البوابة الاولى للعالم الموازي ٣

البوابة الاولى للعالم الموازي ٣

41 0

٨٣ في سجن دارين، حيث دهاليز الرعب، حيث ينحت الخوف في الجدران. تجلس فريدة في المهجع بين الموظفين، والقلق يعتليهم من كل جهة، جالسين مترقبين ملك الموت أو ما شابه. حين اقتحم الموظفون الغرفة التي كانت فيها فريدة، تجمد الهواء من حولها، كأن الزمن نفسه قد تعطل للحظات. لم يكن هناك مجال للسؤال أو المقاومة، بل أمسكوا بها بقبضة خالية من التردد، كأنها مجرد شيء يجب نقله، لا إنسان له إرادة. قبل أن تستوعب ما يحدث، انزلقت قطعة قماش سوداء خشنة حول عينيها، تحجب عنها النور، وتتركها وحدها في عتمةٍ مزدوجة، بين ظلام الرؤية وظلام المجهول. سألتهم بنبرة مرتجفة عما يجري إلى أن قالوا لها: _سردار طلب رؤيتك، هيا بسرعة، بدون مماطلة. كانت خطواتهم سريعة، لا تترك لها فرصة للتردد. كعب حذائها كان يضرب الأرضية الصخرية بصوت مرتجف، وكأنه قلبها نفسه ينبض ذعرًا في الهواء. لم تكن ترى شيئًا، لكن أنفاس الرجال من حولها كانت تكفي لإخبارها بأنها محاطة بأجساد صلبة، بلا رحمة. حرارة أنفاسهم، رائحة الحديد الصدئ التي تعبق في الأجواء، والارتعاشة التي سرت في أوصالها حين دفعها أحدهم إلى الأمام—كل ذلك جعلها تدرك أنها لم تعد تملك من أمرها شيئًا. كان الرواق طويلًا… طويلًا أكثر مما ينبغي، أو هكذا خُيِّل لها. كل خطوة كانت تثقل صدرها أكثر، كأنها تسير نحو هاوية لا قاع لها أو دائرة لا نهاية لها. كاد عقلها يصرخ بأسئلة متداخلة، لكن فمها بقي مغلقًا، كأن الكلمات لم تعد تجرؤ على مغادرة شفتيها. كانت كل ذرة في كيانها تصرخ بالرعب، لكنها تعلم أن الخوف هنا لا معنى له، سوى أنه يزيد من بشاعة المصير. وأخيرًا، توقفت الخطوات. شعرت بأيدٍ تدفعها برفق، لكن برودة الأصابع على كتفيها كانت كافية لزرع قشعريرة ممتدة أسفل عمودها الفقري. سُمعت حركة مقعد يُسحب، ثم أُجبرت على الجلوس، وجسدها كله متصلب كلوح من حجر. بقيت للحظات، محاصرة في ظلامها، حتى امتدت يدٌ نزعت القماشة عن عينيها بحركة حاسمة. وحين أبصرت، تمنت لو بقيت في العمى. كانت الغرفة واسعة بشكل مخيف، الأضواء فيها خافتة، كأنها لا تجرؤ على السطوع الكامل في حضرة الجالس أمامها. الطاولة أمامها مرتبة بدقة متناهية، صحون بيضاء تحتضن الطعام، فضيات. وعلى الجانب الآخر، كان يجلس هو... سردار شاهين. تلاقت عيناها مع عينيه، التي كانت غير ظاهرة من الأساس، فقد كان يرتدي قناعًا أسود اللون مكشوفًا من عند الفك. لم يكن في وجهه تعبير واضح، لا ابتسامة ساخرة، ولا نظرة تهديد مباشرة، فقط ذلك البرود المتسامي، كأنه يجلس خارج عالم البشر تمامًا. على يمينها، كان إبراهيم، جالسًا بصمت، بصيرته تتلمس تفاصيل المشهد الذي لم يعد يستطيع رؤيته. ورغم أنه كان بلا عينين، شعرت أنه يفهم تمامًا ما يدور حوله، وربما كان أعمق إدراكًا منها. أما هي، فكانت تشعر وكأن جسدها كله قد أصبح هشًّا، كورقة على وشك أن تمزقها الرياح. لم يكن هذا مجرد خوف، بل كان ذلك الرعب العميق، الذي يجعل الدم يتجمد في العروق، ويجعل الهواء ثقيلًا في الرئتين. كانت تجلس على الطاولة، لكنها كانت تعلم أنها ليست ضيفة… بل أقرب إلى محكوم عليه ينتظر كلمته الأخيرة. _إزيك يا فريدة؟... عاجبني مستواكي في الشغل، بقالك خمس شهور ماعملتيش ولا غلطة، ماتعذبتيش ولا مرة، كأنك جاية... وأنتِ عارفة هتعملي إيه بالظبط، كأنك جاية وأنتِ عارفة النظام كويس، يا ترى مين عرَّفك؟ ظلت فريدة جالسة، عيناها لا تطرف، خشية أن يتحول الأمر إلى دمار في رمشة عين. نظر سردار لإبراهيم وهو يقول: _أتباعك بيقولوا كتير أوي يا إبراهيم، شكلك عملت جيش من وراهم، وأنا بقول "من وراهم" لأن هما ما يعرفوش... بس أنا عارف كل حاجة. أشار سردار لهم عن بدء الطعام وهو يقول: _اتفضلوا، كلوا. بدأ سردار بالأكل، وكذلك إبراهيم، الذي تحسس بأنامله مكان الشوكة والسكين، وحين أمسكهما، بدأ هو أيضًا بالأكل، على عكس فريدة، التي كانت تحدق فيه بتعجب وصدمة، ليقول سردار: _كلي، مش هسممكم، ما تخافيش، أنا لو عايز أموتكم مش هستخدم الحيل الجبانة دي. بطريقة ما، اقتنعت فريدة من حديثه، فبدأت هي أيضًا بالأكل. كانوا يأكلون في صمتٍ تام، صمتٍ مرعب، كما لو أن هناك عاصفة منتظرة أن تقتحم الأجواء فور انتهاء ذلك الهدوء. أثناء ما كان يأكل، قال سردار: _تعرفوا إن القوقازيين لحد سنة ١٩٧٠ كان عندهم الحرية في إنهم ياكلوا عبيدهم السود؟ توقفت فريدة عن المضغ، ونظرت إلى اللحم الذي تأكله، ثم نظرت إلى إبراهيم، الذي كان يستمر في الأكل، وأردف سردار قائلًا: _دايمًا بننبهر بالقوقازيين... جمال، قوة، نُبل... مخليين كل شعوب وأعراق الأرض تحت سيطرتهم، في نظركم دا بيكون إيه؟ نظر سردار لهما ليترقب اجاباتهما ليجدهم صامتين تمامًا، إلى أن قال إبراهيم: _شر... شر صريح. ابتسم سردار وهو يومئ برأسه، ثم قال: _مصطلح "شر"، "عنصرية"، "المساواة"، "المستضعفين"... كلها حاجات عمري ما اقتنعت بيها بصراحة، كلها مصطلحات طالعة من ناس ضعفاء، ما عندهمش شغلانة في الحياة، ولا عندهم علم كافي يخليهم يستحقوا إنهم يعيشوا. سكت إبراهيم دون أن يجيب، بعدها أردف سردار: _أنا لو كنت مكانكم، كنت هتقبل اللي أنا فيه، هقول... أيوة فعلًا، أنا مخلوق عشان أبقى وسيلة لمتعة واستفادة اللي أقوى مني واللي بيحكموا العالم، ليه فكرة إن حد يكون خادم للي أقوى منه بتكون وحشة أوي وغير مقبولة؟ ليه عايزين تساووا الضعيف النكرة اللي ما عندوش فلوس ولا علم ولا مكانة، باللي عنده كل ده؟ كان فريدة وإبراهيم يستمعان إليه، والقهر ينهش قلوبهما. وكل ما استطاعت فريدة قوله هو: _أنت مش قوقازي، كان ممكن تبقى مكاننا في أي وقت، ووقتها أنا متأكدة إنك ما كنتش هتفكر بالشكل اللي بتفكر فيه دلوقتي. ابتسم سردار وأكمل طعامه، وبعد برهة قال: _عندك أمل في إنك تسيبي المكان ده، مش كده؟ نظر سردار إلى إبراهيم وهو يقول: _مش كده يا إبراهيم؟ مفكرني ما أعرفش؟ مفكر إني ما أعرفش يوسف بالخطة بتاعتك إنتَ ويوسف وشوية الـ***** اللي راحوله؟ استمر سردار في زيادة الشلل في أجسادهم إثر الصدمات المتتالية، حدقت فريدة في سردار بشدة، وإبراهيم تحفظ بصدمته داخل ضلوعه. وضع سردار الشوكة والسكين واتكأ وهو يقول: _يوسف.. كان أكتر من كونه زميل مهنة، بس كان هو وليلى بيعصبوني أوي. مهنتنا مش محتاجة للإنسانية والرحمة أبدًا أبدًا، الإنسانية والرحمة بتبوّظ المهنة، وبتبوّظ العلم، وبتبوّظ النجاح. يوسف كان يقدر يبقى في ذكائي ونجاحي.. بس حبه لليلى خلاه يتبع خطواتها الهشة الركيكة في العلم، وها هو دلوقتي بيحاول يهربكم بطريقة غبية زيه وزيكم. عاد سردار إلى صمته، ثم أردف: _بس أنا مش همنعكم، أنا بس هعوز أحط لمستي المميزة في الخطة دي، يعني بحب يكون ليا دور في أي حاجة كده. أخرج سردار جهازًا صغيرًا يشبه الأسورة بها زر، وهو يقول: _الجهاز ده هيفعّل السم البطيء اللي يوسف زرعه في أجسام الموظفين، أول ما تدوسوا على الزرار ده، السم هيتفعل ويموتوا في ساعتها. بس مقابل كده، فيه إبر هتطلع من الأسورة وتخش في عروق اللي لابسها، وتنشر سم جواه، وهيبقى عنده مهلة يومين إنه ياخد الترياق للسم ده بعد ما يرجع لبلده، أو يموت. ظلت فريدة تحدق في الأسورة، وأردف سردار بقوله: _واحد فيكم لازم يلبسها ويدوس على زرارها في أي وقت هو يحبه. يا إما يستنى عيد الأضحى ويشوف مفعول السم بيظهر بشكل طبيعي من غير ما يدوس على حاجة، بس وقتها هيكونوا ماتوا واتدبحوا كتير، لأن غير معروف المفعول أصلًا هيبدأ بعد الدبح ولا قبل الدبح. يا إما يدوس دلوقتي ويلحق يهرب عشان ما يموتش، أو يستنى لحظة الاجتماع لدبح المسلمين، وقبل ما حد يتدبح، يدوس عشان لحظة الهروب تبقى أسهل. يلا، الاختيار ليكم.. مين فيكم هيلبسها؟ طرق سردار بإصبعه على مكان الأسورة ليُعلم إبراهيم مكانها تحديدًا، وكلاهما، بدون تردد، مدّا يديهما ليلتقطا الأسورة، ولكن فريدة المُبصرة كانت أسرع منه، فأخذت الأسورة وارتدتها، ليقول إبراهيم منفعلًا: _فريدة، هاتيها!! _لبستها خلاص. _فريدة، مينفعش كده! إنتِ ممكن تروحي فيها. _مش هروح، متقلقش. كان سردار يشاهد جدالهما بابتسامة عريضة، مستمتعًا، لتبدأ لعبته في هذه اللحظة. أستنجو فريدة؟ أم لا؟                             *********** أدهم الآن في إحدى سياراته، وبجانبه عمر، الذي لم تكن له إرادة في حضور أدهم، كدمية الماريونيت خيوطها متصلة بأنامل أدهم، لا يرغب في نزعها. وما رآه عمر من تعذيب نفسي وجسدي طيلة تلك الأيام، يفضل ألا يذكر، فمن المعلوم كيف ستتصرف شخصية كأدهم مع من يعيش معهم في المنزل ذاته. كم هي فكرة مجنونة، أسطورية، أن يعيش عمر أسبوعًا مع أخطر مجرم في العالم! قد يخطر على باله رؤية حصان مجنح، ولا أن يخطر على باله ما هو يعيشه حاليًا. يتساءل: متى ينتهي هذا الكابوس؟ متى سينساه أدهم كأنه لم يكن؟ كانت أيام عمر تمضي كأنها سنون، كل لحظة فيها حملت معها عبئًا جديدًا من التعذيب النفسي والجسدي. كان يشعر وكأن روحه تُنزع منه قطعةً قطعة، بينما يُجبر على مواجهة ميول ذلك الرجل القذرة، التي كانت تثير في نفسه النفور، والشجب، والانقباض، والكراهة. كان شعور الضيق يلف عمر كالحبل الشائك، يعصر ويكسر عظام عنقه، لا يترك له مجالًا للتنفس أو الأمل. كان كل يومٍ يمضي يزيد من ثقله على كاهله، وكأنه يحمل جبلًا من القهر لا يُطاق. كان يشعر بالغربة حتى عن نفسه، وكأنه لم يعد يعرف من هو، أو ما الذي يريده من الحياة. كانت روحه تصرخ في صمت، تبحث عن منفذٍ للهروب، لكنها كانت تُحاصر بجدران ذلك المنزل، الذي تحول إلى جحيم لا يُطاق. في تلك الظلمات، كان عمر يحاول أن يمسك بخيوطٍ من الأمل، ولو كانت رفيعةً كخيط العنكبوت. كان يحلم باليوم الذي سيهرب فيه من ذلك السجن، ويعود إلى الحياة التي كانت تنتظره قبل أن يخطفه ذلك الرجل. لكن حتى ذلك الحلم بدأ يتبدد مع مرور الأيام، وكأنه سراب بعيدٌ لا يُدرك. هكذا عاش عمر، بين ألمٍ لا ينتهي، وضيق لا يُحتمل، يحمل في قلبه جراحًا لن تندمل، وفي عينيه نظرة تبحث عن خلاص قد لا يأتي أبدًا. كانت أيامه مع أدهم سلسلة متواصلة من الكوابيس التي لا تنتهي. كل صباح كان يستيقظ على أصوات صمتٍ ثقيلة، تذكِّره بأنه ما زال محاصرًا في ذلك المنزل الذي تحوَّل إلى سجن. كان عمر يشعر وكأنه يعيش في غرفةٍ مظلمة لا هواء فيها، يختنق ببطء تحت وطأة الخوف والاشمئزاز. كل نظرةٍ من أدهم، كل كلمةٍ ينطق بها، كانت تزيد من شعور عمر بالضيق والغربة عن نفسه. كان الخوف رفيقه الدائم، خوفًا من أدهم نفسه، وخوفًا مما قد يفعله به في أي لحظة. كان يشعر بالقلق والاضطراب المستمر، وكأنه يعيش على حافة الهاوية، لا يدري متى سيسقط فيها. كل خطوةٍ كان يخطوها، كل حركةٍ كان يقوم بها، كانت محسوبة بحذرٍ شديد، ليس خشيةً من أن يقتله أدهم، فقد تأكد عمر أنه لن يستطيع قتله، بل خشيةً من أن تذهب شيماء وابنه ضحيةً لجنون هذا الرجل. كان السخط يشتعل في قلب عمر، ولهيبه الملتهب يتعالى شيئًا فشيئًا. سخط من أدهم، الذي سلبه حريته وكرامته وصحته، وغضب من نفسه، لأنه يشعر بالعجز المخزي أمام ذلك الواقع المرير. كان الاحتدام يختلط بالعجز، فيخلق في نفسه شعورًا باليأس والإحباط العظيم. _قول لي يا عمر، مفكرتش تبقى قوي وليك قيمة كده؟ نظر عمر إليه في تبرُّم، ليردف أدهم: _متستغربش من كلامي، انت خرع أوي، وعايز أنشفك كده. صمت عمر برهة، ثم قال بنبرته الباردة المنهكة: _أنت اللي مفكرتش تبقى إنسان عادي قبل كده؟ سكت أدهم برهة، ثم قال: _بصراحة فكرت، وحاولت، بس مقدرتش. حاولت عشان ليلى، ومعرفتش. حاولت عشان أنوبيس، ومعرفتش. _أنوبيس؟ _أيوة، بنتي اللي سميتوها هاجر. مش متخيل أنا بحبها قد إيه يا عمر. ولما سابتني وهربت، زعلت أوي. بنتي، حبيبتي، اللي وارثة مني كل حاجة، وعلمتها كل حاجة بتعب. صمت عمر بعض الوقت، ثم قال بنبرة خبيثة، تُظهر أنه يعلم شيئًا من المفترض ألا يعلمه: _أكيد عندك صور ليها على موبايلك بقى، مش كده؟ ضحك أدهم حين فهم قصد عمر وسكت، وبعد فترة وصلا إلى فيلا فاخرة في العاصمة الإدارية نفسها. ترجلا من السيارة، ودخلا المنزل المترف، صاحب الأثاث القيم، والألوان المريحة الرائعة. _إيه رأيك؟ سأله أدهم هذا السؤال، ليجيب عمر: _يعني عايز إيه؟ ابتسم أدهم وأشار له أن يأتي خلفه، فتبعه عمر إلى حديقة المنزل. تسلّل القلق إلى قلب عمر وهو يسير خلف أدهم إلى حديقة المنزل. قدماه تخطوان على العشب الرطب، لكنه شعر كأنه يسير نحو مجهولٍ مشؤوم. مع كل خطوة، تعاظم الشعور بالخطر في صدره، حتى عبر العتبة الأخيرة إلى الفناء، فاستقبلته رائحة اللحم المشوي، لكنها لم تحمل أي طمأنينة، بل زادت من اضطراب أنفاسه. وقف للحظة، وعيناه تجولان في المشهد أمامه. ثلاثة أفراد جلسوا بهدوء، كما لو كانوا في حفلة شواء عادية، لكن في مركز جلستهم كان هناك جسد بدا وكأنه جذع إنسان معلق بين خشبتين، يتأرجح ببطء فوق النار المشتعلة. تأمل اللهب وهو يلتهم الأطراف، والدخان المتصاعد منه يلفح الوجوه بظلالٍ مرتجفة. انعكاس النار جعل ملامح الجالسين تبدو أكثر غرابة، كأنها تتغير مع كل رفرفة للهب، تارةً ساكنة، وتارةً أخرى مخيفة. ابتلع عمر ريقه بصعوبة، وأحس بأن الهواء من حوله صار أثقل. نظر إلى الوجوه الملتفة حول النار، وما لم يكن يعرفه أن الجالسين هم كاجويا، الجناح الثاني لأدهم، ورفاييل، الجناح الثالث، وتريسا، الجناح الرابع. لم يبدُ عليهم أي أثر للدهشة أو التوتر، بل كانوا يتصرفون ببرود واعتياد، فهذا جزء من حياتهم السوداوية المشؤومة. راقبهم عمر بعينين متوجستين، محاولًا فك شفرات هذا الاجتماع الغامض والمربك. لم يكن متأكدًا مما يخططون له، لكن إحساسه الغريزي كان يصرخ داخله، يخبره بأنهم لم يدعوه لمجرد وليمة عابرة، بل لشيء أعمق بكثير، شيء قد يكون هو جزءًا منه دون أن يدرك. وفور أن أتى إليهم، رحّبوا به كما لو كانوا يرغبون في صداقته أو ما شابه. بعدها، وضع أدهم يده على كتف عمر وهو يقول: _شايف اللي بيتشوي ده يا عمر؟ أومأ عمر برأسه، فأردف أدهم: _ده زمان كان جناح عندي، ووصل للحال ده بعد ما خانني وأدّيته فرص كتير. قالت كاجويا بابتسامة شماتة عريضة: _طعمه حلو أوي على فكرة. شعر عمر بإعياء شديد، وكاد أن يستفرغ، ليستوقفه قول أدهم: _بعد كده يا عمر، انت هتكون الجناح الأول ليا مكان رفعت الخاين. البيت اللي وراك ده بيتك، العربية اللي في الجراج عربيتك، هيبقى تحتك آلاف التابعين اللي تقدر تتحكم فيهم بصباعك، وهديك جدول لبضاعة الكوكايين اللي تقدر تبعتها للناس. من النهارده شغلك معانا بدأ، يا حبيبي. تجمدت ملامح عمر في لحظة صامتة، كأن الزمن توقف فجأة. جحظت عيناه وهو يحدق في أدهم، وقلبه لم يطاوع هذا السكون، بل اندفع في صدره بعنف، يضرب ضلوعه كطائر مذعور يبحث عن مهرب. شعر بتيار بارد يزحف على عموده الفقري، رغم أن النار ما زالت تشتعل أمامه، وكأن اللهب فقد قدرته على بث الدفء، أو كأن الخوف نفسه قد تسلل إلى دمه، جاعلًا جسده يرتجف رغم محاولته السيطرة على ارتعاشه. ابتلعت أذناه كل الأصوات من حوله، لم يعد يسمع سوى دوي كلمات أدهم في رأسه: "هتكون الجناح الأول ليا." كانت الجملة تدور داخله كهمهمة شيطانية، كجرس إنذار يضرب بلا توقف. حدّق في أدهم، محاولًا أن يستوعب إن كان جادًا أم يمزح، لكن ملامحه كانت صارمة رغم ابتسامته العريضة، باردة كحكمٍ لا رجعة فيه. لم يكن هذا اقتراحًا، بل مصيرًا يُلقى عليه كحبل يلتف حول عنقه. أراد أن يرفض، أن يصرخ، أن يقول إنه لا يريد هذا، لكنه شعر أن الكلمات تجمدت في حنجرته، كأن الهواء نفسه صار ثقيلًا يمنع خروجه. نظرات الجالسين كانت ترقبه بصمت، كأنهم ينتظرون ردة فعله، كأنهم يصطادون أي ارتعاشة في وجهه ليقرأوا مخاوفه. أهذا معقول؟ الطبيب الذي كان يعالج المدمنين ويسحب من أجسادهم المادة المخدرة، سيكون سببًا في إدخالها إلى أجسادهم من الأساس؟ إنه لأمرٌ عظيم. أحس بجسده يضيق، وكأن المكان بأكمله أصبح زنزانة جدرانها تقترب منه، تخنقه ببطء. لم تكن هذه مجرد كلمات، بل كانت قيدًا، كانت طريقًا ذا اتجاه واحد، وإن خطا فيه، فلن يعود كما كان أبدًا. كان عمر مشغولًا بمحاولة استيعاب تلك الصدمة، فلم يرَ أدهم الذي كان ممسكًا بهاتفه. ولسببٍ ما، عبس وجهه وقال ممتعضًا: _ماشي يا شباب، مش هنكمل سهرتنا... يلا يا عمر. قالت كاجويا معترضة: _إيه ياعم، إحنا لسه ما أكلناش! أجابها أدهم بحزم: _خلاص يا **** ، وقت تاني. أمسك أدهم بيد عمر وعادا إلى السيارة، ليقول عمر مستنكرًا: _انت هترجعني تاني ليه؟ مش ده بقى بيتي خلاص؟ نظر إليه أدهم نظرة باردة قبل أن يرد بصوت منخفض، لكنه مشحون بالتهديد: _شكلك عملت حاجة هتزعلني منك جامد يا عمر.                           ************ بعد ساعات، وصل نور الصاوي إلى المكان الذي حدده له نوح. كان أمام مقهى، فعزمه نوح على قهوة، فقال الصاوي له إن قهوته سادة. على أي حال، أخذ كلاهما القهوة، وأثناء سيرهما قال نوح: _تحب تروح المدرسة اللي كنا بنشتغل فيها زمان؟ قال نور بتعجب: _دلوقتي؟ وبعدين هي مش بقت مهجورة خلاص بعد ما الأخ دا ساب دنيته وراح القصر الجمهوري؟ _لا، مابقتش مهجورة أوي، لسه بيوضبوا فيها ويجددوها. عادي، هرشي الراجل وهيدخلنا، نقعد في السطح كدة. أنا عارف الطلب غريب، بس دا كان أول مكان أقابلك فيه. _ماشي يا عم، اللي تشوفه. أما نشوف آخرتها. ابتسم نوح، وبين الفترة والأخرى كان يترقب نور وهو يحتسي القهوة بنظرات غامضة. بعد سير لم يطل، وهما يتسامران، وصلا إلى المدرسة ليسترجعا الذكريات التي لم تكن جميلة في الحقيقة. قذف رحمة من قبل الطلاب، سقوط نوح من المبنى المرتفع، وغيرهم. صعد كلاهما إلى السطح ذاته الذي سقط نوح منه، ليقول نور بتهكم: _أنت عايز تقولي وصيتك ولا إيه؟ بتفكر تنتحر تاني؟ ضحك نوح وهو يحرك رأسه نفيًا، ثم قال: _حبيت بس أدردش معاك شوية، وأشكرك عاللي عملته فيا. بصراحة، أنا اتحسنت كتير. كان فينك من زمان؟ ابتسم نور وهو يقول: _يا عم، مفيش شكر ولا حاجة، بس ياريت تنجز عشان مستعجل. _مستعجل ليه؟ وراك إيه؟ _أنت بقيت فضولي ليه كدة؟ سكت نور مدة طويلة، وكلاهما يحتسيان القهوة تحت سماء الليل المرصعة بالنجوم. النسيم البارد يداعب وجهيهما، حاملًا معه رائحة الإسفلت الرطب وأصداء أصوات طلاب قديمة تلاشت بين الجدران. المصابيح البعيدة تلقي بوميض خافت، يرسم ظلالًا باهتة على البلاط المتشقق. ممسكان بفنجانين يتصاعد منهما بخار دافئ. كان نوح يسرح في الفراغ، يشعر بغصة قوية لما سيواجهه حاليًا. وبعد صمت طويل، نظر إلى نور وهو يقول: _نور، أنت بتشتغل مع أدهم؟ نظر نور له وهو يحرك رأسه نفيًا: _أنا تلميذ البروفيس.... قاطعه نوح منفعلًا: _أنت مش تلميذ حد! يوسف قال إنه ما يعرفكش، واحتمال كبير ما تكون أخونا أساسًا. أنت مين يا نور؟ سكت نور وهو يحدق في نوح بنظرات جادة، باردة، لا مبالية. وبعد صمت قليل، قال نوح: _عرفت من مدة... لما أدهم لما عذّب نتنياهو في الريد مونكي، قال جملة من خطاب هتلر وعمل التحية بتاعته. أنا شوفت الفيديو دا من قريب. عارف فكرني بإيه؟ ظل نور يحدق فيه بنظرات باردة ثاقبة دون أن يجيب، ليردف نوح: _فكرني بكلامك الألماني اللي قلته أول مرة دخلت فيها أوضة المدرسين. قولت يمكن... يمكن نور كان بيشتغل مع أدهم وأخد الكلام دا منه. عاد نوح لصمته، وبؤبؤ عينيه يتحرك إثر محاولة ترتيب أفكاره، ثم قال: _جريمتك كانت... شبه جرايم أدهم نوعًا ما. قولت يمكن نور بيشتغل مع أدهم واتعلم منه. ديميت حكتلي لما سألتها عنك، قالتلي إنك كنت معجب بيها أوي. قولت يمكن نور بيشتغل مع أدهم، وأدهم كلمك عنها وأُعجبت بيها. رويدًا رويدًا، الصورة تتضح في عقل نوح وهو يردف: _مالكش مكان محدد، مش مستقر، بتروح وتيجي، وتظهر وتختفي... عمرك ما قابلت علا. قولت يمكن أنت خايف منها تقرأ أفكارك وتعرف إنك بتشتغل مع أدهم... أمسك نوح برأسه متألمًا من الصداع، بعدها أكمل بقوله: _تعرف قبل ما أدهم يخطف عمر، خلا مراته تبعتلي فيديو لوحدة بتغير شكلها تمامًا. يعني زمان كنت معتقد إن تغيير الشكل لما واحد يحط ماسك كامل، بس لا، هي كانت بتحط أجزاء من الجلد المزيف بس اكنه حقيقي بالظبط على مناخيرها، وبقها، وعينيها، حاجة تغير ملامحها وبتحولها لشكل تاني خالص كده. اتحولت لراجل وحطت دقن حقيقية أوي، كأنها دقن حقيقية طالعة من جلدها بجد. الموضوع مدهش جدًا الحقيقة... كان نور يستمع لنوح وهو يحتسي القهوة وهو يعلم إلى اين هذا الأمر سيستقر، فنظر نوح إلى القهوة وهو يقول: _عجباك القهوة؟ _حلوة. _مش قولتلي إن قهوتك سادة؟ القهوة دي زيادة... وعمال تشربها عادي. ثبتت حركة نور حين استوعب هذا الأمر، وفجأة، برد فعل لم يتوقعه نوح، بدأ نور بالقهقهة. ظل يقهقه بشدة حتى أمسك بطنه وذرفت دموعه، وكل قهقهة تخرج من فمه لم تكن إلا طعنة في رئتي نوح وانقباضًا في قلبه. حين انتهى نور من الضحك، استنشق نفسًا وهدأ، وهو يقول بأسلوب هزلي وابتسامة عريضة تظهر حجم سخطه وجنونه، تمامًا كأدهم: _وإيه كمان؟ اقشعر جسد نوح وهو يردف: _عمر برضو قالي إن أدهم عنده جرح في رقبته... والبتاع اللي على رقبتك، اللي قولت إنه بيساعدك تتكلم عشان الحادثة اللي حصلتلك، طلعت.... قاطعه نور وهو يرفع يده ليمنعه، ويقول مستمرًا في السخرية من نوح: _استنى استنى، تعالى نقولها بصوت واحد، ماشي؟ سكت نوح قليلًا، وهو غير مرتاح مما يعيشه حاليًا، وقالها كلاهما بصوت واحد: ^^عشان تغير صوتك^^ اقترب نور أكثر من نوح بحركة مفاجئة جعلت نوح ينتفض داخليًا. _يا.... يا إيه بقى؟ ابتلع نوح ريقه بعسر، وعينه ترتجف محدقًا في هذا المجنون الذي أمامه، وأردف: _يا أدهم... صمت تام، حتى أصوات الرياح تم كتمها من عظمة ما اكتشفه نوح. الابتسامة العريضة التي كانت على وجه نور... لم تكن ابتسامة خذلان أو خسارة، بدت وكأنها ابتسامة فخر واستمتاع، كالأب الفخور بابنه. وبشكل تدريجي، نزع نظاراته، ثم نزع شعره المجعد المستعار الذي كان متلصق بجذوره وفروة رأسه، ثم نزع بعض الجلد المزيف، الذي كان يبدو حقيقيًا وواقعيًا إلى حد مرعب. كان يغير شكل أنفه أو رسم خديه. نزعهم، ونزع لحيته، ليكشف عن وجهه الحقيقي الذي خبأه طيلة هذه الشهور. بدا عليه أنه كان مستمتعًا بالدور إلى حد كبير، وأنه مستاء من عدم استكماله لهذا. البروفيسور الجامعي في ألمانيا، الذي انتقل إلى مدرسة رفعت لتدريس الكيمياء، نور الصاوي، هو في الأساس كان أدهم داغر من البداية. من قام بعمل جريمة العجوزين المقطوعين لنصفين كان أدهم من البداية. صاحب قوة الإرادة/الإدراك هو أدهم من البداية. صاحب روح القوة أديكيا الظالم المجرم هو أدهم من البداية. البوابة الأولى للعالم الموازي هو أدهم من البداية. من عالج شلل ديميت وذهب معها إلى منزل سردار في تركيا هو أدهم من البداية. من جعلهم يصدقون أنه أخيهم السابع لم يكن بأخيهم، بل كان أبوهم أدهم. من أنقذ جمال وإسماعيل من السجن حين كان بحوزتهم السلاح في منزل مصطفى هو أدهم. من احتفظ بالفلاشة والحاسوب الخاص بسردار، واتخذ المنزل الذي به تلك الجثة الغامضة، هو أدهم. كان هو أدهم دائمًا وأبدًا... أدهم داغر. تسارعت أنفاس نوح، كأن ضلوع صدره تحولت إلى قضبان قفص ضيق لا يتسع للهواء، وغامت الرؤية أمام عينيه بينما عقله يكافح لاستيعاب ما يراه. للحظة، تمنى لو كان كل شيء كابوسًا، أن يستيقظ ليجد أن هذا الوجه، الذي ظنه غريبًا، لم يكن إلا قناعًا يخفي خلفه أسوأ كوابيسه. تجمدت أطرافه، وكأن برودة جارفة اجتاحت أوصاله، شلت حركته وهو يحدّق في ملامح والده الحقيقية تتكشف أمامه ببطء مرعب. انسلت القشرة الزائفة، تساقطت كأشلاء كذبة لم تعد تحتمل البقاء، وفي كل تفصيلة انكشفت، زاد ثقلها على صدر نوح، حتى كاد يسحقه. الذكريات تهاوت فوقه كأمواج هائجة؛ كل لحظة، كل نظرة، كل كلمة قيلت بصوت ذاك الوجه المستعار المدعو نور الصاوي، بدت الآن مشوهة، مخادعة، مسمومة. كل شيء كان وهمًا، وكل ثقة منحها كانت خنجرًا انغرس في صدره دون أن يدرك. أدرك الحقيقة، لكنها جاءت كطعنة لا تترك مجالًا للصراخ، بل تسرق أنفاسه وتجعل العالم يدور من حوله في دوامة من الرعب والخذلان. لم يعد أمامه سوى إدراك واحد قاتل: الوحش لم يكن مختبئًا في الظلال، بل كان أمامه طوال الوقت، يراقبه، يبتسم له، يخدعه بوجهٍ لم يكن سوى ستارٍ خلفه هاوية لا قاع لها. وكل ما استطاع نوح قوله لوالده هنا، بتهدج شديد: _ليه؟ نزع أدهم الوشاح وضغط على زر في الطوق، الذي غير صوته تمامًا، ذلك الزر هو الذي يبطل تغيير الصوت، وقال أدهم بصوته المهيب هنا: _عشان أخليكم تنجوا، عشان أفتح مخكم، عشان أفتح عينيكم على المصايب اللي عمالة تتحدف حواليكم، كل حاجة بتشوفوها، كل حاجة بتكتشفوها، كل حاجة بتوصلوا ليها، كل حاجة بتقربكم من سبيل النجاة، هي بسببي أنا، أنا وبس! كان حديث أدهم من هذه المسافة القصيرة يجعل نوح يقشعر رهبة من والده. صوته كان كالمدية تشق أذنيه، ليس من علو صوته، بل من تلك النبرة المهيبة المحملة بأرواح الناس الذين زُهقت طغيانًا وبطشًا. تمالك نوح رجفة صوته وهو يقول: _أنت عارف كل حاجة، قولي كل حاجة، قولي دلوقتي، متستناش إننا نكتشف بنفسنا. _فين المتعة في كده؟ عقد نوح حاجبيه متعجبًا وهو يقول: _متعة؟ _هو أنت مفكرني بساعدكم عشان خاطر عيونكم؟ لا يا بابا، أنا بلعب! دا أنا بلعب بيكم وحاططكم بين صوابعي، وبقلب حياتكم مرة كده ومرة كده. _أرجوك... أرجوك قولي كل حاجة، قولي مين نور؟ ومين أمها المسيحية وحصل لها إيه؟ قولي وديت عمر فين وعملت فيه إيه؟ قولي إيه محتوى الفلاشة؟ قولي إزاي نوصل لسردار؟ كان أدهم يحملق في ابنه بتهكم عارم، مبتسمًا ابتسامة مستفزة أغضبت نوح وجعلته يصرخ: _أدهم، أنا مش بتاع لعب!!! عرفني، ساعدني، كل اللي قلت لي عليه الليلة دي، عرفني!!! أردف نوح وجسده يرتجف إثر صياحه وانفعال مشاعره التي لطالما كبحها: _أنا اتعذبت بسببك! كلنا اتعذبنا بسببك! هاجر عيشتها في جحيم بين الجثث والتعذيب والجرائم البشعة، عصام عاش في الشارع لسنين وقطعوله دراعه!، علا قتلت ابنها، مصطفى قطع جثث، سليم قتل طلابه وشال أحشاء واحد، وأنا!!! أنا كنت طفل ذكي، محدش كان يقدر ينافسني، أنا ضعت، عقلي طار!! مبقتش بعرف أفرق بين إيه الحقيقي وإيه الوهم!! حياتي زمان كلها اتمسحت من دماغي!! بقيت مسخ!! أمهاتنا كلنا اتقتلوا!! كل ده بسببك! بسببك وبس!! حصل لنا كل ده ولسه منعرفش إيه اللي حصل لنور أختنا! حصل إيه للبنت؟ إيه الكابوس اللي مرت بيه يخليكم كلكم تخبوا عليا كده؟ تخبوا على هويتها وحياتها ووجودها؟ ليه؟ البنت حصل لها إيه؟؟؟! ظل أدهم يحدق فيه طيلة حديث نوح، الذي كان يفيض بالقهر المضغوط في قلبه لسنين وسنين. إثر انفعاله القوي، ذرفت دموعه، فمد أدهم يده يمسح دموع ابنه، ثم قال: _طب بص... تعالى نتفق اتفاق، أنا هحاول أقتلك، ولو عرفت تطلع من تحت إيدي حي، أنا هقولك كل حاجة، إيه رأيك؟ ازدادت عقدة حاجبي نوح، وقطّب وجهه بشدة إثر رد فعل أدهم غير المتوقع، المليء بالاستخفاف. وقبل أن يستوعب نوح الأمر، وجه له أدهم لكمة قوية جعلت جسده يرتطم بالأرض بعنف. ثم أخرج أدهم مسدسه وأطلق على رأس نوح، لكن نوح تفادى الرصاصة، وبقدمه ركل يد والده، ليطير المسدس بعيدًا، وينهض نوح مستعدًا للمعركة. هدوء ثقيل يسبق العاصفة، والسماء الملبدة بالغيوم تُلقي بظلالها الباردة على السطح المتصدع. أنفاسٌ متسارعة، نظرات ثابتة، وأجساد مشدودة تنتظرُ الانفجار. ودارت بينهم معركة شرسة. اندفع أدهم كقذيفةٍ سريعةٍ وقويةٍ تستهدف ابنه، جسده يتحرك بانسيابية قاتلٍ متمرّس، قبضته تخترق الهواء بسرعةٍ خاطفة. تفاداها نوح بانحناءة سريعة، لكن الركلة التي تلتها من أدهم أصابت جانبه بقوة جعلته يئنّ متألمًا، ركلة دفعته للوراء وهو يضغط على أسنانه لكبح الألم. لم يمنحه أدهم لحظة لالتقاط أنفاسه، اندفع مجددًا، قبضته الأخرى تتجه إلى وجهه. مال الشاب بجسده في اللحظة الأخيرة، قبضته ترتفع لتصطدم بمرفق والده، يوقف الهجوم قبل أن يُكمل مساره. التوتر في ذراعيهما يعكس الصراع بين القوة والسرعة، بين الخبرة والغريزة. بضغطة خاطفة من أدهم، تفكك التوازن. سحب ذراعه بقوة، جذب نوح معه، ثم وجه ضربة مباشرة إلى معدته. انفجر الهواء خارج رئتيه، جسدُه تقوس من شدة الضربة، لكن ساقيه تحركتا غريزيًا، فقفز مستندًا على كتفِ والده ليتراجع للخلف، محاولًا استعادة المسافة بينهما. لكن ذلك لم يكن كافيًا. اندفع أدهم مجددًا كظلٍّ قاتم، ساقه تندفع بركلةٍ منخفضة ضربت ركبة نوح، شعر لوهلة أن مفاصل ركبتيه انفصلت عن بعضها، ركلة أجبرته على النزول. قبل أن يتمكن من النهوض، قبضة فولاذية من يد أدهم، التي كانت كالإزميل، أمسكت بفكِّ نوح، دفعته بقوةٍ نحو الأرضية المتشققة. اهتز سطح المدرسة تحت وقع الاصطدام. اندفع الألمُ عبر جمجمته، تشوشت رؤيته للحظة، لكنه لم يسمح لنفسه بالسقوط. كانت قوة أدهم هائلة، شعر نوح أنه يحارب وحشًا، لا يستطيع ضربه، وإن ضربه فلن يؤثر فيه البتة. ارتكز نوح على ذراعيه وهو يلهث ويئنّ متألمًا، دفع نفسه بعيدًا عن الأرض، في اللحظة التي هبطت فيها قدم والده حيث كان رأسه قبل جزء من الثانية. أدار جسده بسرعة، ساقُه ترتفع بركلةٍ مفاجئة نحو صدر والده. أصابته الضربة، لكنها لم تُزحزحه سوى بضعِ خطوات. الفرق في القوة كان واضحًا وشاسعًا. تنفس نوح بعسر، يده تمسح الدم المتسرب من جبهته وفمه وأنفه. أمامه، كان والده يقف بثبات، عيناه الباردتان تخترقان الظلام. اندفع أدهم مجددًا وهو ينهال بالضربات على وجه ابنه وجسده حتى سقط أرضًا مجددًا. تذكر نوح المسدس الذي بحوزته عندما شعر أن جسده أصبح في حالة شللٍ تام. تقدم أدهم نحوه، فأخرج نوح مسدسه، لكن في حركةٍ خاطفة، ركل أدهم يده ليسقط السلاح متزحزحًا بعيدًا. اتجه أدهم نحوه وأمسك به، ثم عاد إلى نوحٍ المُنهك. وضع أدهم قدمه على صدره، وهو يكبس على ضلوعه بقوةٍ جعلت نوحًا يصيحُ متألمًا، وفور أن سمعا صوتَ تشققِ ضلوعِه بالفعل، وجّه أدهم المسدس إلى رأس نوح، وبابتسامةٍ عريضةٍ تدل على نصره... وكبس الزناد، معلنًا إطلاق رصاصةٍ بصوت انفجار البارود العالي. لكن تلك الرصاصة لم تكن من أدهم إلى نوح، بل كانت من عصام إلى أدهم. رصاصةٌ من مسدس عصام، الذي وصل بفضل اتصال عمر من أحد الهواتف في منزل أدهم، أصابت يد أدهم، لم تُحدث جرحًا عميقًا، لكنها جعلته يسقط المسدس. بعدها، ركض عصام بأقصى سرعة ودفع أدهم بعيدًا، وأمسك بنوح ليحمله، فقال نوح هنا: _تعالى نهرب، دا مبيتهزمش خالص! هنا، وقف أدهم وهو يُحدق في ولديه بأعينٍ فخورة، قائلًا: _حبايبي كبروا وبقوا عايزين يقتلوني... هو دا برُّ الوالدين الحقيقي؟ بعدها، اندفع أدهم مُنقضًا على عصام بسرعة البرق، حتى إن عصام لم يستوعبها، واستقبل لكمة قوية في وجهه جعلته يطير ويسقط. لكنه وثب بسرعة دون أن يستسلم للألم، لتدور بينهما المعركةُ ذاتها التي اختبرها نوح، لكن هذه المرة كانت معركة ضغينةٍ وحقد. كم تمنى عصام أن يكون أدهم تحت قبضته، وها هو يفعلها مجددًا بعدما هزمه في المرة الأولى، لكنه شعر في لحظتها أنه لن ينجح مجددًا، فأدهم لا يُهزم البتة. أثناء تبادلهما الضربات المتتالية، انزلق أدهم وسقط أرضًا، لتأتي إلى رأسه ركلة من قدم عصام الطويلة، لكنه أمسك بها بقبضةٍ قوية، جعلت عصام يصرخ متألمًا. وقف أدهم وهو ممسك بقدم عصام، مما جعله يسقط على ظهره. صبَّ أدهم سخطه كله على ما يفعله بعصام، فبدأ في الضغط على ساقِه في الجهة المعاكسة، عازمًا على كسر مفصل الفخذ، بينما كان عصام يصيح بألمٍ عظيم، يضرب الأرض بيده، ويحرك ساقه الأخرى محاولًا إيقاف والده عن كسر ساقه. في تلك اللحظة، نظر نوح إلى الطوق الذي كان يحيط بعنقه، وتذكر أنه كان يحتوي على إبرةٍ متعرجةٍ متصلةٍ بالأحبال الصوتية، ويبدو أنها كانت تحتاج إلى وضعها ونزعها بحذرٍ شديد. لذلك، تحامل نوح على جسده المُتهالك، وركض مسرعًا نحو والده، أمسك بالطوق وسحبه بقوة، لينتزعه تمامًا، فتدفقت الدماء من عنق أدهم كالشلال. ترك أدهم عصام، وأمسك بعنقه وهو يجزُّ على أسنانه من الألم والسخط، ثم لكم نوح لكمةٍ قوية. عندها، توحّد كلا الأخوين على هدف واحد، وهو قتل والدهما في الحال، وعدم تركه سوى جثة هامدة. لكن أدهم كان يصدُّ ضرباتهما المتتالية، ويتجنبها، ويوجه بدورهِ لهما الضربات والركلات القوية التي كانت تضعفهما. حتى وهو مصاب، لم يستطع نوح وعصام، رغم قوتهما، التغلبَ عليه. ضربات أدهم جعلت كليهما يرتطما بالأرض جنبًا إلى جنب. ثم جلس فوقهما معًا، واستجمع قوةَ قبضتيه ليهوي بهما على رأسيهما، لينهش ويفتّت دماغيهما. لكن في اللحظة الأخيرة، تفاديا الضربة، فانهالت على أرض السطح. كانت تلك الضربة أشبه بانفجار قذيفة مسيرة هبطت على سطح المبنى لتدكه بالكامل، فمن شدتها، انهار طابقان كاملان، مما جعلهم جميعًا يسقطون معًا، وسط الحجارة وأسياخ الحديد والتراب الذي انهمر فوق أجسادهم. كان السقوط مفجعًا، أدى إلى إصابتهم إصاباتٍ بالغة؛ حيث اخترق سيخان من الحديد جسد نوح، بينما تعرض عصام لتشققاتٍ في عظامه بفعل الصخور. أما أدهم، فلم يتأثر إطلاقًا. أزاح عصام الصخور من فوقه، وهرع بسرعة لإنقاذِ نوح، لكن أدهم وقف أمامه ليمنعه. شعر عصام بعجزٍ شديد، فيما كان أدهم واقفًا بثبات، كالتمثال الشامخ، يحدق في عينيه ببرود واحتدام مكبوح، ليقول عصام مترجيًا: _ادهم.....ب...بابا... أرجوك... سيبني ألحق نوح... أرجوك! كان أدهم يمسك بعنقه، محاولًا منع الدماء من التدفق، بينما تبادلا النظرات، في حين كان نوح يئنُّ من إصابته الخطيرة. على وجه عصام، بدت نظرات الحسرة والاستياء، فذلك الأخ والصديق الذي يؤنسه في وحدته، والذي شكره بعناقٍ قوي، لم يكن سوى إنسانٍ مزيف، لم يكن سوى عدوه اللدود، الذي لطالما حقق في قضاياه، وتمنى الإمساكَ به. _أنا قدامك أهو، تقدر تمسكني زي ما اتمنيت. _مش مهتم بيك دلوقتي، أهم حاجة نوح! قرر أدهم الاستسلام، فهو لم يكن قادرًا على الاستمرار في القتال وهو في هذه الحالة، لذا التفت وسار مبتعدًا، تاركًا إياهما خلفه. فهرع عصام لإنقاذ نوح. خرج عصام من المدرسة، حاملًا نوح على ظهره، وقد كان الناس قد طلبوا الإسعاف والشرطة بالفعل، لذا، بمجرد أن خرج، وضع نوح في سيارة الإسعاف، وركب معه، وانطلقا. كان عصام جالسًا في حالة من الصدمة والشللِ التام، شاردًا في فكرةَ أن هناك شخصًا كان بينهم، ثم اختفى عن الوجود. لا، لم يختفِ... بل إنه لم يكن موجودًا من الأساس. نور الصاوي هو مجرد طيف ظهر لفترةٍ مؤقتةٍ في حياتهم، ثم تلاشى، معلنًا عن مصدر ذلك الطيف... وهو الشيطان بنفسه، أدهم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة