٨٧ فور أن إنبلج الصباح. تسير مريم بخطواتٍ وئيدة وهي تضرب بقدميها الصغيرتين الحافيتين بلاط الأرضية البارد، فتشعر برجفةٍ خفيفة تمتد في أطرافها الصغيرة. تتلفت حولها بفضول، وعيناها تضجان بالتحفز الطفولي، تسير في قاعة كبيرة مزدحمة بواجهات العرض المتراصة التي تصطف بداخلها العديد من نماذج الروبوتات، في مشهد أقرب إلى معرض تماثيل صامتة، متجمدة في وضعياتها الصارمة. تشاهد الوجوه الباردة، المصنوعة بإتقان مذهل يكاد يطمس الحدّ الفاصل بينها وبين وجوه الآدميين، لا تعلم أهي في حلمٍ أم واقع. حولها الكثير من نسخ بني آدم، واقفين في ثباتٍ وتيبسٍ مرعب. كانت الأجواء باردةً ومقبضة، ورغم ذلك لم تتوقف عن السير والمشاهدة والتمعن. الجو من حولها كان ساكنًا، إلا من صوت خطواتها الخافتة التي تلاشت وسط السكون، لتترك خلفها إحساسًا خانقًا. كان الفضول يقودها بشكلٍ أعمى، ظلت تتجول بين النماذج والعيون الزجاجية الساكنة، إلى أن وصلت إلى واجهة عرضٍ مختلفة الشكل عن البقية، إذ كانت أكبر، ومكسوة بستارٍ بلاستيكي أوتوماتيكي. اشتد فضولها حيال ذلك النموذج الوحيد المستور بهذا الشكل المثير للشكوك، وكان هذا النموذج هو "نموذج ١". ظلت تبحث ببصرها عن زرٍّ أو ما شابه قرب واجهة عرض هذا النموذج، إلى أن لاحظت لوحة تحكم في الجهة الجانبية منه. اقتربت بفضول، وكبست على زر عشوائي، لتسمع صوت تحركات الستار الأوتوماتيكي، ثم عادت إلى الواجهة لترى النموذج الذي بالداخل. وفور أن وقعت عيناها على النموذج، تسمرت مريم في مكانها، تجمدت أطرافها، وحجظت عيناها في صدمة عارمة، صدمة عظيمة تم كبحها داخل بؤبؤيها المرتعشين من هول ما تراه. كان في المشهد أمامها شيء جعل الهواء يعلق في رئتيها، شيء هائل يزلزل إدراكها الصغير. لم تعِ إن كانت تعرف هذا النموذج من قبل، أم أن صدمتها جاءت من شيءٍ آخر… شيءٍ في ملامحه، في تكوينه، في تفاصيله التي لم تشبه أيًّا من تلك النماذج الصامتة الأخرى. كان مختلفًا، وكان ذلك الاختلاف يثقل صدرها برهبةٍ خانقة. وقف الروبوت أمامها بلا حراك، لكنّه لم يكن مثل البقية. كانت هناك هيبةٌ غامضة تحيط به، إحساسٌ مبهم يوحي وكأن هذا الكيان الميكانيكي لا يكتفي بأن يكون مجرد آلة… بل شيءٌ آخر، شيءٌ أقرب إلى الإنسان، لكن دون أن يكون كذلك. _مريم. انتفضت مريم بقوة، كما لو أنّ هزيم رعدٍ قوي هبط عند عمودها الفقري، والتفتت بسرعة لمصدر الصوت. _بسم الله عليكي يا حبيبتي، خضيتك؟ أنا آسفة. كان القائل هنا هي… رشا. أمسكت بيد مريم وهي تقول: _بلاش تتمشي لوحدك كتير في المكان دا، لحسن عمو يوسف يزعل، ماشي؟ بابا كمان شوية وهييجي، تعالي يلا. تلك القاعة المكتظة بالروبوتات كانت إحدى غرف منزل يوسف في قبوه، والذي دخله سليم من قبل، مما يدل على أن مريم انتهى بها المطاف بطريقةٍ ما عند منزل يوسف، وبصحبة رشا أيضًا. يبدو أن شهدت رشا تحوّلًا جذريًا لم يقتصر على مظهرها الخارجي فحسب، بل امتد إلى أعماق ذاتها، حيث تحررت من قيودٍ وهمية لطالما كبّلتها. اختارت أن تكون على سجيتها، أن تعيش وفق ما ترتاح له روحها، لا وفق ما يمليه عليها الآخرون. انعكس ذلك في نظراتها الأكثر ثقة، في خطواتها التي لم تعد مترددة، وفي ذلك الصفاء الذي بدأ يشع من ملامحها دون حاجةٍ إلى زينةٍ مصطنعة. لم تعد أسيرة خلف قضبان معايير الجمال الصارمة التي فرضتها العصابة والمجتمع عليها، من حيث الملابس الضيقة، والشعر المسترسل الحريري، ومستحضرات التجميل المتكاملة. فقط أصبحت ترتدي ملابس واسعة، وقامت بقص شعرها الطويل إلى أن وصل إلى عنقها، لم تعد تصليه بالحرارة القوية لتجعله مسترسلًا، بل تركته على طبيعته المموجة. لم تعد تضع مستحضرات تجميل مبالغ فيها، وتخلصت من عقدة إخفاء إرهاقها وجمالها الطبيعي خلفهم. أما من جهة روحها وقلبها، فقد أصبحا أكثر نقاءً بعد رحلةٍ مضنية من الصراع، كالتي وُلِدت من جديد، لكن هذه المرة بإرادةٍ صلبة ووعيٍ أعمق. طيلة الخمسة أشهر، ساعدها نوح في الهروب من رفعت، وفور أن تحررت من قبضته، بدأت في محاولاتها لتحسين شخصيتها وحياتها ومستقبلها. تقربت من الله أكثر، وأصبحت مدمنة على محاضرات مصطفى، التي كانت تستمع إليها دون أن تشاهد وجهه، الذي يشتت انتباهها دائمًا. خرجتا كلتاهما إلى صالة المنزل، ليجدا يوسف ينزل من الطابق العلوي وهو يقول: _لقيتِها؟ قالت رشا: _آه، هي تاهت بس عشان البيت كبير عليها، وهي مش متعودة على كده. ابتسم يوسف، ومدّ يده ليمسح على شعر مريم، فابتعدت مريم عنه وهي تقول بصرامة، وترمقه بنظراتٍ حذرة غاضبة بسبب رؤيتها لذلك النموذج الذي صنعه: _حرام راجل غريب يلمسني! أبعد يوسف يده وهو يرفعها مبتسمًا: _ماشي، ولا تزعلي. ابتسمت رشا بفخر، وهي تربت على كتف مريم، وفي تلك اللحظة سمعوا جرس الباب يضرب بسرعة وعجالة، فذهب يوسف فورًا إلى الباب وفتحه، ليجد مصطفى. نعم، فذلك الاتصال الذي أتى لمصطفى من إحدى هواتف الأسرى كان من يوسف. _السلام عليكم، مريم فين يا بروفيسور؟! حصل لها إيه؟! قال مصطفى هذه الجمل بنبرةٍ مفعمة بالقلق والهلع الشديد، وهو يدخل المنزل قبل أن يسمح له يوسف حتى، ولكن يوسف راعى قلق مصطفى على ابنته، فقال: _اهدى يا مصطفى، هي كويسة، تعالَ. دخل مصطفى إلى الصالة بخطواتٍ متسارعة، وقلبه يسبق جسده نحو ابنته. وفور أن دخل وقعت عيناه على مريم الجالسة بجانب رشا، فتوقف الزمن لحظة، ثم انفرطت عقدة القلق التي خنقت روحه في تلك الدقائق المعدودة. اتسعت عينا مريم بذهولٍ، وابتسمت ابتسامة عريضة من شدة ابتهاجها، ثم انطلقت نحوه، ركضت بكل ما أوتيت من قوة، ورمت بنفسها بين ذراعيه. ضمّها مصطفى إليه كمن وجد روحه بعد تيهٍ طويل فلم يكن هذا العناق بعد يقينه بسلامتها فقط بل كان عناق شوق بعد خمسة أشهر من الغياب، شدّ عليها بقوة حتى كاد يخشى أن يكسرها، لكنه لم يستطع التخفيف من عناقه. دفن وجهه في شعرها، وأغمض عينيه بقوة، محاولًا حبس الدموع التي تجمعت في مقلتيه، لكنّ دمعةً ساخنة أفلتت منه وسقطت على كتفها. أما مريم، فغرست أصابعها في قميصه وتشبثت به بقوةٍ من شدة شوقها إليه، قلبها ينبض بجنون، يحاول أن يستوعب أخيرًا أن أمانها قد عاد، وأن هذا الغياب الطويل قد انتهى. إنّ مريم بالنسبة لأبيها مصطفى كنبضِ قلبه، لا يتوقف، لا يهدأ، ولا يضعف مهما ابتعدت عنه. حبه لأبنته كان يقينًا يسري في دمه، يحركه، ويدفعه لأن يحارب كل شئ من أجلها. كانت مريم قطعةً من روحه، الامتداد الوحيد لنفسه في هذا العالم، وكلما نظر إليها، رأى فيها ماضيه وحاضره ومستقبله، رأى فيها حياته بأكملها. كل نبضةٍ في قلبه كانت تنطق باسمها، وكل نفسٍ يأخذه كان من أجلها، ليحرسها من كل شر، وليرى ابتسامتها التي كانت بالنسبة له أعظم انتصار وأكبر عزاء في وجه الحياة. انهال عليها بالقبلات، ظل يقبل وجنتها وعينيها وجبهتها ويديها وهو يستنشق رائحتها النقية البريئة التي حُرِم من شمها لمدة أشهر، وهو يردد بلهفةٍ وقلق: _أنتِ كويسة يا مريم؟ حد عمل ليكي حاجة؟ حد لمسك؟ في حاجة بتوجعك؟ قالت مريم وهي تلامس لحيته، مبتسمةً وسرورها واضح بوجوده: _أنا كويسة يا بابا، متقلقش... عمو يوسف حاول يلمسني بس أنا منعته. عقد مصطفى حاجبيه، وحجظت عيناه في صدمة، ثم التفت بحركة عنيفة إلى يوسف مصدومًا، متأهبًا لقتله، لكن مريم تداركت الموقف سريعًا، قائلة: _كان عايز يطبطب على راسي يعني. تحولت نظراته، وخمدت نيران الصدمة، ثم تنهد بارتياح، واستغفر ربه، قبل أن يعتذر ليوسف عن سرعة انفعاله، ولكن للمرة الثانية، راعى يوسف قلقه، ثم قال مصطفى، محاولًا استيعاب الموقف: _هو إيه اللي حصل؟ هي ليه عندك؟ وفي إيه؟ أنا مش فاهم حاجة! أجابه يوسف بنبرةٍ هادئة: _قلقك طبيعي يا مصطفى، لأن فعلًا مريم كانت هتتخطف، بس لولا إن نوح تدخل وبعت رشا تنقذها وتجيبهالي هنا، مكناش عارفين كان هيحصلها إيه. في تلك اللحظة، التفت مصطفى إلى رشا، فلم يكن قد لاحظ وجودها فور دخوله، إلا الآن، وما زالت ملامح الحيرة تفيض من وجهه. تقدمت رشا نحوه، وبدأت تفسر له الأمر: _أنا معادتش بشتغل مع رفعت، ولا ليا أي علاقة بحاجة تخصه من زمان أوي، ونوح وكلني إني أراقب غادة ومريم ونجلاء طول الخمس شهور اللي فاتوا، وأنا وافقت، لأني مستعدة أحميهم بأي طريقة، عشان كده عرفت بحوار خطفها. غض مصطفى بصره، وقال بصوتٍ ممتن: _أشكرك جدًا... جزاكِ الله خيرًا، ربنا يرزقكِ من واسع فضله، يا رب. احمرت وجنتا رشا، وأشاحت ببصرها وهي تغض بصرها هي أيضًا، قبل أن تقاطع مريم الحديث، متسائلة بقلق: _متعرفش غادة فين يا بابا؟ كانت معايا آخر مرة. _لا يا حبيبتي... أنا سايب هاجر ونوح يدوروا عليها، وهما برضو مش عارفين هي فين... ساد القلق في وجه رشا ومصطفى في آنٍ واحد، وفجأة، أتى نداء عبر اللاسلكي من أحد الجنود لمصطفى، يطلب منه القدوم فورًا. هنا، تطوعت رشا قائلةً: _تقدر حضرتك ترجع، وأنا هوصل مريم عند نجلاء، لو حابب. نظر مصطفى إلى مريم، فابتسمت له ابتسامة مطمئنةً، وهي تقول: _روح يا بابا، وطنط رشا هتبقى معايا، متقلقش، هي طيبة. ********** يقف نوح الآن عند نقطة لقائه بروح القوة مايا، والتي تكون نادرة الحدوث، ولكن أصر نوح على أن يقابله وجهًا لوجه ليتناقش معه عن أهم ما يملك. _عرفت مكان غادة؟ سأله نوح هذا السؤال ليجيب مايا: ~عرفت، هي في الشقة اللي تحتك، واللي دخولها أصعب من أي حاجة هتعملها في حياتك. عقد نوح حاجبيه وهو يسأل متحيرًا: _إيه الصعب فيها؟ ~جالي خبر من تاجيتي إن سردار احتمال كبير يكون عنده جيش من شعبنا ومجنده في الأرض، ولما عملت تحرياتي في شقته تحتك، بالذات الأوضة اللي كان مخصصها لنور، ففيها تمانين ألف حارس، مهما ضربت الباب عشان تحاول تفتحه، مستحيل تفتحه إلا لما تقتل التمانين ألف دول. قال نوح بلا مبالاة: _بسيطة.. نقتلهم. زفر مايا نفسًا قصيرًا بشكل ضحكة تهكم وتبرم، ثم قال: ~كل حاجة بالنسبالك سهلة، مش كدة؟ _وهو قتلهم مش هيبقى سهل؟ ~ممكن يبقى سهل على قدرتك، بس مش هيبقى سهل على مخك. قال نوح بنظراته المتبرمة والباردة: _وطلعتلي منين بالموضوع دا؟ ما أنا بقالي خمس شهور بستخدم القوة ولا حصل لي حاجة. قال مايا هازئًا: ~آه، واضح! زفر نوح في ضيق، ثم أردف مايا: ~افتكر يا نوح إني قلت إن الشعر الأبيض دا كله بسبب استنزافك للقوة جنب هلاوسك طبعًا، وقتها أنا ماكانش عندي علم بالالتهاب اللي في عقلك، وبعد ما نور... قصدي أدهم، استخدم قوته في مخك ونزع منه آثار الصدمة، الالتهاب دا بقى ملحوظ وقوي وهيأذيك، بالتالي لو استخدمت قوتك بشكل أكتر وأكبر، الالتهاب هيزيد أكتر وهتتجنن أكتر، إنك تهزم تمانين ألف واحد من شعبنا دي حاجة مش سهلة، وهتتطلب أيام وطاقة كبيرة واستهلاك لصحتك العقلية. قال نوح، ونظرات اللامبالاة ثابتة في عينيه: _أيوة يعني وإيه الحل؟ قال مايا بكل هدوء: ~تموت، لو مت مش هتعاني من استخدام قوتك، شوفت بسيطة إزاي؟ حرك نوح رأسه مستنكرًا، وقال بأسلوب صارم: _أنا ههزم التمانين ألف وهطلع غادة، ياريت تساعدني في دا ومتشغلش بالي بمخي، دا مخي أنا مش مخك إنت، إنت ما شاء الله عندك اتنين أصلًا. بعدها قرر نوح أن ينهي اللقاء، وتتبدل الأجواء في حركة قوية كدوامات المحيط، بعدها يفتح جفونه ويجد نفسه في غرفته في منزل علا، وسمع هنا أصواتهن المسرورة بعودة مريم، والقلقة على مكان غادة المجهول. وكانت أشدهن قلقًا هي هاجر، فقلقها تحول إلى سخط مكبوح بسبب خوفها الشديد على صديقتها العزيزة. خرج نوح لهم، وفور أن سمعت نجلاء صوت خطواته على الدرج وضعت نقابها، بعدها دخل إليهن، كانت كل من نجلاء ومريم وهاجر ورشا جالسات، وفور أن دخل سلّم عليهن، وأتت رشا إليه وهي تقول: _نوح، غادة المفروض كانت مع مريم؟ أنا معرفش، إنت تعرف هي فين؟ سكت نوح برهة، ثم قال بهدوء وبرود: _أيوة عارف... هحاول أنا أرجعها، مش عايزكم تقلقوا. استشاطت هاجر من ثباته الانفعالي المستفز، وأتت أمامه وهي ساخطة: _هو إيه البرود اللي إنت فيه دا؟! يعني إيه عارف مكان غادة وسايبها كدة؟ وإيه "هحاول أرجعها" دي كأنها واحدة من الشارع؟! يا ترجعها يا ما ترجعهاش! دي مراتك، يا وسخ! قالت نجلاء لهاجر وهي معترضة على تعديها على أخيها بهذا اللفظ: _اهدي يا هاجر، ماينفعش تشتميه كدة، أكيد هو عارف إنها في أمان، عشان كدة هو هادي. ظلت هاجر تحملق في عيني نوح الميتتين الباردتين، التي تفتت من كثرة انكسارها، لتقول هاجر: _طب قولي هي فين ما دام إنت عارف؟ كاد أن يقول نوح، ليوقفه مايا بقوله: ~ياريت ما تقولهاش، لو قلتلها، هتروح هي تحاول تكسر الباب، ودا تلقائيًا هيزود الحراسة من عندهم، فبيبقى صعب عليك أكتر تخرج غادة بنفسك. ابتلع نوح ريقه ليبتلع الكلمات التي كاد أن يتفوه بها لهاجر، ثم قال: _مش هعرف أقولك عليه دلوقتي، الموضوع يخص قوتي، فعايزك تثقي فيا وتصبري، وأنا هرجعها، ما تقلقيش. كانت هاجر تموج بين غضبين، غضب على غيابه الذي امتد خمسة أشهر، ترك فيه غادة وحيدة تواجه العالم دون سند، وها هو سيتركها هي الأخرى تتألم بصمت وهي ترى صديقتها مختفية يومًا بعد يوم، وغضب أشد على بروده القاتل الآن، وكأن غيابه لم يكن كافيًا ليزيده اختفاء غادة لامبالاة فوق لامبالاته. كان يفترض به أن يعود ليصلح ما أفسده رحيله، لكنه عاد بجفاءٍ أشد، بجمودٍ يستفزها حتى العظم، كما لو أن كل ما مضى لم يكن يعنيه، وكأنهما مجرد تفصيلين هامشيين في حياته التي لم تعد تعرف إن كان لها فيها مكان. وكل ما استطاعت فعله هو أن تطلق سخطها عليه، أن تقذف في وجهه بكل ما شعرت به، علّ كلماتها تكون الصاعقة التي توقظ هذا الجليد المتجسد أمامها. _أثق فيك؟! أثق فيك في إيه؟ إنت عملت إيه في حياتك يستحق الثقة؟ غيبت خمس شهور عنها وخليتها تتعذب كل يوم من حبها فيك، وإنت ولا هامك، ولا كنت بتعمل معانا حاجة! وشوية الفلوس اللي كنت بتبعتهملنا ميشفعولكش! أنا اللي كنت بعمل كل حاجة ليها، أنا قعدت معاها وحميتها واهتميت بيها أكتر ما إنت عملت! خمس شهور بحالهم، وإنت ما عشتش معاها تلات شهور على بعض، وحتى في التلات شهور دول ما كنتش بتعمل لها حاجة! مرة تتسجن، ومرة تتخطف لروسيا، ومرة تقع من فوق عمارة، ومرة ترمي نفسك في النيل، وهي عمالة تجري وراك وتعيط عليك كل مرة كأنك ابنها اللي ما خلفتهوش! خسارة الدقن والشعر الأبيض اللي عندك دا، أقسم بالله، دي مريم أعقل وبتشيل مسؤولية عنك! كان نوح يواجه سهام كلمات هاجر الحادة في صدره بتحمل وثبات، مما زاد من احتدام هاجر، ارتجفت أنفاسها وهي تحدق في وجهه. خُيّل إليها أن أمامها يقف أدهم لوهلة، مما جعلها تذعر ويتقفقف صدرها سخطًا، ويبدو أن لقاء نوح بأخته بعد خمسة أشهر لم يكن ملئ بالحنان الأخوي البتة، فبمجرد أن شعرت بطاقة أدهم تنبعث من عيني نوح، دون إرادة منها لكمته لكمة قوية أسقطته أرضًا وجعلته يتألم حقًا، نظرًا لأن هاجر أقوى منه جسديًا. وبعد تلك اللكمة، نهضت نجلاء وأمسكت يدها وهي توبخها في غضب عارم: _إنتِ إيه اللي عملتيه دا؟!! إزاي تضربي أخوكي كدة؟؟ مهما عمل، مينفعش تمدي إيدك عليه! إنتِ مستوعبة اللي عملتيه؟!! نظرت هاجر لنجلاء وهي تصيح: _إنتِ مش شايفة إنه يستحق الضرب والقتل كمان!!!! مشوفتيش نظراته عاملة إزاي؟! _لو شايفة إن نوح منفعكوش في حاجة، فهو برضو مضركوش في حاجة! نوح بيجاهد يا هاجر، نوح بعد عنكوا عشان رد فعلك دا! بعد عنكوا عشان هو شايف إنه أذية ليكوا، وأول ما رجعلك تضربيه كدة وتقوليله الكلام السم دا؟! نوح عاش طول حياته بيصلح حاجات هو مبوظهاش، ولو بوظها، فهو بوظها بدون وعي منه! ساعديه يا هاجر بدل ما تضربيه وتهينيه كدة، وخلي عندك يقين إنه مستحيل يعمل حاجة تأذيكوا! اغرورقت عينا هاجر ندمًا على ما فعلته، ولكن شعورها القوي كان يقبض على هذا الندم، شعور أن ما رأته كان أدهم وليس نوح. قالت هاجر والدموع متحجرة عند مقلتيها: _خايفة يا نجلاء، خايفة على غادة، خايفة يبقى فيه أدهم تاني... خايفة يكون نوح. نظرت هاجر لنوح وهي تقول له: _والله العظيم، لو فكرت بس تعمل حاجة شبه اللي بيعملها أدهم... فنهايتك هتكون على إيدي! ما رأته هاجر في ماضيها من أدهم كان كافيًا لأن تصاب بصدمة وهلع في كل مرة تستشعر فيها طاقة أدهم، وإن مست تلك الطاقة غادة، فستقوم بدكّ العالم بأسره. فغادة لم تكن مجرد صديقة لهاجر، كانت الأخت التي لم تنجبها أمها، والدفء الوحيد الذي عرفته في عالم قاسٍ، اليد التي أمسكت بها عندما تعثرت. كيف لها أن تقبل بهذا التجاهل؟ كيف تسكت على برود نوح القاتل؟ في تلك اللحظة، لم تكن تفكر في أي شيء سوى الظلم الذي وقع على غادة، وفي الرجل الجالس على الأرض أمامها، الذي بدا لها كظل باهت لرجل، لا زوجًا، لا أخًا، لا حتى إنسانًا يشعر. ********** «بشاعة قوم لوط يا جماعة، بجانب شذوذهم فمفيش حاجة وحشة ومعملوهاش، قتل تلاقي، سرقة تلاقي، اغتصاب تلاقي؛ مفسدين بكل الطرق بالمعنى الحرفي. وعِظم فسادهم بشهوتهم تجاه الرجال وشذوذهم المُنَفِّر القذر اللي كانوا بيعملوه دا فوق كفرهم بالله كمان، عشان كدة تلاحظوا إن دا أكتر عقاب لقوم نبي كان عنيف، ودا يعكس غضب ربنا الشديد عليهم.» كان هذا الحديث لمصطفى صادرًا من تلفاز إحدى شقق العاصمة الإدارية، وهو يحكي عن قصة لوط عليه السلام مع قومه، وكان المستمع هو.. عمر. كان يشاهد المقطع على التلفاز بالصوت المرتفع، ليسمع ضحكات أدهم المتهكمة ويقول وهو يخرج من المطبخ: _انت بتسمّعني إيه؟ قال عمر في تبرم وبرود يظهر كبح سخطه: _مبسمّعكش حاجة، أنا اللي بسمع. _متقلقش، ربنا مش هيحاسبك، خصوصًا على الحاجات اللي هتعملها. نظر عمر إليه وهو يتساءل: _على الحاجات اللي هعملها؟ أتى أدهم إليه وهو يقول: _هو أنا مش قولتلك هعاقبك عشان كشفتني لعيالي؟ العقاب دا بقا هيكون الليلة دي، هنتفسح أنا وانت شوية. جلس أدهم بجانبه وأمسك بجهاز التحكم، وخرج من الموقع الذي يشاهد عمر فيه محاضرات مصطفى متجهًا للقناة الإخبارية وهو يقول: _ما انت لو متابع الأخبار، كنت شوفتهم وهما بيعلنوا عن الموضوع الصبح. ظل أدهم يتنقل بين المحطات إلى أن وصل لمحطة إخبارية واضعة الخبر في شريط عريض أثناء ما كان يوجد برنامج ترفيهي، وكان الشريط يحجب هذا البرنامج من خطورة المكتوب. قال أدهم لعمر هنا: _اقرأ كدة اللي مكتوب، اقرأه بصوت عالي خليني أسمعه. زفر عمر في ضيق، ونظر للخبر وبدأ يقرأه: _أنباء عن وصول المجرم أدهم داغر لمصر، وأصدرت الحكومة حظر تجوال يبدأ من الساعة الثانية عشرة منتصف الليل. الرجاء توخي الحيطة والحذر والرجوع لمنازلكم في أقرب وقت ممكن تجنبًا للزحام، وسيستمر هذا الحظر إلى أن يخرج المجرم من مصر. فور أن انتهى عمر من القراءة، نظر أدهم إليه بأعين متحفزة خبيثة، ليبادله عمر النظر ولكن بأعين ميتة باردة، وهو يقول: _عرفتهم إنك في مصر أخيرًا، ودا معناه إيه بقا؟ هترجع تعمل جرايمك؟ ما انت كنت بتعمل. _بس على الأقل، الشعب عارف إني هنا.. خوفهم هيبقا أعلى، والموضوع هيبقا ممتع أكتر. أومأ عمر برأسه في لامبالاة، ثم قال: _قبل أي حاجة، هتخليني أكلم شيماء. _ما انت كلمتها امبارح. _وهكلمها النهاردة!! قال أدهم هازئًا باستفزاز: _خلاص، متعليش صوتك عشان بخاف. كان قد مر يومان على اكتشاف نوح لأدهم بأنه نور الصاوي. لم يفعل أدهم لعمر أي شيء يؤذيه كما ظهر على رد فعله، بل جعله يتحدث لشيماء لأوقات محددة فقط، ويزمن ذلك بعد خطف مريم، ليتضح أن أدهم كان يعلم الأمر من البداية ولكنه لم يمنعه، نظرًا لعدم اهتمامه بروح حفيدته أو زوجة ابنه أو أي شيء. كل ما يهتم به هو عمر؛ لذلك، بعد أن علم بخطف مريم بعد ساعة، سمح لعمر بأن يتحدث مع شيماء لأوقات محددة، دون إظهار أي نية في السماح بعودته لها. أدهم الآن يضع صحنين من الطعام اللذيذ الذكي، وينادي على عمر بالقدوم. جلس أدهم على السفرة وهو ينتظر عمر القادم بخطوات بطيئة، كما لو أن قدميه تفضلان أن تحملا أطنانًا من الصخور الشائكة على أن تتجها إلى هذا الرجل بإرادتهما. جلس عمر أمام أدهم وهو ينظر للصحن بنظرات لا تنكر مظهره الشهي، ليقول أدهم هنا: _كُل بقا واشبع، شكلك خس كدة ومبقيتش عاجبني. قال عمر بنبرة باردة ساخرة، وهو يرمق أدهم: _آه فعلًا، أنا خسيت جامد... يا ترى ليه؟ قال أدهم وهو متحفظ بابتسامته: _طب كُل يلا، أنا طابخلك بنفسي، وأنا طبخي حلو على فكرة، لازم تجربه. بدأ أدهم في الأكل، وعمر ساكن ينظر للفراغ، لينظر أدهم إليه ويقول: _لو ماكلتش، هأكلك غصب عنك، انت عارفني. قال عمر بلا مبالاة: _كدة بتخوفني يعني؟ هتعمل إيه أكتر من اللي عملته فيا؟ تنهد أدهم في تبرم، ثم عاد وقال: _طب كُل، وهخليك تكلم شيماء أربع ساعات بحالهم، شوفت أنا مدلعك إزاي؟ ابتسم عمر ابتسامة باردة ساخرة باستخفاف، وهو يقول بصوت خافت محدثًا نفسه: _الخنزير في الزنزانة. _نعم؟ سكت عمر برهة، ثم قال: _نظرية... بتحكي عن حاكم ظالم سجن راجل بريء، وكان الراجل بيطالب بإفراجه وحريته طول الوقت مبيسكتش، لحد ما الحاكم دا قرر يحط معاه في الزنزانة خنزير. ومع مرور الوقت، بدل ما السجين يعوز يطلع نفسه، بقا عايز يطلع الخنزير، وفضل يطالب بأن الخنزير يخرج، لحد ما خرجوا الخنزير، وحس السجين براحة نفسية واتبسط، ومعادش بيطالب بحقه إنه يطلع تاني. كان أدهم قد توقف عن الأكل وهو يتأمل عمر وهو يتحدث مستمعًا إليه، بعدها أردف عمر: _انت قعدت تعذب فيا أكتر من عشر أيام، وتستخدمني في متعتك، وتحرمني من الأكل والنوم والشرب، بعديها اديتني أوضة بسلسلة في رجلي، بعديها أطلقت سراحي في حدود الشقة بس، حتى مش راضي توديني للفيلا اللي انت مديهالي، واهو دلوقتي بتعطف عليا بمكالمة أربع ساعات لمراتي، ومفكرني هتبسط، مفكرني هنسى اللي عملته فيا، وهمتَّن بالأربع ساعات بتوعك، زي ما توقع الحاكم لما طلع الخنزير من زنزانة الراجل، بس مهما عملت يا أدهم... أنا مش هرضى إلا لما أرجع لمراتي وبيتي وحياتي العادية. حين انتهى عمر من الحديث، أجابه أدهم بقوله وهو يقوم بتقطيع شريحة اللحم أمامه: _استنتاج حلو، بس أنا مش دا النظام اللي بعمل عليك. قام بأكل القطعة وقال وهو يمضغ: _أنا معنديش أي نية في إني أسيبك في حالك، بس لو عملتها، فلازم يبقى بالتدريج. زي بالظبط الشخص اللي اتحرم من الماية لمدة طويلة جدًا، مينفعش أبدًا يشرب الماية دفعة واحدة عشان ميجيلوش تسمم ماية؛ فبالتالي لازم يشرب الماية نقطة نقطة وبالتدريج. الشخص اللي اتحرم من الحرية لمدة طويلة واتعود على القمع، خطر عليه إنه يبقى حر فجأة؛ لأن هتجيله صدمة وحشة أوي وهتأذيه. زي بالظبط اللي هيحصل في بتوع سجن دارين، أنا متأكد إنهم بعد ما يهربوا ويبقوا أحرار... صدمتهم مش هتبقى بسيطة... وهنشوف نتيجة صدمتهم دي قريب. أكمل أدهم أكله، وبعد برهة قال عمر: _انت واجهت الصدمة دي؟ توقف أدهم عن المضغ، وأردف عمر: _لما كنت محبوس وبيتعمل عليك تجارب لمدة خمستاشر سنة... ومن بعدها هربت وواجهت الحرية فجأة... جاتلك الصدمة دي، مش كدة؟ معقول الصدمة دي هي اللي مخلياك كدة؟ نظر أدهم لعمر وقد اختفت ابتسامته، وتغيرت نظراته تمامًا. كانت نظرات ثاقبة، مهيبة، مرعبة، عازمة على أمر شنيع. رغم ذلك، فعمر لم تتزحزح مشاعره أو نظراته الباردة. _أنا مش إنسان عادي، متحطنيش جنب الناس العاديين. قال أدهم هذه الجملة بنبرة مستشيطة هادئة، وكأن حلقه ينفث نارًا، ليجيب عمر ببرود: _بس انت بالنسبالي إنسان عادي. من بعد تلك الجملة، ساد الصمت بينهما للحظات، لكن بداخل أدهم اشتعلت بلبلة لم يشعر بها منذ زمن. تباطأت أنفاس أدهم للحظة قبل أن تستعيد إيقاعها البطيء الرتيب، وعيناه مسمرتان على عمر، تحدّقان فيه دون أن ترياه حقًا. جملته الأخيرة اخترقت شيئًا داخله، كحاجز سميك قد صنعه منذ سنوات. ذلك الجدار الصلب الذي لم يسمح لأحد باختراقه منذ رحيل... ليلى. جملة عمر كانت أشبه بصفعة لم يتوقعها. جملة نادرة، مستحيل أن تصل لمسامعه من بعد ليلى، حتى كان قد أيقن أن تلك الجملة تخص ليلى فقط، وليس أحدًا آخر. أيعلم عمر ذلك؟ أيعلم عمر أن ليلى قالت له تلك الجملة ذاتها؟ أيبتزه عمر عاطفيًا؟ أم أنه حقًا النسخة الحية الذكورية من ليلى؟ كل يوم، كل يوم يثبت عمر لأدهم أنه شبيه ليلى الوحيد، الذي ظن ألا شبيه لها في العالم. للحظة، تردد في روحه شعور غامض، هل هو غضب؟ هل هو استياء؟ كان شيئًا أعمق... شيئًا يشبه تلك الأيام البعيدة حين كان يراها، حين كانت هناك امرأة واحدة فقط قادرة على انتزاعه من تلك الهالة الشيطانية. قبض على الشوكة بين أصابعه، كأنه يحاول أن يثبت نفسه في واقعه، في خشية أن يبتلعه طيفها العائد من الماضي المنبعث من عمر. شعر لوهلة بأنه عارٍ، كما لو أن عمر قد انتزع منه سلاحه الأكثر فتكًا... إحساسه بالتميز والجبروت، بقوته الغير آدمية، بعزلته التي جعلته فوق الجميع. ولكن رغم ذلك، فعمر ليس ليلى في نهاية المطاف. ما تحطّم ذات يوم لا يُعاد ترميمه، وما اندفن تحت رماد السنين لا يحق له أن ينبض مجددًا. الشعور الذي حاول عمر زرعه في صدره، ذلك الاضطراب المقيت، لم يراه سوى خديعة. قبض أدهم على السكين، واشتدت قبضته حتى كادت تترك أثرها في جلده. بهدوء تام، ومبالغ فيه، يثبت سخطه العظيم المكبوح في صدره، وضع أدوات المائدة جانبًا عدا السكين، ثم نهض، خطواته رتيبة محسوبة. كان جسده ساكنًا، لكن عينيه الساكنتان على عمر اشتعلتا بشيء مفزع، شيء خالٍ من أي أثرٍ للضعف أو الارتباك الذي كاد يتسلل إليه. وقف خلف عمر، يحدّق في مؤخرة رأسه للحظة، كصياد يتأمل فريسته قبل أن يغرس أنيابه فيها. بعدها، وضع يده على شعر عمر، يمرر أنامله بين شعيرات رأسه الناعمة، ويحك بأنامله على فروة رأسه، وعمر ثابت في استعداد لأي خطوة عنيفة من أدهم، كما اعتاد. ثم، دون إنذار، قبض على شعره بعنف، جذبه إلى الخلف بقسوة جعلت أنفاس عمر تتقطع وهو يجز على أسنانه. انحنى أدهم حتى صار فمه قريبًا من وجنة عمر، وصوته خرج خافتًا، لكنه كان مشبعًا بنيران ملتهبة: _شايفني إنسان عادي...! مفكر اللي عملته فيك طول الأيام اللي فاتت دي حاجة؟ دي المرة الكام اللي تغلط فيها يا عمر وتعمل نفسك فاهمني وتحاول تخدعني بالطريقة دي؟ كل مرة بتحاول تستفزني كدة، انت اللي هتندم في الآخر. لاحظ أدهم هنا أن عمر ينظر إليه بطرف عينيه بنظرة غضب وتحدٍّ دون أي خوف، فشدّ أدهم شعره أكثر، راغبًا في جرّه بعيدًا عن أي أوهام ساذجة قد راودته للحظة: _هوريك الإنسان العادي دا ممكن يعمل إيه، عشان أثبتلك إنك عمرك ما هتبقى ليلى! تعجب عمر من تلك الجملة الأخيرة وهو لا يفهمها ولا يفهم ما دخل ليلى في هذا الأمر، ولكن لم يترك أدهم له فرصة للتعجب، ففجأة ضرب رأسه بعنف على الطاولة، وارتطم جبينه بحافتها بقوة، وظل أدهم يكرر ضرب رأس عمر مرارًا وتكرارًا، وصدمة الألم تنتشر كشرارة في جمجمة عمر. شعر أن روحه تنسحب من فمه المكتوم. لم يصرخ، لم يتأوه، لكنه شعر بالدم الدافئ ينزلق ببطء على جبينه. تركه أدهم، وفور أن رفع عمر رأسه، قال أدهم وهو يقبض على السكين: _بصة التحدي المستفزة ليا دي اللي فرحان بيها، هندمك عليها. وفي لمح البصر، حيث ذلك البصر ينتشله أدهم من عين عمر اليمنى، بإدخال السكين فيها... وفور أن فعل أدهم ذلك، ابتغى عمر أن تكون تلك الطعنة في قلبه، ليموت ويرتاح من هذا العذاب. وقف أدهم مستقيمًا، ينظر إليه من الأعلى باحتقار، كما لو أنه ينظر إلى حشرة نكرة. متأملًا عمر الذي يئن ويتنفس بعسر من شدة الألم محاولًا بصعوبة عدم الصراخ، ابتسم أدهم ابتسامة عريضة في رضا، واستدار عنه ببطء، وعاد إلى مقعده. رفع كأس الماء إلى شفتيه، شرب رشفة هادئة، وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن الاضطراب الذي مرّ به قبل لحظات لم يكن أكثر من سراب. وحين لاحظ أن عمر يمسك بالسكين التي بداخل عينه، قال أدهم مانعًا إياه: _متشيلش السكينة، عشان ممكن عينك تتشال معاها، ووقتها مش هعرف أعالجها بالمادة المعالجة. خليك كدة شوية لحد ما أخلص أكل، وهشيلها لك براحة وأعالجك. بعدها، أكمل أدهم طعامه ببطء وبرود وإستمتاع وهو يستمع لأنفاس عمر الثقيلة المتألمة. ********* بعد أن هزم جيش "ذود" الميليشيات الحارسة لقصر نور الديب في العاصمة الإدارية، اقتحموا القصر واندفعوا داخله كعاصفةٍ هادرة. بدأ بعض الجنود في تجهيز الكاميرات لإثبات أي أدلةٍ تدين نور الديب وتكشف للعالم عن هول جرائمه. كان جمال يتقدّمهم، عازمًا على فضح المستور. بعدما حقّق مع منار حول أماكن الغرف السرية في هذا القصر، ورغم غضبها العارم منهم ومن مصطفى، فإنها أقرت بالأماكن بسهولة في رغبة شديدة في إطلاق سراح الأبرياء، الأسرى من عائلات من كانوا في القرى والمحافظات التي تم احتلالها، والذين احتُجزوا في قصور نور الديب ليُشرب من دمائهم أو ليُعذَّبوا ويُغتصبوا على يد الميليشيات. تدفّقت قوات "ذود" عبر الممرات المظلمة للقصر، يحوم حولهم أنفاس متسارعة وأضواء الكشافات التي مزّقت العتمة، متجهين إلى غرفةٍ تحت الأرض، يجهلون ما بداخلها. كان ما بداخلها أشبه بمقبرةٍ للأحياء؛ حيث تكدّست الأجساد المنهكة في الزوايا، وجوه شاحبة، عيون غائرة تحمل في نظراتها خوفًا تجذّر بداخل الأرواح. ما إن فتح جمال الباب حتى عمّ الصمت. لم يتحرّك أحد، كأن الأسرى لم يعودوا يميّزون بين الحقيقة والوهم، فقط أغلقوا أعينهم في دهشةٍ من ضوء الكشافات المسلَّط على وجوههم. تجلّى المشهد القابع في ظلمة السرداب؛ عشرات، بل مئات من النساء والأطفال، أجسادهم الهزيلة العارية ترتجف من البرد والهلع، وأعينهم تحدّق في الجنود بصدمةٍ بين الرجاء واليأس، غير واثقين إن كانوا قد انتقلوا من قبضة وحوشٍ إلى أخرى، أم أن هؤلاء الملثمين ملائكة متنكرون. بعض النساء تكوّمن على أنفسهن في زوايا الغرفة الرطبة، وأخريات جثون فوق أطفالهن كأنهن يحاولن حماية ما تبقى من براءتهم. كان المشهد مأساويًّا، مقبضًا للقلب وموجعًا. فور أن رأوهم، أمرهم جمال بمساعدتهم في الحال، فانطلق الجنود في نزع معاطفهم وبسط الأغطية التي كانت معهم على أجساد النساء والأطفال العارية. أخرجوا المياه والطعام، بعضهم سارع إلى لفّ الأطفال بالأغطية، بينما عمل آخرون على تقديم الماء لمن تشققت شفاههم من العطش. لم يكن المشهد مجرد عملية إنقاذ، بل انتشال أرواحٍ غرقت طويلًا في بئرٍ من الجحيم والعذاب والإذلال. كانت النساء يحدّقن في الجنود بأعين خاوية، أجسادهن تنكمش عند كل حركةٍ مفاجئة، وكأنهن لا يزلن يتوقعن الضرب أو السحب إلى مصيرٍ أسوأ. لم يكن من السهل إقناعهن بأن هذا لم يكن خدعةً أخرى، فكم مرة أوهمن بالنجاة قبل أن يُلقين في جحيمٍ أعمق؟ الأطفال، بوجوه شاحبة وأطراف نحيلة، وقفوا يتأملون الجنود في صمتٍ متشربٍ بالريبة بينما تُلفّ الأغطية حول أجسادهم. أحدهم تراجع في رعبٍ وقلق، بينما تسلّل آخر إلى أحد الجنود وتمسّك بطرف قميصه بقوة. لم يكن هناك بكاءٌ عالٍ، فقط أنينٌ خافت وأصواتُ شهيقٍ متقطّع، مما يثبت أن الألم الذي واجهوه قد تجاوز مرحلة الصراخ. بعدها، أخرجوهم إلى الساحة الخارجية، وفور خروجهم لامس الهواء البارد أجسادهم التي نهشها الظلام والتعذيب والتجويع، فارتجف بعض الناجين وتقفقفت ركبهم؛ إذ لم يعتادوا هذا الامتداد المفتوح من السماء. رفع معظمهم رؤوسهم لسماء الله، يحدّقون في الأفق بأعينٍ لم ترَ النور والحياة الربانية منذ أشهر. بعضهم جثا على الأرض، حفن الرمال بين أصابعه وهو يذكر الله، يهلل، يكبر، ويحمده، وكأنه يبحث عن دليلٍ على أنه خرج حقًّا من كابوسٍ لا نهاية له. لم يكن في الأمر انتصارٌ يُحتفل به بعد، بل كان ثِقلًا سيبقى في الصدور طويلًا بعد انتهاء الحرب. فإن استمرّ الناس في تصديق هذا الدجّال، وعبادته وطاعته، سيزداد هذا الثقل والظلم يومًا بعد يوم، إلى أن يُدكّ بقلوب الناس وعقولهم بشكلٍ تام، حيث لن يوجد أمل في إصلاحهم. لم تكن هناك هتافاتُ فرح، فقط خطواتٌ متثاقلة تحمل أجسادًا أنهكها العذاب، وأرواحًا لا تزال عالقةً في ظلمةٍ لا يمحوها النور بسهولة. رغم ذلك، كان مشهد تحرير الأسرى مبهجًا للروح، يحرث الأمل في القلوب ويشعل العزيمة في العقول على أن القمع له نهاية يومًا ما، وأن التحرير هو الأصل والحق دائمًا وأبدًا. رغم أن هذا التحرير قد يبدو للبعض بسيطًا لا يُذكر، لكنه بداية لتحريرٍ أعظم وأكبر، كأحجار الدومينو التي تتساقط واحدةً تلو الأخرى، إلى أن تصل إلى أكبرها حجمًا فتسقط إثر سقوط أصغرها في البداية، فيوقن المرء أن الحرية العظمى حتمًا ستكون في نهاية المطاف. تم إرسال الأسرى المحرَّرين إلى أنفاق "ذود" ليتم علاجهم والتحدث معهم والتحقق من هويتهم لاسترجاعهم إلى أهلهم. وأثناء ذلك، كان بقية الجنود بصحبة مصطفى يكتشفون غرفًا أخرى في القصر، كان معظمها غرفًا للألعاب، أو في القبو غرفَ تعبئةٍ لزجاجات الدماء، بالإضافة إلى الكثير من الأمور الغريبة والملغزة. تم تصوير كل ذلك، مع مراعاة حجب وجوه النساء والأطفال وأجسادهم بشكلٍ تام. فبعد أن يفضح مصطفى نور الديب بتلك المقاطع والتسجيلات، ومع شهادات الأسرى أنفسهم الدالة على بشاعته، سيخرج في خطابٍ جديد ليحدّث الناس مجددًا بلا كللٍ أو ملل، ولن يتوقف عن محاولاته في إيقاظهم من تلك الفتنة التي غرقوا فيها، وتيبّسوا داخلها كمن غُرِق في الأسمنت. ********* قرابة المغرب، كان نوح جالسًا في حديقة منزل علا، شاردًا في وجوه القطط المستلقية المرتاحة من حوله. انتهزت إحداهن انشغال الأخريات بالاستعداد للعودة إلى المنزل، فجاءت وجلست بجانبه لتؤنسه. شعر بأحدهم يأتي ويجلس بجانبه، فنظر ليجدها مريم. ابتسم نوح بتلقائية وهو يقول: _إيه يا مريم، سيبتيهم ليه؟ _عشان مش عايزة أشوفك قاعد لوحدك. سكت نوح برهة، ثم قال: _في ناس كتير سيبتهم لوحدهم... أظن إني أستحق الوحدة في الأول والآخر، متشغليش بالك، أنا متعود عليها. ساد بينهما صمت قصير، ثم قالت: _مين اللي سيبتهم لوحدهم غير غادة؟ نظر نوح لها مبتسمًا في تعجب طفيف، لكن حين نظر إليها اختفت ابتسامته تدريجيًا، إذ شعر أن ملامحها تتبدل؛ بدلاً من عينيها العسليتين أصبحت بنيتين داكنتين، وشعرها الناعم صار مموجًا، وملامحها كلها تبدلت، كما لو أنها تحولت إلى طفلة أخرى تمامًا. فرك نوح عينيه بأنامل يده الواحدة، ثم عاد ونظر إلى مريم ليجدها كما هي، مريم العادية، ابنة أخيه. لكن هذا الوجه الذي رآه كان مألوفًا بشكل عجيب. _في واحدة مش عارف أنا سيبتها إزاي، وهي سابتني إزاي... زمانها بقت كبيرة دلوقتي. أنا متأكد إنها زعلانة مني لو عرفت إني نسيتها، رغم إن المفروض إني منسهاش. متأكد إنها كانت زي بنتي... والواحد مستحيل ينسى بنته. محدش هيخسر بنته إلا لو خسر نفسه من الأول... وأنا متأكد إن اللي خلاني أنساها خلاني أنسى نفسي الأول وأخسر نفسي الأول قبل ما أخسرها. مستني اليوم اللي أفتكرها فيه وأعرف أرجعها، ووقتها هاعتذرلها بكل الطرق... اغرورقت عينا مريم التي يقبع بداخلها نور، روح القوة التي لا تختلف عن نور ذاتها، عندما نطق نوح بكلماته تلك وهو لا يعلم أن نور ميته ويحاول في تذكرها، يجهل الذكريات العميقة بينهما، شعرت بصدع يتسع في داخلها، كما لو أن ذكرياتها جميعها تندفع كالسيل الجارف، تعيد إليها مشاهد من طفولتها، حيث كان نوح ملاذها، الشخص الذي لم يفارقها أبدًا إلا حينما اجتاحهما القدر وفرّق بينهما. تتذكر كيف كان هذا أبوها الدائم والأول قبل مصطفى، تتذكر أن حياتها كلها كانت معه منذ أن وُلدت نور. مشاعر نور بداخل مريم لم يستطيع جسد مريم كبحه. ذرفت عيناها الدموع، وهي تبسط ذراعيها بلهفة طفلة عادت إلى أبيها الضائع، قائلة: _عايزة أحضنك. اتسعت عيناه في دهشة من لطافتها ورأفتها به، ثم بسط ذراعيه هو أيضًا لها، وضمها إلى صدره بقوة. أحاطها بحنان امتزج بدهشة وسرور، وقال بصوت متهدّج، يطمئنها كما لو كان يطمئن نفسه: _تعالي يا حبيبتي، إنتِ زعلانة عشاني؟ متزعليش يا حبيبتي، مفيش حاجة، مفيش حاجة... أنا كويس. كانت الدموع تنساب على وجنتي مريم، لتستقر على منكبه العريض فيبتل قميصه. كانت دموع مختلطة بدموع نور التي وجدت طريقها من خلال مريم، لتصل إلى نوح الذي لا يعلم أنه يعانق جزءًا من ذاكرته الضائعة حاليًا. في ذلك العناق، كان نوح يضم بين ذراعيه جزء من الذكرى التي أضاعها، والأثر الوحيد من الابنة التي لم يعرف كيف يعود إليها. كان الدفء المتبادل بينهما شهادة على حقيقة لا يمكن إنكارها، حقيقة أن الأرواح التي تتلاقى بصدق لا تضيع أبدًا، حقيقة أن نوح خُلق ليكون أبًا لنور حقًا. ابتعدت مريم عنه، فمسح نوح دموعها، وقبّل جبينها ليواسيها، ثم ابتسم لها ابتسامة لطيفة يطمئنها بها. بعدها عادت تجلس بجانبه، وقالت وما زالت الغصة متحجرة في صوتها: _ط.. طب شوفتها قبل كده؟ في أحلامك مثلًا؟ أومأ نوح برأسه وهو يقول: _كنت بشوفها كتير، وأنا مكنتش أعرف هي مين. كنت غبي أوي... وبعد ما عرفتها دلوقتي، ماعدتش بتظهرلي، كأنها بتعاقبني. بس فاكر الجملة الوحيدة اللي كانت بتقولهالي: "مش هتوديني هناك بقى؟" لحد دلوقتي مش عارف هي تقصد إيه بـ"هناك". سكتت مريم برهة، والتي تتحكم فيها نور الآن، وبدا عليها تردد في التفوه، لكنها قالت أي شيء لتخفي اضطرابها: _م.. مش يمكن عايزة تروح عند طنط تغريد؟ عقد نوح حاجبيه في صدمة مكبوحة وهو يقول: _إنتِ تعرفيها؟! في تلك اللحظة، جاءت نجلاء وهي تقول: _يلا يا مريم عشان هنمشي. نهضت مريم واتجهت إلى نجلاء، ثم سلمت عليه والتفتت لتذهب، لكن نوح نهض وأمسك بذراع نجلاء، فالتفتت نجلاء وهي ترمقه بغضب، فسحب يده بسرعة معتذرًا، ثم قال: _معلش، بس أنا مش هسيبك إلا لما تجاوبيني على سؤال واحد. أرجوكي، ساعديني مرة واحدة في حياتك وقوليلي مين تغريد عكرمة؟! سكتت نجلاء برهة، ثم قالت: _بص يا نوح، أنا بجد معرفش هي مين، بس أعرف إنها كانت صاحبة عمته وبابا بشكل معين، وكان بينهم معرفة ومصالح أنا مكنتش فاهمها لأني كنت صغيرة. بس اللي أعرفه إنها ميتة دلوقتي وهي من نفس عيلة إسماعيل، صاحب مصطفى، وهو قائد الجيش بتاعهم. _وأنا أوصل لإسماعيل ده إزاي؟ متعرفيش حد تاني من عيلته؟ _معرفش والله، المهم إن إسماعيل موجود. تقدر تصبر لحد ما الحرب تخلص، أو تشوف طريقة معينة تتواصل بيها معاهم. يلا، السلام عليكم. التفتت نجلاء لتذهب، ونظر نوح إلى مريم ليجد ملامحها مجددًا قد تغيرت تمامًا إلى ملامح طفلة أخرى... إلى ملامح نور التي لا يعرفها أحد سواه.
ROMISAA