٤ الساعة الثالثة فجراً، اثناء نوم غادة، سمعت طرقاً على باب المنزل في هذه الساعة المتأخرة. نهضت مستيقظة بقلق، خرجت من غرفتها وما زال الطرق مستمر، اقتربت بركبتنا ترتعد ونظرت من عين الباب، لكنها لم تتمكن من تمييز من يقف خلفه بسبب الظلام، فقررت أن تسكت وتبتعد لتقنع الطارق الا يوجد أحد في البيت. _أنا عارفة إنك ورا الباب يا غادة، افتحي وإلا هكسره... وأنا اقدر على فكرة. انتفضت غادة وفتحت الباب بسرعة وهي تقول مصدومة: _هو إنتِ؟ دخلت الفتاة المشردة ولاحظت غادة أن ملابسها مكسوه بالدماء، فقالت وهي مذعورة: _إنتِ عملتِ إيه؟؟؟ إنتِ هربانة منه؟ قالت المشردة في حزم وتبرّم: _أنا مبهربش من حد... أنا جيتلك لأني تعبت من اللف والمشي ونفسي استقر ولو ساعتين حتى. صمتت غادة وخلعت الفتاة ملابسها وهي تقول: _الحمام فين؟ عايزة أستحمى. _ا...اللي في الوش دا. _طب ابقي طلعيلي هدوم من عندك وهاخد الهدوم دي هغسلها وأول ما ينشفوا هاخدهم، متقلقيش. _حاضر.... دخلت القتاة المشردة الحمام ليقابلها حوض استحمام ناصع وشاسع، تحولت ملامحها تماماً واتسعت عينيها بإبتهاج وابتسمت بحماس مثل الأطفال: _الله!! دا بانيو؟؟ اجابت غادة في تحير: _أ.. أيوة؟ _ينفع أقعد فيه؟؟ ينفع؟؟ _أكيد طبعاً، استني هملاهولك. سُرّت الفتاة بشدة وابتسمت ابتسامة عريضة لتندهش غادة من سعادتها العارمة على شيء بسيط كهذا، ولكن ما جعلها تندهش أكثر هو أن ابتسامتها كانت رائعة، فقالت: _إنتِ ضحكتك حلوة أوي... نظرت الفتاة لغادة بدهشة وهي تقول: _إيه دا بجد؟؟ ضحكتي حلوة فعلاً؟ _آه والله. عرضت ابتسامتها والتفت للمرآة وهي تضحك، ولكن فور أن نظرت الى وجهها إندثرت ابتسامتها وظلت تحدق في مظهرها، فكلما تتمعن إلى ملامحها ووجهها، وشعرها، وعينها، وكل شيء فيها، تمتعض وتحتدم كما لو كانت تنظر لعدو لدود. التفتت بسرعة وهي منزعجة لتقول غادة فور أن لاحظت عبوسها: _في إيه يا بنتي، والله إنتِ جميلة. قالت المشردة بوجه مكفهر: _بس بقى... ما بحبش أبص لنفسي... أنا مش جميلة، و... وامليلي البانيو لو سمحتي، معرفش بيشتغل إزاي دا. _حاضر. أثناء ما كانت غادة تملؤ حوض الاستحمام، كانت المشردة تنظر حولها متأملة المكان، كان الحمام واسعاً ولامعاً وجميلاً، فقالت لغادة في إعجاب: _الحمام دا أنضف من كل الأماكن اللي نمت فيها في حياتي كلها. ابتسمت غادة بحبور وهي تقول في ذهول: _بجد؟ شايفاه نضيف وحلو؟ _جداً... أنا مستعدة أبقى فيه طول عمري وهبقا مرتاحة. _إنتِ جبرتي بخاطري والله، أصلاً عمتي دايماً تخليني أنضفه كل يوم مرتين وتقولي لسة معفن، روحي نضفي... وبنتها تبقى بتوسخه قصد عشان أنضفه... مرة رجّعت في الحوض وخليتني أنضف ترجيعها... ومرة جالها إسهال وعملت في الأرض وخلوني أنضفه. _إيه كل دا... هي بنت عمتك عندها تمن سنين ولا عندها كام سنة دي؟ _تمن سنين إيه، دي عندها ٢٣ سنة. _إنتِ بتتكلمي جد؟ واحدة كبيرة كده تعمل كدة في أرض الحمام؟ قالت غادة في أسى وامتعاض: _صدقيني، كل دا عشان يعذبوني مش أكتر... وبيعملوا أسوأ من كده والله. صمتت الفتاة مستغربة بشدة، وحين انتهت غادة من وضع الكثير من الصابون وكثرة الرغوة، قالت للفتاة: _بصي، حطيتلك صابون كتير وهنا فيه رغوة كتير. ضحكت الفتاة وهي سعيدة ومبتهجة من شكل الرغوة، وقالت: _أول مرة أشوف وألمس الصابون كده... بجد بجد شكراً ليكي بجد. كانت سعادتها عارمة وغادة تنظر إليها مبتهجة من سعادتها ولكن في الوقت نفسه مشفقة عليها بشدة. تسألت: أي حياة عاشتها تلك المسكينة لتكون سعيدة بشيء بهذه البساطة؟ _طب أنا هطلع بقى واقعدي براحتك، ولو احتاجتي حاجة اندهيلي. _ماشي. خرجت غادة وأغلقت الباب، وهنا خلعت ملابسها الداخلية ودخلت لحوض الاستحمام وجلست وبدأت تضحك وهي مسرورة ومستمتعة، وتحرك يدها في الماء وتلعب بالصابون. شعرت أنها استرخت بشدة. أسندت رأسها وهي مسترخية مبتسمة برضا. لم تشعر بهذا الاسترخاء في حياتها أبداً، وشعرت أن الأمل في أن تجتمع بعائلتها وتعيش حياة أفضل بكثير يتغلغل في قلبها أكثر وأكثر. حوض الاستحمام ذلك جعل من فتاة محطمة قاسية باردة محبطة، تتحول إلى فتاة متفائلة ضاحكة متلهفة للحياة كالطفال. فقط حوض استحمام واحد جعلها تتحول تماماً. تمنت حقاً أن تعيش هنا للأبد وأن تنام في هذا الحوض للأبد. إنها تشعر بالإجهاد والتعب الشديد حقاً... لذلك أغمضت عينيها ونامت في ثوانٍ. . . . . _هتسيبيني؟ إنتِ متقدريش تسيبيني، إنتِ عارفة كويس إني بحبك، إنتِ عارفة كويس إني بعمل كل دا فيكي عشان تكوني شجاعة، عشان ميبقاش عندك نقطة ضعف، عشان تعرفي تعيشي، عشان تكوني ناجية، عشان تكوني حرة. فتحت عينيها بعدما سمعت صوت ابيها الملعون ووجدت نفسها في تلك الغرفة التي لا نافذة ولا أثاث لها، غرفة مليئة بالبول والبراز، وأمامها صديقتها المقربة... نعم إنها تتذكر هذا جيداً... حين كانت في عمر السادسة... وأمامها صديقتها في الغرفة ذاتها، إنها فتاة لطيفة حقاً تدعى سارة، وتعرفت عليها في الروضة. سارة حين رأتها تبكي في الساحة، أتت لها وبدأت تواسيها وتؤنسها، وقررت أن تصبح صديقتها وذهبت وضربت هؤلاء الأطفال الذين تنمروا عليها لأخذ حقها. كانت تشعر بشعور لطيف على قلبها وعقلها كلما كانت مع سارة، شعور وكأن عقلها وقلبها مرتخيان على سحاب ناعم. كانت تحب سارة حقاً، إنها صديقتها الوحيدة. كانت تلعب معها وتنام معها وتبكي معها وتضحك معها. استمرت صداقتهما لمدة سنتين حتى أصبحت أم سارة لطيفة جداً معها وتعطيها الطعام الجيد. ها هو السائق الخاص بها يقف أمام المبنى، وأتى إليها لكي يأخذها للمنزل، واقترح أن تأتي سارة معهم أيضاً. تحمست بشدة هي وسارة وانشرح صدورهنا وركبتا سوياً وظلتا يغنيان الأغاني بكل حماس ومرح. وصلا البيت ودخلتا، وبعد جلستهما المفعمة بالأحاديث الطفولية المرحة واللعب البسيط، خرج والدها من إحدى الغرف وهو يقول: _يلا يا حبيبتي... خدي صاحبتك وادخلوا الاوضة اللي هناك دي. نهضتا كلتاهما بلهفة وحماس وركضتا داخل الغرفة ظنٍّا منهما ان تلك غرفة العاب أو ما شابه، ولكن حين دخلتا... كانت غرفة دون أثاث أو أي شيء، كل ما كان بها هو سكين، وهنا أغلق الأب الباب بالمفتاح وحبسهما كلتاهما. إنهما طفلتان على كل حال، رغم قبضة قبلهما من غرابة المكان وتضرف الوالد الا انهما أخذتا الأمر بسخرية وجلستا يكملان أحاديثهم الطفولية ويشاركون أفكارهم تجاه تلك الغرفة في إنتظار الأب عودته، مرت ساعاتان الى أن أصبحا جائعتان ويريدان أن يتبولا. _بابا.... بابا انا مزنوقة... بابا. ظلت تطرق ابنته الباب لتناديه، الى ان اتى الاب وهو يقول بنبرة باردة هادئة: _أيوة يا حبيبتي. _بابا خرجنا بقى، عايزة اروح الحمام وسارة جعانة. _أنا مش هخرجكم. _يعني إيه؟ بابا أنا عايزة أروح الحمام يا بابا. _اعمليها في مكانك... أنا مش هطلعك... ولو سارة جعانة... خليها تقتلك وتاكلك... ووقتها ممكن أخرجها. دبت قشعريرة قوية في جسدهما واصابهما الهلع كهزيم الرعد يدوي في قلبهنا... واقتنعتا وقتها أن هذه ليست مزحة، وبدأتا في الصياح والعويل وهي تترجاه أن يخرجها... ولكن بلا فائدة. ومر ثلاثة أسابيع في هذا السجن الحاس لبرعمتان لا يعرفان شيء في الحياة، هي وصديقتها سارة في الغرفة ذاتها يتبولان ويتبرزان مكانهما، ثلاثة أسابيع دون أكل فقط يتم اعطائهم زجاجة ماء كل يومان، التصقت بطونهن بظهورهن من شدة الجوع، وجفت عيونهما من كثرة البكاء، وذبلت حنجرتهما من كثرة الصراخ وطلب النجدة. ما كان ينهش روحيهما قهرًا وحسرةً أكثر من الجوع والقذارة، هي التساؤلات: لماذا يفعل هذا الرجل ذلك بهم؟ كيف لأب أن يحبس ابنته كل تلك المدة؟ وما هدفه؟ رجل أقرب ما يكون إلى المجرمين المجانين. كان الأب ينتظر من ابنته تصرفًا واحدًا فقط، تصرفًا واحدًا تقوم به، وهو مفتاح ذلك السجن الملعون. هنا جاء أبوها خارج الغرفة وهو يقول: _قتلتِها ولا لسة؟ لا رد. _مفيش غير الحل ده يا حبيبتي... اقتليها وكليها واشبعي... أنا مش هخرجك إلا لما تعملي كده... قالت الفتاة بصوت واهن مرتجف: _دي صاحبتي. _مفيش حاجة اسمها صاحبتي... إنتِ لازم تكوني ناجية في كل الأوقات، لو في مليون ناجي فإنتِ لازم تكوني منهم، لو في ألف ناجي فلازم تكوني منهم، لو في عشرة من الناجين لازم تكوني منهم، لو في ناجي واحد بس... لازم تكوني إنتِ... ومحدش غيرك. _بابا طلعني، أرجوك... أنا بموت. _أنا قولتلك شرطي... عايزة تطلعي، طلعي نفسك... ومتستنيش حد يطلعك. بدأت تبكي مجددًا وقد ضاقت بالأمر ذرعًا ونظرت للسكين وأمسكت بها على مضض لتقول سارة في هلع واهن: _هتقتليني؟ هتقتليني؟ مش عايزة أموت... أرجوكي مش عايزة أموت. فور أن اقتربت منها وثبت سارة لكي تركض، ولكن الى أين تركض والى أين المفر؟، أمسكتها الأخرى من شعرها ونحرتها تمامًا. وحين رأت دمها بدأت تشربه من شدة عطشها، وبدأت بعدها بأكل لحمها بنهم شديد. وفور انتهت، بدأت تعول وتصيح باكية بشكل هيستيري. وفي تلك اللحظة فتح أبوها الباب وسرور يعتليه، واقترب منها واحتضنها وحملها في حضنه: _متعيطيش يا حبيبتي... متعيطيش... هي دي الحياة اللي لازم تعيشيها... مش هتعرفي تكوني حرة... إلا كده، تعالي يلا أحميكي وأأكلك كل الأكل اللي إنتِ عايزاه. ظلت تحدق الى جثة سارة وهي في حضنه بصدمة وذعر قاتل، ولكن فجأة... وجدت جثة سارة تحولت لجثة فتاة شابة... كانت غادة. . . . . فتحت عينيها وهي تصرخ صرخة عالية جعلت غادة تقفز من سريرها وتركض بسرعة للحمام: _إيه؟ إيه؟ في إيه؟ إيه اللي حصل؟؟؟ إنتِ كويسة؟؟ نظرت لغادة، وهنا بدأت تنحب بشدة، فاحتضنتها غادة وهي تقول: _بس بس، اهدي يا حبيبتي، اهدي... شوفتي عفريت ولا إيه؟ اهدي. ظلت تبكي بحرقة شديدة وهي متشبثة بغادة بقوة وهي في حضنها. ذلك النحيب لم يكن إثر صدمة من فظاعة الكابوس، بل كان طفح لكل المعاناة والهلع والقساوة التي واجهتهم تلك الفتاة في حياتها السابقة المجهولة. ******** استيقظ أحمد صاحب السادسة عشر عاماً قرابة الفجر لكي يدخل الحمام، وحين مر من أمام غرفة أبيه سمع صوت امرأة معه. شعر بتقزز وتبَّرُم شديد، فأصبح الأمر شبه يومي أن يأتي والد لمنزله بعض العاهرات. دخل أحمد الحمام، وحين انتهى وخرج، وجد تلك الفتاة تخرج من غرفة والده لتقول: _الله؟! مقولتليش إن ابنك حلو اوي كده. ضحك عصام وهو يخرج خلفها ويقول: _لو عايزاه خديه، معنديش مانع. ضحكت الفتاة ثم اوصلها عصام لباب الشقة وخرجت، وبعدما أغلق الباب ظل أحمد يرمقه بنظرة احتقار ونفور فتجاهله عصام تمامًا ودخل غرفته وبدأ يشرب الجعة ليقول احمد لأبيه: _مش هتنضف من النجاسة بقا؟ _بقولك إيه يالا... ارجع أوضتك، متصدعنيش ومتنكدش عليا، مش ناقصة. _هو لو أنا انتحرت زي امي... هتبطل اللي بتعمله دا ولا هتفضل زي ما إنت؟ _ياريت، عشان أنا مبقيتش طايقك خالص. ظل أحمد يحدق في أبيه وقد اشتد خنقه وكادت عيناه تخرجان من سخطة المكبوح، وعصام لا يبالي ولا ينظر إليه حتى، فسبه احمد سبه قوية بنبرة تحجبها غصة الغضب في حلقه. نظر هنا عصام لابنه ببرود وقال بإبتسامة مستفزة: _شوفلك غيرها. لم يتحمل أحمد استفزاز أبيه فاتجه لغرفته بسرعة ودخلها واغلق الباب بعنف. ********* في مدرسة نوح، نرى رجل في الثلاثينات من عمره تقريبًا، رجل في غاية الوسامة، صاحب عيون بنية وملامح رقيقة وشعر بني وبشرة بيضاء ويرتدي ملابس مهذبة ومرتبة جدًا. كان مظهره أوروبي إلى حد كبير. كان واقفًا في إنتظار أحدهم، وكان يخطف أنظار الطالبات من جماله وجاذبيته. كان الطلاب يخرجون لكي يعودوا إلى بيوتهم، وهنا خرج نوح من إحدى المباني ولمح هذا الرجل واقفًا، فرفع هذا الرجل يده ملوحًا له ليبتسم نوح ابتسامة عريضة ويأتي إليه بسرعة: _عمر... إيه المفاجأة الجامدة دي؟ احتضنه وقال عمر ضاحكًا: _أصلي أخدت اجازة من المستشفى النهاردة، قولت اخد اجازة من العيادة كمان وأرفه عن نفسي شوية. _وانت لما تعوز ترفه عن نفسك تيجيلي؟ يا جدع، ما تقضي اليوم كله مع مراتك. _ما أنا هخرج معاها بالليل، متقلقش. في تلك اللحظة، نرى رحمة خارج المدرسة لمحت سيارة زجاجها أسود فتوجهت إليها وبدأت تعدل شعرها، شعرها المجعد الملفت الجميل، وتعدل أحمر شفاهها وتضعه مجددًا وتعدل ملابسها. يبدو أن كان يومها مجهدًا جدًا لها، لذلك بطبيعتها كأنثى تريد أن تستمر بتألقها. ما لا تعرفه رحمة هو أن بداخل تلك السيارة رجل أشقر صاحب عيون زرقاء وشارب كثيف ولحية خفيفة، لقد كان عصام. كان ممددًا على كرسي وينظر إليها ويتأمل ملامحها الجميلة وحاول أن يتأمل جسدها ولكن ملابسها كانت واسعة فلم يستطع. ولكنه كان ينظر لملامحها مستمتعًا بجمالها، وحين لاحظ أنها انتهت والتفتت لكي تذهب فتح زجاجة النافذة وهو يقول: _مكنتيش محتاجة كل التظبيط ده... إنتِ جميلة في كل الأحوال. انتفضت رحمة متفاجئة والتفتت بسرعة واحمرت وجنتيها: _إ... إنت كنت في العربية كل ده؟ ضحك عصام بشدة على نظرتها لها ويقول: _أيوة... بس محبتش أزعجك... وبصراحة، أنا سرحت في جمالك اوي وقلت أسيبك. _ش... شكرًا. خرج عصام من سيارته لتتفاجأ من طول قامته، فعصام طوله متران تقريبًا. مد يده وهو يقول: _إزيك؟ أنا الرائد عصام شرف... إنتِ ميس هنا؟ نظرت رحمة إلى يده ولم تسلم عليه ثم قالت: _وأنا رحمة وليد... آه، أنا بشتغل في المدرسة دي. أنزل عصام يده وهو يقول: _مدرسة إنجليزي بقى؟ _عرفت إزاي؟ _أصل كل مدرسين الإنجليزي بيبقوا جمال كده. ابتسمت رحمة في ارتباك وهي تقول: _شكرًا. _تحبي أوصلك؟ _لا شكرًا. _تعالي أوصلك بدل بهدلة المواصلات. ظات رحمة تنهره بلطف وهي مبتسمة: _لا شكرًا. _إنتِ صعبة كده ليه؟ شكلك تعرفيني. _هو أنت مشهور؟ _حاجة زي كده. _أنا لاحظت أن الولاد بيبصولك ويضحكوا اوي... كأنهم يعرفوك... بس أنا مش واخدة بالي والله. _واضح إنك مالكيش في المصري... رغم أن شكلي مش مصري يعني. اختفت ابتسامتها بشكل بسيط من حديث عصام المبهم ثم قال: -مش فاهمة. _والله إنتِ عسل، خليني أوصلك ومش هتندمي. ارتبكت رحمة وشعرت بنفور تجاهه وعدم ارتياح وقالت: _أنا مضطرة أمشي... سلام. والتفتت تاركه إياه. وهنا سمع عصام أحدهم ينادي اسمه، وحين التفت وجده نوح. اقترب منه وهو يقول: _إزيك يا مستر. أول جملة قالها نوح له وهو يزجره: _إنت إيه اللي جابك هنا؟ استغرب عصام من نبرته تلك وقال: _مالك يا مستر في ايه؟ _عصام، دي مدرسة فيها طلاب وجاي قدامها كده بكل وقاحة، أنت اتجننت؟ _في إيه يا مستر، هو حد قالك إني بتحرش بالتلاميذ؟ مع إن بصراحة في منهم شوية بنات حلوين اوي بصراحة. تقزز نوح هو وعمر، ولكن عمر ظل صامتًا لكي لا يقاطعه. قال نوح غاضبًا متقززًا بضيق: _إنت عايز إيه؟ قول بسرعة وامشي. _هاخذك للنيابة عشان ياخذوا أقوالك يا استاذ نوح، وقولت لما أجي أوصلك بنفسي لأني ارتاحتلك ووصيت عليك برضو. _وصيت عليّا بمناسبة إيه يا حبيبي؟ _الحق عليّا، انا غلطان. _آه، الحق عليك. وبعدين أنا مش عايز توصيلتك، أنا معايا عربيتي. هنا قال عمر لنوح: _نوح، براحة... هو بينكم عداوة ولا ايه؟ ليه متضايق منه كده؟ قال عصام وهو ينظر لعمر: _مين الطري ده؟ نظر عمر إلى عصام في صدمة وتعجب شديد، مما أغضب نوح بشدة. _إيه اللي قولته ده؟ _مش قصدي يعني... قصدي مين ده؟ يعني عايز أتعرف عليه. ابتسم عمر ابتسامته اللطيفة متجاهلًا الإهانة تلك، وقال: _أنا عمر التابعي... طبيب نفسي وصديق نوح. أديك عرفت الطري ده، ممكن تعرفني بيك بقى؟ _أنا عصام شرف... رائد شرطة. _وشك مألوف. ابتسم عصام ابتسامة عريضة خبيثة وقال: _أكيد هتكون شوفتني. بس مراتك تعرف إنك شوفتني ولا لا؟ _مش فاهم، ليه؟ قال نوح: _خلاص، خلاص... ادخل يا عم عصام، وهاجي معاك بس عمر هيبقى معانا برضو لأنه ورانا مشوار. _ماشي يا عم، ماشي.
ROMISAA