١٠٢ _عايز أسلّم نفسي. في لحظةٍ فارقةٍ من التاريخ، سلّم أدهم نفسه في خطوةٍ صادمة، عن طريق قدومه إلى عصام في مكتبه. وكانت لحظةً عصيبة على عصام، جعلت عقله مكتظًا بالبلبلة والتردد، وكل سنتيمتر في ملامحه، وكل فكرة في رأسه، تعكس خليطًا من الصدمة والصراع الداخلي. لم ينبس بكلمة، إذ كانت صدمة الموقف قد أخمدت صوته، لكنه على أي حال تحرك بغريزة المحقّق المتمرس، مدركًا خطورة اللحظة وتداعياتها. حين استشعر أن أدهم، الواقف أمامه، جادّ في نيته لتسليم نفسه، خطا عصام صوب الباب الرئيسي لمكتبه بخطًى مثقلةٍ بالوجوم، وأحكم إغلاقه، مقفلًا إياه بالمفتاح، خشية تسلل أي دخيل إلى هذا الموقف الاستثنائي. ثم عاد أدراجه إلى منتصف الغرفة بخطواتٍ متأنية، ووقف برهةً يحدق في أدهم، الذي ما زال ثابتًا في مكانه، ساكن الملامح، منتظرًا قدره بصدرٍ مفتوح. حدق عصام إليه مطوّلًا، وعينيه تبحثان في تضاريس وجهه عن صدعٍ أو ترددٍ يفضح نواياه، ثم أمره بصوتٍ رتيبٍ يخالطه شيءٌ من التوجس: _اقعد. تقدم أدهم ببطءٍ، وجلس على الكرسي بحركاتٍ هادئة تنمّ عن اتزانٍ مريب، وكل كل طرفة جفنٍ منه تزيد من اضطراب عصام الداخلي، وتغذّي شكوكه التي تتعاظم منذ لحظة دخوله. جلس عصام قبالته، يحدّق في عينيه بصرامةٍ نافذة، يراقب تفاصيل وجهه، يقرأ لغة جسده بعين الخبير، كأنه يبحث عن خيانةٍ صغيرةٍ تختبئ في طرفة عين أو رعشة نفس. _انت عايز إيه؟ _برضو؟ هو أنا هغنيهالك؟ عايز أسلّم نفسي... فيها إيه دي؟ _يعني إيه عايز تسلّم نفسك؟ يعني عايز تخش السجن؟ تتحاكم؟ تتعدم؟ إنت عايز الحاجات دي؟ ولا في حاجة تانية في دماغك؟! _أيوه، هي دي الحاجات بالظبط اللي عايزها. طال التحديق من عصام، ثم عاد يسأل، بنبرةٍ أكثر جدية: _ليه؟ _وليه لأ؟ هنا انفجرت شخصية الضابط الكامنة في أعماق عصام بعد طول كبحٍ وصبر، فصاح بغضبٍ اجتاح صمته المتراكم: _لأ يا ابن الـ**** جاوبني!! انت عايز توديني في داهية يا ابن الـ****؟! عايزني أطلب الأمن الوطني عشان تيجي تقتلهم ولا تهرب وتدبسني أنا بروح أمك؟! إنت عايز إيه؟ روح اقتل الناس، ولا أغتصبلك كام واحدة يا وسخ، ولا إنك تعمل فيا العملة الوسخة دي؟! يلا قوم!! واجه أدهم هذا الانفجار بثباتٍ يبعث على الريبة، وبرودة أعصابٍ تكاد تثير الجنون، وقال برتابة: _مش قايم... عايز أسلّم نفسي. ويلا، اخلص بقى. _هو انت مفكرني غبي؟ مفكرني مش واكل دماغك؟ دا أنا حافظك وحافظ حركاتك! مستهون بجريي وراك طول السنين اللي فاتت دي؟! _طيب، حلو... جه الوقت اللي تبطل تجري وتمسكني فعلًا... متضايق ليه؟ سكت عصام لحظةً ثقيلة، تغلّب فيها المنطق على ثورته، ثم قال بصوتٍ خافتٍ لا يخلو من التوجّس: _إنت مش مستوعب الخطوة اللي إنت بتعملها دي... دا العالم هيتقلب! حكومات العالم كلها، والفيدراليين كلهم، هينطّوا فوق دماغ مصر بسببك. وعصابتك؟ وميليشياتك؟ هتوديهم فين؟ _عصابتي ما تشيلش همها. أمّا بالنسبة لمصر... فدي خطوة جميلة جدًا في تاريخها... خصوصًا تاريخ ياسر. وبعدين... أنا على راسي مليار دولار... إنت مش عايز تاخدهم ولا إيه؟ مسح عصام على وجهه بكفّه المثقل بالحنث والإرهاق، وكأنه يدفع عن وجهه عبء هذه اللحظة، ثم قال بنبرةٍ تنزف حيرة: _وليه عايز تعمل كده؟ ليه؟ جاوبني... اجابة مقنعة. ليه؟ ساد صمت كثيف، وسكنت الأنفاس في ترقّب الإجابة الحاسمة، لكن أدهم قطع هذا الانتظار بكلماتٍ باردةٍ كالجليد: _اقبض عليا الأول... بعدين هتعرف ليه. شعر عصام باليأس الشديد أمام هذا الرجل، وأسند ظهره إلى الكرسي ببطء، كأن جسده قد أثقله الموقف، ثم أمال رأسه للوراء، تاركًا عينيه تتعلقان بالسقف، يبحث فيه عن إجابةٍ لم تُكتب بعد، أو عن مخرجٍ لم يُفتح. انحسرت الأصوات من حوله، وتباطأ كل شيء في محيطه، حتى دقات قلبه بدت وكأنها ترتطم بجدران صدره في صمتٍ صارخ. ظلّ هكذا برهة، يراقب خطوط السقف المتداخلة، كأنها خرائط تُرسم لعقله، وكان في قلبه شيء يصرخ، وشيء آخر يصمت، وكلاهما يتصارعان تحت جلد رجلٍ لا يملك الآن رفاهية التردد. ثم تنهد... واتخذ قراره. نهض واتجه إلى مكتبه، وأمسك بالهاتف الآمن، وهو جهاز مشفّر خاص يُستخدم للتواصل مع الجهات الأمنية العليا. أدخل رمزًا سريًا لتفعيل الخط، ثم أرسل رسالة مشفرة موجزة إلى رؤسائه في جهاز الأمن الوطني، يبلغهم فيها باستسلام أدهم، ويطلب تعليمات فورية. كانت الرسالة خالية من التفاصيل الشخصية، محترفة ومباشرة، تعكس تدريبه الطويل على التعامل مع المواقف الحساسة. وضع الهاتف جانبًا، مدركًا أن الرد سيأتي خلال دقائق، وأن عليه الانتظار دون اتخاذ أي خطوةٍ إضافية قد تُعرض العملية للخطر. خلال هذه الفترة، قام عصام بتقييد يدي أدهم بالأصفاد، وفتّشه تفتيشًا دقيقًا، ثم ظل يراقبه عن كثب، دون أن يتبادلا كلمة واحدة. أدهم جلس، يداه مكبلتان، هادئًا، مستسلمًا لقدرٍ محتوم. أما عصام، فحافظ على مسافة آمنة، متجنبًا أي اقتراب قد يُفسّر على أنه عاطفي أو غير مهني. حين وصلت التعليمات من الجهة الأمنية السيادية عبر الهاتف الآمن، كانت واضحةً وحاسمة: التزام الصمت التام، عدم التواصل مع أحد، والبقاء في المكتب حتى وصول الوحدة الخاصة. بناءً على ذلك، قام عصام بإيقاف تشغيل جميع الأجهزة الإلكترونية في المكتب، بما في ذلك الحاسوب وكاميرات المراقبة الداخلية، لضمان عدم تسرب أي معلومة. ظلّ عصام جالسًا على كرسيه، لا يزيغ بصره لحظةً عن أدهم، يراقب كل حركة تصدر عنه بعينٍ يقظةٍ متحفزة، كأنّ روحه متأهبة للانقضاض في أية لحظة. لم يسمح لنفسه أن يغفل طرفة عين، إذ كان عقله يدور كعجلةٍ محمومة، يحاول فكّ شفرات ما يحدث، واستيعاب التداعيات الثقيلة التي قد تنفجر في أية لحظة، جرّاء هذه الخطوة الجنونية التي أقدم عليها أدهم. _إنت مستني كتير... والله اعلم إنت مستني إيه. أجابه أدهم بنبرةٍ هادئةٍ توحي بالاستسلام: _مستنيهم يمسكوني... ساد صمت وجيز، قبل أن يسأله عصام، وقد تقلصت نبرة الشكّ لديه إلى شيء من الحيرة الصافية: _قرارك دا جاي من ندم؟ _لأ، عمري ما هندم عاللي عملته. _أومال جاي من إيه؟ _أقولك من إيه ومتزعلش؟ تنهد عصام بمللٍ نافدٍ وقد ضاق منه ذرعًا بما لا يُفهم، وقرر أن يبتلع غضبه في صمت، مُسلمًا الأمر لتقدّم قوات الأمن. ظل جالسًا مكانه لا ينبس ببنت شفة، يراقب عقارب الساعة وهي تزحف نحو المصير، إلى أن لمح أخيرًا، بعد أقل من نصف ساعة، ظلالهم تلوح من خلف زجاج النافذة، قادمين. اقتربت المركبات المصفحة من المبنى كالظلال الصامتة، محركاتها تهدر بهدوء ينذر بالجدية. خمس مركبات سوداء، بزجاجٍ مضاد للرصاص وهياكل مدرعة، توقفت بانضباط عسكري أمام المبنى، انفتحت أبوابها بسرعة منظمة، ونزلت منها وحدة خاصة من قوات الأمن، يرتدون زيًا أسود موحدًا وأقنعة تخفي ملامحهم، مزودين بأسلحة متطورة ومعدات ليلية، وتحركوا كالبرق، يحيطون بالمكان بحركات دقيقة، وعيونهم تتفحص الظلام، ضامنين تأمين المحيط في صمت مهيب. وفي تلك اللحظة، تحرك عصام مسرعًا وفتح الباب. دخلت القوات المكتب كالصقور المنقضة، وبحركات مدروسة أحاطوا بأدهم، الذي كان يقف هادئًا، وتم تقييد يديه وقدميه بأصفاد فولاذية مصممة خصيصًا للأهداف عالية الخطورة، ثم قاموا بكسو رأسه بغطاءٍ أسود، كما لو حُكم عليه بالإعدام فعليًّا. أُخرج أدهم، وأُدخل إلى إحدى المركبات المصفحة التي كانت بانتظاره، وأُغلق الباب المدرع خلفه بصوتٍ مكتوم. وانطلق الموكب نحو وجهةٍ مجهولة، محاطًا بستارٍ من السرية المطلقة. انتقلت العملية إلى مرحلة التعامل الاستخباراتي، حيث بدأت الدولة في نسج شبكةٍ من الإجراءات السرية لتأمين محيطها سياسياً وأمنياً، في سباقٍ مع الزمن لضمان السيطرة الكاملة على تداعيات هذا الحدث التاريخي. كانت الأجواء مشحونةً بالتوتر، وكل خطوةٍ محسوبةٍ بدقةٍ متناهية، إذ لم يكن هناك مجال للخطأ في مواجهة شخصيةٍ بحجم أدهم. بعدها بدأت الجهات السيادية فوراً عملية التأكد من هويته بنسبةٍ تصل إلى اليقين المطلق. اتجهوا به إلى المختبر المصري الذي كان جزء منه عسكري تحت الارض وتم اقتياد أدهم، تحت حراسةٍ مشددة، إلى غرفةٍ معقمةٍ مجهزة بأحدث التقنيات البيومترية. هناك، أُخذت بصمات أصابعه العشرة باستخدام جهاز مسحٍ إلكتروني متطور، يقارن النتائج فوراً مع قواعد بياناتٍ عالمية مشفرة. لم يكتفِ الفريق بذلك، بل أُجريت فحوصات الحمض النووي عبر أخذ عينةٍ من لعابه باستخدام أداةٍ دقيقة، حيث تمت مقارنتها مع عيناتٍ سابقة محفوظة في ملفاتٍ سرية... ومن تلك العملية، اكتشفت الحكومة أولاد ادهم من النتائج أيضا. وفي خطوةٍ إضافية، استُخدمت تقنية التعرف على الوجه ثلاثية الأبعاد، حيث مُسح وجه أدهم بأجهزةٍ تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل ملامحه، مقارنةً بصورٍ وتسجيلاتٍ قديمة. كل هذه الإجراءات، التي أُجريت تحت إشراف فريقٍ من خبراء الاستخبارات، هدفت إلى استبعاد أي احتمالٍ لكون المقبوض عليه بديلاً أو جزءاً من خدعةٍ تمويهية. النتائج، التي خرجت خلال ساعةٍ واحدة، أكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن الرجل هو أدهم نفسه. في هذه الأثناء، كانت عملية نقل أدهم قد بدأت تحت غطاءٍ من السرية المطلقة. بعد تأكيد هويته، تم اقتياده من المختبر إلى قافلةٍ من المركبات المصفحة التي كانت تنتظره خارج المبنى. الموكب كان مكون من خمس مركباتٍ مدرعة مدعومة بطائرةٍ مروحية بدون طيار للمراقبة الجوية، تحرك نحو منشأةٍ عسكرية شديدة التأمين تقع في منطقةٍ نائية. كانت الوجهة عبارةً عن مجمعٍ أمني تحت الأرض، مصمم خصيصاً لاحتجاز الأهداف عالية المخاطر... هذا المجمع، المحاط بأسوارٍ عالية وأنظمة دفاعٍ متطورة، يضم زنازين معزولة مزودة بأنظمة مراقبةٍ مستمرة وجدرانٍ مقاومة للانفجارات. خلال النقل، كان أدهم مقيداً بأصفادٍ إلكترونية تراقب نبضات قلبه وحركاته، ومحاطاً بفريقٍ من النخبة يرتدون أقنعةً ويحملون أسلحةً غير قاتلة لضمان السيطرة دون إثارة أي اضطراب. الطريق إلى المنشأة كان مغلقاً بالكامل من قبل قواتٍ أمنية، وتم تشويش جميع الإشارات اللاسلكية في محيط القافلة لمنع أي محاولاتٍ للتتبع. مع وصول أدهم إلى المجمع، تم إدخاله إلى زنزانةٍ تحت الأرض مصممة خصيصاً له، مزودة بنظامٍ بيئي مغلق يمنع أي اتصالٍ بالعالم الخارجي. هناك، بدأ فريق من المحققين الاستخباراتيين التحضير للتحقيق الأولي، بينما كانت الدولة تستعد لمواجهة تداعيات هذا الحدث على الساحتين الداخلية والدولية، في انتظار قرارات الرئيس ومستشاريه التي ستحدد مصير العملية برمتها. رغم كل الاحتياطات، كان مجرد وجوده بينهم عبئًا نفسيًا ثقيلًا، لا لفرط قوته الجسدية، بل لأنهم يعلمون أنهم أمام رجلٍ جرّد العالم من أوهامه. هذا المخلوق، الذي يُدعى أدهم، لم يكن مجرمًا عاديًا يقتل بدافع أو حاجة، بل كان يرى الفوضى نظامًا، والدم قانونًا، وكان يزرع الموت لا من أجل هدف، بل لأنه يُجيد زراعته. خطره الحقيقي لم يكن في سلاحٍ يُهرَّب، ولا في منظمةٍ تتبعه، بل في عقله... عقلٍ لا يؤمن بالقيم، ولا يتقيد بلغة البشر، عقلٍ يستطيع، وهو جالس وحده، أن يُحدث اضطرابًا دوليًا أشد من أي حرب. كانوا يدركون جيدًا أنهم لم يعتقلوا رجلًا، بل فكرة انحرفت عن الإنسانية؛ فكرة استعصت على الردع والاحتواء. هذا هو أدهم، الاسم الذي صار مرادفًا للرعب، والذي أُجبرت أنظمة بأكملها على تغيير سياساتها لمجرد ورود اسمه في تقريرٍ استخباراتي. لقد نجح في تقويض مفاهيم الأمن والعدالة، لأن وجوده أثبت أن الشر ليس مجرد سلوكٍ منحرف، بل قد يكون عقلًا عبقريًا بلا ضمير، يبتكر طرق الهدم كما يبتكر العلماء العلاج. ولهذا السبب، رغم القيود، ورغم العزلة، ظلّ الخوف حيًّا... لا من قدرته على الهروب، بل من احتمال أنه، في لحظة ما، يريد أن يُطلق شيئًا لم يُطلقه بعد. أما عصام، فقد نُقل هو الآخر إلى مبنى تابع لقوات الأمن، ووُضع في غرفةٍ معزولة، حيث أُبلغ بضرورة بقائه تحت المراقبة المؤقتة لأسباب نفسية وأمنية. جلس هناك، في صمتٍ ثقيل، يحاول استيعاب ما حدث، بينما كانت الأسئلة تتزاحم في ذهنه عن دوافع والده، وعن مصير هذه العملية التي قلبت موازين حياته رأسًا على عقب. ومع اختفاء الموكب في ظلمة الليل... بدأت مرحلةٌ جديدة من التحقيقات، تحمل في طيّاتها أسئلةً ملحّة عن دوافع أدهم، وخفايا شبكته، وتداعيات استسلامه على الأمن العالمي. أما عصام... المحتجز في عزلته، فكان يواجه معركةً داخلية... في انتظار ما ستكشفه الأيام المقبلة من أسرارٍ دفينة. وفي الوقت ذاته، تحركت آلة الاستخبارات بسرعةٍ فائقة لإبلاغ رئيس الجمهورية بالتطورات. *********** ها هو ياسر، في أحد منازله التي لم تعد تعرف السكون، جالس على مكتبه المبعثر بأوراقٍ متراكمة كخرائط حرب، وخلفه سبورة بيضاء تكاد تختنق بما عليها من أسهم وخطوط وأرقام وخطط. لا يذوق النوم، ولا يغفو طرفه، والأرق صار له رفيقًا دائمًا. منكبّ على حاسوبه في صمتٍ مجهد، يخطط بتروٍّ، يدبر بحذر، يراجع بتفانٍ، كمن ينتزع من المستقبل شرارته الأولى. يجتهد بكل ما أوتي من فكرٍ وصبر، يحاول أن ينتشل دولةً أثقلها الخراب، ليمنحها استقرارًا يليق بشعبها ويليق بالعدل. وفي تلك اللحظة رن هاتفه الآمن برسالة نصية، وهو جهاز خاص لا يستخدم إلا في الحالات القصوى. الرسالة، التي وصلت عبر قناةٍ مشفرة من جهاز الاستخبارات العامة، كانت موجزةً ولكنها تحمل وزناً هائلاً: "الهدف ادهم داغر تم القبض عليه، التفاصيل في التقرير المرفق. أوامركم؟". اعتدل ياسر في جلسته فجأة، واتسعت عيناه بجحوظٍ خاطف كأن صاعقة نزلت بين يديه، لا يكاد يصدّق ما تقرأه عيناه. تسارع بأنفاسٍ مكتومة إلى فتح التقرير المشفر المُرفق بالرسالة، فانبسطت أمامه خريطة الحدث بملخصٍ موجز: زمان القبض ومكانه، حالة أدهم البدنية والنفسية، ونتائج الفحوصات الأولية. شرع في القراءة بوجهٍ جامد الملامح، إلا أن عينيه كانتا تكشفان مزيجاً صارخاً من الجدية، الترقب، والذهول الذي يصعب اتقانه. وبعد دقائق ثقيلة من صمتٍ متوتر وتفكيرٍ عميق، أصدر أوامره الحاسمة عبر الجهاز ذاته، داعيًا إلى اجتماعٍ طارئ مع مستشاريه الأمنيين على الفور. ثم وثب من مقعده بعزمٍ لا يخلو من القلق، يدرك تمامًا أن اللحظة تنوء بثقل التاريخ. ارتدى ملابسه على عجل، وغادر المنزل تتبعه حراسته الخاصة وسائقه، منطلقين نحو مقرّ الأمن الوطني بسرعةٍ لا تليق إلا بمن باتت الأقدار تُلقى على عاتقه. ولعلمه أن استدعاء المستشارين قد يستغرق ساعاتٍ طويلة تُهدر فيها لحظات لا تُقدر بثمن، اتخذ ياسر قراره على الفور، سيتجه أولًا لرؤية عصام وأدهم بنفسه. لم يشأ أن ينتظر التقارير ولا التحليلات، بل أراد أن يواجه الحقيقة بعينيه، وأن يقرأ ما خفي بين السطور في ملامح كلٍّ منهما. ففي مثل هذه اللحظات، لا يكون الزمن رفاهية، بل كاشفًا للحقائق ومسرّعًا للقدر. ********** في تلك الأثناء، كان عصام جالسًا في إحدى غرف الأمن القومي، يتوسطها طاولة معدنية باردة، يواجه ضابطًا متجهّم الوجه يحدق فيه بعيون متقدة. وصمت ثقيل يُخيّم على المكان حتى قطعه الضابط بصوتٍ مشحون: _إنت عارف البلوة إللي شوفناها من تحاليل الدي إن اي ولا مش عارف؟ لم تتزحزح ملامح عصام، ظلّ جامد القسمات كمن درّب وجهه على الصخر، ورد بجمودٍ لا يخلو من السخرية المستترة: _بلوة إيه؟ مطلعش أدهم؟ زمجر الضابط حانقًا وقد اشتعلت نبرته: _والله يا عصام إنت طلعت راجل خبيث... من يومك وإنت خبيث ووسخ... بس متوقعتهاش منك للدرجادي، لأ ومش إنت بس... دا إنت ومصطفى والبت الصحفية كمان.. عاملين لعبة بمصر بروح أبوكم؟ تبقوا عيال السفاح دا وتعملوا نفسكوا شرفاء أصحاب عدالة؟ وانتوا تلاقيكوا بتساعدوه من ورانا. ظل عصام صامتًا لوهلة، يرمق الضابط بنظرة باردة حادة، ثم أجاب بثبات لا يتزعزع: _أنا مش فاهم إنت بتتكلم عن إيه. زمجر الضابط من جديد، وقد بدا وكأن نيرانًا تشتعل في صدره: _خليك فاهم كده لحد ما نعملك تشريفة حلوة كده تفكرك أيام ما كنت في بطن أمك!! وفجأة، انفتح باب الغرفة بعنف، ودخل ياسر بصحبة حارسين، فنهض الضابط وعصام معًا في لحظة واحدة كأن الصدمة صعقتهما. ما إن دخل، حتى أمر ياسر بصرامة حادة: _اطلع برا. فأطاع الضابط الأمر دون نقاش، وخرج هو والحراسان، لتخلو الغرفة لياسر وعصام وحدهما. نظر عصام إلى ياسر بقلقٍ ظاهر، وفي عينيه لمعة ترجٍّ خافتة: _س.. سيادة الريّس. وبلا مقدمات، أخرج ياسر مسدسًا وأطلق رصاصتين سريعتين على كاميرات المراقبة المُثبتة في الزوايا، فارتجّ عصام بشكل طفيف وقد توهّم أنه الهدف. لكن ياسر بادره بنبرة مطمئنة: _متقلقش يا عصام... احكيلي كل حاجة. رد عصام على الفور، بانفعالٍ يخالطه رجاء: _قبل ما أحكيلك، حضرتك لازم تنقذ إخواتي... كلهم اتعرفوا إنهم ولاد الـ**** دا.. وكلها مسألة وقت بعد إعدام أدهم هما كمان يتعدموا، بالله عليك اعمل حاجة ليهم. أومأ ياسر برأسه، وقال بنبرة صارمة لكنها مطمئنة: _مش عايزك تشيل هم ناحية الموضوع دا، احكيلي دلوقتي انت ازاي قبضت عليه. هنا انفرجت شفتا عصام عن الحقيقة المُذهلة: _أنا مقبضتش على حد، الراجل جه وسلّملي نفسه، وأنا مش مرتاح من الحركة دي... والله دا لو اتعدم مش هصدق إنه مات، وهحس إنه هيطلع من تحت التربة يقتلنا كلنا. عقد ياسر حاجبيه، وقد اجتمعت في وجهه الحيرة والذهول، وردّ بدهشة: _سلّم نفسه؟! _آه والله العظيم. ساد الصمت لوهلة، بينما ظل ياسر واقفًا مكانه، وقد تقطّبت ملامحه في تفكّرٍ عميق كأن الكلمات الأخيرة التي سمعها أعادت ترتيب خرائط الإدراك في عقله. كيف لرجلٍ كأدهم، ملعونٍ بالدماء والخراب، أن يسلّم نفسه طواعية؟ أهي خدعة؟ مناورة؟ أم أن خلف هذا السكون عاصفة لم تُكشف بعد؟ ظلّ ياسر يتأمل الفراغ بنظرات مشوشة، عقله يفتّش في الظلال عن إجابة واحدة تطمئن الشك، لكن ما من شيء منطقي يُفسر تلك الخطوة الغريبة. ومع ازدياد غموض الصورة، لم يجد سبيلًا إلا المواجهة. ففي مثل هذا الملف المسموم، لا تنفع التقارير ولا يشفي الحيرة سوى العين والنبرة. اتخذ قراره أخيرًا، دون إعلان، أن يذهب إليه... إلى أدهم نفسه، ويحادثه وجهاً لوجه، علّه يلمح في صوته أو عينيه حقيقةً تُضيء هذا الليل الكثيف. هنا أخرج ياسر هاتف عصام من جيبه، ومدّه إليه وهو يقول بنبرة هادئة: _خد، طمّن أهلك وقولهم انت عملت إيه... كده كده مش هيصدقوك. وخليك جنبي في خطواتي، تمام؟ تناول عصام الهاتف، ثم رفع عينيه إلى ياسر وقال بصوتٍ مفعم بالامتنان والالتزام: _أمرك يا فندم. خرجوا كلهم وتابعه عصام ياسر كظله وركبا سيارة واحدة وانطلقت السيارة بسرعةٍ ثابتة، يتقدمها موكب أمني مصفح، يشق ليل العاصمة الثقيلة بأضواءٍ لا تهادن الظلمة، وكانت الوجهة قاعدة عسكرية سرية قريبة من مقرّ الأمن الوطني. تحت الأرض بعدة طوابق، وراء أبوابٍ إلكترونية فولاذية تُفتح بتسلسلٍ مشفر وعبر بصمات متعددة من قيادات مختلفة، توجد الزنزانة العملاقة التي خُصصت في حكم فاروق الألفي خصيصًا لهذا اليوم، لهذا الرجل، لهذا الجحيم المتجسد. الطريق إلى الداخل كان كالمتاهة، تُحاكي في بنائها أنفاق التحصينات الحربية، مزودة بكاميرات حرارية، وأجهزة استشعار دقيقة، وأبوابٍ لا تُفتح إلا بتنسيقٍ ثلاثي، ولا تُغلق إلا بتوثيقٍ رقمي صامت. حتى الهواء كان محسوبًا، محكومًا، كأن المكان لا يعترف بوجود البشر إلا كأجسادٍ تُرصد وتُقيد. وحين انتهى النزول إلى القاع، وضع ياسر أمام الزنزانة... التي كانت أشبه بغرفة فولاذية ذات واجهة زجاجية مقاومة للرصاص والانفجارات وبها صعق كهربائي في حالة السجين إن لمسه، يمكن رؤيتها من الخارج، ولا يرى من فيها من يقف خلف الزجاج إلا في حال الإضاءة المُباشرة. وقف ياسر أمام الزجاج، وعيناه تتفرسان في الداخل. هناك، في منتصف الغرفة المعزولة، كان يجلس أدهم... جسد صلب، ساكن كالصخر، مكبّل من الرسغين والكاحلين بسلاسل متصلة بالأرض، ورغم القيود، جلس مرفوع الرأس، كأن القيد ليس إلا تفصيلة عابرة في هيبته المتجذرة. عيناه نصف مغمضتين، لا توحيان بخوفٍ ولا خضوع، بل بسكونٍ مخيف، كأن داخله يحادث شيئًا آخر لا يُرى. رأه ياسر للمرة الاولى في حياته بشكل مباشر وشعر في تلك اللحظة بانقباضٍ غريب في صدره. لم تكن رهبة فقط، بل شيء أشبه بالرهان على العقل أمام وحشٍ لا تُقرأ نواياه. تساءل في نفسه: هل هذا رجل هُزم؟ أم إعصار قرر أن يصمت قليلاً قبل أن يعصف من جديد؟ بقي واقفًا هناك، يحدّق فيه، بينما داخل الزنزانة ابتسم أدهم بتلك الابتسامة الخافتة الملتوية، التي لا تُترجم بسهولة، ثم رفع راسه لهم ووقف في مكانه، مكبّلًا، لكن صوته ظلّ نافرًا، متحديًا، وهو يخترق الزجاج: _أهلاً برئيس الجمهورية البطل، اللي أول إنجاز ليه أول ما قعد عالكرسي إنه يقبض على أخطر راجل في العالم. قولي بقى يا ريس، لما تاخد المليار دولار اللي على راسي، هتديها لعصام ولا هتاخدها للدولة؟ ابتسم ياسر، ابتسامةً هادئة لا تخلو من صلابة، ثم تقدم بخطوات واثقة نحو الحائط الزجاجي، واقترب منه حتى لم يعد بينه وبين أدهم سوى صمت كثيف ونبض متوتر. قال بنبرة ثابتة: _ده هدفك بقى؟ جميل... وبعد ما تحققه، هتعمل إيه؟ رد أدهم ببرودٍ ساخر، رافعًا منكبيه وكأن الأمر لا يعنيه: _يعني هعمل إيه؟ هموت... هتعدم... هتدفن... يعني الحاجات دي. قال ياسر وهو يحدق فيه بنظرة ثابتة: _إنت مابتموتش يا أدهم... وإنت عارف كويس إنك كده. أجاب أدهم بهدوء وثقة غريبة: _ليه يعني؟ أنا مجرد إنسان عادي. في تلك اللحظة، لم يتمالك عصام نفسه، وخرج منه صوت لا إرادي ينضح بالاعتراض والسخرية من تلك العبارة، فما كان من ياسر إلا أن رمقه بنظرة صامتة، ليقول عصام معتذرًا بسرعة: _ا... أنا آسف سعادتك... يعني إنت مش شايف هو بيقول إيه؟! أنا آسف، اعذرني. لكن ياسر تجاهله، وأكمل بنبرة ساخرة وهو لا يزال يحدّق بأدهم: _يعني إنت جاي تستوعب دلوقتي بعد خمسين سنة إنك إنسان عادي؟ عشان كده سلمت نفسك ولا إيه؟ مين بقى اللي أقنعك بكده؟ قال أدهم باقتضاب، دون أن يغيّر نبرته: _مالكش فيه. ساد صمت كثيف للحظة، بينما ارتسمت الحيرة على وجه ياسر، لا لضعفٍ في الحزم، بل لثقل السؤال الذي كان يمزّق ذهنه بصمت: ما غاية هذا الملعون؟ كيف لرجلٍ كأدهم، لم يُهزم قط، أن يسلّم نفسه؟ استغرقه شرود عميق يخسى قد يصله للعجز، لم يكن العجز عن اتخاذ القرار نابعًا من صعوبته، بل من ما يكمن خلفه من احتمالاتٍ مخيفة. فالمعضلة لم تكن في إعدام أدهم، بل في ما بعد الإعدام... ماذا سيحدث حين يُعلن للعالم أن الوحش قد أُسر، وأنه حُكم عليه بالفناء؟ أحقًا ستكون تلك نهايته؟ أم أن سقوطه المعلن هو بداية لكابوس أعظم، يُولد من رماده؟ كان العقل يتخبّط بين الشكوك، والخوف من أن تكون تلك اللحظة مجرد شرارة في فتيل حربٍ خفية لم تبدأ بعد. وفجأة، قاطعه صوت أدهم، يخترق سكون تفكيره: _استأذنك يا سيادة الريس، تنفذلي طلب؟ زجره عصام بغضبٍ مشتعل: _هو الريس شغال عندك يا ****؟ رفع ياسر يده نحو عصام، في إشارةٍ صامتة ليهدأ، ثم عاد ببصره إلى أدهم وقال بهدوءٍ مشوبٍ بالتيقظ: _قول يا أدهم... عايز إيه؟ ********* في تلك الساعة المتأخرة من الليل، كان سليم لا يزال مستيقظًا، غارقًا في بعض الدراسات المتعلقة بمستقبله المهني ومشروعه. كان السكون يخيّم على الأرجاء، ولم يقطعه سوى رنين هاتفه المفاجئ، صوت اخترق الصمت كصفعة، جعل قلبه ينتفض بين ضلوعه، خصوصًا أن عصام كان المتصل. أمسك بالهاتف بسرعة، ثم قال: _أيوة يا عصام! فينك يا بني؟ جاءه صوت عصام مقتضبًا، نافذًا، لا مجال فيه للتأخير: _الريس محتاج والدتك حالًا! _نعم؟! _بسرعة يا سليم، صحيها... الريس محتاجها دلوقتي، متخافش، أنا هبقى معاها وهطمنها عليك. _عصام، في إيه؟! أنا مقدرش أخسر حد تاني... أنا مستحيل أخسرها!!! _يا حبيبي، مش هتخسر حاجة، الريس طالبها دلوقتي، وأنا هبقى معاها. قال سليم، وهو مُصرّ على أن يعرف، وقد تعالى صوته: _ودا عشان إيه؟؟!! فجاءه رد عصام بصيحةٍ تحمل وقع الحقيقة المرعبة: _عشان أبوك اتمسك، وهو طالب يشوفها دلوقتي، متسلسل دلوقتي زي البهيمة ومحتاج يتكلم معاها، وأنا والريس هنبقى معاها وهنحميها، متقلقش!!! كانت نبرة عصام مشبعة بالجدية والعجلة، نبرة لا تسمح بالرفض ولا تترك مساحة للتردد، جعلت سليم يصمت لوهلة، كأن الكلمات انغرست في صدره كحدِّ السكين، ثم قال بصوتٍ مرتجف: _إنت بتتكلم بجد يا عصام... أدهم خلاص اتمسك..؟؟ _أيوة... خلاص يا سليم... خلاص، أرجوك هات ديميت، خلينا نخلص من الموضوع دا... أرجوك. أغلق عصام الخط، وساد صمت طويل، وظل سليم جالسًا بلا حراك، نظراته شاخصة، وتفكيره مسمّر بين التهيع والصدمة. كيف يستوعب هذا النبأ الذي لم يكن يتخيله في أسوأ كوابيسه أو حتى أجمل أحلامه؟ أبوه... أدهم، ذلك الجبل الذي لا يُطال، سُجن؟! وطلب أن يرى ديميت؟! لماذا؟! تاه عقل سليم بين احتمالاتٍ لا حصر لها، بين صور قديمة وتوقعات غامضة، بين الخوف والرهبة، والدهشة والارتباك، لكن ما إن همّ بالتحرك، حتى فوجئ بأن ديميت تقف خلفه عند باب الغرفة، وقد استيقظت على صوته دون أن يشعر، ويبدو أنها سمعت كل شيء. لم تكن نظرتها كسيرة، بل كانت نظرة امرأة تدرك ما ينتظرها، وتشعر بوجعٍ لم يفاجئها، بل كانت مهيّأة له منذ زمن. نظرت إليه نظرةً ثابتة، مشبعةً بالطمأنينة الصامتة، ثم قالت: _خليك جنب ريان لحد ما أرجع... مش عايزاك تقلق. قالتها ديميت بنبرةٍ حانية، وهي تهمّ بالانصراف، لكن سليم تحرك على الفور، واقترب منها بخطًى سريعة، تتقدّمها رغبة في الحماية، وقال بصوتٍ مفعمٍ بالقلق: _أنا لازم أجي معاكي، مينفعش أسيبك لوحدك. عندها، رفعت ديميت يديها برفق، ووضعت كفّيها على وجنتيه، محاولة منها في تثبيت قلبه من الارتجاف، وحدقت في عينيه الخضراوين بنظرةٍ نافذةٍ راسخة، وقالت: _سليم... مينفعش تبقى مهزوز كده. إنت لو عايز تنقذ كل اللي حواليك، فلازم تثق فيهم... ارتعشت شفتاه، وهو يتمتم بحسرةٍ لم تُخفَ وراء صلابته: _أنا وثقت في واحدة... وراحت مني... تابعت ديميت، وكأنها تنزع الأشواك عن قلبه بكلماتٍ ناعمةٍ قاسيةٍ في آنٍ معًا: _ده قدر ربنا. إنت شوفتها وهي بتحاول تنجو... شوفتها وهي مش عايزة تخذلك، شوفتها وهي عايزة توفي بوعدها وترجع معاك. اللي حصل لها ماكانش غلطتها، ولا كان بإرادتها، ولا كان بسببها. كانت تستحق ثقتك، زي ما كلنا نستحقها برضه. كلماتها انسابت كالمطر فوق جفاف روحه، تفتت داخله شيء من الغضب والقهر، وظل يحدق فيها بمشاعرٍ مختلطة، وعينيه تنطقان بكل ما عجز لسانه عن قوله. ابتسمت له الابتسامة التي تُشبه وعدًا لا يُقال، وقالت برفقٍ يُخفي جبالًا من القوة: _أنا هروح ألبس... ومش عايزاك تخاف، عصام هيحميني كويس، وأنا عارفة. ظلَّ سليم واقفًا في مكانه، لا يتحرك، فيما عيناه تلتهمان ملامح والدته التهام الظامئ، وتستودعان تفاصيل وجهها في ذاكرةٍ مذعورة، تخشى أن تكون هذه اللحظة آخر عهدٍ له بها. بعدها جعلته ينحنى برأسه نحوها بخشوع الطفل الذي يبحث عن ملجأه الأول، وهي مدت يدها بخفةٍ تزيح خصلات شعره عن جبينه، وطبعت عليه قبلةً دافئة، مشبعة بكل الكلمات التي لم تُنطق. قبلة تُطمئنه وهي ترتجف من الداخل، وتغرس في صدره بذور القوة بينما تسحق في أعماقها رعشة الخوف التي لا يراها سواها. ثم استدارت ومضت نحو غرفتها، تخطو بخطى ثابتة. ارتدت ملابسها في صمتٍ مُهيب، ثم أخذت نفسًا عميقًا في محاولة أخيرة لتجميع فتات الطمأنينة المبعثرة داخلها، وخرجت. وفي الأسفل، كانت السيارة السوداء بانتظارها عند مدخل البناية، محركها يهمس بصوتٍ خافتٍ أقرب إلى الهمهمة، والشارع ساكن كأن المدينة بأكملها تكتم أنفاسها. خرجت ديميت إليهم وفتحت الباب الخلفي وجلست بهدوء، ثم ناولها أحد الرجال قماشة سوداء، وقال: _حطيها على عينيكي. أخذتها ديميت وربطتها حول عينيها بصمتٍ رزين، وجلست على حالها، ثابتة الهيئة، مضطربة القلب. في داخلها كان سكون كاذب، لا هو خوف ظاهر، ولا طمأنينة كاملة. نبضات قلبها تدق بإيقاعٍ مصطنعٍ من الهدوء، فيما عقلها يتقلّب بين الوجوه والأصوات، يتتبع خُطى قد تقودها إلى زمنٍ لم تبرأ منه قط، إلى ندبةٍ لا تزال تنزف رغم السنين. وفي الأعلى، كان سليم قد بلغ الشرفة، واقفًا بجسده المنهك، يراقب السيارة وهي تبتعد، تنسلّ من حياته كما انسلت أشياء كثيرة من قبله. عيناه جامدتان، لكن داخله كان يعجّ بصخبٍ مكتوم، كبحرٍ تثور أعماقه تحت سطحٍ ساكن. لم يكن خوفه عليها فقط... بل مما قد توقظه هذه المواجهة في ذاكرتها، وماذا قد يفعل لقاؤها بذلك الرجل، ذلك الكائن الذي لا يحمل اسمًا إلا ما تمنحه إيّاه الفجيعة. شعر سليم كأن قلبه خُطف معها حين غادرت، وبقي هو، جسدًا واهنًا فوق هذا السطح البارد، تتقاذفه مشاعر متشابكة، وذاكرة تأبى أن تتعلّم كيف نتقبّل الكواقف الصعبة حين تأتي ونحن في منتصف الحكاية. وصلت ديميت إلى المقر العسكري تحت حراسة مشددة، وترجلت من السيارة بمساعدة أحد الحراس الذي أمسك بذراعها برفق، يوجّه خطواتها بحذر نحو المدخل، حيث كان ياسر وعصام واقفين في صمتٍ مترقب. وما إن وصلت إليهما، حتى أشار ياسر للحارس أن يتركها، ثم التفت إليها قائلًا بنبرة مطمئنة: _تقدري تشيلي اللي على عينيكي دلوقتي.. متخافيش. رفعت ديميت يديها ونزعت القماشة عن عينيها لتنكشف سحرهما الأخضر في وهجٍ خاطف. هنا تطلع إليها ياسر للحظة، ثم قال بهدوءٍ محسوب: _اتفضلي معانا. وقبل أن تخطو، سألت بصوتٍ مرتجف فيه بقايا ذهول: _انتوا قبضتوا على أدهم بجد؟ نظر ياسر إلى عصام نظرةً سريعة، فهم منها الأخير ما يجب فعله، فأجاب بدوره: _أيوة.. وهو دلوقتي في أوضة متأمّنة تحت الأرض.. تعالي معانا، مش عايزك تخافي. سارت ديميت معهما، وخطواتها بطيئة كما تمشي في حقل ألغام من الذكريات، تمرّ عبر ممرّات معدنية وأبواب إلكترونية محكمة، أنفاق متداخلة تنحدر بهم نحو القاع. كلما تقدّمت خطوة، اشتدّ قلقها... فداخلها، رغم كل شيء، لم تطمئن. أدهم ليس رجلًا يُؤسر بسهولة، ولم يكن يومًا غافلًا؛ فقد زرع فيها الرعب والمكر بما يكفي لأن تشكّ بكل صورة يظهر فيها ضعيفًا، وشيء ما في أعماقها يهمس: ربما هذه لعبة جديدة، خدعة مدبّرة، وربما وجودها هنا جزء من هذا السيناريو القاتم. حتى حين توقفت أمام باب الزنزانة، ظلّ الشك يزيد من غصتها كأفعى تلتفّ حول عنقها. لكن حين انفتح الباب، ودلفت إلى الغرفة الزجاجية، حدث الصمت. هناك، في قلب الفراغ البارد، رأت أدهم. جالسًا، مكبّل اليدين والقدمين، بسلاسل معدنية ضخمة مغروسة في أرضية فولاذية تسمح له بأن يتحرك أمتارًا محدودة، رأسه مرفوع، وعيناه ثابتتان، وفي وجهه ما يشبه الرضا أو الترقب، لا أثر فيه للذعر أو الخضوع. ابتسم حين رآها، بتلك الابتسامة الملتوية، التي لا تُقرأ إلا كعلامة على خبثٍ مختزن لا يفنى. في تلك اللحظة، تجمّدت ديميت، وارتجف قلبها دون أن يظهر ذلك على ملامحها..فقد رأته اخيرًا بوجهه الحقيقي هناك، جلادها، مغتصبها، شيطانها الذي لا ينام. وقف أدهم خلف الزجاج الثقيل، مكلَّلًا بالأصفاد، لكنه لم يفقد ذلك الخيط الرفيع من التحكم البارد في ملامحه. نظر إلى ديميت بنظرةٍ هادئة تحمل نبرة شخصية، ثم قال بصوتٍ خافت، ساخرٍ مألوف: _إزيك يا ديدي. أجابته ديميت ببرودٍ وجمود، وصوتها أشبه بسطحٍ جليدي لا يسمح بالنفاذ: _طلبتني ليه؟ صمت أدهم لثوانٍ، وعينيه تتحركان بين ياسر وعصام، كأنّه ينتظر منهما شيئًا، حتى فهم ياسر مغزى النظرة فقال له بحزمٍ قاطع: _إحنا هنبقى هنا... متتخيلش إننا نسيبها لوحدها. أومأ أدهم برأسه، ثم اقترب خطوةً نحو الزجاج، وصوته لا يخلو من دهاءٍ خبيث: _عرفت إنك بقيتي من مديرين حملة "اعتني بالجوهرة"... معرفتيش من خلالها أي معلومة عن أبوكي؟ أجابته بحدةٍ محكمة، وكلماتها كطلقات مدروسة: _مفيش معلومات بتجيلي غير إنه راجل وسخ وبيعلب بالناس بأبشع الطرق الممكنة. ساد الصمت من جديد، إلى أن قال أدهم: _مجربتيش تدوري عليه تاني؟ اجابت بنفاد صبر: _إنت عايز إيه من كل الأسئلة دي؟ _لا بس... حاسس إن المفروض تحطوا هدف أساسي في القضاء على السجون بتاعته دي بإنكوا تدوروا عليه بالفعل! ثم نظر إلى ياسر، موجهًا له الحديث بنبرة شبه ساخرة: _مش كده يا ريس؟ تجمدت نظرات ياسر الباردة القوية عليه، دون أن يُجيب، بينما عاد أدهم ينظر إلى ديميت، كمن ينتظر منها أن تسقط في شراك تلميحاته. لكنها قابلته بتهكمٍ بارد: _إنت دلوقتي بقيت الشخص اللي هتوجهنا للطريق الصحيح؟ ارتسمت على وجه ياسر ابتسامة خفيفة، تنمّ عن إعجابٍ خفي بردودها عليه، ليردف أدهم وقد مالت نبرته إلى الادّعاء: _هتنكري إني ساعدتك؟ هتنكري إني ساعدتهم؟ ثم التفت نحو عصام، وقال بثقة: _هتنكر يا عصام؟ هتنكر إني عرفتكوا على حاجات كتير ونجدتكوا من الغرق... إيه؟ ناسي نور الصاوي يا جدع؟ ظل عصام يحملق فيه صامتًا، ولم ينبس ببنت شفة. عندها قالت ديميت، بنبرة حاسمة تقطع الوهم: _ماشي يا أدهم... عشان القاعدة دي متطولش، قولي كل اللي عايز تقولهولي. سكت أدهم لحظة، ثم قال بنبرة عميقة: _عايزك تدوري على أبوكي... في كل هيئة، في كل شكل، في كل وش، في كل مكان. خلي الريس يساعدك، حاولوا تحطوا الراجل ده في دماغكم أكتر من كده شوية. ثم التفت إلى ياسر مباشرة: _استعين ببروفيسور يوسف يا ريس، ده مش بس مخترع... ده رائد أعمال وراجل ذكي. استشيره في أمور الدولة، خصوصًا اللي تخص واحد صاحبه قالب الدنيا كده... مش عيب. أجابه ياسر، مستمرًا في سخريته المتماسكة: _آه يعني إنت جايب المدام لهنا، وممشورها تلات ساعات عشان تقولها البُقين دول؟ قال أدهم بنبرة واثقة، فيها تلميح لا يخلو من الغرور: _هما بالنسبالك بُقين... بس بالنسبالها لا... نظر ياسر إلى ديميت ليجدها شاردة، غارقة في موجةٍ من التفكير، كما لو أن كلماته تسللت إلى شقوق عقلها وأثارت شيئًا لم يكن قد استيقظ بعد. قرأ في عينيها ما يكفي ليعلم أن اللقاء قد أخذ منحاه، فأمر بإنهائه. وبعد الخروج، بينما كانوا يسيرون عبر الممرات المعدنية في طريق العودة، التفت ياسر إليها وقال بنبرة هادئة: _تسمحيلي قبل ما تمشي نقف شوية وتحكيلي التفاصيل المهمة عن والدك؟ أومأت ديميت برأسها سريعًا، وقالت دون تردد: _أكيد طبعًا... أكيد. دخل الثلاثة إلى إحدى الغرف الجانبية، كانت بسيطة المظهر، لكنها مشبعة بجوٍّ من الترقب. أشار ياسر إلى أحد المقاعد، فجلست ديميت في صمت، بينما ظلّ هو وعصام واقفين على مسافةٍ منها، ناظرين إليها، ثم بادرها ياسر بنبرة جادّة: _تقدري تفهميني كل حاجة تخصه بالضبط؟ جلست ديميت بثباتٍ ظاهري تخفي خلفه اضطرابًا مكتومًا، وعيناها معلقتان بالأرض، كأنها تنقّب في ذاكرةٍ متآكلة عن ملامح والدٍ غامض. رتبت أفكارها بصمتٍ، ثم قالت بصوتٍ فيه مرارة قديمة: _من خمسة وعشرين سنة جالي خبر موته وهو في تركيا... وقتها مكنش عندي القدرة إني أروح أحضر جنازته، ولكني عملت حسابي إنه مات خلاص. وبكده، أي أخبار كانت بتتبعتلي عن عالم شرير بيقتل أمهات ولاد أدهم، أو عامل سجون تستبعد الناس ويتعمل عليهم تجارب علمية، أو عنده أقوى عصابة في العالم حتى عصابة أدهم متقدرش عليها... كنت بستبعد تمامًا إن دا يكون أبويا. لأنه خلاص ميت... لكن، كنت ساذجة. واضح إنه زيف موته عشان يمارس طغيانه بعيد عن أنظار العالم.... بعدها سافرت تركيا بنفسي، دورت عليه، بس كل اللي قابلته من الأهل والمعارف أكدولي إنه مات، ووروني شهادة الوفاة... حتى أنا ورثت من بعد موته. بس ازاي؟ أبويا لسه عايش... وعايز يفضل ميت في حياتنا. واهو دلوقتي، بعد ما خلّص على أمهاتهم... بيسعى يقتل ولاد أدهم عشان يستحوذ على قواهم. ساد الصمت للحظة، تبادل خلالها ياسر وعصام النظرات، ثم عاد ياسر يسأل: _لما روحتي تركيا، محدش قالك عنه أي حاجة قبل ما "يموت"؟ مواعيد خروجه مثلًا؟ أو قعدته في البيت؟ قالت ديميت، وهي تحاول أن تستعيد التفاصيل: _كنت روحت قرية بعيدة، مكنتش متوقعة إن بابا يكون عنده بيت هناك... جارته حكتلي حاجات غريبة أوي عنه. كانت بتقولي إنه أول ما جه القرية دي كان بيدور وبيسأل أهلها عن تفاصيل غريبة كأنه بيحقق. وكان ممكن يختفي أيام برا البيت، وسنين جواه... أطول مدة قعدها جوا بيته كانت سنتين ماخرجش فيهم أبدًا. وبعد السنتين دول، خرج مرة، ومارجعش بعدها أبدًا... وساب كل حاجاته المهمة والشخصية وراه. سألها عصام باندهاش: _ومدخلتيش البيت عشان تشوفيه؟! _دخلت... بس اللي مجنّدهم مدوليش فرصة أدور فيه كويس. الست دي قالتلي إنه في يوم، سمعته بيصرخ جامد، وراحلها بيخبط على بابها بيستنجدها بأي وسيلة يهرب بيها من القرية... بس هي ماكانش عندها حاجة تساعده بيها. بعدها رجع بيته متكدر ومتعصب، وتاني يوم لما سألته، أنكر كل حاجة، وقالها إنه نايم طول الليل، وماعملش أي حاجة من دي... وكان شخص تاني تمامًا عن اللي شافته بالليل. عادت ديميت لصمتها، فاستغل ياسر اللحظة ليسأل بنبرة تحليلية: _طب... إنتِ مش فاكرة شخصية أبوكي كانت إزاي؟ ملاحظ إنك صدقتي بسرعة إنه ممكن يكون هو العالم الشرير ده. هل لأنك فعلًا كنتِ شايفاه مجنون كده؟ ولا كان طبيعي؟ _أبويا كان طبيعي... كان أب عادي، مفيش مواقف مميزة افتكرهاله لا حلوة ولا وحشة. بس كان كتوم، انطوائي، مش بتاع مشاعر... وكل ما كنت أكبر، كل ما كنت أحس إنه بيبعد، ويختفي بحجة الشغل. لحد ما اختفى فجأة، من غير وداع. _طب ليه مدافعتيش عنه؟ بدل ما تدوري على دليل يدينه، تدوري على دليل يبرأه؟ _كنت بفكر نفس تفكيرك... بس دا كان قبل ما إبراهيم يرجع. إبراهيم شافه، وقعد معاه، واتكلم معاه كلام ما يتوصفش... كلام يثبت إنه طاغية ومستبد، وكل حاجة اتقالت عنه طلعت صح. ساعتها، أنا بطّلت أدور... ولا عايزة دليل يبرأه ولا يدينه. كل اللي عايزاه، إني أحمي ابني، وأساعد ضحايا أبويا... لأني حاسّة إني مسؤولة عن دا. سكت ياسر لحظة، ثم سألها: _مسكتي المسؤولية المالية والإدارية اللي كانت هدى مسكاها، مش كده؟ أومأت برأسها وقالت: _صحيح... محدش يقدر يعوّض غيابها، لأنها كانت مميزة، الله يرحمها... بس كلنا بنحاول، عشان الناجيين. ابتسم ياسر بخفة، وقال: _طب يلا... هنوصلك لعربيتك عشان ترجعي لابنك، وبنعتذر على المفاجأة دي. قالت ديميت، وملامحها ثابتة، عيناها لا تزال معلقة بالأرض: _مفيش مشكلة يا سيادة الريّس... إحنا تحت أمرك. غادر الثلاثة الغرفة، واتجهوا إلى المخرج بخطى متزنة، ورافقهم الصمت كظلٍّ خافت لا يختفي. عادت ديميت إلى سيارتها، وانطلقت في طريق العودة إلى ابنها، بينما في اللحظة ذاتها، رنّ هاتف ياسر برسالة قصيرة: "اجتماع المستشارين قد اكتمل... الجميع بانتظارك." أغلق الهاتف، ثم التفت إلى عصام بجانبه وقال: _أنا هروح إجتماع دلوقتي خليك انت هنا لحد ما يجيلك اللي يقولك دورك بالظبط خلال الساعات الجاية. ********* َوفي قلب القصر الجمهوري، حيث تتشابك خيوط القرارات المصيرية، استعد ياسر لخوض مرحلةٍ جديدة من هذا الحدث التاريخي الذي هز أركان الأمن الوطني. كانت الساعة تشير إلى فجر يومٍ لم ينم فيه أحد من كبار المسؤولين، وكان الرئيس ياسر، بثوبه الرسمي الداكن وعينيه المتقدتين بالعزم، يقف على رأس غرفة العمليات السرية. وبأمرٍ مباشرٍ من ياسر، عُقد اجتماع طارئ في غرفة العمليات، حيث تجمع نخبة من كبار المسؤولين في تشكيلةٍ تمثل عقل الدولة وقلبها. كان الحضور يضم وزير الدفاع، الذي دخل بزيه العسكري، حاملاً ملفاً يحتوي على تقييماتٍ أمنيةٍ فورية، ووزير الداخلية، الذي كان قد أشرف بنفسه على تأمين العاصمة تحسباً لأي اضطراباتٍ محتملة، ومدير المخابرات العامة، الذي قدم تقريراً مفصلاً عن عملية القبض ونتائج التحقق من هوية أدهم، والمتحدث الرسمي باسم الرئاسة، الذي بدأ بتدوين ملاحظاتٍ لصياغة بيانٍ محتمل، وأخيراً المستشار الإعلامي، خبير التواصل الاستراتيجي، الذي كان يفكر بالفعل في كيفية عرض الحدث على الساحة الدولية. وجلس الجميع حول طاولةٍ بيضاوية، فيما تعرضت على الشاشات العملاقة خرائط وتقارير وصور لأدهم أثناء نقله. وبدأ النقاش بتساؤلٍ مركزي طرحه ياسر بنبرةٍ هادئةٍ حاسمة وهو كيفية تحويل هذا الحدث إلى انتصارٍ وطني دون المساس باستقرار البلد أو علاقاتهم الدولية؟ تناول النقاش عدة محاورٍ بدقةٍ متناهية. أولاً، توقيت الإعلان.. وهنا اقترح وزير الداخلية تأخير الإعلان حتى يتم تأمين البلاد بالكامل، بينما رأى المستشار الإعلامي أن إعلاناً مبكراً قد يعزز صورة الدولة كقوةٍ أمنيةٍ لا تُقهر، شريطة أن يُصاغ بعناية. ثانيا كيفية عرض الحدث للعال.. وهنا قدم المتحدث الرسمي مسودةً أولية لبيانٍ يركز على كفاءة الأجهزة الأمنية المصرية، مع تجنب أي تفاصيلٍ حساسة عن أدهم أو دوافعه. ثالثاً، مدى مشاركة الدول الأخرى وهنا، أشار مدير المخابرات إلى ضرورة إبلاغ الدول الكبرى مسبقاً، لتفادي أي ردود فعلٍ دبلوماسيةٍ غير متوقعة، لكنه حذر من مشاركةٍ مفرطة قد تُضعف سيطرة مصر على العملية. وأخيراً، مصير أدهم..وكانت التساؤلات هل يُحاكم في مصر، مما يعزز السيادة الوطنية، أم يُسلم لدولةٍ أخرى بناءً على اتفاقياتٍ دولية؟ هذا السؤال أثار نقاشاً حاداً، حيث أصر وزير الدفاع على المحاكمة في مصر لإثبات قوة القضاء، بينما دعا المستشار الإعلامي إلى دراسة الخيارات لتفادي أي ضغوطٍ خارجية. خرج الاجتماع بخطةٍ أولية، تخضع لموافقة ياسر النهائية، مع التأكيد على أن كل خطوةٍ ستُنفذ بحذرٍ ودقة. وفي ختام الاجتماع، وقف ياسر، وأصدر أمراً صريحاً بعدم الإعلان عن أي شيءٍ يتعلق بأدهم حتى يتم تأمين البلاد بالكامل، وكانت نبرته تعكس إدراكاً عميقاً لخطورة الموقف، إذ قد يؤدي تسريب مبكر إلى اضطراباتٍ داخلية أو ردود فعلٍ دولية غير محسوبة. بناءً على هذا الأمر، أُرسلت تعليمات فورية إلى جميع الأجهزة الأمنية لرفع حالة التأهب إلى الدرجة القصوى. وتم تعزيز الحراسة حول المنشآت الحيوية، مثل المطارات والموانئ والسفارات، وتكثيف عمليات المراقبة في الشبابية والمناطق الحدودية. كما أُمر رؤساء الأجهزة بمراجعة جميع الاتصالات الداخلية للتأكد من خلوها من أي تسريبات، مع تفعيل برامج تشويش على الإشارات في محيط المنشأة التي يُحتجز فيها أدهم. كان هذا الأمر بمثابة درعٍ وطني، يضمن استقرار البلاد حتى تكتمل الصورة. بعدها.. وفي خطوة دبلوماسية حاسمة للحفاظ على التوازن الدولي، أجرى ياسر، من مكتبة الخاص بالقصر، سلسلة من الاتصالات السرية مع رؤساء الدول الكبرى. باستخدام جهازٍ آمن مزود بتقنية تشفير كمومي، بدأ الاتصال الأول برئيس الولايات المتحدة، الذي كان في البيت الأبيض يتابع تقارير المخابرات الأمريكية. كانت المحادثة موجزة، حيث أبلغ ياسر نظيره بأن مصر قد ألقت القبض على أدهم، مؤكداًا أن العملية تُدار بسيطرة كاملة، ومطالباًا بالتنسيق الاستخباراتي لتفادي أي سوء فهم. تبع ذلك اتصال برئيس وزراء المملكة المتحدة، الذي كان في داوننغ ستريت، ثم برئيس روسيا، الذي استلم الخبر في الكرملين. كل مكالمةٍ كانت مصحوبة بملفٍ إلكتروني مشفر، يحتوي على تفاصيل أولية تؤكد هوية أدهم وحالة الاستعداد المصرية وهوية من قبض عليه. أكد ياسر في كل محادثة على سيادة مصر في اتخاذ القرار بشأن أدهم، لكنه ترك الباب موارباً للتعاون المحدود، مما عزز من موقف الدول الكبرى كشركاء دون التفريط بالسيادة الوطنية. مع انتهاء هذه الاتصالات، كانتظرت الدولة في حالة تأهبٍ قصوى، في انتظار القرارات النهائية بشأن مصير أدهم. كان ياسر، بقيادته الحصيفة وتنفيذه الدقيق لكل خطوة، قد وضع مصر على أعتاب مرحلة جديدة، حيث ستحدد كيفية إدارتها لهذا الحدث موقعها كقوة إقليمية لا تُستهان بها، فيما العالم يترقب بصمتٍ مشحون بالترقب. ********* لقد أدرك الجميع أن خبراً بحجم القبض على أدهم قد يُشعل وسائل الإعلام العالمية، ويُثير موجاتٍ من التكهنات والاضطرابات، خصوصاً إذا خرجت المعلومات مشوهةً أو ناقصة. لذلك، أصدر ياسر أمراً صلباً بعدم السماح لأي وسيلةٍ إعلامية، محلية كانت أم دولية، بنشر أي تفاصيل حتى يتم استكمال التأمين الأمني والسياسي للبلاد. كانت هذه الفترة، التي قد تمتد من أيامٍ إلى أسابيع، بمثابة غرفة انتظارٍ للدولة، يتم فيها نسج خيوط السيطرة بعنايةٍ متناهية. ومع ذلك، كان التحدي الأكبر داخلياً يتمثل في الصحفيين المصريين، وخصوصاً أولئك الذين يمتلكون شبكاتٍ واسعة من العلاقات داخل الأجهزة الأمنية. لتفادي التسريبات غير المرغوبة، بدأ المستشار الإعلامي في صياغة استراتيجيةٍ لتسريبٍ محكوم لمعلوماتٍ محدودة إلى صحفيين موثوقين كعلا مثلاً، لكن فقط بعد التأكد من استقرار الوضع الأمني. هذا التسريب المحكوم كان سيُستخدم لتهيئة الرأي العام تدريجياً، دون المساس بالسرية الكاملة. وكانت الدولة، في تلك الفترة، كمن يسير على حبلٍ مشدود، حيث أي خطأٍ قد يُسقطها في هاوية الفوضى الإعلامية. وهكذا، ظلت مصر تحت مظلةٍ من الصمت الرسمي، تنتظر اللحظة المناسبة لكشف النقاب عن هذا الانتصار الأمني اللافت. وبعد مرور يومان مع استقرار الأوضاع الأمنية، وبينما كانت الدولة تُحكم قبضتها على تداعيات القبض على أدهم، بدأت بوادر الانفجار الإعلامي تلوح في الأفق، كان الهدوء الذي فرضته السلطات بمثابة سدٍ هش، يترقب الجميع لحظة انهياره. في هذه اللحظات، دخلت علا في المشهد كشرارةٍ قد تُشعل حريقاً إعلامياً لم يكن جاهزاً بعد. بدأت علا تلاحظ تحركاتٍ غريبة في العاصمة، بجانب اختفاء عصام لمدة يومان ولما قالته يمنى لها أنه قبض على أدهم ورسالة ضابط المخابرات لها، كذلك لاحظت إغلاقاً مفاجئاً لمقرٍ أمني في وسط المدينة، حيث شوهدت مركبات عسكرية تحيط بالمبنى، وتم منع الصحفيين من الاقتراب بحججٍ إدارية واهية. كما رأت تكتلاً غير معتادٍ للصحفيين أمام أحد المباني الحكومية، يُمنعون من الدخول بحراسةٍ مشددة، مما أثار فضولها أكثر. وفي شوارع العاصمة، لاحظت حركة غير طبيعية لمواكب رسمية، مركبات مصفحة تتحرك بسرعة وصمت، كأنها تحمل سراً لا يُطاق. هنا علا، بغريزتها الصحفية، بدأت تجمع الملاحظات في دفترها الصغير، مدركةً أن شيئاً عظيماً يحدث خلف الكواليس. وفي لحظةٍ من الجرأة، قررت علا أن تُلقي بحجرٍ في مياه الإعلام الراكدة. على المنصة التي كانت لا تزال منبراً للنقاشات الساخنة، نشرت تغريدةً غامضة، محملةً بالتلميحات وكان عنوانها "أقيدت يد الغول؟" ومن بعد هذا العنوان بدأت تشرح شكوكها وتضع نظرية حول أن أدهم قد تم القبض عليه بالفعل. كانت الكلمات، التي اختارتها بعناية، كفيلةً بإشعال جدلٍ واسع وفي خلال ساعات، وانتشرت التغريدة كالنار في الهشيم، حيث بدأ الصحفيون والنشطاء في التكهن بما تعنيه، وربط البعض بينها وبين شائعاتٍ سابقة عن ملاحقة أدهم. ولكن رغم ذلك، فلم تعاني الدولة من اي ضغوطات نظرًا لصعوبة تصديق الشعوب فكرة القبض على أدهم ورؤيتها أنه أمر مستحيل وأسطوري. ************ وبعد يومٍ من تلك التغريدة، قبيل الظهيرة، كان كلّ من نوح وغادة في المطبخ، وقد فرغا للتوّ من إعداد الفطور. جلسا إلى الطاولة، وغادة تسأل بنبرة تجمع بين الفضول والدهشة: _شوفت التويتة اللي علا نزلتها امبارح؟ قال نوح، وهو يبدأ بتناول طعامه: _لا.. مالها؟ كتبت إيه المرادي؟ _بتلمّح إن أدهم احتمال يكون اتقبض عليه. انفلتت من نوح ضحكة قصيرة ساخرة، لتبتسم غادة وتردف: _محدش صدقها برضو.. بس لسبب ما التويتة دي عملت ضجة. شايفين إن اللي قالته ممكن يبقى منطقي وتطلع صح فعلاً، خصوصًا إن علا ليها مكانة، وإن دايمًا كلامها بيبقى صح وواقعي. _عادي، ممكن غلطت في التخمين.. مش لازم تبقى صح دايمًا، ومش أول مرة عصام يغيب كدة في شغله لدرجة أنها تحسب إنه مسك ادهم. ساد بينهما صمت مؤقت، قطعه صوت الاشواك وهما يتناولان الطعام، ثم سألت غادة بنبرة مهتمة: _إيه أخبار إجراءات الكفالة؟ _الإجراءات هتخلص بعد بكره، و هناخدها بإذن الله. كويس إنك فكرتيني، تعالي بقى بكره ننزل نجيبلها شوية حاجات أساسية كده. _الحمد لله بجد، أول ما نطلعها من الدار دي نوديها على دكتور على طول لازم. انتهى نوح من فطوره، ثم أمسك بعكازه ونهض مستعدًا ليومه العملي، إذ كان قد ارتدى ملابسه منذ الصباح، فغسل أسنانه، ووضع عطره المعتاد، ثم وقفت غادة تعدّل خصلات شعره بلطف. بعد ذلك، غادر البناية. كان قد أوقف سيارته بالقرب من متجر المشروبات الخاص بعم جابر، الرجل الذي لم يتبادل معه كلمةً واحدة طوال الشهور الماضية، ولم يوجّه له حتى نظرة، فما زال قلب نوح يأبى أن يسامحه على ما اقترفه في حق ابنته. لكن بينما كان يقترب من سيارته، انقطع سكون اللحظة بصوتٍ مرتبكٍ يأتي من داخل المتجر: _تعالي بسرعة... خُشي خُشي بسرعة تعالي!! التفت نوح إلى مصدر الصوت، فرأى فتاةً تدخل غرفة داخلية من المتجر على عجل. كان تصرفًا غريبًا، تبادل إثره نظرةً عابرة مع جابر، لكن نوح تجاهل الأمر على أي حال، وواصل طريقه نحو السيارة، وانطلق... ومضى نوح يشقّ الشوارع في هدوء، يترقب عبر تطبيق الرحلات أن يطلبه أحد. ولم يطل انتظاره، فطلبه راكب، وتوجه إلى الموقع المحدد، وما إن وصل حتى ركب أحدهم من ذلك الصنف الذي لا يطيقه نوح. جلس الراكب غارقًا في هاتفه، يعلو صوت السماعات الخارجية إلى أقصى حد، ينفث إزعاجه في الجو كمن يفرض حضوره عنوة. وبينما الطريق لا يزال طويلًا، وبعد خمس دقائق من محاولة التحمّل، قال نوح للسائق بلغة هادئة: _فيه في الدرج سماعات تقدر حضرتك تستخدمهم لحد ما توصل. فأجابه الرجل ببرود: _لا شكرًا، مبلبسش مكان حد. ساد صمت برهة، ثم قال نوح مرةً أخرى بعد دقيقتين: _طب فيه في الدرج كحول... تقدر تطهر السماعات عشان تستخدمهم لحد ما توصل، متقلقش مش هدفّعك حقهم. رد الراكب متبرمًا، دون أن يرفع عينيه: _ما تخليك في شغلك يسطا وتوصلني من سكات من غير صداع عشان الواحد مش ناقص. تنهد نوح طويلًا، وقد حاول جاهدًا كبح غضبه، ثم أكمل رحلته في صمت، مضطرًا لتحمّل كل ذلك الضجيج والعبث الذي تقيّأه هاتف الراكب. وبعد ما يقارب الساعة من القيادة، بدأ ينتبه إلى صوت هاتف الراكب بجانبه، كان صوتًا جهوريًّا لرجلٍ يصدر بيانًا. شدّه نبرة البيان، فأنصت له لا شعوريًّا، حتى تبيّن أن المتحدث هو المتحدث الرسمي باسم الرئاسة، يُلقي بيانًا على الهواء مباشرة، قائلًا: «بسم الله الرحمن الرحيم، وباسم الشعب المصري العظيم، وبقيادة فخامة الرئيس ياسر صلاح الدين، رئيس جمهورية مصر العربية، نُعلن اليوم عن إنجازٍ أمنيٍّ غير مسبوق، يُضاف إلى سجل انتصارات الدولة المصرية في مواجهة التحديات العالمية. لقد تمكّنت الأجهزة الأمنية المصرية، بالتعاون مع الجهات السيادية، وبقيادة المحقق الخاص عصام شرف، من القبض على المدعو أدهم داغر، أخطر مجرم مطلوب على مستوى العالم، بعد ملاحقةٍ استمرت لأكثر من أربعين عامًا.» في تلك اللحظة، التفت نوح بحدة نحو هاتف الراكب، وعيناه مسمّرتان على الشاشة، فوجد الهاتف يبث البيان مباشرة، أي أنه ليس مسجلًا. أما نوح، فتجمدت ملامحه على هيئة لم تتغيّر، وكأن الزمن توقّف داخله فجأة، لكن ما هاج في صدره كان عاصفًا، وارتجّت داخله عوالم كاملة، دون أن ينبس ببنت شفة. ظل يحدق في الشاشة، وعيناه متسعتان بشكل بسيط بثباتٍ مرعب، كأن قلبه سُمّر إلى صدره، وعقله يحاول عبثًا أن يترجم هذا الحدث الجلل. وما هي إلا لحظة، حتى اصطدم بسيارة أمامه صدمة بسيطة جعلته يترنح خطوةً واحدة، لكنه لم يتزحزح عن موضعه. فزع الراكب، وسخط السائق، وسرعان ما ترجل من سيارته يسبّ ويصرخ، محاولًا الشجار معه، لكن نوح لم يرمقه بنظرة، ولم يكن يسمعه من الأساس، بل ظلّ جالسًا كالتمثال الحجري، عيناه معلّقتان بالشاشة الصغيرة، ولكنه لم يكن يحدق في هاتف الرجل تحديدًا... بل كان يحدّق في العالم وهو يتغيّر. _انت متخلف يا جدع انت... انت أعمى ولا ايه مين ال**** اللي علمك السواقة؟؟؟!!! والراكب يقول له: _مالك يسطا؟ انت شارب حاجة ولا إيه؟ _اطلعلي يا ****، والله لا تدفع حقها! كان نوح لا يشعر بالعالم الخارجي؛ فتلك الكلمات كانت تتسلّل إلى عموده الفقري، تبعث فيه قشعريرةً تدل على صدمة الروح حين تصطدم بحقيقةٍ لا تُصدّق. أدهم... أُمسك؟ الفكرة وحدها كانت عصيّة على التصديق. هذا الشيطان الذي لوّث الهواء بطغيانه، هذا الرجل الذي لم يكن يقتل فقط، بل كان يُعيد تشكيل معنى الخوف في عقول البشر، الذي اخترق الحكومات، وباع الدول، وأباد القرى، ووأد الأبرياء كما يُطفأ عود ثقاب... يُقال الآن إنه قُبض عليه؟! ببساطة؟! كان نوح يعلم، كما يعلم الموج عن الصخر، أن أدهم لم يكن مجرد مجرم؛ فقد عايش أثره، عاش في عالمٍ صاغه أدهم بإرادته المريضة، ببطشه الشامل، واستخفافه بكل قانون. لقد أُجبر نوح على مشاهدة البشرية وهي تترنّح تحت قبضته ومشاهدة عقله وهو يهلك بسببه. لم يُصدّق، لم يطمئن، ولم يطمح حتى إلى الأمل... لأنه يعرف أدهم، ويعرف أن الشيطان لا يُهزم إلا حين يُمحى من الوجود... وهذا، لم يحدث بعد. وفي الوقت ذاته، يتبدل المشهد إلى زاويةٍ من إحدى المصحات النفسية، وعمر جالس في مكتبه، يحدق إلى شاشة التلفاز المُعلّقة في الركن، حيث البيان الرئاسي يُذاع بلغةٍ متأنّية ووزنٍ ثقيل. لم يكن صوت المتحدث يعلو على صوت ما يحدث داخل عقل عمر؛ إذ لم تكن الكلمات وحدها ما سمعه، بل ارتجّت داخله أصداء قديمة، أصداء لجحيمٍ عاشه، لا يملك أن يرويه. مرّت الثواني الأولى من البيان، ولم تتحرك قسمات وجهه قيد شعرة. لا بريق ارتياح في عينيه، ولا دمعة، ولا حتى رعشة في اليد. ظنّ من يراه أنه لم يسمع، أو أن الأمر لا يعنيه، أو لعله تعوّد على جنونه. لكن الحقيقة، الذهول عند عمر لا يشبه ذهول الآخرين؛فهو قد عبر حدود الصدمة قبل شهور، وسكن في ضفّتها الأخرى. تلك الضفّة التي يصبح فيها الخوف باردًا، والدهشة جليدية، والأمل ميتًا قبل أن يولد. كان يعلم أن أدهم لا يُمسك ببساطة، ولا يُظهر نفسه إلا إذا كان يُعدّ لما هو أعمق من الفوضى. فأن يُقال الآن إنه قُبض عليه، فهذا في ميزان عقل عمر ليس انتصارًا، بل علامة على بداية ما هو أدهى. َجلس عمر ساكنًا، ينظر إلى الشاشة، لا ليصدق أو يُكذب، بل ليحاول أن يفهم: أي باب من الجحيم فتحه أدهم هذه المرة؟ ما الذي يُخفيه في أعماقه؟ هل كانت لحظة هذه آخر إجراء في تجربة نفسية يتفنن في إخضاع العالم لها؟ هل أراد أن يبعث برسالة خفيّة للعالم أنهم، مهما أمسكوا به، فإنه من يختار لحظة السقوط بنفسه، وطريقة الانهيار، وموعد الصرخة التالية؟ لم يكن عمر ينتظر عدالة... فقد رأى كم هي هشّة أمام الجبروت، ولم يكن يلهث خلف انتقام... فقد أدرك كم هو عقيم أمام من لا يعتبر الحياة ذات قيمة. ما كان ينتظره حقًا... هو لحظة السكون. لحظة لا يكون فيها في هذا العالم صوتٌ يُشبه صوت أدهم. لكنه الآن، وهو يرى وجه المتحدث يتحدث عن نهاية الوحش، لم يشعر بالنهاية. بل شعر بالافتتاحية.... بالهدوء الذي يسبق الإعصار. «بسم الله الرحمن الرحيم، وباسم الشعب المصري العظيم، وبقيادة فخامة الرئيس ياسر صلاح الدين، رئيس جمهورية مصر العربية، نعلن اليوم عن إنجازٍ أمنيٍ غير مسبوق، يُضاف إلى سجل انتصارات الدولة المصرية في مواجهة التحديات العالمية. لقد تمكنت الأجهزة الأمنية المصرية، بالتعاون مع الجهات السيادية، وبقيادة المحقق الخاص عصام شرف، من القبض على المدعو أدهم داغر، أخطر مجرم مطلوب على مستوى العالم، بعد ملاحقةٍ استمرت لأكثر من أربعين عاماً. هذا الإنجاز، الذي تحقق بفضل التخطيط الدقيق والتنفيذ المحترف لأجهزتنا الأمنية، يعكس التزام مصر بحماية أمنها القومي والمساهمة في استقرار الأمن العالمي. وإن الدولة المصرية تؤكد التزامها بتقديم العدالة لضحايا أدهم داغر من مختلف دول العالم، من خلال محاكمةٍ عادلةٍ وشفافة ستُعقد داخل الأراضي المصرية، لتكون نموذجاً لسيادة القانون. ونعلن أن محاكمة أدهم داغر ستبدأ في اليوم العاشر من أغسطس.» وأضاف المتحدث، وهو يرفع نبرته قليلاً ليؤكد على عظمة الحدث: «كما يسر فخامة الرئيس ياسر أن يعلن عن عقد مؤتمرٍ عالمي في القاهرة، يوم غد الموافق ١٤ يونيو لسنة ٢٠٤٣، لمناقشة تداعيات هذا الحدث وتعزيز التعاون الدولي في مكافحة الجريمة المنظمة. سيترأس فخامته المؤتمر بنفسه، بحضور قادة الدول وممثلي المنظمات الدولية، ليؤكد التزام مصر بدورها الريادي في الحفاظ على الأمن والاستقرار العالميين. إن هذا الإنجاز ليس انتصاراً لمصر وحدها، بل لكل من آمن بأن العدالة ستأخذ مجراها، مهما طال الزمن.» كانت الكلمات، التي صيغت بعنايةٍ فائقة، بمثابة سيفٍ ذي حدين: إعلان عن انتصارٍ وطني يُبرز كفاءة الأجهزة الأمنية المصرية، وتأكيد على السيادة الوطنية في إدارة ملفٍ حساس. خصوصًا في ذكر اسم عصام شرف، المحقق الخاص الذي قاد العملية، كان بمثابة تكريمٍ علني لدوره، لكنه أيضاً رسالة إلى الداخل والخارج بأن مصر تمتلك أفراداً قادرين على مواجهة أعتى التحديات. ومع انتهاء البيان، دوت تصفيقات حادة في القاعة، بينما اندفع الصحفيون لنقل الخبر إلى العالم. ********** وبعد هذا الاعلان بساعات محدود هز أركان العالم، واندلعت موجة إعلامية عاتية اجتاحت الكوكب كالنار في الهشيم. كانت الساعة تشير إلى منتصف النهار في القاهرة، لكن الزمن بدا وكأنه توقف في عواصم وكالات الأنباء العالمية، التي كانت تراقب الوضع بحذرٍ شديد، لم تتردد لحظةً في قطع برامجها العادية لتعلن الخبر المذهل، بينما غصت منصات التواصل الاجتماعي بتدفقٍ لا نهائي من التعليقات والتكهنات، ليصبح اسم أدهم داغر على كل لسان، من أقاصي آسيا إلى أطراف الأمريكتين. في وقت قصير تحولت شاشات العالم إلى مسرحٍ للحدث اللافت مصحوب دائمًا بصورة أدهم وعصام وياسر. قناة CNN قاطعت بثها المباشر بعنوانٍ بارز: "الحدث المستحيل تحقق: القبض على أدهم داغر في مصر". وفي لندن، أعلنت BBC بصوتٍ مهيب: "نهاية أسطورة الجريمة: مصر تلقي القبض على الشبح الأخطر". الجزيرة، من الدوحة، وصفت الحدث بـ"الضربة التاريخية التي أنهت أربعين عاماً من المطاردة". بينما اختارت RT الروسية عنواناً درامياً: "سقوط العقل المدبر: أدهم داغر خلف القضبان". كانت هذه العناوين، المحملة بالدهشة والإثارة، تعكس حجم الصدمة التي أحدثها الخبر، ولكنها لا تساوي حجم البلبلة والصدمة على منصات التواصل الإجتماعي، والتي تصدرت فيها وشوم مثل #AdhamDagherCaught و#EndOfTheEra التريندات العالمية، حيث شارك الملايين منشوراتٍ وصوراً وفيديوهات تتكهن بتفاصيل القبض وتداعياته. وفي غضون ساعات، أصبح الخبر ظاهرةً رقمية، حيث تجاوزت التغريدات حول أدهم مئات الملايين، وانتشرت مقاطع من البيان الرسمي المصري مترجمةً إلى عشرات اللغات، ليصبح الحدث حديث العالم. وقد امتد ردود الافعال العالمية إلى أعلى المستويات السياسية والاستخباراتية؛ ففي واشنطن، خرج الرئيس الأمريكي بتصريحٍ متلفز من البيت الأبيض، قائلاً: "نرحب بجهود مصر البطولية في القبض على أدهم داغر، ونشكر الأجهزة الأمنية المصرية على هذا الإنجاز التاريخي. ونطالب بتسليمه لمحاكمته على جرائم ارتكبها ضد مواطنينا". ومن الكرملين، أصدر الرئيس الروسي بياناً مماثلاً، مشيداً بـ"الكفاءة المصرية"، لكنه ألمح إلى رغبة موسكو في مشاركة المعلومات الاستخباراتية التي قد يقدمها أدهم. َوفي بكين، أعربت الصين عن "تقديرها للخطوة الجريئة"، مع طلبٍ ضمني للتنسيق في التحقيقات المتعلقة بعملياته في آسيا. أما الرئيس الفرنسي، فقد دعا إلى "محاكمةٍ دولية عادلة"، مشيراً إلى ضحايا أدهم في أوروبا. وعلى المستوى الاستخباراتي، أصدرت وكالات مثل المباحث الفيدرالية وCIA الأمريكية وMI6 البريطانية بياناتٍ نادرة، تعبر فيها عن "الذهول" إزاء نجاح مصر في ما فشلوا في تحقيقه على مدى عقود. أحد مسؤولي CIA علق في تصريحٍ مقتضب: "كنا نطارد شبحاً، ومصر أمسكت به". أما في مقر الإنتربول في ليون، عُقدت جلسة طارئة لمناقشة تداعيات القبض على أدهم، حيث أصدرت المنظمة مذكرةً رسمية تطالب بـ"مشاركةٍ دولية في محاكمته"، نظراً لطبيعة جرائمه العابرة للقارات. وفي نيويورك، استدعى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة جلسةً عاجلة، حضرها مندوبون من الدول الخمس الدائمة العضوية، لمناقشة الآثار الجيوسياسية للحدث. وأصدر المجلس بياناً يدعو إلى "محاكمةٍ شاملة تُحاسب أدهم على جرائمه ضد الإنسانية"، مع التأكيد على أهمية التعاون الدولي. الأمم المتحدة، من جانبها، شكلت لجنةً خاصة لتقييم تأثير أدهم على الاستقرار العالمي، مع اقتراحاتٍ بإنشاء محكمةٍ دولية خاصة إذا وافقت مصر على ذلك. وكله سيتم الإتفاق عليه في المؤتمر العالمي الذي سيتم عقده في الغد... ********* في تلك اللحظات المشبعة بالتوتر، وبين جدران شقةٍ أنيقةٍ يغلفها السكون المريب، تلك التي مكثت فيها تريسا طيلة إقامتها في مصر، وداوت فيها جراح كاجويا ورفاييل الذي بُترت قدمه، كان العالم خارجها يرتجّ بخبر القبض على أدهم داغر، أما داخلها، فكان الزلزال أشدّ بطئًا... وأشدّ قسوة. جلس رفاييل على الأريكة، مستندًا بجذعه للأمام، وجهه يفيض بسخطٍ وغضبٍ عظيم، والنار كانت تأكل ملامحه من الداخل. ساقه المبتورة لم تكن وحدها ما بُتر من جسده... بل شيء أعمق، شيء في داخله يشبه الولاء، يشبه الإيمان، انهار دفعةً واحدة حين سمع اسم أدهم يُتلى في نشرة رسمية، لا بوصفه سيدًا، بل كأسير. قدمه المفقودة كانت شاهدة على تضحية لم تُقابل بالوفاء، بل بالخديعة. وبدأ رفاييل بالصياح، وظهر في ارتجاف يده واحتدام أنفاسه كأنه ذئب مذعور، وقال وعيناه تتطاير منهما الشرر، وشتائم متلاحقة تنهمر من فمه بمرارةٍ ممزوجة بالخذلان: _أهذه هي النهاية؟!! قبضوا عليه؟!! ألهذا السبب جمعنا ثلاثتنا في مصر؟! لكي يقضي علينا نحن أيضًا؟؟ كيف له أن يفعل ذلك؟ كيف لرجلٍ مثله أن يُقبض عليه من الأساس؟ إنه لجنون!! اللعنة عليه، إبن العاهرة القذر! ثم عاد وهو يقول بالمصري: _زي ما بيقولوا بالمصري: "قرطسنا"! لم يتحمل رفاييل كتمان احتدامه، فركل المنضدة أمامه وصرخ بعنفٍ: _خدعنا بفكرة الخطة الأخيرة!! وقرر أن يحرقنا جميعًا!! عدم وجود أدهم في عصابتنا يدل على اندلاع حرب بيننا لا محالة... كل أتباعنا سيلهثون خلف أرواحنا ليزهقوها، جنبًا إلى جنب مع الشرطة والفيدراليين، لأن أدهم بالطبع سيعترف بوجودنا هنا، وبأماكننا! وسط هذا الهيجان، كانت تريسا جالسة على طرف الأريكة، سيجارتها تتدلى من بين أصابعها، ورأسها مائل قليلًا كأنها تستمع لموسيقى كلاسيكية لا صوت لها. كانت تستمع لغضب رفيقها بشيءٍ من الهدوء الآثم، وبدا أن الخبر لم يمسّها. ملامحها لم تهتز، شفاهها بالكاد تحركت بابتسامةٍ خفيفة، أقرب إلى الاستهزاء منها إلى التعاطف. ابتسمت وكأن شيئًا من التسلية يختمر في عقلها، وقال بصوتٍ أشبه بنفس دخان: _أتخاف إلى هذا الحد من رجالنا... وحكومة العالم؟ رمقها رفاييل بنظرةٍ مستشيطة وقال: _رؤوسنا تحت المقصلة حاليًا يا تريسا!!! ما خطب سؤالك الغبي هذا؟؟ كانت تريسا تنفث سيجارتها بهدوء امرأةٍ اعتادت أن ترى الرجال يُذبحون دون أن يرفّ لها جفن. لم ترفع صوتها، ولم تتحرك بجزع، بل كان في سكونها رهبة من نوعٍ آخر. ثم، وبحركةٍ بطيئة كمن يوقّع على نهاية سمفونية طويلة، مدت يدها إلى وسادة الأريكة، ورفعتها قليلًا، وأخرجت من تحتها مسدسًا فضيًّا لامعًا، باردًا كعيني قاتلٍ محترف. قبضت عليه بخفةٍ مريبة، ورفعت يدها دون عجلة، وصوّبت الفوّهة إلى رأس رفاييل، الذي تجمّدت ملامحه فجأة، وانعقدت الدماء في عروقه، وهو على شفير خيانةٍ لا مغفرة لها. الضوء المنعكس من فوهة المسدس ارتجف فوق وجهه المشوّه بالغضب والخذلان، بينما عينا تريسا لا تزالان تحملان ذلك البرود العتيق، ونصف ابتسامة لا تُبشّر إلا بالموت. وقالت، بصوتٍ كهمس مقصلةٍ قبل السقوط: _سأجعلك تستريح من هذا الأمر كله، يا رفيقي... قال رفاييل بنبرةٍ لا يوجد بها رجاء، وقد اشتدّ سخطه رغم سكونه المفاجئ: _تريسا... كان من المفترض أن أتوقّع ذلك... لا تفعليها يا تريسا... نحن حلفاء... قاطعته بنبرةٍ مغموسة في احتقارٍ جليّ: _كنّا... ولكن الآن؟ لن يشرفني أن أكون حليفة لضعفاء مثلكما. أنا... جناحي، وعصابتي، وميليشياتي، الأقوى... والأكثر عددًا. إمّا أن تخضع أنت وكاجويا... أو أقتلكما. تجمد الزمن للحظة، كما تجمدت نظرات رفاييل، التي حملت التحدي كمن يحمل سيفًا في وجه الموت. لم يرتجف، لم ينكسر، بل قال بصوتٍ أجشّ، كأنما يخرج كلماته من حنجرةٍ محترقة: _مستحيل أن أخضع مجددًا. عندها، ارتسمت على وجه تريسا ابتسامة باردة... وقبل أن يلتقط إصبعها الزناد، انقضت كاجويا من خلفها كضبعٍ ثائر، وهوت بكل ما أوتيت من غضبٍ مكبوتٍ على رأس تريسا، مستخدمة القدم الصناعية الثقيلة التي تخص رفاييل. كانت ضربةً خاطفة وصاعقة، ارتطم فيها الحديد بالجمجمة، فسقطت تريسا أرضًا، واهتزّ المسدس من يدها وتدحرج بعيدًا. دون أن تنتظر، التقطت كاجويا السلاح من الأرض، وبعينين تقدحان نارًا، صوبت المسدس نحو تريسا، وأطلقت وابلًا من الرصاص، طلقةً تلو الأخرى، بطريقةٍ عشوائية سريعة، وتخبطت تريسا على الأرض، تحاول اتقاء الطلقات، قبل أن ترتخي أطرافها، وتغوص في غيبوبةٍ من الألم. ألقت كاجويا السلاح بعيدًا، والتفتت نحو رفاييل، الذي كان يجهد في تثبيت قدمه الصناعية وسط الفوضى والدم، ثم قذفتها نحوه وهي تصرخ: _هيا لنذهب! هيا! أخذ يثبتها على عجل، والدخان ما زال يتصاعد من فوهة المسدس، والدماء تسيل على البلاط البارد، وما إن استعاد توازنه، حتى انطلقا معًا راكضين نحو الباب، تترنح خطواتهما على وقع إصاباتهما التي لم تهدأ في داخلهما. وأثناء ركضهما، صاح رفاييل، يلهث من الألم والانفعال: _إلى أين؟! _أي مكان! فقط دعنا نهرب أولًا... لعلها... نشرت بعضًا من رجالها في هذه المنطقة!! ********** في صباح اليوم التالي، تحولت العاصمة الإدارية الجديدة إلى قلب العالم النابض، حيث استضافت قصر المؤتمرات الدولي الجديد، صرحاً معمارياً يجمع بين عظمة التصميم الحديث وصلابة الأمن القومي، مؤتمراً عالمياً لم يشهد التاريخ مثيلاً له. كانت مصر، بسمائها الصافية وشوارعها المزدانة بأعلام مصر والدول المشاركة، تتنفس فخراً وهي تستقبل قادة العالم وممثلي الشعوب، في لحظةٍ سُتخلد في سجلات السياسة والأمن العالمي. هذا المؤتمر، الذي بُث مباشرةً إلى ملايين المشاهدين، لم يكن مجرد حدثٍ دبلوماسي، بل كان إعلاناً عن قوة مصر وسيادتها، وشهادةً على قدرتها على قيادة العدالة ضد أخطر التهديدات. وفي قصر المؤتمرات الدولي، الذي بُني وفق أحدث معايير الأمن العالمية، بجدرانٍ مضادة للصدمات ونوافذ زجاجية مضادة للرصاص، فيما يحيط به خندق خفي من أجهزة المراقبة الإلكترونية. القاعة الرئيسية تتسع لثلاثة آلاف شخص، وكانت مسرحاً مهيباً لهذا الحدث، بأرضيتها الرخامية اللامعة وسقفها المزدان بإضاءةٍ ديناميكية. كذلك التأمين كان ثلاثياً مشتركاً، يعكس جدية الدولة في حماية هذا الحدث. الحرس الجمهوري، بزيهم المهيب وأسلحتهم المتطورة، شكّل الحلقة الأولى، وهم منتشرين حول المبنى كالأسوار الحية. والمخابرات العامة، بفرقها الخفية التي تراقب كل حركةٍ داخل وخارج القصر، تولت التنسيق الاستخباراتي، باستخدام أنظمة تشفير اتصالات تضمن عدم اختراق أي إشارة. أما قوات مكافحة الإرهاب، فقد نشرت وحداتٍ خاصة في محيط القصر، مزودةً بطائراتٍ بدون طيار وكلابٍ بوليسية مدربة، لضمان خلو المكان من أي تهديد. كانت الأوامر صارمة: حظر تام على دخول الهواتف أو الأجهزة الذكية، حيث خضع كل الحضور، بما في ذلك رؤساء الدول، لتفتيشٍ دقيق عبر بواباتٍ إلكترونية متطورة، فيما سُلمت الأجهزة إلى خزائن مؤمنة حتى نهاية المؤتمر. ومع دخولهم واكتمال عدد الحاضرين بدت أنها تعج بحضورٍ يمثل خلاصة القوة السياسية والاستخباراتية العالمية. أربعة عشر رئيس دولة جلسوا في الصفوف الأمامية، بينهم رئيس الولايات المتحدة، الذي حضر برفقة وفدٍ أمني ضخم، والرئيس الفرنسي، الذي بدا متأملاً وهو يدون ملاحظاتٍ على هامش البرنامج، ورئيس روسيا، الذي تبادل النظرات مع نظرائه بحذرٍ دبلوماسي، ورئيس وزراء الصين، الذي أبدى إعجاباً واضحاً بفخامة المكان. إلى جانبهم، حضر رئيس برازيل، ممثلاً أمريكا اللاتينية، ورؤساء ثلاث دول إفريقية نيجيريا، كينيا، وجنوب إفريقيا، وكلهم بدون استثناء عانوا من جرائم أدهم. والأمين العام للأمم المتحدة، بزيه الأنيق ونظراته الثاقبة، جلس في مكانٍ متميز، يحمل ملفاً يحتوي على تقارير المنظمة حول أدهم. بالإضافة مديرو تسعة أجهزة استخبارات دولية، بما في ذلك CIA، MI6، DGSE الفرنسية، والمباحث الفيدرالية، كانوا موجودين بوجوهٍ محايدة تخفي دهشتهم من نجاح مصر فيما فشلوا فيه لعقود. ممثلو الإنتربول والمحكمة الجنائية الدولية، الذين حملوا معهم وثائق قانونية حول جرائم أدهم، أضفوا طابعاً رسمياً على الحدث. ومائة صحفي دولي، من وكالات مثل رويترز، نيويورك تايمز، الجارديان، وفرانس برس، جلسوا في قسمٍ مخصص، يدونون كل كلمةٍ بلهفة، مدركين أن هذا المؤتمر سيُشكل مادةً إخبارية لأشهر قادمة. أكمل المشهد وفود من منظمات حقوقية، مثل هيومن رايتس ووتش، ومراقبون دوليون من الأمم المتحدة، جاهزون لتقييم التزام مصر بالعدالة الدولية. ومع دقات عقارب الساعة بدأ المؤتمر.. بدأ المؤتمر بإعلانٍ رسمي عن القبض على أدهم داغر، قدمه رئيس الوزراء المصري بصفته ممثلاً للحكومة، مستعرضاً لقطاتٍ مصورة مشفرة تُظهر لحظاتٍ من العملية دون الكشف عن تفاصيل حساسة. تلا ذلك عرض موثق قدمه مدير المخابرات العامة، استعرض فيه جرائم أدهم عبر العقود: من اغتيالات، ومجازر، وتعذيب، وتهريب، وتدمير البنيات التحتية، واتجار. كانت الوثائق المعروضة على شاشات القاعة، مدعومة بتقارير من الإنتربول وشهادات ضحايا، مما أثار همهماتٍ من الحضور. ثم جاءت لحظة شرح تفاصيل العملية الأمنية، قدمها قائد وحدة مكافحة الإرهاب، الذي أشار إلى التخطيط الذي استمر سنوات، والدور المحوري للمحقق عصام شرف، دون الخوض في تفاصيل شخصية. بعدها الإعلان عن تشكيل "محكمة دولية خاصة" لمحاكمة أدهم داخل مصر، والتي ستبدأ أعمالها في اغسطس القادم، كانت النقطة المحورية، حيث أكدت مصر التزامها بالعدالة الدولية مع الحفاظ على سيادتها. تلا ذلك نقاش حول موقف مصر من التعاون الاستخباراتي، حيث أكد وزير الخارجية المصري أن القاهرة ستشارك المعلومات الضرورية مع الدول المتضررة، لكن وفق شروطها الخاصة. اختتمت هذه الجزئية برؤيةٍ مستقبلية قدمها الأمين العام للأمم المتحدة، دعا فيها إلى إنشاء تحالفٍ عالمي جديد لمكافحة الجريمة العابرة للحدود، مستلهماً نجاح مصر. مع اقتراب اللحظة المرتقبة، دخل الرئيس ياسر القاعة وسط تصفيقٍ هائل، حيث وقف الحضور جميعاً احتراماً للرجل الذي قاد هذا الانتصار. كان ياسر، ببذلته الداكنة ونظراته الحاسمة، يجسد صورة القائد الذي يعرف وزن اللحظة، انبعث من هيئته وقوف مهيب كأنما تشكّل من صلابة الصخر وسكون الجبال، شموخه لم يكن في قامته فحسب، بل في السكينة التي تسكن وجهه ساعة اتخاذ القرار. بدا كمن يحمل على كتفيه عبء التاريخ، وفي عينيه توهج الأيام التي صهرت روحه لتجعل منه رمزًا لا يُنكر. تقدم بخطواتٍ واثقة نحو المنصة، وكل خطوةٍ منه تحمل معها صدى الشعوب التي انتظرت هذا اليوم. وقف خلف المنضدة، ونظر إلى الحضور لثوانٍ، كأنما يستوعب عظمة المشهد، ثم بدأ خطابه الذي استغرق اثنتي عشرة دقيقة، وكان بمثابة مرثيةٍ للضحايا ونشيدٍ للعدالة. اخذ نفسًا عميقا وبدأ يقول: _بسم الله الرحمن الرحيم.. السيدات والسادة، قادة العالم وممثلو الشعوب، من على أرضٍ حملت عرش التاريخ، أُعلن اليوم أن مصر قد وضعت حداً لأربعين عاماً من الرعب، من خلال عمليةٍ سيادية خالصة نفذها رجالها الشجعان. لقد أوقفنا زحف شبحٍ قتل، وشرّد، وغسل العار في دم الأبرياء. أدهم داغر، الذي كان يُخيف العالم، اليوم خلف قضبان مصرية، بفضل شجاعة أجهزتنا الأمنية، وبقيادة ضابطٍ شاب، يمثل رمز لكل مصري يحمل الإنسانية والوطن في قلبه؛ فالعالم لم يعد كما كان، واليوم نبدأ صفحةً جديدة من العدالة. توقف ياسر للحظة، تاركاً الكلمات تتردد في القاعة، بينما كانت الكاميرات تلتقط تعابير الحضور المبهورة... ثم اردف بصوت ثابت يدل على ثقته وثباته العظيم: _وأني ادعم وبشدة الاقتراح المستقبلي الذي اقترحه الأمين العام للأمم المتحدة، والذي دعا فيها إلى إنشاء تحالفٍ عالمي جديد لمكافحة الجريمة العابرة للحدود، مستلهماً نجاح مصر. ولكي تستلهموا بالفعل نجاح مصر الشامل في مكافحة الجريمة... فيجب ان تستلهموا أيضًا نبراس الحاضنة لكل مستضعف تم استعبادهواستغلاله والاتجار به وقيام التجارب العلمية عليه؛ فإن ما شهدناه خلال العقود الماضية لم يكن فقط تهديدًا أمنيًا، بل كان تهديدًا أخلاقيًا... حين تُمنح القوانين القدرة على شرعنة ما لا يجب أن يُشرعن، حين يتحول الإنسان من غايةٍ إلى وسيلة، ومن روحٍ إلى سلعة، تولد الوحوش. سكت ياسر برهة وقد بدأ الارتباك يبرز على ملامح الرؤساء والحاضرين ثم أردف ياسر والثقة لم تتزحزح من نبرته: _سجن دارين وما يشابهه من السجون لم يكن مجرد بناء حجري، بل كان وصمةً أُجيزت بتواقيع دولية، وتمّت هندسته تحت سقف من الصمت والمصلحة. وقد كنت، وما زلت، من أوائل من اعتبروا أن السكون أمام هذه السجون أخطر من السجون ذاتها. نعم... لقد خرج بعض الضحايا أحياءً، ونحن في مصر أنشأنا من أجلهم "نبراس" لتضميد الجراح التي لا يراها العالم. لكنني أقولها بكل وضوح.. إن قانونًا يسمح ببيع الناس تحت أي ذريعة، هو بذرة صالحة لأن يُزهر فيها ألف كأدهم داغر.. وإن لم يكن هو ذاته، فسيأتي من يشبهه، أو أسوأ، إننا نحتفي اليوم بنهاية رجل، لكننا لا نُخفي قلقنا من أن المصنع الذي ينتج أمثاله... لا يزال يعمل. لذلك، فالتغيير ليس في الزنازين فقط، بل في العقل الذي بنى الجدران... وإذا كنتم تتطلعون مثلنا إلى عالمٍ يسوده السلام والكرامة ودليل ذلك هو مجيئكم الى هذا المؤتمر، إذن فليكن تجفيف هذا المستنقع الدولي أولوية لا خيارًا. بعدها عاد ياسر الى موضوع أدهم وأكد أن محاكمته ستكون دولية، لكن داخل الأراضي المصرية، حفاظاً على السيادة، قائلاً: _لن نسمح بأن تُسلب عدالتنا، لكننا نمد أيدينا لكل من يؤمن بالقانون... بعد أن أنهى ياسر خطابه، وقف للحظة، محدقاً في الحضور بنظرةٍ تحمل مزيجاً من الفخر والترقب. ثم، بنبرةٍ هادئة محملة بالوزن، قال: _وأوجه تحيةً خاصة إلى أجهزة الأمن، أستأذنكم أن نستمع إلى كلمة من أحد الأبطال الذين واجهوا المجهول وحدهم، وضحّوا حتى نصل إلى هذه اللحظة.. المحقق المصري عصام شرف. وقبل ذلك بدقائق من بابٍ جانبي في القاعة، في غرفة جانبية معزولة عن ضجيج التصفيق وضوء الكاميرات، وقف عصام أمام المرآة كمن اقتُلع من سياق الزمن وأُلقي في لحظة اختبار مطلقة، لا تشبه ما قبلها ولا تتصل بما بعدها. كان مرتدياً زياً رسمياً بسيطاً بدلة سوداء وقميص أبيض بلا رابطة عنق يعكس تواضعه لكنه لا يخفي هيبته. وقف عصام أمام المرآة كمن يُحاكم نفسه بصمتٍ صارخ، لا يرى انعكاس صورته بقدر ما يرى انعكاس ماضيه. مرآة لا تعكس وجهًا بقدر ما تخلعُ عنه كل ما استتر، وكانت نافذة إلى ذاتٍ مشروخة، لا تُجيد الاحتيال على ذاكرتها، ولا تزخرف خطاياها، ويرى من خلالها ترسبات كاملة من الذات التي تشكّلت بفعل التراكمات والرجس لا الإنجازات. ظل يتأمل وجهه طويلًا، كأنه يبحث عن ملامح الرجل الذي كانه منذ يومين فقط، ذاك الرجل العادي، الذي يسير بين الناس المنفرين منه، الذي إذا سقط، لا يرتجف له ميزان، ولا يميد له أرض. النظام الذي فرضوه على مظهره لم ينجح في تنظيم ما يعصف في داخله؛ فكان الاضطراب يجري في عروقه كما يمشي الحريق في هشيمٍ قديم؛ لا أحد يراه من الخارج، لا أحد يسمعه، لكنه يسمعه... ينهشه من الداخل بهدوء قاتل. رغم ان يداه الثابتتان، لكن ذلك الثبات الظاهري لم يُخفِ صراعًا متجذّرًا. الحال الذي يعيشه حاليًا لم يكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل عبور شاقّ بين طبقتين من الكينونة: طبقة التاريخ الشخصي بما تحمله من طغيان معه ندوبٍ صامتة، وطبقة الدور المفروض عليه، بكل ما يطلبه من صلابةٍ مصطنعة. ما بين الطبقتين، هوة شاسعة، لا تُجسَر إلا بالإنكار المؤقت. إنه لا يرى في نفسه بطلاً، بل لا يكاد يرى نفسه أصلًا... فماضِيه، المتربص خلف ظهره، كان ماضِ لرجلٍ خاض في الوحل، ولم يخرج منه إلا بعد أن التصق بجسده كله، وكان وبكامل ارادته مؤذيًا، مجرمًا. والآن؟ الآن يطلبون منه أن يصعد إلى المنصة... أن يتكلّم باسم المجني عليهم والمستضعفين، وأن يُصفَّق له كما يُصفَّق لأبطال نبلاء، والكارثة؟ أن العالم قد يصدق هذه النسخة الجديدة منه... لكن هو... لا يصدقها؛ فالمجد، في نظره، تهمة لا شرف.. هو لا يرى في نفسه خلاصًا لأحد، بل يرى نفسه أحد أسباب الغرق. لم يغفر لنفسه، ولا ينوي. فكيف يغفر له العالم؟ لم يصدق للحظة أنه يستحق هذا الضوء. فالجراح القديمة لا تُمحى بالأوسمة، والنجاة لا تمحو الخطيئة، والتكريم لا يعني التطهير. كان يشعر وكأنه يرتدي جلدًا ليس له. وأن الخطاب الذي ينتظره في الخارج، ليس شرفًا بقدر ما هو امتحان روحيّ، عساه يطهّره. كانت لديه رغبة في المقاومة والهروب بحق... ليس لأنه لا يريد الصعود إلى المنصة، بل لأنه يخشى أن يصدّق نفسه هناك. يخشى أن تناله عدوى التصفيق، أن يلين تحت الثناء، أن يتوه عن حقيقة أنه لم يأتِ من النور، بل من العتمة، وأن كل نورٍ يلمع حوله الآن، لا يمحو أثر اليد التي لوثتها الطغيان والدماء. في تلك اللحظة دخل احدى الحراس على عصام وهو يقول: _اتكلم زي ما اتفقت مع سيادة الريس، إياك تقول إنه سلم نفسه إياك!! لو قولتها دا هيبوظ سمعة مصر وهيبوظ خططها المستقبلة وتطورها... الحدث دا تاريخي وهيشكل تطور كبير في تاريخ مصر في كل النواحي... إياك تقول انه سلم نفسه! قال عصام وهو يومئ برأسه في تبرم: _ماشي ماشي خلاص مش هقول متوترنيش لو سمحت... _يلا اطلعلهم. مع نطق اسم عصام، انفجرت القاعة بتصفيقٍ مدوٍ يرجرج الجدران، ومن بابٍ جانبي مغطى بستارٍ مخملي أحمر، ظهر عصام. كانت خطواته الأولى مترددة، كأن ثقل اللحظة يضغط على منكبيه. وجهه، الذي حمل آثار ليالٍ طويلة من التوتر والصراع الداخلي، كان مشدوداً، ومع كل خطوةٍ نحو المنصة، كانت الأضواء تتبعه، كأنها تسلط عليه دائرةً من النور، مبرزةً ملامحه أمام العالم. وصل عصام إلى المنصة، ووقف للحظة، محدقاً في الحضور. عيناه تجولتا ببطء، من وجوه القادة إلى الصحفيين، ثم التفت إلى ياسر، الذي كان يجلس على مقعدٍ بين مقاعد القادة، فاستقبله الأخير بإيماءةٍ هادئة وابتسامةٍ خفيفة تشجعه على التحدث. اسند عصام بيديه علي المنصة، وأخذ نفساً عميقاً، ووضع الورقة التي كان يحملها جانباً، مفضلاً أن تخرج كلماته عفويةً مصرية، من قلبٍ حمل عبء المواجهة مع أدهم. _السيدات والسادة، قادة العالم، أهالي الضحايا، وكل إنسان شال في قلبه أمل إن اليوم دا ييجي له آخر... أنا واقف قدام حضراتكم النهارده، مش علشان أبان بطل، ولا علشان ألبس تاج البطولة، لكن علشان أتكلم كجندي مصري، اتحط في لحظة قدرها الله عز وجل... بعد سنين من الجري ورا قضايا أدهم وورا جثثه وسنين من التفكير العميق لحل لغزه... توقف عصام برهة، وذكرى تلك اللحظات تعود إليه كسكينٍ حاد. كانت القاعة غارقةً في صمتٍ مطبق، حتى أن أنفاس الحضور كادت تُسمع. ثم أردف: _أدهم داغر ما كانش مجرد عدو لمصر، ده كان عدو للإنسانية كلها... جرائمه اللي وصلت لكل قارة، سابت جروح مابتتعالجش في قلوب ملايين. وأنا واقف قدام حضراتكم النهارده، باسم كل واحد قاوم الشيطان ده، علشان أقولها بصوت عالي: إحنا انتصرنا... انتصـرنا، لإننا اخترنا العدل... مش الانتقام... اخترنا الإنسانية... مش الانانية والتفرد. ولسؤال العالم والحاضرين إزاي أنا قبضت على أدهم أنا هجاوب عليه... نظر عصام الى الورقة التي كتب فيها السبب المزيف ثم عاد ورفع رأسه ليصدم بمشهد لم ولن يتخيل أنه سياراه البتة، ففي زاوية الصحفيين... رأى علا.. ورحمة، وإيمان، وسلمى.. وفور أن التقت عيناه بهن، أصابت الصدمة أعصابه كالصاعقة، ولم تتحرك عضلة في وجهه، لكن داخله كان كجبلٍ تصدّع فجأة. عينه تعلقت بوجوههن التي خرجت من ثنايا الندم، لا من مقاعد الصحفيين. إنهن ليسن ضحايا أدهم هذه المرة، بل ضحاياه هو، ضحايا مكره... ضحايا طغيانه، ضحايا شهوته وتكبره. رؤيتهم في تلك اللحظة كزلزلةً هائلة ضربت أركان روحه دفعةً واحدة، حتى كادت تخلع اليقين من قلبه. ثبت في مكانه كما يُثبت الجسد في لحظة الطعن، لا يتحرك، لكنه ينزف ببطءٍ خفيّ لا تراه الأعين. وجوههن المحدقة في روحه لم تكن مجرد ملامح من الماضي، بل كانت شواهد ناطقة على ما اقترفته يداه من قبل. تلك الوجوه، التي حملت في تفاصيلها كل ما فرّ منه... وحملت تجسيدًا دامغًا للخيانة التي تسربت من يديه يومًا، قبل أن تُمسح الدماء عن كفيه بتوبة متأخرة. كل ما حاول دفنه تحت ركام التوبة، وكل ما تمنّى أن يمحوه الزمن. مجيئهم هذه اللحظة بمثابة صفعة قوية لكي لا يكرر كذبه وخداعه مجددًا، بمثابة إدانةٍ متجسدة، وذاكرةٍ لا تستجيب للغفران... وجودهم الصامت كان كافيًا لزعزعة الجدار الذي شيّده داخله منذ أن قرر أن يصبح نسخة جديدة من عصام. وها هو تحول وقوفه على منصة الى وقوفه بين كفتين بين ضمير يئن في صدره، وبلد تنتظر منه بطولة. كان يعلم أن كل كلمة سيقولها بعد الآن، ستعبر عبر أعينهم أولًا، وستوزن بميزانٍ لا يرحم.. ميزان من ذاقوا كذبه حين كان الصدق مستحيلاً. الثقل على كاهله لا يُحتمل، ووقف كمن يشيّع نفسه، كأنما هذه اللحظة ليست لحظة خطابٍ، بل لحظة محاسبة. لم يعد صوته يهم، ولا البيان الذي تجهّز لإلقائه. كل ما في المشهد انكمش حتى صار مرآةً لا ترحم، تضعه وجهًا لوجه مع ماضٍ لم يمت، بل جلس أمامه في القاعة ذاتها، بلا صوت... بلا طلب... فقط بحضورٍ أشد وقعًا من أي كلمة. لم يرتجف، لم ينهار، لكنه تماسك كمن تشبث في هاوية، والمشهد الذي أمامه يحاول انتزاع يديه من الحافة. وتحته فراغ من الأسئلة.. هل التوبة تعني أن يكذب مجددًا؟ هل الوطن يستحق أن يُبنى على نصف حقيقة؟ هل البطولة تعني أن يعود لعادته في الخداع والكذب؟ كان ينظر إليهم لا كأشخاص، بل كقضية... كتجسيدٍ مرعب لما كان عليه، وبدا الصراع في عقله بين رجلٍ أراد أن يُغسل من ماضيه... ورجلٍ يخشى أن يغسل يديه مرةً أخرى بالزيف. لم يستغرق ذلك الزلزال الداخلي أكثر من ثلاثين ثانية فقط، ولكنها كانت كافية ليُعاد ترتيب التاريخ في صدر عصام. ثم، وبهدوءٍ مفاجئ، نظر إلى الورقة الموضوعة أمامه. كانت الكلمات التي خطّها بيده ترتجف بين السطور، كأنها تعلم أنها لن تُقرأ. مدّ يده نحوها، لا ليُمسكها، بل ليؤذن بنهايتها. ثم تنفّس ببطء، وقال: _أنا مش بطل... خرجت الجملة واهنة في صوتها، عظيمة في وقعها. لم يقلها بغرض إظهار هزيمته بل لإخلاءٍ متعمد من الوهم. كمن ينزع عن صدره وسامًا ثقيلًا لم يكن له. عاد لصمته، وابتلع ريقه، وورفع رأسه محدّقًا في عدسة الكاميرا، يبحث عن وجهَي أحمد وسعدية بين ملايين العيون التي تشاهده الآن لعلهما يشاهدان. وقال بثبات: _أنا مقبضتش على أدهم... أدهم هو اللي سلّم نفسه. سقطت الكلمات في القاعة كحجرٍ في بركة راكدة. لم تتحرك الأجساد، لكن النظرات تهشمت، وصمت ثقيل مطبق خيّم على الحضور. تبدلت ملامح الوجوه، بالسخط والدهشة والخذلان من نوعٍ آخر. يحدقون في رجل قال ما لا يُقال، وواجه ما لا يُواجه، وخرق سياج البطولة الملفّقة بمقصّ الحقيقة. أما ياسر، فحدق في عصام طويلاً، بلا حركة ولا إشارة، نظرته كانت مختلفة، خفت فيها الصلابة، ولم يطفح منها السخط كما قد يُتوقع. وفي عينيه، تمازج شيء من الحيرة، بشيءٍ ومن الاستياء النبيل. وهنا رفع عصام بصره ببطء إلى الزاوية ذاتها، كأن غريزة داخلية تقوده للتيقن مما رآه، أو مما توهّمه. لم يجدهن... لم يجد سوى علا. اختفى أثر سلمى، وإيمان، ورحمة... كأنهن لم يكنّ إلا أطيافًا من الذاكرة، بعثتها الحقيقة لتفضح الصمت ثم انسحبت بهدوء، أما هي، علا، فظلت. تجلّت أمامه كحقيقة باقية، وكاختبار لم يرحل. كانت تقف هناك، بين صفوف الصحفيين، بنظرتها الثابتة، ترتدي ملامح امرأة لم تأتِ فقط كصحفيةٍ تسعى خلف لحظة تاريخية، بل كأختٍ، تشهد لحظة ميلاد إنسان. عيناها لم يكن فيهما سخط، ولا شكّ، بل امتلأتا بتعاطفٍ دافئ، من نوعٍ نادر، لا يتكلف، ولا يتنازل عن كرامته. كانت تنظر إليه كما لا ينظر إليه أحد. لا كمتهمٍ، ولا كبطلٍ، بل كأخٍ... تاه كثيرًا، وها هو أخيرًا يعترف. وحين تلاقت أعينهما ببعض.. ابتسمت ابتسامة خفيفة، مطمئنة، لا تزهو، ولا تعاتب، لكنها تلامس ما لا تستطيع الكلمات أن تبلغه. تعلم ما فعله، وتعرف أن جراحها بسببه لم تندمل بسهولة، وأن العلاقة بينهما لم تكن يومًا مستقرة، ولا آمنة. ومع ذلك، ها هي هنا. لا تهتف، ولا تصفّق، فقط تقف، وتنظر إليه وتطمئنه. وفي لحظة خاطفة، لا يمكن قياسها بالزمن، انكمش العالم كله من حول عصام، تقلصت القاعة، وغاب قادة العالم، وتلاشى وهج الكاميرات، وكأن كل شيء انهار من محيطه، ولم يبقَ إلا نظرتها تلك. أصبحت هي وحدها المنصة، وهي الجمهور، وهي الحكم، وهي النجاة، وهي العالم. نسي عصام أنه أمام رؤساء دول عظمى، نسي أنه يتحدث باسم مؤسسات وأوطان، نسي حتى أنه محور الحدث كله. كل ما تبقّى حيًا فيه... هو أنه أخ، واقف تحت أعين أخته، يعترف، ويتلقى الغفران من ابتسامة واحدة، صنعت له وطنًا لا ينهار.
ROMISAA