غلبة اليأس ٢

غلبة اليأس ٢

32 0

٦٣ بعد أن أمر نور رجاله في اختطاف منار، ألقوا الرجال بدفوفهم وطبولهم ورأتهم منار وهم يلتفتون لها لينقبض قلبها ويدب الرعب فيه وتهلع فور أن رأتهم يهجمون عليها ويحملونها لتبدأ في الصراخ طالبة للنجده وهي تضربهم بيدها الضعيفة لتحاول النجاة، لم يقفوا رجال الحي شاهدين بل تقدموا راكضين اليها ليمنعوا رجال نور من اختطافها وكان منهم جمال وإسماعيل، ولكن لوح نور بيده ليطير كل من كان يحاول في إنقاذها لمسافة بعيدة ثم يرتطمون بالأرض بقوة. قالت نجلاء وهي تصيح في فزع: _دول بيخطفوا منااارر..بيخطفووا مناار!! لم تتحمل هاجر المشاهدة لتقفز من الشرفة وتهبط أمام نور مباشرة وبسرعة خارقة خاطفة لم يستوعبها نور هجمت هاجر عليه في طرفة عين وهي تلكمه لكمة شديدة القوة جعلته يطير من عرشه ويسقط ارضًا، وفور أن سقط من عرشه هجم حاملين العرش عليها، كانوا رجال ضخام البنية أقوياء ولكن هاجر طرحتهم ارضًا من ضرباتها القوية السريعة وجعلتهم في حالة من الشلل التام. من ثم التفتت وهجمت على حاملين منار وبدأت تضربهم ضربات متتالية مبرحة وفور أن أسقطوا منار وقفت هاجر أمامها لتحميها وهي تصيح بقوة وثقة: _إللي عايزها يقرب عشان أدبحه! كلهم كانوا في حالة من الصدمة والاندهاش الخارق من شدة قوتها وقدرتها على هزيمة رجال بتلك القوة، حتى رجال الحي كانوا يشاهدون بدهشة وأعين واسعة لا تطرف من شدة صدمتهم بقوتهما مندهشين. قام نور بصعوبة وهو يمسح الدماء التي تسيل من فمه وانفه، وبعدما ترنح قليلًا وإستقام في نهوضه ووقف بثبات رمقها نظرة إحتدام حادة، من ثم مدد يده بإتجاهه لتطير هاجر إليه بسرعة شديدة وفور أن وصلت إليه لكمها لكمة قوية ليطرحها ارضًا وقبل أن تقف وتهجم عليه طارت مجددًا وهو يلوح بيده في كل مكان. كان يتحكم في جسدها ويجعلها تطير ويضربها بالأرض وبالبنايات مرارًا وتكرارًا، فكان يستشيط إلى أقصى حد وإحتدامه أشبه باللهيب الحارق الذي قد يشعر بحرارته في كل من يقف حوله، كان نور جاعل كل من بالشارع في حاله ثبات لكي لا يتدخل أحد ومن بعدها رفع ذراعه للأعلى لترتفع هاجر إلى السماء أكثر فأكثر هي تطير بسرعة خارقة. كان نور يصب كل قوته في قتل هاجر وفي جعلها ترتفع لأبعد مسافة ممكنه ليتأكد من قتلها وسقوذها على الارض يحولها لفتات، ظلت هاجر ترتفع وكلما ترتفع كلما تختفي أصوات الناس، وتختفي أصوات الحياة على الارض، رُفعَت هاجر لمستوى عالٍ وشاهق في السماء إلى أن تلامس جسدها بالسحب وما فوق السحب. وبعدها توقفت وظلت معلقة في سماء الله الواسعة، في حالة من الهدوء التام والسكون فقط تسمع صوت نسمات الهواء وأصوات أنفاسها السريعة ولهثها الثقيل وهي تحاول ان تمالك ذعرها وهلعها، ترى الأرض من تحتها شديدة الدقة، فقد إرتفعت هاجر بإرتفاع قد يصل الى عشرة آلاف متر، هاجر ليست من النوع الذي يذعر ويخاف، ولكن حين أيقنت أنها ستموت هذا ما أخافها وجعلها في حاله من الذعر والصدمة وقلبها كان أن يخترق ضلوعها من قوة وسرعة ضرباته. اقتنعت تماما أنها ستموت، أرادت أن تحدث الله لكي يسامحها على كل شيء قد اقترفته ولكن لم يعطي لها نور فرصة لتهوى هاجر وتهبط بسرعة خارقة كما لو كان نور يسحبها بقوته. وأثناء هبوط هاجر الذي استغرق مدة طويلة أخذ رجال نور منار وذهبوا بحشود وطبول ودفوف وهتاف كما جاءوا. هنا لم تتمالك مريم نفسها وانتهزت فرصة ذهاب نور وركضت بسرعة خارج المنزل متجهة إلى المكان التي ستسقط فيه هاجر، ونجلاء ارتدت جلبابها ونقابها بسرعة لكي تلحق بها. ركضت مريم بسرعة شديدة ونور روح قوتها توجهها على المكان الذي ستسقط فيها هاجر، وبالفعل قبل أن يرتطم جسد هاجر بالأرض ويتحول جسدها لأشلاء، مدت مريم يدها لتبطيء من سقوطها وتقف من حركتها لمدة ثواني، وبالفعل هذا ما حدث بشكل سريع وخاطف ومن ثم ضُرب جسد هاجر بالأرض في هبوط قوي وخاطف. كل من في الشارع كان في حالة من الهلع العارم والصراخ المفزوع المتكرر من هول ما شاهدوه، فمشهد سقوط جسد من هذا الارتفاع لهي فاجعة كبرى نتيجتها نسف ودك هذا الجسد بالكامل. ولكن حين ركض رجال الشارع من منهم جمال واسماعيل ليروا ما حل بهاجر، توقفوا كلهم وتجمدوا بمكانهم فور أن رأوا هاجر تنهض بصعوبة وهي تتألم، وجسدها سليم تماما. فبفضل الله ثم بفضل مريم وجعلها تبطيء من سرعه هبوطها، عاشت هاجر بعد ذلك الهبوط الخارق. كانت مريم ونجلاء في المكان بالفعل وفور أن رأوا هاجر تقف على قدميها بصعوبة من شدة الضربة وهي تئن المًا انهالت الدموع من أعين نجلاء فرحًا وركضت لهاجر واحتضنتها وهي تحمد الله كذلك مريم، وهنا قال جمال بدهشة قوية _سبحان الله، ربنا حماها من الملعون دا كتبلها عمر جديد، دي معجزة! وفور ان رأوها الرجال على قد الحياة بدأوا يكبرون مرارا وتكرارا في بهجة عارمة من إنقاذ الله لها وقيامه بتلك المعجزة امام اعينهم.                          ********** الحرب بين الجيش والميلشيات ما زالت مستمرة وتشتد ساعة بعد ساعة في مناطق محدودة في مصر. وقال رفعت إنه لن يوقفها إلا بعد اعترافهم أنه سيكون رئيس الجمهورية. وتلك الحرب نتج عنها عبث تام من قبل الميلشيات وحريتهم، فقد انتشروا كالطفيليات ليعتدوا على الناس من السرقة والخطف والتجبر في مناطق محدودة قليلة في القاهرة. ولكن في قرى مصر الريفية انتشروا أكثر، كما انتشروا في قرى مصر الصعيدية. فمعظم محافظات مصر في حالة مستقرة وآمنة بسبب عدم قدرة الميلشيات على التوسع أكثر فيها. لذلك، المصيبة تكمن في اعتراف الحكومة بأن رفعت رئيسًا للجمهورية. ففور هذا الاعتراف ستتوسع الميلشيات في كل مناطق القاهرة ومحافظات مصر، وستكون تلك لعنة كبرى لن تزول أبدًا. ومن الحي الذي يعمل فيه قسم عصام، أُمسك أربعون فردًا من الميلشيات بسبب جرائمهم في هذا الحي، وأُمسك بعض المجرمين من المدنيين الذين زادت جرأتهم بفعل تلك الحرب وبفعل التشتت الأمني الذي أدت إليه تلك الحرب. هذان اليومان كانا مهلكين لعصام لأقصى حد ممكن، من صراعه مع أدهم والفواجع والأهوال التي أدت إليها المجزرة التي فعلها، والجرائم والعبث التام الذي أدت إليه الحرب بين الميلشيات والجيش. كل هذا عاشه عصام في وقت محدود، مما جعل الجهد ينهش في عظامه وأعصابه كالنمل الهائج. قرر هنا أن يذهب للشقة الأخرى التي أعطاها لعلا، فهي أكثر راحة نظرًا لوجودها في حي هادئ وراقٍ. وبعد المغرب وصل للعمارة وركن سيارته أمامها. وفور أن خرج من سيارته، رفع بصره لنافذة الشقة ليجد المنزل مضاءً بالداخل، فيزداد سروره وانشراحه لوجود علا بالداخل. إن وجود علا في حياته يجعل كل المصائب والأهوال والفواجع التي يمر بها بالنسبة له مجرد تفاهات. وجود علا في حياته يحول الأطنان من الهم الذي يحمله على كاهله إلى ريش شديد الخفة لا يشعر به البتة. صعد بخطوات سريعة مبتهجة إلى أن وصل للشقة وفتحها ودخل. وفور أن دخل سمع صوت فتاة تقول: _جيتي بسرعة ليه يا علا؟ نسيتي حاجة؟ وخرجت صاحبة الصوت إلى الصالة ليراها رحمة. فور أن تقابلا أعينهما ببعض، تجمدا مكانهما في دهشة قوية. اتسعت عينا رحمة من صدمتها بوجود هذا الرجل في البيت فجأة، وقبضت قلبها من تلك المفاجأة المخيفة، وظل عصام في مكانه ينظر إليها بدهشة وتعجب لعدم توقعه أبدًا أنها ستكون هنا. _ر...رحمة؟! التفتت رحمة بسرعة خارقة، وهي تندفع وتهرع إلى غرفتها وتغلق الباب في ضربة قوية، وتترك عصام في حيرة شديدة. لم يستطع فعل شيء سوى الجلوس في الصالة. وحين جلس بدأ يسمعها تتحدث من غرفتها لعلا عبر الهاتف: _أيوة يا علا...... بقولك عصام برا!!....... نعم؟؟ أنتِ مش قولتيلي دي شقتك؟؟....... يعني إيه بييجي ويقعد معاكي مش فاهمة؟؟...... طب أنتِ مش جاية؟؟....... طب أعمل إيه دلوقتي؟ هو قاعد برا........ يعني إيه مش هيعمل لي حاجة؟ دا طار هايج يا علا....... ماشي يا علا خلاص ماشي هتصرف. سلام. حين سمع عصام حديثها المليء بالهلع وارتجاف صوتها الذي أظهر خوفها بحق، قرر أن ينهض ويذهب إلى غرفته ويجلس فيها. وبعد مرور بضعة دقائق قرر أن يستحم ليريح بدنه الذي أهلك طيلة اليومين. أخذ ملابس ودخل الحمام ليستحم. جلس في الحمام ما يقارب النصف ساعة، ثم انتهى وارتدى ملابسه وخرج للمطبخ لينتفض واقفًا فور أن رأى رحمة تقوم بعمل القهوة. ظل واقفًا وهو يحدق فيها بإرباك وحيرة، لتقول له محاولة جعل الأمر طبيعيًا وغير مربك: _ا... إزّيك يا عصام؟ قال عصام بنبرة ثابتة وهو يحاول كتم مشاعره الفياضة من حبه الشديد لها وسروره: _الحمد لله، شكلك بقيتي عايشة هنا. _أيوة... بس فترة مؤقتة. _مؤقتة ليه؟ اقعدي طول حياتك هنا عادي، أنا مش باجي هنا كتير. أنا بس جيت هنا عشان أشوف علا وأرتاح شوية. أومأت برأسها وظلت صامتة، فقرر أن يتقدم ويدخل ويقف بجانبها ليحدثها. وبعد أن نظرت إليه قال لها: _رشا طردتك؟ سكتت قليلًا وهي تسترجع ما مرت به من غم، وتزداد الغصة في صدرها حين تستوعب أنها تخلى عنها كل من في الأرض. _لا... أنا اللي هربت. عشان رفعت عايز يكمل عملية بيعي، وابن عمي عايز يقتلني، وهفضل عايشة طول حياتي بهرب. غضب عصام ولكنه قال بنبرة لينة ليطمئنها: _أنا مستحيل أخلي أي حد يلمس منك شعره. عايزك تطمني. _اتطمن إيه بس يا عصام؟ أنا مبقاش ليّا حد. أنا بقيت لوحدي بشكل بشع، ومش لوحدي وبس، لا لوحدي وبهرب من أقرب الناس ليّا، بهرب من عيلتي اللي المفروض يحموني، بهرب من أمي اللي دايمًا تشتمني بألفاظ متتقالش في الشوارع، ومن أبويا اللي باع ابن أخوه عشان يقتلني. حتى لو هعيش بأمان، فإيه لازم العيشة وأنا ماليش بيت ولا أهل؟... وعشان إيه كل دا؟ عملت إيه عشان كل دا؟ ولا أي حاجة... سكت عصام وهو مشفق عليها، ينظر إليها برأفة وهو يشعر بالأسى على حالها. أردفت بقولها: _معرفش بعد ما أخرج من البيت دا هروح فين... أنا صعبان عليّ نفسي أوي يا عصام. لم تتحمل رحمة أن تكظم حسرتها أكثر، فانهالت دموعها وواجهت بالبكاء بعد صراع في كتمانها. ظلت تبكي وعصام يحاول مواساتها وهو يربت على كتفها. لكنه شعر برغبة شديدة في عناقها، فاقترب منها وجذبها إلى حضنه. وأكملت البكاء وهو يحسس على شعرها ويقول: _بس، بس خلاص، خلاص يا حبيبتي خلاص. أنا هفضل جنبك دايمًا ومستحيل أسيبك. أنا هبقى معاك في كل وقت وكل مكان، وهفضل أحميكي لحد ما أموت. هنا شعر أنها ترغب في الابتعاد عنه، فابتعد عنها برفق وأمسك بذقنها ليرى وجهها. رفعت بصرها له، وظل يتأمل عينيها الدامعتين الحمراوين، تفيض القهر والحسرة من نظراتها. إنها حقًا جميلة ومليحة، عبوس وجهها لم ينقص من جمالها شيء. في الثانية التي اقترب فيها عصام منها ليعطيها قبلة، فارت القهوة وبكل قوتها صفعت وجهه مانعة إياه من تقبيلها. لينتفض مبتعدًا عنها بسرعة، وهي تسرع إلى غرفتها تاركة إياه بخطوات مستشيطة. أما هو فقد ذهب إلى المطبخ وأطفأ النيران على القهوة وهو يشعر باستياء، ولكن لم يكن متفاجئًا من رد فعلها. نوعًا ما يشعر بالندم على أنه فكر في أمر تقبيلها. لم يكن من المفترض أن يفعل ذلك... ولكنه فعلها، ولحسن الحظ رحمة لم تعطه الفرصة. قرر أن يقوم بعمل قهوة لها بدلًا عن تلك كاعتذار عما بدر منه. إذاق قهوتها التي فارت وعلم أنها سادة، فبدأ بتحضير قهوة أخرى سادة لها. بعدما انتهى من عمل القهوة، أخذ الفنجان واتجه إلى غرفتها وطرق الباب: _عايز إيه؟ _ع... عملتلك قهوة بدل اللي فارت... _شكرًا، مش عايزة. _هي في إيدي أهو... لو مش هتاخديها هرميها في الحوض. بعد مدة بسيطة فتحت رحمة الباب وهي ترمقه بنظرة حادة صارمة وأخذت الفنجان وهي تشكره بنبرة تليق بنظراتها. وكادت أن تدخل، ليوقفها عصام بقوله: _ينفع أسألك سؤال؟ _اتفضل. _هو أنتِ ضربتيني عشان كنت هبوسك ولا عشان القهوة فارت؟ ظلت ترمقه دون رد ليقول لها بإرباك: _في الحالتين أنا آسف يعني، آسف مش هعمل كده تاني، صدقيني. لم تكترث رحمة بإعتذاره، وأغلقت الباب بعنف أمام وجهه، ليبتعد وهو يتنهد باستياء، وقرر أن يعود إلى غرفته ليأخذ قيلولة قصيرة يرتاح فيها.                         ********* . . . . _أنتِ بتحبيني؟ أومأت نور برأسها بعدما سألها إبراهيم هذا السؤال، ليضحك إبراهيم وهو يقول: _على كده نتجوز بقى لما نطلع من هنا، مش كده؟ أومأت نور برأسها مجددًا بحماس، وهي تبتسم ابتسامتها البريئة، وهي تشير له نظرًا لصعوبة التحدث لديها. بعدها قال إبراهيم: _عايزاني أعلمك تقوليها؟ _أ.. أه. _ماشي، قولي ورايا: ب.. ح.. ب.. ك. _ب... ب... ح.. ب.. ك، ب.. ح.. بك، بحبك. ضحكت نور وهي تصفق بمرح، مسرورة وابتهاجها عارم، لا يليق بما مرت به من فواجع وعذاب. وظلت تردد الكلمة له: _بحبك. . . بحبك. . . بحبك. . فتح إبراهيم جفونه حين سمع صوت نور وهي تقول تلك الجملة، ليجد نفسه في زنزانته نائمًا بجانب دمها المتجلط. يبدو أنه حلم بذلك اليوم حين اعترفت له بحبها. كانت تبلغ من العمر عشرين عامًا قبل أن تموت بشهر. قام إبراهيم وهو يضع يده على قلبه، محاولًا أن يخفف من روعه كلما يتذكر نور ويتذكر نهايتها المأساوية التي لا تليق بشخصيتها النقية أبدًا. أثناء جلوسه، فُتح الباب فجأة من موظف أعجمي وهو يقول له: _تعال، سيُقام عليك تجربة بسيطة في عينيك. قال إبراهيم مصدومًا: _في عيني؟! _نعم، سيقومون بتجربة لتغيير لون القزحية. إن نجحت تلك العملية سيكون تقدمًا رائعًا في عالم الموضة والتجميل. فهناك ملايين من النساء غير راضيات عن لون أعينهن. هيا يا بطل، قم وضحِّ عينيك لأجلهن. ضحك الأعجمي باستهزاء بعد جملته الأخيرة، بعدها قام إبراهيم بخطوات متثاقلة كما لو كان ساقاه يقاومان السير لإنقاذ عينيه. ولكن ما باليد حيلة، سار إبراهيم إلى غرفة خاصة بالعمليات والتجارب الجراحية، وكان من سيقوم بتلك التجربة علماء وجراحون أعجميون، لكن كانت ندى بينهم لكي تساعدهم في الأمر. فور أن دخل، ظل إبراهيم ينظر لندى بنظرات غير مفهومة، لكن ندى فهمتها. فالموظفون الأعجميون لا يعلمون أن بين ندى وإبراهيم شوطًا طويلًا في تخطيطاتهم الخفية للهروب، فقد كانوا يتناقشون عن الطريقة بطريقة غير مسموعة ولا مرئية، بطريقة غامضة لن ينتبه لها أي من الأعاجم الأغبياء. نام إبراهيم على سرير مخصص للعمليات في العين، وبدأ ما يقارب طبيبان في القيام بالعملية في عينيه. وأثناء قيام العملية، كان الجميع مشغولًا بعينيه ويترقبون النتائج، بينما كان إبراهيم لا يكترث لعينيه لأنه كان يرسل لندى رسائل بأصابعه. كان يطرق بأصابعه على السرير بلطف وببساطة، وكانت تلك الطرقات هي رسائل على طريقة شفرة مورس، وندى فهمتها بدورها. _لماذا تطرق بأصابعك بهذا الشكل يا مصري؟ قال إبراهيم: _أبدًا، مجرد حركة لتهدئة توتري. قال الأعجمي: _ظننتك تتحدث لتلك المصرية بشفرة مورس، ولكني أعلم تلك الشفرة ولم أفهم أي شيء من تلك الطرقات العشوائية. إن كانت الشفرة حقًا، كنت سأقتلك أنت وهي في الحال. إن إبراهيم شاب لبيب، فقبل أن يتفق مع ندى أنهما سيتواصلان عن طريق شفرة مورس، اتفقا أن يخلقا شفرة تشبهها لا يفهمها سواهما فقط. فهو يعلم أن الموظفين يعرفون تلك الشفرة لأنها مشهورة ومعروفة. بعد ساعتين من تلك العملية، انتهى الأطباء ووضعوا لفافة حول عيني إبراهيم وقالوا له ألا ينزعها سوى بعد أن يخبره أحد الأطباء في اليوم التالي. بعدها قاموا بإرجاعه إلى غرفته وعاد وحيدًا مجددًا، هو ودماء نور وذكرياته بينهما. ولم تمر نصف ساعة حتى شعر إبراهيم بألم جسيم خارق لا يحتمل في عينيه، كما لو كان يوجد دبوس حاد منصر شديد الحرارة يغرز في قرنيته وحدقة عينيه. كان الألم يزداد كل ثانية وكل دقيقة، وكان يحاول أن يتحمل دون أن يصرخ، ولكن الألم تغلغل إلى عقله. وبكفيه أمسك رأسه وهو يئن بقوة، ثم تحول الأنين إلى صراخ مدوٍ. ظل يصرخ من شدة الألم وينتفض، يتحرك حركات عنيفة ويسير بسرعة ذهابًا وإيابًا وهو يذكر الله على أمل أن يخف الألم، ولكن للأسف ظل هذا الألم القوي الحارق مستمرًا في عيني إبراهيم لمدة ست ساعات بأكملها. وعندما حل منتصف الليل، كانت فريدة في غرفتها مع بعض الموظفين. كانت هي أيضًا تتألم. قلبها ينفطر وتشعر بتساقط لحمها قطعة قطعة من شدة الألم الذي أصابها فور رؤيتها لوالدها يتألم من التجارب التي خاضها. وما زاد من قهرها أنه لم تجد فرصة للتحدث معه ولتريه نفسها لأن الأعجميين أخذوهم لمهمة أخرى. تسير فريدة ذهابًا وإيابًا وهي تبكي بشكل مكتوم، لا تستطيع أن تستقر في مكانها من شدة البلبلة في عقلها وروحها. لتقول هند هنا: _خلص يا فريدة، كان حَسّ بك حد من برّا، بش يأذّوك. قالت فريدة: _مش قادرة يا هند، هموت. أقسم بالله مش قادرة أخد نفسي، حاسة إني هموت. ياريتَه كان مات ومتعذبش كل العذاب ده. _وطي صوتك!! بش تموتينا كلنا. حاولت فريدة أن تمالك نفسها وجلس بجانب هند وهي تبكي بشكل مكتوم، تحاول كبح أنفاسها العالية. احتضنتها هند وهي تواسيها، وقالت: _ما بش نلومك يا حبيبتي، فعلاً ما بش نلومك. خاطر كان شفت سعدية هنا، تكون ردة فعلي زي متاعك ويمكن أقوى. أرجوك تحملي يا عمري، تحملي. إن هروب إبراهيم وفريدة لن يقتصر عليهما فقط، فهناك من حولهم من لديهم حياة وعائلة وأحلام وأحباء يجب أن يعودوا لهم. إن هروب إبراهيم وفريدة ليس أمرًا اختياريًا الآن، بل هو واجب لإنقاذ والد فريدة، وهند، وندى، وكل من في المباني. فكل فرد منهم لديه قصة، وكل منهم لديه عمر تم إنهاؤه فور قدومهم إلى هنا. وبعودتهم لحياتهم وبلدهم، سيستكملون عمرهم بكل حرية، بعيدًا عن الأوجاع والاستبداد والعبودية والظلم.                            ********* قرابة منتصف الليل، قرر نور الديب أن يعود إلى إحدى منازله بعدما طاف على معظم شوارع قرى الجيزة. كان من المفترض أن يكمل حتى بعد منتصف الليل، لكنه عاد مبكرًا نظرًا لحماسه للقائها. منار الآن جالسة في إحدى غرف منزلها الكبير تبكي من خوفها، وجسدها يرتجف من هول ما حدث لها، رغم أنهم وضعوها في تلك الغرفة دون أن يعنفوها، وعاملوها معاملة حسنة، ولكن الرعب يكتنفها ويؤلم روحها، فلا تعلم ما الذي سيحل بها بعد أن يأتي ذلك الملعون. وزاد هلعها المكتوم عندما أتى بالفعل، فتح نور الديب الباب والتفتت بسرعة ناظرة إليه في ذعر. ظل ينظر إليها بنظرات طبيعية باردة ثم دخل وأغلق الباب. وفور أن أغلق الباب، انتفضت واقفة، ليقول لها بنبرة لينة: _اقعدي يا حبيبتي، اقعدي متخافيش. _لا أخاف، وأخاف أوي كمان. أنت عايز إيه مني؟ قال لها بنبرة ظهرت فيها الصرامة بشكل طفيف: _لو سمعتي كلامي مش هعمل فيكي حاجة، ياريت متعنديش، اقعدي! خافت منار وجلست على الأريكة، ثم جاء وجلس بجانبها. وفور أن لاحظ دموعها التي تغمر وجنتيها، قال وهو يمسحها بإصبعه: _طبعًا مش عارفة أنتِ هنا ليه؟ _لا مش عارفة... وياريت تعرفني. _هعرفك بس أول ما تجاوبي على سؤالي، أنتِ أم؟ سكتت منار قليلًا وهي مضطربة، ثم أجابت: _لا... بس كنت. قال نور مندهشًا: _كنتي؟! قالت منار بنبرة أسى ووجه عابس: _آه... خلفت قبل كده، بس طليقي باعه. عقد حاجبيه وهو يتظاهر بالشفقه: _ياعيني، شكلك زعلتي أوي على كده. _آه... دا كان يوم أسود، متفكرنيش بقى. صمت نور قليلاً، ومد يده ووضعها على بطنها، ثم قال: _أنتِ حامل كمان، وشكله مش من طليقك، تحبي أخلصك منه؟ لسة الروح منفختش فيه، متقلقيش. _وانت هتساعدني ليه؟ أنت عايز إيه بقى؟ مقولتليش أنا هنا ليه؟ سكت نور برهة، ثم قال: _بصي يا منار، أنتِ كنز بالنسبالي. أول ما شُفتك، حسيت إنكِ البنت اللي أنا بدور عليها. جميلة، وأم. الصفتين دول مكنتش بشوفهم وكنت بدور عليهم دايمًا، ولو مكنتيش أم، كنت قتلتك بس ربنا نجّاك. _وبعدين؟ _أنا هتجوزك، ودورك في الحياة معايا إنك تبقي أم ليه، ماشي؟ _أم لمين؟ _ليه. _لمين برضو؟ هو مين؟ _ هو جوايا. دايمًا بسمع صوته بيكلمني، مبخلينيش أنام الليل، مبخلينيش أعرف أشتغل، مخلينيش أعرف أعيش. دايمًا بيبوظ شكلي قدام الناس، كل دا عشان هو محتاج رعاية شديدة، ومحدش يقدر يراعيه إلا من أم. ظلت منار تحملق فيه بتهيع شديد وارتباك وخوف، حاولت ألا تكثر من الأسئلة وقالت: _ط.. طب ما كنت تجيب له أي أم، لازم يعني واحدة جميلة؟ أجابها نور بصرامة: _آه! أمال هتجوز واحدة وحشة يعني؟ مهو أنا من حقي أتبسط برضو. _ط.. طيب طيب ماشي، أنا آسفة. يعني واضح إن ماليش حق في رفض الجواز دا. _لا، مالكيش حق، هتتجوزي غصب عنك. شعرت منار بضغط وورطة شديدة، عبس وجهها أكثر وأبعدت نظرها وهي تفكر، ولكي تخرج الغم ما بداخلها زفرت أنفاسها، وبشكل غير مقصود ارتطمت شفتاها ببعضها وهي تنفخ، ليبدأ نور بالضحك بشكل مفاجئ. التفتت إليه باستغراب، ليقول لها بلهفة: _اعملي كده تاني. _أعمل إيه؟ _الحركة اللي بشفايفك دي، اعمليها تاني. تعجبت منار بشدة، ولكنها كررت الحركة مجددًا، لينفجر نور بالضحك وهو يهقهق بشكل هيستيري، ثم قال بنبرة طفولية: _تاني تاني. ابتسمت منار بشكل تلقائي وكررت الحركة ذاتها ليعود في الهقهقة الشديدة. تلك الهقهقة أعادت منار لتضحك هي أيضًا، وهي تقول: _عجباك أوي؟ قال نور وهو يمسك دموعه من شدة الضحك: _آه أوي، اعمليها تاني. كانت منار تحدق فيه بدهشة وهي مبتسمة. أحَقًا بداخله طفل؟ كانت ضحكته جميلة، تظهر نواجذه بريئة، حتى هقهقته كانت كهقهقة الأطفال، بغض النظر عن صوته الغليظ. كان الأمر عجيبًا للغاية بالنسبة لمنار، ولكن لسبب ما، تلك الضحكات غيرت نظرتها له بشكل تام، وغيرت رغبتها تجاه الأمر تمامًا، وقررت أن توافق على زواجها به. في تلك اللحظة، طرق الباب فسمح نور بالدخول، ليدخل خادم من خدامه حاملًا صينية ضخمة بها ألذ أنواع الطعام الممكنة، ووضعها على المنضدة التي أمام الأريكة، ثم خرج وتركهما. هنا قالت منار وعيناها تلمعان من جمال الطعام الذي تراه ورائحته الزكية الشهية: _الله! إيه كل الأكل دا؟ _دا ليكي كله، هتاكليه كله. _طب كل معايا. _لا، لا مش عايز. _هأكلك أنا. عرضت ابتسامته وهو يقول بحركة متلهفة كالاطفال: _إذا كان كده، ماشي. بدأ كلاهما بالأكل، ومنار كانت تأكل تارة وتطعم نور في فمه تارة، في مشهد عجيب قد يكون منفراً للبعض أو لطيفاً للبعض الآخر، ولكن ما يظهر هو أن روح قوة نور لم يكن سعيدًا مستمتعًا هكذا منذ أن دخل في جسد نور. كانت منار تدلعه وتحدثه بنبرة طفولية طوال جلستهم. رغم أنه روح قوته وكائن غير آدمي، إلا أنه كالإنسان الحي وطفل في نهاية المطاف، حرم من أمه نور التي ماتت بأشنع طريقة موت ممكنة، وحرم من أن يبلغ في جسد ابنها الآدمي. نقله إلى جسد رجل بالغ طاغٍ كجسد نور الديب هو كابوس بالنسبة له، شيء مفجع سرعان ما اختفى منذ أن تعاملت معه منار بتلك المعاملة. فبعد أن انتهوا من الأكل، أراد اللعب بالدمى والسيارات، ووافقت منار أن تلعب معه. وتلك الليلة كان نور يمرح مع منار بألعابه بحماس شديد، إلى أن شعر بتعب فلتوسد فخذيها أثناء جلوسهم على الأرض، ونام عليهما وهو يقول: _بكرا نلعب في الجنينة ماشي؟ قالت منار وهي تحسس على شعره: _ماشي. ابتسم نور واغمض عينيه في راحة وسكون لم يشعر بهما أبدًا من قبل، وكل ذلك بفضل منار، التي لم ترضَ بمصيرها الحالي، ولكنها ستجبر نفسها على التأقلم إلى أن تعلم كيف ستكون نهاية ذلك الشخص المدعو نور الديب.                             ********* بوسعدية . بوسعدية . يا بوسعدية . أصوات أطفال تتردد في أذني عصام وهم يرددون ذلك الاسم مجددًا، بشكل لا إرادي فتح عصام عينيه، ليجد نفسه نائمًا في غرفته بشكل طبيعي، ولكنه لا يشعر بجسده، بدنه في حالة من الشلل، وصدره متثاقل يأخذ الأنفاس بعناء. وهو في تلك الحالة سمع وقع أقدام خارج غرفته، كانت أقدامًا غريبة، فكلما يضرب صاحب القدم بقدمه الأرض يكون مصحوبًا بأصوات أصداف تتضارب ببعضها. ظل صاحب الأقدام يقترب إلى أن وقف أمام باب غرفة عصام، وعصام يترقب هذا الشخص بذعر مكتوم يزيد كلما يحاول الحراك ولكنه لا يستطيع. فتح ذلك الشخص الباب ليزداد ذعر عصام حين يرى مظهره، كان رجلًا شاهق الطول يرتدي قناعًا من الجلد غريبًا مزينًا بأصداف بحرية، وعلى رأسه جمجمة طائر. يرتدي بعض جلود الحيوانات مقصوصة بشكل غير مرتب وملتف حول جسده العديد من الفرو والريش، ويحمِل على كتفه طبلة كبيرة الحجم. إن مظهره مرعب وقابض للقلب حقًا، وهنا رفع الرجل يده وضرب بيده على الطبلة لينهض عصام وهو يصرخ من صوتها المفزع. جلس بسرعة على السرير وهو يلهث في هلع وينظر إلى الباب ليجده مغلقًا، فينهض بسرعة ويفتحه ولكنه لم يجد أي شيء. تلك هي المرة الثانية التي يحلم فيها عصام بهذا الشخص، وأتى في باله أن يبحث عن ذلك الاسم العجيب. جلس أمام حاسوبه وبدأ يبحث عن (بوسعدية). -في العصور القديمة، حين كانت أسواق العبيد منتشرة، كان هناك رجل مع زوجته المخلصة يعيشان معًا في جو مليء بالحب والدفء. وازداد حب الرجل لزوجته بعد أن أنجبا ابنتهما التي أسمياها "سعدية". ومن ثم أصبح الرجل يُلقب بـ"بوسعدية" أو "أبو سعدية". كانت ابنته العزيزة ومدللته الوحيدة وأميرته. ولكن لم يطل ذلك الحب، فقد تم اختطاف سعدية وأمها من قبل تجار العبيد، ما أصاب "أبو سعدية" بصدمة شديدة، ليبدأ رحلة البحث عنها في كل مكان، بدون كلل أو ملل، حاملاً طبلة بين يديه، وينادي بأعلى صوته باسم ابنته "سعدية"، مرددًا بكلمات تعرفها لعلها تتعرف عليه. كان يبحث عنهما وهو يتنقل بين المدن والقرى، وقد غلبه اليأس والحسرة العميقة، ومع مرور الوقت، ازداد جنونه. فقد قضى خمس سنوات في رحلة البحث عن ابنته سعدية، وأصبح خلالها يرتدي الملابس الممزقة ويحمل الريش، ويقفز ويرقص على إيقاع الآلات النحاسية، فقد عقله تمامًا. وفي أثناء تنقلاته، كان الأطفال يلاحقونه ويسخرون منه، يهتفون باسم "بوسعدية"، ضاحكين عليه بسبب جنونه وتكراره لاسم ابنته. ويقال إنه وصل أخيرًا إلى زوجته وابنته في أحد القصور، وتم تحريرهما من العبودية. لكن هناك أيضًا بعض روايات تقول إنه توفي بمفرده أثناء رحلته الطويلة في البحث عنها. قصة "بوسعدية" هي قصة قديمة، منتشرة في الجزائر وتونس، وقد أصبحت جزءًا من الفلكلور الشعبي في هاتين الدولتين. وتُعد رقصة "بوسعدية" من الرقصات التقليدية التي تأثرت بهذه الشخصية، إذ اقتُبست حركاتها ومظهرها من هذه القصة الحزينة.- بعدما قرأ عصام قصة الرجل بوسعدية، ما زال لم يفهم مقصد عقله في الحلم بتلك الشخصية، وكل ما قال هو: _إيه العبط ده؟ تنهد وقرر أن يجلس في الشرفة قليلًا ليشم هواءً نقيًا من نسمات منتصف الليل الهادئة. قام بعمل كوب شاي وجلس في الشرفة وهو يسرح في أمر بوسعدية. عصام رجل ذكي بطبعه، فبعد أن شرب رشفتين من كوب الشاي استوعب الأمر وقال لنفسه: _هو أنا ليا بنت اسمها سعدية؟ _بتكلم مين؟ انتفض عصام والتفت لرحمة وقال لها بابتسامته الجميلة: _إيه ده؟ لسة منمتيش؟ _مش عارفة أنام بصراحة، وسمعتك وانت بتصوت فقلت أقوم أطمن عليك. _متاخديش في بالك، مجرد كابوس. تقدمت رحمة وجلست في الكرسي المقابل لكرسيه وهي تقول: _شكلك مرهق من أول ما جيت، الإرهاق بيجيب كوابيس دايمًا. _آه والله اليومين دول تعب تعب بشكل مش طبيعي. صمت برهة ونظر لها وهو يبتسم ابتسامة عريضة: _بس وجودك والله خلاني أحس براحة محستهاش من زمان أوي. ابتسمت رحمة بجمود وهي تقول: _شكرًا... قال عصام بإستياء: _بس كده؟ مش هتقولي وأنت كمان يا حبيب قلبي؟ _بس أنت مش حبيب قلبي. _خلاص قولي وأنت كمان بس. _لا. _طيب. دار صمت طويل إلى أن قالت رحمة: _أخبار التوبة معاك إيه؟ _توبة؟ _آه...مش أنت توبت في اللايف بتاع مصطفى؟ وخليته يدعي إنّي أتجوزك. تذكر عصام وقال وهو يهز رأسه: _آه...آه أنا فعلاً من يومها ما عملتش أي حاجة الحمد لله. _برافو عليك...وفيديوهاتك مسحتها؟ سكت عصام مرتبكًا واختفت ابتسامته وهو يقول: _لا لسه. _ليه؟ يلا امسحها. قال عصام بنبرة تظهر عدم رغبته في ذلك: _مش لازم يعني اديني توبت وخلاص. عقدت حاجبيها مستنكرة من رد عصام وهي تقول: _لا لازم طبعًا، هتصعب عليك الفيديوهات يعني؟ هو قالك تمام التوبة إنك تمسح كل حاجة. سكت عصام قليلًا وهو يفكر بعمق، بعدها أخرج هاتفه في تردد شديد، ثم تشجع وقال: _لو ده هيرضيكي ماشي. _لا ده هيرضي ربنا مش أنا. أومأ عصام برأسه وفتح حسابه على موقع محدد وبدأ يمسح كل مقاطعه، وكان ما يقارب الستين مقطعًا، وبعد أن مسحهم مسح حسابه في هذا الموقع تمامًا، ومن بعدها قال: _أهو، اديني مسحت كل حاجة لوجه الله، وتقدري تتأكدي بنفسك لو حابة. _لا مصدقاك مش محتاجة أتأكد. ابتسم عصام وهو يشعر بالفخر وهو يحدق فيها ويتأملها، فحضورها معه يجعل قلبه يرتعش من شدة الابتهاج الذي يشعر به، حتى وإن لم تتحدث، حتى وإن كانت عابسة، وجودها معه لهو أمر عظيم بالنسبة له. حين لاحظت أنه يحدق فيها، نظرت إليه ليرتبك قليلًا ويبتلع لعابه وهو يقول: _مش هتحبيني بقى يا رحمة؟ ظلت رحمة تنظر إليه، وما زال وجهها عابسًا، ولكنها ابتسمت قليلًا وهي تقول: _مش هكدب عليك يا عصام، أنت راجل تتحب، وشك جميل ووسيم، جسمك جميل، وشخصيتك ممكن تبقى جميلة بس مش دايمًا، وكل حاجة في إيدك ممكنة، كل دي حاجات أي بنت هتحبك عشانها، وأنا مش هنكر لو قولت الحاجات دي مجذبتنيش ليك...بس... فور أن قالت رحمة الكلمة الأخيرة، اختفت ابتسامة عصام فجأة وهو يقول: _بس إيه؟ ظلّت رحمة صامتة في تردد يظهر على وجهها الأسى في ما ستقوله إلى أن قالت: _أنا مش قادرة أحبك يا عصام. اعتدل عصام في جلسته من هول ما نطقت به رحمة وقالت، وهو عاقدًا حاجبيه: _ يعني إيه؟ م.. ما أنا حاولت أه، أخليك تحبيني، أكيد هتحبيني بس إدي لنفسك فرصة. _عصام، مينفعش، مينفعش أحبك، ومش عارفة أحبك، أنا اتعذبت أوي بسببك، واه، أنا مسامحاك، بس كوني سامحتك ده ميدلش على أني حبيتك. مش هقدر يا عصام أكون في علاقة معاك، مش هقدر بجد. ظل عصام يحملق فيها بعينيه المتسعتين من شدة صدمته من حديثها، وبعد صمت، عاد وقال: _يعني إيه؟ يعني أنا مش هتجوزك خالص؟ مستقبلي مش هيبقى معاكي؟ هزت رحمة رأسها وهي تقول: _أنا آسفة، مش هقدر، الحب مش بالعافية يا عصام، أنا آسفة. قال عصام بنبرة ترتجف من شدة احتدامه وحسرته المكتومة: _ب.. بس إنتِ قولتيلي إنك حبيتي. _قولت أنا مابقيتش بكرهك، ده اللي قولته، وأنا فعلاً ما بقيتش بكرهك، بس ما بقيتش بحبك برضو يا عصام. أرجوك افهمني. _يا رحمة، أنا توبت وبقيت إنسان أحسن. _عارفة... بس مقدرش أحبك برضو، أنا آسفة، توبتك لنفسك ولربنا مش ليا. أنا بقولك ده دلوقتي عشان متتعشمش في حاجة أنا ما قولتلكش عليها. إنت راجل جميل... بس مش ليا. حديث رحمة كان كالسهام المنصهرة التي تخترق قلبه وصدره، انصهارها تحول إلى نار ودخان في رئتيه، جعل تنفسه عسيرًا وشعر أنه يريد أن ينفث النار من شدة احتدامه وصدمته المؤلمة. لم يتحمل عصام النظر إليها أكثر ونهض مسرعًا متجهًا إلى غرفته، ودخلها بخطوات سريعة مستشيطًا، واليأس والحسرة تنهش في روحه، يشعر أنه يريد أن يحرق المدينة بنار صدره المحترقة. ظل يتذكر كل شيء فعله لأجلها، يتذكر كل مشاعره الفياضة الجميلة التي كان يشعر بها كلما تذكرها. كل هذا ذهب هباءً بسبب عدم رغبتها بحبه، رغم أنها حريتها، ولكن عصام لم يتقبل الأمر ولا يريد أن يتقبله. ورغم رفضه لتقبل الأمر، إلا أنه لا يستطيع فعل شيء حيال ذلك. وكل ما فعله أنه ارتدى ملابسه بحركات غاضبة وسريعة وخرج من المنزل، وركب سيارته، ليتجه لأقرب منزل للدعارة، للأسف الشديد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة