته لتذكر كل ما نساه وأصبح يجهله. ارتدى ملابسه وخرج من غرفته، وفي تلك اللحظة سمع صوت وائل يتهامس في غرفته. اقترب نوح وهو يرهف السمع: _متقلقيش يا ليلى... لا، لا، نوح مش هياخد باله، متقلقيش، انتِ عارفة عقله مش بيركز في أي حاجة... حين كان نوح يرهف السمع مميلًا بجسده للباب، فقد توازنه وانزلق ليضرب وجهه بالباب ضربة قوية أوقفت وائل عن التحدث لدى سماعها، وقال: _هبقى أكلمك بعدين... سلام. اتجه وائل للباب وفتحه ليجد نوح ممسكًا بأنفه وهو يئن متألمًا، ووائل يحملق فيه بتبرم ليضحك نوح بارتباك. وحين ضحك نوح ضحكته تلك، ابتسم وائل تلقائيًا وهو يقول: _كنت بتتصنت عليا، صح؟ قول قول، مهي مش أول مرة. _والله؟ إذا كان كده... أه كنت بتصنت عليه. ضربه وائل على رأسه ممازحًا وهو يقول: _غبي، انت مكنتش بتعمل كده، بس قولت كده عشان تقع بلسانك وتعترف. ضحك نوح ضحكة مرتجفة وهو يتألم من ضرب خاله ليقول: _طب قولي كنت بتتكلم عن إيه مع ماما؟ _مالكش دعوة. _لا، ليا دعوة، عايز أعرف، دي أمي ولازم أعرف عنها كل حاجة، أنا مش عيل صغير عشان تخبي عني حاجة. صمت وائل وطال صمته كما لو كان يحاول اختراع تُرَّهة يُسكت بها نوح. _أمك تعبانة شوية، عشان كده هنرجع النهاردة من المصيف. _تعبانة مالها؟ ليه مبتقوليش على طول طيب لو هي تعبانة عادي؟ مخبي عني إيه؟ زفر وائل وقال: _مش من عادتك تسأل كتير كده... مش لازم كل حاجة يبقى ليها سبب مقنع ليك يا نوح. لو فضلت تدور على سبب منطقي في كل حاجة في الحياة مش هتلاقي وهتتجنن، ونهايتك هتبقى المصحة النفسية، ماشي يا حبيبي؟ بطل تسأل كتير. أغلق وائل الباب تاركًا نوح في تجمد من رده الجاف، لتقول أم نجلاء التي سمعت حوارهما: _معلش يا حبيبي، خالك مزاجه وحش شوية النهاردة. تنهد نوح وخرج للصالة، وفي تلك اللحظة لمح بفراشة كبيرة زرقاء يتقلب لونها بين الأزرق والبنفسجي، واقفة على الشرفة، وفور أن وقعت عيناه عليها، طارت بعيدًا. أخذ نوح بيد نجلاء وخرج معها، وأمها تتبعهما. وصلوا للبحر وظهر على نجلاء المرح والحماس الطفولي اللطيف في اللعب بالرمال، وتشبثها في ظهره لكي يسبحا سويًا. كان ابتهاجها معديًا، فكان يلعب معها بحماس وبألفة شديدة. رغم نسيانه لذكرياته معها، لكن يبدو أن كان بينهما صداقة عميقة وترابطهم ببعضهم قوي، يظهر ذلك في لغة حوارهما سويًا، لعبهما الممتع، ومزاحهما المريح. وقد وُلدت نجلاء وعاشت طفولتها وهي ترى نوح دائمًا حاضرًا في كل مواقف حياتها وذكرياتها، وقد خطط والديهما ألا يفترقا أبدًا، حيث جعلاهما في مدرسة واحدة تجمع الابتدائية والإعدادية والثانوية، وجعلت كل النزهات الممتعة تكون بينهما، وحتى تدريبهما على رياضة محددة كانا سويًا. بينما كانت أم نجلاء جالسة على الشاطئ تشاهد نوحًا يلعب مع نجلاء في البحر، يسبح بها ويحملها ويرش على وجهها الماء، كذلك هي، أتى وائل وجلس مع زوجته، وهو يقول لها: _جهزت حاجتنا عشان نرجع النهاردة؟ _ليلى مالها؟ صمت وائل برهة ثم قال: _مالهاش، أصل جوزها كان معاها الكام يوم دول... ممكن نرجع نشوفه. _بجد؟! أنا كنت مفكراه مات. أخيرًا نوح هيشوف أبوه. بعد مرور ساعات، قرب المغرب، يقود وائل سيارته بجانبه زوجته، وخلفهما نوح محدقًا في الطريق من النافذة، بينما كانت نجلاء متوسدة فخذيه نائمة بعمق بعد أن أنهكها اللعب. كان نوح جالسًا لا يطيق شوقًا لأن يعود ويرى أمه، فهو الآن أصبح ينتهز هلاوسه في البحث عنها للاعتذار منها لا أكثر، أن يبوح لها ما أراد البوح به بعد مماتها، ليقر عينيه وينتهي شعور الذنب الذي ينهش قلبه. _عرفت يا نوح إن أبوك هناك؟ هترجع تقابله؟ اختفت ابتسامته فور أن سمع ذلك من خاله، وهو يقول: _يعني إيه؟ _هو إيه اللي يعني إيه؟ هتشوف أبوك. مالك وشك قلب ألوان كده ليه؟ _أ.. أصل عمري ما شوفته. _لا، شوفته بس كنت خمس سنين، أكيد متفتكرش. _ه.. هو كل عشر سنين بييجي ولا إيه؟ _أه، أه. نعم، لقد قال هذا لغادة إنه قد رأى والده وهو في سن الخامسة من قبل، قبل أن يعلم بأمور أدهم، ولكنه لا يتذكر كيف كان شكله وكيف كان اللقاء بينهما. لم يتوقع أنه قد يراه مجددًا في هذا السفر، فهو لا يتذكر أبدًا. هل سيرى أدهم حقًا؟ فور أن وصلوا إلى العمارة، صعدت كل من نجلاء وأمها أولًا ومعهما بعض الحقائب، وأثناء انتظار وائل ونوح عودة المصعد، رأى نوح تلك الفراشة الزرقاء البنفسجية تحوم حوله وتستقر على كتف أحدهم الذي وقف بجانبهم. ظل نوح يحدق في ذلك الرجل وهيئته المقبضة، رغم أنها عادية، ولكن ما كان يميزه هي نظاراته الطبية اللامعة. صاحب بشرة قمحية، عظمة وجنتاه حاجظتان، وعيونه خضراء ناعسة، وشعره أسود مموج، يرتدي سترة ومعلقًا على ذراعه معطفًا أبيض خاصًا بالأطباء أو العلماء، وبيده حقيبة. دخلوا ثلاثة المصعد، ونوح لا يزيح بصره أبدًا عن الرجل ولا عن تلك الفراشة التي على كتفه. ما جعل الأمر مُلغزًا أن وائل لم يلق عليه السلام أبدًا ولم يدور بينهما أي حوار قصير قد يدور بين الجيران. رن هاتف الرجل ليخرجه ويرد ردًا بسيطًا وقصيرًا: _أه، هي تمام، خليكوا زي ما أنتم. فور أن سمع نوح صوت هذا الرجل اقشعر بدنه وانتصبت شعيراته فور أن تذكر ذلك الصوت، صوت هذا الرجل هو الصوت ذاته الذي طالما سمعه كلما يدخل في حالة الهلاوس وهو يردد له تلك الجمل: "ليه كل ده ميطلعش وهم؟"، "متقلقش، كل دا وهم، كل دا وهم، أنت لسة في المصحة، اهدى"، "ده مكانك الحقيقي، متحاولش ترجع منه". لما كان صوت هذا الرجل يتردد في ذهنه؟ من هذا الرجل؟ وصل المصعد إلى الطابق الذي كان قبل طابق نوح، وخرج ذلك الرجل، والفراشة تتبعه، ليخرج نوح بتلقائية ليرى أين سيذهب ذلك الرجل، واتجه للشقة التي كانت تحت شقة نوح تمامًا. _نوح.. رايح فين؟ عاد نوح للمصعد وهو يقول: _هو انت شفت الراجل دا؟ _أه.. مالة؟ _شكله مش مريح، حتى أنا حسيتك مرتاحتش معاه. _لا، الفكرة مش كده، الفكرة إن الراجل دا من ساعة ما سكن هنا وهو مبيحبش يكلم حد ولا يتواصل مع حد، ولو حد سلم عليه، مبيردش السلام... فسايبينه في حاله. وصلوا للطابق وطرقوا الباب ليفتح إليهم ذلك الأب، وفور أن دخل نوح ورأى ذلك المدعو والده شعر أنه سيجن، فهيئته الخارجية... كانت تمامًا كهيئة نور الصاوي، فقط ما يختلف هي الملامح واللحية والشعر. كان الرجل يرتدي ملابس شتوية في الصيف، وشاح حول عنقه، لا لحية لديه كالصاوي، شعره مموج ناعم ليس مجعدًا كالصاوي، ولكن النظارات الملونة ذاتها... لم يفهم نوح ما الذي تراه عيناه، ملامح هذا الرجل لم تكن قريبة من ملامح أدهم أو الصاوي من الأساس، من هذا الرجل؟ احتضنه الرجل بشدة وهو يقول: _عامل إيه يا حبيبي، واحشني أوي يا نن عيني. ظل نوح يحملق فيه بارتباك ليردف الرجل: _حقك تبصلي البصة دي، مش هلومك يا حبيبي. قبل جبهته وجلسوا سويًا بضعة دقائق ونوح يحدق في غرفة أمه، يهز ساقيه من التفكير المفرط فيما رآه وينتظر قدوم أمه كذلك، إلى أن استأذنهم واتجه بسرعة لغرفة أمه. _ماما؟ لم يراها، ولكنه لمح حاسوبها قيد التشغيل، فاتجه إليه وجلس أمامه، وفور أن حرك الفأرة أنارت الشاشة على مقال عنوانه (Gliese 12b The Super Earth). مما لحظ قراءته من هذا المقال هو أن هذا الكوكب تم اكتشافه سنة ٢٠٢٤، وهو شبيه بالأرض، غلافه الجوي وحجمه تمامًا ككوكب الزهرة، ويوجد احتمالات واردة بأن توجد حياة على هذا الكوكب. فجأة سمع نوح أصوات بكاء وعويل بالخارج في الصالة، قبض قلبه ونهض مسرعًا وفتح الباب ليجد أمامه نساءً يكسيهن السواد، والصالة ذاتها لم تكن صالة بيت منزله، رأى نجلاء تركض إليه وتضرب بجسدها لعنقه، وتشتد تمسكها بحضنه وهي تصيح باكية، بادلها العناق بملامحه مذعورة وقلقة وقد تنبأ أن هذا مشهد من عزاء وائل. بطريقة ما قد مات وائل. _أنا عايزة بابا يا نوح، أنا عايزة بابا. ظل يواسيها إلى أن أتت أمها لتعانقها وتهدئها بينما تبكي هي أيضًا، ويعود ويرى الفراشة ذاتها متجهة لإحدى الغرف، وبشكل لا إرادي تقدم نوح وتابعها، إلى أن وصل لغرفة بابها مفتوح جزئيًا، يسمع صوت امرأة تردد همسًا بصوت مرتجف باكية: _أنا السبب... أنا السبب... أنا السبب. كان صوت أمه، ليضع يده على الباب ويدفع الباب بسرعة ليراها أخيرًا. ولكن في تلك اللحظة، دبَّ صوت جرس عالٍ جعل الصوت في عينيه يشتد بياضًا. وحين وضحت الرؤية أخيرًا، وجد نفسه واقفًا في الفصل، وطلاب الثانوية أمامه ينهضون للخروج. _رايحين فين؟ _الفسحة يا مستر. استوعب نوح أنه عاد إلى الوقت الحاضر بعدما قفز قفزة زمنية مجددًا. كان منذ دقائق يعزف المعزوفة لغادة في غرفتهما على منتصف الليل، وها هو في صباح اليوم التالي واقفًا في مدرسته. تنهد نوح وهو يحك عينيه بأنامله مجهدًا من كل هذه الخزعبلات، وخرج من الفصل مقصده أن يرى نور ويتحدث معه. في الساحة، تقدم نور الصاوي إلى إحدى الفتيات الجالسات وحدها، ويطغى على ملامحها العبوس والنكد. _مالك؟ بقالي كام يوم بلاحظ إنك بتقعدي لوحدك كده. _م.. مفيش. _قولي يا حبيبتي، في حد مضايقك؟ _أنا جايه جديدة المدرسة... والبنات بيتنمروا عليا عشان جسمي. نظر نور لجسد تلك الطالبة، والذي كان سمينًا بعض الشيء، لتخرج ضحكة قصيرة ساخرًا. _ما عندهم حق. نظرت الطالبة إليه وقالت: _أنا قولت كده برضو، واضح إن وجودي مالوش لازمة هنا... شكلي مستحقش حاجة لمجرد إن شكلي مش على مزاجهم. _آه، فعلاً. مفكرتيش تنتحري؟ _فكرت كتير. _طب مستنية إيه؟ ما تخلصي وتنتحري. فجأة، أتت ضربة قوية في مؤخرة رأسه أسقطت نظارته، وسمع نوح وهو يقول: _أنت بتقول إيه للعيال يا معتوه أنت؟ وضع نور يده على رأسه وهو يتألم، ويلتقط نظاراته ويرتديها، ويقول: _إيه يا عم في إيه؟ نظر نوح للطالبة وهو يقول لها: _سيبك منه دا مجنون وأهبل، قوليلي مين اللي بيضايقك وأنا هتعامل معاه. قالت الطالبة بنبرة يأس وتعاسة: _لا... خلاص، شكرًا يا مستر. ونهض تاركًا إياهم ليقف نور أمام نوح وهو يقول: _ينفع كده تضربني قدام البت؟ طب وبرستيجي يعني؟ _بتقول للبنت تنتحر؟ أنت مختل يالا؟ _آه. زفر نوح بنفاذ صبر ليُردف نور: _وريني بقى نتائج التحاليل. _تحاليل إيه؟ _مش قولتلي امبارح إنك عملت تحليل الـ DNA بتاعي أنا والمسخ التاني دا وهتجيبه النهاردة؟ _امبارح؟ شعر نوح بالشك، ودون إطالة الجدل معه، أخرج هاتفه ليرى التاريخ. لم تمر ساعات، بل مر يومان... يومان كاملان. تجمد نظره على هاتفه، وحاول أن يلملم شتات عقله المتضارب ومشاعره التي تكاد أن تفقد السيطرة. ثم فتح حقيبته ليجد بالفعل نتائج التحاليل، ليقول نوح: _طيب تعالى معايا. ذهبا إلى فصل فارغ، وأخرج الورقتين ليكتشف أن كلاهما تطابقت جيناتهما. كلاهما أخوان لنوح، ليقول نور مصدومًا: _مستحيل... _طلعتوا أنتوا الاتنين ولاد أدهم. _مستحيل. _يا عم عادي، تلاقيه مخلف عشرين غيرنا أصلًا، هو حد يقدر يوقفه؟ _لا، أدهم مخلف سبعة مش أكتر ولا أقل! ظل نوح يحدق في نور وهو يتأمل مظهره، ليقول: _نور، هو أنت لابس كده ليه؟ يعني النضارة والكوفية دي واحنا في الخريف، أصلاً الجو مش سقعة أوي لسة. ابتسم نور وقال: _دا كان ستايل البروفيسور زمان. _بروفيسور مين؟ _يوسف أمام. كل صوره وهو صغير من أكتر من عشرين سنة كده هتلاقيه بيلبس كده دايمًا. أخرج نور هاتفه وأخرج صورة ليوسف أمام مع ليلى وسردار. كان يوسف يرتدي تمامًا كما يرتدي نور. _الصورة دي مش موجودة على النت، بس أمك معاهم أهي. ظل نوح يحدق في وجه أمه الجميل بأعين لامعة تفيض بالشوق والمحبة، ولكن تغيرت ملامحه فور أن نظر إلى وجه سردار. إنه الرجل ذاته الذي رآه في المصعد آنذاك. _ه... هو مين دا؟ _دا سردار شاهين، جد أخوك سليم، وهو سبب كل المصايب اللي بتحصلكم عشانه مهووس بعيال ادهم وهو اللي قتل أمهاتكم وعايز يقتلكم أو ياخدكم عشان تبقوا أسلحته البشرية وهو اللي مجند نور الديب عشان يدمر الدنيا بميلشيات ادهم وياخد عيال عصام، ورئيس لأقوى عصابة في العالم. _هو فين دلوقتي؟ _ بيتقال إنه مات... ولكن دا مستحيل. أنا قلت لديميت، أم سليم أخوك، تبقى تدور عليه كويس. ************ ~يعني إيه مش هتستخدم القوة تاني؟ _مش هستخدمها يعني مش هستخدمها. نظر مصطفى إلى المرآة أثناء وجوده في حمام الشركة، وهو يوجه حديثه لإلسيوم ليقول السيوم له: ~إيه مبررك للقرار الأهبل دا؟ كاد أن يتحدث ليجد أحدهم يدخل الحمام، ليخرج مصطفى هاتفه متدعيًا التحدث في الهاتف. _أنت مشوفتش عملت إيه؟ أنا لو موقفتهاش كنت دمرت الدنيا. ~أيوة يا ذكي، ما دي قدرتك تقدر تتحكم فيها. ببساطة، لو مش عايزها تدمر الدنيا، متخليهاش تدمر الدنيا. _الموضوع مش مريح، ومتاكد إنه حرام أصلاً. ~حرام؟ وانت افتيت بالفتوى دي منين؟ خرج مصطفى من الحمام وهو يسير في ممر الشركة متدعيًا التحدث في الهاتف. _من نفسي، ما هو أنا لو لقيت الحكم اللي قالوه الأئمة الأربعة أو السلف أو التابعين عن امتلاك قوة خارقة تتحكم منها في الحاجات اللي ما بيحكمش فيها غير ربنا عز وجل، كنت طلعتهم والله واستدليت بيهم. بس بما إنه مفيش حد في العالم أصلاً حصله كده عشان يطلعوا الحكم دا، فأنا هرتجل الحكم وأقول إنه لا يجوز. ~أنت حرفيًا أنقذت حياتك وحياة صحابك بيها. _ربنا اللي أنقذنا، مش أنا. ~ما هو بإذنه هو. _الحجة دي بيستخدموها الدجالين... وأنا مش دجال. ~يا غبي، إحنا كنا كده في كوكبنا. _نظام كوكبكم غير نظام كوكبنا. ~عرفت دلوقتي مايا ليه قال إن دماغكم جزمة قديمة، رغم إنكم أذكى خلق الله في الدنيا... المفروض يعني. وصل مصطفى إلى المصعد ليجد موريس واقفًا في انتظاره، ليقول مصطفى لهاتفه: _خلاص بقى سلام، ياريت متكلمنيش دلوقتي لو سمحت. دس الهاتف في جيبه وسلم على موريس، فرد موريس السلام. وأثناء انتظارهم للمصعد، رأى أحد الموظفين يتعدى بالضرب على أحد عمال النظافة، حيث ضربه على رأسه ضربة قوية ثم سبه. استشاط مصطفى من هذا المشهد المنفر واتجه مسرعًا وهو يقول: _إيه يا أستاذ اللي بتعمله في الواد دا، اتقِ الله. نظر إليه الموظف وبعض الموظفين الآخرين الذين كانوا معه في الطابق، وبدأوا في الضحك الخافت ساخرين من مصطفى. تعجب بشدة من ردهم ليقول: _لا حول ولا قوة إلا بالله... هو ظلم الناس بقى سهل والتعدي عليهم كده عادي بالنسبة لكم... هو في إيه؟ ظل عامل النظافة الشاب ينظر لمصطفى بنظرات باردة متيبسة، لينظر مصطفى إليه وهو يربت على ظهره: _أنا آسف يا حبيبي، حقك عليا. ازدادت ضحكات الموظفين مستهزئين بأفعال مصطفى، ليغضب موريس وزجرهم بصرامة: _أنتوا بتضحكوا على إيه؟ ما تلموا نفسكم أنت وهو؟ قال موظف: _ما يا إما هو ميعرفش يا إما هو مجنون. قال موريس: _احترم نفسك يا حسام لو سمحت. الراجل مقلش أدبه عليك، متقلش أدبك عليه هو مش عيل زيك. نظر موريس لمصطفى معتذرًا له بشدة، ليقول مصطفى مستغربًا: _هو في إيه يا موريس؟ هما بيتعاملوا مع بعض كده ليه؟ _هما عادي والله يا متر... بس هما استغربوا من رد فعلك بس. _هما اللي يستغربوا من فعلي أنا؟ هو أنا بوست الواد من بقه ولا إيه في إيه؟ _شكلك متعرفش فعلاً. _ معرفش إيه؟ _العامل أندرويد يا مصطفى، مش هو بس، دا هو وكل عمال الشركة دي، كلهم روبوتات. تجمدت نظرات مصطفى بصدمة مهولة، وظل يحدق في موريس، ثم التفت للعامل وهو يتمعن فيه بحيرة قوية، وعاد نظره لموريس وهو يسأل: _دا روبوت؟؟؟؟ _أيوة بأمانة. _مستحيل، دا نسخة مننا... أنا مش مصدقك. اتجه موريس للعامل ثم أمسكه ليوجه ظهره لمصطفى ليظهر في مؤخرة رأسه خلف العنق خط مستقيم منير باللون الأرجواني. ثم مر موريس إصبعه على هذا الخط حيث يتم تفاعله باللمس، وفور أن مر بإصبعه تشبث العامل في حركته وتجمد تمامًا كما لو كان أوقف تشغيله. ثم سحب بإصبعه سحبة أخرى ليختفي اللون البشري الذي كان يتلون به العامل، ليظهر لون معدنه الحقيقي. وفور أن رأى مصطفى ذلك بأعينه، بدأ يتمتم في صدمته من خلق كائن كالبشر إلى هذا الحد: _أعوذ بالله، أعوذ بالله، أعوذ بالله. أرجع موريس للعامل لحالته وأكمل تنظيفه. وصل المصعد وصعدا كلاهما لمكتبيهما، ومصطفى متحفظ على ملامح النفور والصدمة مما رأته عيناه. بعد مرور وقت، جلس موريس في مكتبه ثم سمع طرقًا على الباب، وسمح بالدخول. دخل رجل ليس موظفًا ولكنه علم أنه من عصابة أدهم ويرأسهم رفعت. _إزيك يا موريس؟ _الحمد لله. _مين الست المنقبة اللي جات مكتب رفعت امبارح؟ صمت موريس قليلًا يحاول التذكر ثم قال: _اللي كانت مع رشا. _أيوة. يعلم موريس أنها زوجة مصطفى كما قالت له رشا، ويعلم أنهم يريدون نجلاء بأي شكل. ولكن ما سبب قدومهم لسؤاله؟ هل هذا يدل على أن رشا لم تعترف لهم بأنها نجلاء من الأساس؟ لم يطيل صمت موريس إلى أن قال: _دي واحدة تم التحرش بيها برا شركتنا، ودخلت الشركة وهي منهارة بتستنجد برشا، فرشا ساعدتها. _متأكد؟ _آه. صمت الرجل قليلاً وهو يحملق في وجه موريس، الذي كان ثابتًا ونظراته كانت ثاقبة، لا يظهر عليه التوتر أبدًا، ليقول الرجل وهو يخرج من المكتب: _ماشي... سلام. *********** تقف هاجر أمام مرآة غرفة غادة حيث تظهر المرآة كامل جسدها، مرتدية فستانًا ذو خامة لامعة يتلون قماشته باللون الأصفر الدافئ. أكمام واسعة وقصيرة لم تستر نصف ذراعها، والخصر يحدده تحزيم واضح أظهر رشاقتها وبرزت ضخامة ذراعيها. فتحة الصدر الصغيرة المثلّثة أبرزت جمالها وأضافت له رونقًا آخر، ورغم بساطة الفستان ذو التصميم الرسمي، إلا أن طابع العفوية واضح عليه. شعرت هاجر تجاه نفسها بشعور مغاير؛ أن ترى نفسها مرتدية فستانًا بهذا الحسن والرقة لهو أمر شاذ لأبعد حد. لم تشعر هاجر طيلة حياتها بأنوثتها أبدًا، لم ترَ الجمال في ذاتها الخارجية والداخلية بتاتًا. فالحياة مع أدهم حولتها لمسخ، خليط بين الذكر والأنثى، ولطالما أجبرها أدهم على التصرف كالذكور، ولأجل أن تكون الناجية الوحيدة في كل المواقف، وكان يطمح أن تكون أقوى منهم، وقد نجح في ذلك فعلًا. طمح أن تكون أكثر شراسة وجحودًا منهم، وقد نجح في ذلك أيضًا. لتتساءل هاجر: ما الترابط بين أن تكون ناجية وبين كونها نسخة من الذكر؟ أينجح الذكور في النجاة في معظم الأحوال؟ أم إن الذكر هو الصياد بطبعه دائمًا، على عكس الأنثى التي تكون فريسة منذ نعومة أظافرها؟ أليسوا الذكور مُهيئين ليكونوا وسيلة للقتل والدافع والنجاة دومًا، لذلك رُزقوا بتلك القوة النفسية والجسدية التي ابتغى أدهم أن تصل هاجر إليهم وأن تتخطاهم؟ كلما تفكرت هاجر في تلك الأسئلة، تجيب بإجابة واحدة لكل منها: نعم، نعم، نعم. ورغم ذلك، فإن تلك القطعة القماشية المنسدلة على جسدها بشكل منسق جعلتها تنسى شخصيتها الذكورية التي أُجبرت على التقمص بها، وبدأت تشعر بأنوثتها أخيرًا، لأول مرة في حياتها. كم هو شعور جميل ومريح وهنيء! لم تتحمس لتشاهد نفسها مطلقًا إلا في هذه المرة، وهي تأرجح الفستان متأملة جماله، مستمتعة بلمساته الرقيقة على جلدها الصلب المليء بالندوب. أن ترى نفسها في هيئة حسناء وفاتنة، لهو أمر عظيم على قلبها. _جميلة أوي يا هاجر، بجد فظيعة، لايق على بشرتك. لسة بقا لما أعملك تسريحة شعرك لما يبقى أفرو كده وأحطلك توكة وردة دوار الشمس. قالت هاجر والابتسامة عريضة على وجهها: _بجد شكلي حلو يا غادة؟ حاسة عضلاتي مبوظة الدنيا، وشكل دراعي برضو اللي مليان جروح. _بالعكس، دول مديينلك شخصية كده ومحليين شكلك والله. _طب أنا هقلعه بقا عشان خايفاه يتبهدل. في تلك اللحظة دخل نوح المنزل، لتوقفها غادة وتمسك بيدها وتجذبها للصالة، ليدخل نوح المنزل وهو يرى غادة تجذب هاجر وتقول لها: _بص يا نوح، بص هاجر شكلها حلو بالفستان إزاي! اتسعت عيناه بدهشة وعرضت ابتسامته، وهو يقول: _إيه يا بت الحلاوة والجمال دا؟ أمسك بيدها وجعلها تدور لتتطاير الفستان بشكل دائري ساحر، وهاجر تضحك بحرج. ويردف: _إيه المناسبة بقا إنك تلبسي الجمال دا؟ نظروا إليه باستغراب، وقالت هاجر: _صباح الفل، فرح سليم النهاردة المغرب. اختفت ابتسامته من المفاجأة، ثم قال: _فرحه على البنت اللي عايزة تبيع نفسها؟ _أه، اتصلت بيه، قلتله خليها تبيع نفسها ونشوف خطة ترجع بيها ومعاها إبراهيم، قام شتمني وقفل السكة في وشي. نظر نوح إلى غادة التي عادت ملامح الهم في وجهها ليقول: _متقلقيش.. إن شاء الله هنشوف طريقة.. إن شاء الله. *********** قرابة العصر، بدأ كل من مصطفى ونجلاء في التجهيز للذهاب لعمر حيث الجلسة الثالثة لابنتهما. أثناء ارتدائهما لملابسهما، كان يحكي لها عما رآه اليوم عن ذلك الآلي، وقد ظهر عليه الانزعاج والهم في حديثه حقًا. انتهيا كلاهما، ودخلت نجلاء غرفة مريم لتتأكد من انتهائها. احتاجت بعض المساعدة، فبدأت نجلاء في مساعدتها. وهنا لمحت دفترًا على مكتبها مفتوحًا على صفحة لرسمة معينة. اتجهت نجلاء للمكتب ونظرت إلى الرسمة لتجد المرسوم هو عمر. _هو انتِ اللي راسمة دا يا حبيبتي؟ _لا يا ماما، دا هي. هي بتعرف ترسم ودايمًا بلاقيها بترسم دكتور عمر. بدأت نجلاء في تقليب صفحات الدفتر لتجد فعلاً رسومات متعددة لعمر. كانت رسومات دقيقة ومبتكرة للغاية، وظلت تشاهدها نجلاء في حيرة شديدة. _خلاص يا نجلاء؟ ناداها مصطفى لتجيب نجلاء: _أيوة يا حبيبي، خلاص. أخذت بيد ابنتها وخرجوا من المنزل. وهنا يقف عمر عند نافذة مكتبه منتظرًا قدوم الحالة التالية، والتي هي مريم بالطبع. أثناء وقوفه، يطل بنظره إلى الشارع، لمح شخصًا واقفًا في ثبات، وقد لاحظ وقوفه لمدة ساعات من الأساس. ما زاد الأمر غرابة أن ذلك الشخص مرتديًا قناعًا أسود تمامًا، لا ملامح فيه سوى عينين خضراوتين. ارتبك عمر من وجود هذا الشخص الغريب تحت عيادته كل تلك المدة، وشعر بعدم ارتياح وبشعور غريب. انتشله من ذلك الشعور صوت طرق الباب، ليذهب ويفتح لهم. كما المرة السابقة، تحدث مع مصطفى ونجلاء أولًا، ثم أدخل مريم. دخلت مريم واستقبلها عمر بابتسامته اللطيفة المعتادة. _إزيك يا مريم؟ _الحمد لله. _احكيلي عن الأسبوع اللي فات. _محصلش أي حاجة، الحمد لله. بقيت زي الأول، بسمع صوت طفل صغير بس، وبقيت بشوف البنت قليل. _جميل، تقدري تحكيلي عن اللي شوفتيه المرة اللي فاتت وانتِ معايا هنا؟ صمتت مريم برهة ثم قالت: _آه... هحكيلك... سكت عمر مستمعًا لما ستسرده له مريم، وسردت له كل ما قالته لنجلاء، وصفت له الوصف البريء لعملية الاغتصاب تلك من الاربع رجال، كلما تتحدث مريم وتوصف ما رأته وشعرت به كانت ملامحها تفيض بالذعر والضيق، وفور أن انتهت، سألها سؤالًا: _دكتور، هو... كل الرجالة كده؟ سكت عمر قليلاً ليقول: _لا، كلهم مش كده. يعني أبسط مثال هو مصطفى والدك. بينما كان يكتب بعض الملاحظات، سمعها تقول بصوت به حدة: _كداب. رفع بصره إليها وهي تردف: _بتكدب عليها ليه؟ ابتسم عمر وهو يقول: _إزيك يا نور. ابتسمت نور في حرج وهي تقول: _بحب أشوفك وانت بتعرف تفرق بيننا، بتكدب عليها ليه بقى؟ _مبكدبش عليها، أنا بقولها إنه مش كل الرجالة بالوحشية والأذى دا. _أنت عارف كويس إنه مكانش دا قصدها من السؤال. سكت عمر لتردف نور: _شوفت بقى، معملتش أي حاجة الأسبوع اللي فات زي ما قولتلي. شفت أنا بسمع الكلام إزاي؟ _أنا سعيد جدًا إنك تقبلتي الأمر. بكده خطوات العلاج لمريم هتبقى أسهل. _صحيح، عمرك ما سألت نفسك ليه مريم بتسمع صوت طفل رضيع دايمًا؟ _آه، سألت نفسي. _تحب أقولك ليه؟ _أحب. صمتت نور ونقلت بصرها للفراغ، وهي تحدق في اللاشيء. وفاضت عيناها بنظرات الحسرة والهم الشديد، وقالت بصوت تعلوه نبرة الأسى. _دا اللي خلاها تموت...قولتلك إنها انتحرت بس هي مكانتش تعرف، نور دخلت المكان وهي عندها خمس سنين، وقعدت خمستاشر سنة بين اربع حيطان مبتطلعش منهم الا عشان تتعذب ويجربوا عليها حاجات متتخيلهاش، عشان كدة كانت بتتكلم بصعوبة...وتفكيرها وهي عشرين سنة كان نفس تفكيرها وهي خمس سنين، نطقها وهي عشرين سنة كان نفس نطقها وهي خمس سنين. عادت نور لسكوتها واغمضت عينيها كما لو كانت تعيد المشهد في ذهنها، قطبت حاجبيها من شدة البشاعة واستشعار ألم ذلك اليوم مجددًا _اللي حكتهولك مريم، كانت تجربة نفسية لنور كانوا عايزين يشوفوا رده فعلها لو تم اغتصابها من اربع شباب، وبعد التجربة دي بدأت نور تشوف بطنها بتكبر شهر بعد شهر، بدأت تحس بحاجة بتتحرك جوا بطنها، تفكيرها كان تفكير اطفال، مستحيل كانت تعرف انها حامل، وبسبب كمية التجارب اللي حصلتلها...فقدت الاحساس بالالم. ابتلعت لعابها بصعوبة كما لو كانت تبتلع صخرة خشنة وأردفت: _نور كانت عايزة تشوف ايه اللي جوا بطنها، فقررت تشوف...، وهي في الشهر السابع بدأت تشد في جلد بطنها...بدأت تقطعه، بدأت تقطع جلدها بإيديها طبقة طبقة، كانت بتقطع بصعوبة بسبب مرونة الجلد طبعا..، خسرت دم كتير وهي بتعمل كل دا، دم كتير خسارته كفيله انها تموتها...ودا اللي حصل. وعادت نور للسكوت التام وحين طال سكوتها قال عمر: _معرفتيش تمنعيها؟ _كان صعب لأنها اتولدت بيا...كان لازم تبص في المراية الأول عشان تسمع للتواصل بيننا، الموضوع يختلف بين إني اتنقل لجسم تاني...، معرفتش امنعها للاسف...معرفتش. _والكلام دا حصل من سنتين مش كدة؟ _أيوة. _حصل إيه للجنين؟ _هو كمان مات، بس قبل ما يموت هما اخدوا روح القوة اللي جواه...ونقلوها لشخص تاني في ساعتها، روح قوته ملحقتش تكبر، يا دوبك ممكن يكون عمره شهور او سنتين بالفعل جوا جسم الشخص دا، انا عارفة هو مين بس ملهاش لازمة تعرف. صمت عمر قليلا ثم قال: _عندك هدف تعمليه دلوقتي؟ بما انك في جسم مريم _مستنياها تكبر...مستنياها تكبر عشان اخد حقي وحق نور. اومأ عمر برأسه ثم اردفت بقولها: _بعدين هتجوزك. ابتسم عمر وقال: _انا متجوز بالفعل. _سهلة، هبقا اقتلها. اثناء ما كانا نجلاء ومصطفي جالسان بالخارج قالت نجلاء له: _أول لايف ليك النهاردة؟ _أه، شكلي مش هعرف أروح لسليم واباركله، وعلا هتروح بس تباركله وتجيلك عشان تقعد معاكي. _مش هيزعل؟ _لا لا متقلقيش، هو معزمناش اصلا قالنا متجوش عشان الحتة هتبقا شعبية وهتخنقكوا. ابتسمت نجلاء وهي تقول: _ربنا يتمملهم على خير. وهنا في مكتب عمر تقول نور: _إنت بتحبني يا عمر؟ _أنا مجرد الدكتور بتاعك، علاقتنا هي المكتب، والتشخيص، والعلاج، وبس. حردت نور من حديث عمر واعدلت في جلستها وهي تقول: _يعني ايه؟ انت مبتحبنيش؟ _كل الأطفال جمال وبحبهم. _انا مش طفلة، انا عندي اتنين وعشرين سنة! صمت عمر وهو لا يعلم كيف يجيبها لتردف: _عشان أنا في جسم طفلة يعني؟ دا اللي مانعك؟ _الجلسة تعتبر خلصت..هرن على والدك وهستناكي الاسبوع الجاي ان شاء الله. ************ مهما تقدم الزمن وازدادت التكنولوجيا المتطورة، ستظل الأفراح الشعبية المصرية كما هي مدى الدهر. في حارة شعبية ضيقة، حيث يقع عرس سليم وفريدة، يرقص كل سكان الحارة في الشارع على أغنية لمغني مجهول الهوية يغني بصوت ناشز. الأنوار زاهية تضئ في كل مكان، ورقص الحاضرون بمختلف الأنواع. يوجد من يرقص بسلاحه، ومن أتى من المقهى الرجالي بالأرجيلة الخاصة به، يأخذ أنفاس الدخان وينفثه في الهواء أثناء رقصه. وهناك من النساء من حددت بذاتها أن تكون راقصة العرس، وغالبًا ما تكون امرأة في منتصف العمر، ورقصها يكون أبرع من أشهر الراقصات في العالم. والأطفال في كل شبر من الحارة يستعرضون قدراتهم البهلوانية في الرقص والغناء وما إلى ذلك. الأدوات الموسيقية صاخبة، تطغى على صوت المغني، حيث يرقص الحاضرون دون علمهم على ماذا يرقصون، ولكن الموسيقى حماسية ومبهجة نوعًا ما. سليم وفريدة جالسان على منصة عالية بها الآلات الموسيقية والمغني، يشاهدان ذلك المشهد المبهج والعبثي في حد ذاته، مشهد يستحق التأمل في لوحة بطراز يوناني قديم. وصل كل من نوح، غادة، هاجر وعلا إلى العرس، يرون على المدى البعيد سليم وفريدة جالسين، ومن المستحيل أن يمروا بين هذا الحشد من الناس ليسلموا عليهما. قالت هاجر هنا: _كان عنده حق لما قال مانجيش، إيه اللي جابنا؟ قالت علا بابتسامتها اللطيفة: _بس الجو لطيف. قال نوح: _لطيف إيه يا علا؟ دول هيدبحوا بعض بالسكاكين اللي بيرقصوا بيها دي. قالت غادة: _طب ما نمشي... أنا بدأت أخاف. هنا أتى يامن وسلم على علا وسلم عليهم، وقال لعلا: _أنا فرحان أوي إنك جيتي. _أنا بس قولت أسلم على سليم وفريدة وهمشي، بس واضح الموضوع مستحيل. ضحك يامن وقال: _أصل محصلش هنا فرح من عشر سنين، فتلاقيهم متحمسين شوية. _طب مبتتحمسش معاهم ليه؟ _ماليش في الجو دا بصراحة، أديني قاعد بتفرج، محمد هو اللي قاعد يقلب الدنيا هناك. ضحكت علا، ويامن يتأمل في جمالها بالفستان الجميل، ثم نظر لنوح وبدأ يتمعن في وجهه، ضيق عينيه وهو يقول: _أنا شوفت حضرتك فين قبل كده؟ قالت علا: _دا اللي طير راس الواد بالبونية بتاعته. تنهد نوح ليندهش يامن في صمت تام، ورن هاتف علا هنا وكان مصطفى. _ألو يا مصطفى؟ _إزيك يا حبيبتي، أخبار الفرح إيه؟ _زي ما أنت سامع، شكلنا مش هنطول. _ياريت يا حبيبتي، عشان رايح الاستوديو وعايزك تقعدي مع نجلاء. _حاضر حالًا، هروح لها البيت ولا يهمك. هنا لمح نوح أن سليم ينظر إليه، فرفع يده يلوح له، ليقوم سليم بالتحية إليهم. لاحظوه كل من علا وهاجر وغادة وبدأوا يلوحون له، يرسلون مباركاتهم بحركات أيديهم التي تفهمها سليم. بعدها قرروا العودة لمنزلهم بعد أن يوصل نوح علا لمنزل نجلاء أولًا. تجلس فريدة وهي تتأمل هذا الحشد المبتهج السعيد، والتي توقن أن معظمهم لا يعرفونها من الأساس، ولكن هذا لا يهم، فهم سعداء على أي حال. وهذا المشهد كان كل ما تمنته قبل أن تودع كل من فيه، وتذهب إلى هذا المكان المجهول.
ROMISAA