أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢

أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢

34 0

٩٤ _نور متجنن وعايز يقتلهم كلهم ومش راضي يهدى. _حقه... تحب أبدأ بمريم؟ _لا... عايزك تقتل شيماء الأول، بعيدة عن العيلة، وهنخلص منها بسرعة، لأنها بوّظت لنا خطط كتير. _تمام، على بكرا بالليل بالكتير هتلاقيها ميتة... بس إيه سر حبك في قتل الستات ليه متقوليش اقتل عمر نفسه؟ كدة إنت هتعذبها أكتر لو عايز تنتقم يعني. _بحب أشوف قهر الرجال، بيبقا أمتع. كان هذا الحوار يدور بين شابٍ مجهول الهوية، واقفًا في الشارع أثناء انشغال الناس بهمومهم وهموم البلد. كان يتحدث في الهاتف مع سردار، وقال سردار هنا: _هي تعتبر قربت للشهر السابع... الجنين اللي في بطنها، أنا محتاجه. إياك تقتله. _حاضر، متقلقش. _بعديها، عايزك تنهي على علا ومريم ونجلاء في أسرع وقت. _ليه حطّيت علا أولوية فجأة مع مريم ونجلاء؟ _لأن هييجي يوم وهتقابلني فيه... وقوتها هتفضحني ببساطة. أومأ الشاب برأسه، ثم قال، وحوارهما المتبادل مفخم بالبرود والرتابة: _أنا من رأيي نستنى شهرين تلاتة على الخطوة دي... قال سردار بنبرة متهكمة متبلدة: _من رأيك؟ واضح إن لما بقى ليك جسم، بقيت بتفكر وتخطط. على العموم، مش هرفض مقترحك، لأني مش مستعجل... عندي فضول أعرف مين هيمسك البلد من بعد فاروق. سكت الشاب برهة، ثم قال: _بالنسبة للسجنا اللي هربوا من عندك؟ مش عايزني أعمل فيهم حاجة؟ أكيد هيفضحوا أسرارك، وده هيفيد نجلاء ومشروعها أوي. سكت سردار بضعة من الوقت، ثم قال: _الموضوع مش هيبقى بالسهولة دي... عندي فضول أشوفهم هيتصرفوا إزاي في حياتهم الجديدة، وازاي ياسر هيستغلهم، وهيبين وشه التاني. سأله الشاب محتارًا: _ياسر؟ _آه، ما هو هو وهدى كانوا محضّرين ملاجئ حوالين المحافظات، من فلوسهم وأملاكهم، عشان يكفّلوا بيهم لما يرجعوا مصر... ولسه هنشوف بقى ياسر هيتصرف إزاي مع ٥٠٠ ألف واحد. نظر الشاب إلى هاتفه ليجد أحدهم يتصل به، ثم عاد وتحدث إلى سردار وهو يقول: _طب هما بيتصلوا بيا دلوقتي... مضطر أروح لهم.                          ************ في عزِّ الهاجرة، كان ياسر يقود سيارته بأقصى سرعة، ينطلق بها كالسهم نحو فيلّته الواقعة في أحد أحياء القاهرة الراقية، وقد خرج منذ ساعات من محافظة الوادي الجديد. كانت سرعة السيارة وضغطه العنيف على دواسة الوقود ينطقان بما يعتمل في صدره من إنكار واستنكار لنبأ موت زوجته. يقود بيقينٍ لا يتزحزح أن ما قيل له محضُ كذبٍ، وأنه سيجدها هناك في انتظاره، كما كانت دوماً. قطع رنين الهاتف تيار أفكاره، فالتفت سريعًا إلى الشاشة، كان المتصل أحد موظفيه في إحدى شركاته الكبرى، فأجاب دون تردد: _أيوه يا محمد؟ _إزيك يا فندم؟ حمد الله على سلامتك. كنت حابب أبلغ حضرتك إن ناجيين منطقة دارين على وصول واتبلغلنا إنهم هيوصلوا بكرا بالكتير... مين هيشرف على توزيعهم على الملاجئ؟ مدام هدى الله يرحمها كانت المفروض... قاطعه ياسر بصوتٍ غليظ ووجهه مكفهر، يقول بشجب قوي، يحمل في نبرته غضبًا وقهرًا: _بس! متقولش الله يرحمها! ما تقولش الكلمة دي! تلعثم الشاب للحظة، وقد أدرك أن وقع الصدمة ما زال يخيّم على ياسر، فأجابه: _ربنا يرحمنا كلنا يا فندم... _بص، كلّم نجلاء، هي تقدر تشرف. وعلا مرزوق، الصحفية، سيبها تدخل وتساعد في التوزيع، لحد ما أظبّط الدنيا وأشوف اللي ورايا. سلام. ما لا نعلمه أن ياسر وهدى قد أعدّا لكل شيءٍ عدّته، فهم يستشرفان المصير بعينٍ لا تخطئ. منذ شهور، ومع تصاعد نُذر الكارثة، سعت هدى إلى تأسيس مشروع إغاثي متكامل في السر، أشبه بمدينة للنجاة، لا مجرد ملاجئ مؤقتة. خطّطا معًا، بدقة وإيمان، لتوفير مأوى كريم للناجين، يُخفف عنهم وطأة الفقد والرعب، ويعيد إليهم بعضًا من آدميتهم التي مزّقتها الحرب. كان المشروع موزّعًا على عشرين محافظة من محافظات الجمهورية، تمّ اختيارها بعناية، مستبعدين المناطق المنكوبة أو غير المؤهلة للاستضافة. خمس مئة ألف ناجٍ كان الرقم المتوقع، ومعه وُضع تصوّر دقيق: كل ملجأ يستوعب ألف شخص، فيكون المجموع خمسمئة ملجأ، يُوزّع على المحافظات بالتساوي، بمعدل خمسة وعشرين ملجأ لكل محافظة. وما جعل تلك الملاجئ مختلفة عن غيرها، هو أنها لم تُبنَ لتكون زنازين باردة أو صالات نوم جماعية خانقة، بل كانت مهاجعها فسيحة، أنيقة، تضاهي الفنادق الصغيرة في بساطتها وجمالها. عيادات متخصصة أُعدّت لمعالجة الأجساد المنهكة والقلوب المحطّمة، تضمّ أطباء نفسيين ومعالجين مدرّبين. غرف للترفيه والهوايات أُنشئت بعناية، لتمنح الأطفال فسحة من الطفولة، وتُذكّر الكبار بأن الحياة يمكن أن تُعاد حياكتها من جديد، مهما تمزّقت خيوطها. كان هذا كله ثمرة تفانٍ مشترك بين ياسر وهدى، حلمًا نسجوه معًا، ليكون في وقت الشدّة عونًا لمن لا عون لهم. لكن ياسر الآن، وهو ينطلق كمن يهرب من الحقيقة، لم يكن يعلم: هل هدى حقًا ميتة، أم ستشهد نجاح حلمهما سويًا؟ انعطف إلى شارع جانبي يتجه إلى الفيلّا، لكن شيئًا في الأفق البعيد جعل قلبه ينقبض. رأى من بعيد صفوفًا من السيارات مصطفّة على جانبي الطريق، ووجوهًا مألوفة تجمّعت عند البوابة الحديدية لتدخل الفيلا، رجالًا بملامح منكسرة ونساءً بعيونٍ مبلّلة. اتسعت عيناه ذعرًا، واشتدت سرعة ضربات قلبه حتى شعر بثقل الألم في معدته من هول ما قد ينتظره. بعدها توقف وشدّ الفرامل فجأة، وترجّل من السيارة ببطء، خطواته متثاقلة، وعيناه تتعلّقان بكل تفصيلة المأمول منها أن تحمل دليلاً ينفي المصاب. تقدّم ياسر ودخل إلى البيت كمن يسير داخل كهفٍ فارغٍ من الحياة. العالم حوله باهت، الكل مكسوّ بالسواد، وأصوات الأنين الخافت والبكاء والهدوء يمتزجون. الوجوه تتحرك في بطء، الهمسات لا تصل إلى أذنه. عيناه تتجولان في أركان البيت؛ مقعدها الفارغ، الكوب الذي كانت تشرب فيه قهوتها، إطار الصورة الذي يحمل ابتسامتها... كل شيء في مكانه، إلا هي. لمح من بعيد شقيقها الأصغر، بوجهٍ مهدود، ووالدها العجوز جالسًا على كرسي، يقبض على عصاه كمن فقد توازنه إلى الأبد. ما إن لمح الجالسون دخوله، حتى تعالت الهمهمات وتحرّكت الأجساد نحوه في وجومٍ شاحب، وتهافت أصدقاؤه من كل صوب، يربّتون على كتفه، يعزّونه بكلماتٍ مختنقة لا تكاد تُسمع، يدرون أنّ لا شيء يصل إلى قلبه الآن، لا عزاء ولا مواساة. كان ياسر يحدّق فيهم كمن يرى أشباحًا، عيناه غارقتان في صدمة قاتلة، لا ينطق، لا يرد، فقط يقف متخشّبًا، كجسدٍ متجمّد على وشك التفتت. وفي وسط هذا الطوفان، اقترب والد هدى وأخوها بخطًى بطيئة مثقلة، وجهيهما مهدودان من وطأة الفقد. رمق ياسر الرجل الكبير بنظرةٍ كسيرة، ثم خرج صوته متهدّجًا، كأنّه يُنتزع من جوفه لا من فمه: _فين هدى يا عمي؟ هي فين؟ أجابه الأب بنبرةٍ لا تُخطئها مرارة: _بنتي شهيدة يا ياسر... شهيدة يا بني، والله شهيدة. اهتزت شفتا ياسر، وارتجف جسده كله كما لو صُفع بالعاصفة، وقال بعينين مغرورقتين: _طب... عايز أبوسها طيب؟ وضع أخوها يده على كتفه، يحاول تهدئته برفق وهو يتمالك دمعته: _دفناها خلاص يا ياسر... ادعيلها، ادعيلها يا حبيبي. انفجر ياسر بصوتٍ مملوء بالخذلان: _ليه؟ ليه مستنيتوش؟ كنت عايز أودّعها! كنت عايز أسلّم عليها... ليه؟ ليه؟ لم يصمد الأب، لم يحتمل الجرح، وانكسر صوته بين شهقات البكاء وهو يقول: _مكانش فيها حتة سليمة... بنتي كانت متقطّعة... خنقته العبارة، وتجمدت الكلمات في حلقه، وانفجر في نحيبٍ مُفجع، فتهافت الرجال لتهدئته، يرفعون عنه وطأة الوجع، دون جدوى. أما ياسر، فانهارت قدماه، وجلس على أقرب كرسيٍ كأنما خارت كل قواه، وأسند رأسه بين كفّيه، يرتجف كما لو أن قلبه يقرّ من بين أضلعه. انهمرت دموعه فجأة، بلا مقاومة، كصنبورٍ داخلي قد انكسر، وظلّ يسيل بكل ما فيه. دموعه دموع انكسارٍ تام، تمزقٍ حقيقي، وجعٍ يسيل من القلب لا من العين. كانت هدى... النور الذي مشى به وسط العتمة، كانت الحلم والرفيقة والميدان. لطالما سحرته في شبابها وهي ترفع لافتة وسط الزحام، يهتف صوتها بحرقة المظلومين، وكانت يده تمسك بيدها، يشدّ عليها حين يتقدم الخطر، فتبتسم له كمن لا يخاف شيئًا ما دام هو هناك. تذكّر الليالي التي قضياها معًا في تخطيط المبادرات، في زيارة الأحياء الفقيرة، في إعداد الطعام للاجئين، في كتابة الرسائل والنداءات... كانا يؤمنان أن العالم يمكن إصلاحه، فقط لو كان فيه من يشبه هدى أكثر. كانت صادقة حدّ الطهر، تتحدث بنقاء، تحلم بكبرياء، وتحبّ بصمتٍ وعمق. لم تكن امرأةً عادية، بل كانت شعلة، نارًا من نور، لا تحرق... بل تهدي. كم حلمت معه أن يبنيا وطنًا يُشبهها، وطنًا لا يُدفن فيه الشجعان قبل أن تُقطف ثمار شجاعتهم، وطنًا لا تُكافأ فيه الطيبة بالموت. ظل يبكي بصوتٍ مكتوم، رغم أن البكاء نفسه لم يعد يسعف حجم الألم. والرجال من حوله صمتوا احترامًا للخراب النبيل، للحداد الذي لا يُقال، بل يُعاش. هدى لم تعد. لكنها ستظل فيه، في دمه، في حروفه، في شجاعته، في كل ملجأ افتتحاه، في كل يدٍ امتدت للمساعدة، في كل قلبٍ لم يعرف الخذلان. كانت حلمًا حيًّا... وماتت. لكن بعض الأحلام تموت لتصبح نارًا تحرّك القلوب من بعدها؛ فموت هدى ليست إشارة لموت أحلامها وأهدافها بل هي إشارة لياسر بأن يتمسك بهم أكثر بأن يكمل التي لطالما أرادت هدى أن تستكمله. موتها لن يكسره بل سيشتد به عزيمته.                            ************ بينما كانت المقابر تمتدّ كأرشيفٍ للصمت الإنساني... تلالٌ من الغرف الحجرية تشهد على الذين مرّوا، أحبّوا، تألّموا، ثم غابوا، وتركوها شاهدًا على ما تبقّى من الحكاية. جلس شاب بينهم عند إحدى القبور. كان هذا الشاب، إسماعيل... من ذاق مرارة فقد الحبيبة كـ ياسر، ذلك الشاب الذي نُزع منه كل مأوى ودفء، كل امتداد. فقد منزله، وأباه، وأمه، وزوجته، وبقي واقفًا. ثم جاء خبر وفاة هالة كأنّ المنارة الأخيرة في بحره العاصف انهارت وتبددت، ولم يبقَ له سوى صبرٍ متيبّس يتكئ عليه بصمت. ومع ذلك، واجه هذا الخبر المفجع بصمتٍ مشحونٍ بالقهر، مغموسٍ في الحسرة العظيمة. صمت لا يخلو من الألم الذي يطوي الروح ويُبقي الجسد يتحرّك على غير هدى. لم يصرخ، لم ينهر، فقط خيّم عليه سكون مروّع. جلس إسماعيل عند قبر هالة كما يجلس المرء على عتبة بيته، كما لو أن موضع دفنها أصبح وطنه الأخير. لم يشعر أن الأرض التي احتضنتها غريبة، كأنها المكان الوحيد في الدنيا الذي ينتمي إليه، حيث ترقد في سكينة، بينما تضجّ روحه بالزلازل. جلس بخشوعٍ مكلوم، لا يظهر منه سوى سكونٍ مغمور بالقهر، وغصّةٍ لا تنفكّ تؤرّقه. هدوؤه كان هدوء من لا يجد الكلمات، من انتهت به اللغة ولم تنتهِ الحكاية. وجهه شاحب، عيناه زائغتان، وكل شيء فيه يذوب ببطء. كانت أصابعه تتحسّس تلك العقدة الصغيرة التي ما تزال حول بنصره، تلك التي عقدتها هالة له يوم ودعته، قبيل رحيلها، وحفظها كما يُحفظ القلب في الصدر، لم يسمح لها أن تنفكّ، حمى خيطها من أهوال الحرب، لكنه لم يستطع حمايتها... هي التي وضعته في قلبها، ووضعت له علامة لا تُمحى. قرب إصبعه من أنفه، واستنشق برفق، علّه يلتقط من خيط العقدة نسيمًا ضئيلًا من رائحتها... كانت الرائحة واهية باهتة، بالكاد تُذكر، لكنها كانت كافية لتحرق قلبه، وتفتح أبواب الحنين كلها دفعة واحدة، ولتُسقط دمعة من عينه، ثقيلة على التراب. وفي صمته المسترسل، جلس، مطأطئ الرأس، وانفتحت عليه ذاكرةٌ موجعة، وبدأ يتذكّر كل شيء. ذكرياتها، بضحكتها، بنظراتها المتشبّعة بالإيمان والاهتمام حين كانت تُنصت له حين يتحدّث عن العقيدة، عن معنى أن يُحبّ الله بصدق، وكيف كانت تسأله كمن يفتح أبواب روحه لتفهم، لا لتجادل. تذكّر كيف اكتشف معها معنى الشراكة، لا في السكن، بل في الروح. كيف كانا يتبادلان الاهتمامات، والمشاعر الطاهرة، وكيف عاش معها أول دفءٍ حلال، أول حبٍ لم يتسلل عبر الظل، بل وُلد في النور، وعاش في النور. يتذكّر نظرات الناس، وألسنتهم التي خاضت في عرضها، وكيف وقف وحده ضدهم. تذكّر كم كانت بريئة، وكم صدّق براءتها في وجههم كلهم، وكم تحمّل لأجلها الجهل والهمز واللمز، وظلّ متمسّكًا بها حتى جعلها زوجته ومسكن لروح. اختارها وهي محاطة بالشبهات، لأنه عرف قلبها، وعرف صدقها، وآمن ببراءتها. تزوّجها، فقط لأنها هالة، ولأنها كانت تستحق أن تُحتضن لا أن تُدان. تذكّر دموعها حين ضاقت بها الدنيا من الناس، ويأسها من أهلها، وقهرتها في تخلي أبيها وأمها عنها، وإصرارهم المرضي المقزّز على بيعها. كل شيء معها كان نقيًا... كل شيء فيها كان طاهرًا... حتى موتها، كان شهادة. السبب الوحيد الذي يُهوّن على قلبه المحطّم، أنها ماتت في سبيل ما كانت تؤمن به. ماتت شهيدة، وهي الآن حيّة عند الله تُرزق وتعيش راحةً أبديةً خالدة. أخذ إسماعيل يغوص في تأملٍ إيماني عميق، كأنّ الحزن الذي يعتصره قد فتح له بابًا من البصيرة. فهو يعلم أن الموت انتقال، لا فناء، سفر من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة. يتدارك أن القبر ليس نهاية، بل بداية لحياةٍ أخرى لا يُرى فيها الوجع، ولا يُسمع فيها الوداع. وأن هالة، بطهارتها ونُبلها، لم تُغادره، بل سبقته إلى الجنة التي طالما تحدّثا عنها وتمنّياها معًا. توغّل في المعنى، فأيقن أن الموت ليس خسارة، بل وعدٌ مؤجّل، وأن الفقد اختبارٌ للإيمان، وميزانٌ للصبر، وسُلّمٌ للرضا. لم يكن إسماعيل يُحدّق في المقبرة كموضع وداع، بل كمعبر، كحقيقةٍ نهائية تفرز الموقنين من الهاربين. وكان قلبه، برغم الألم، أكثر رسوخًا، وأكثر قربًا من الله مما كان عليه يومًا. في تلك اللحظة سمع وقع أقدام أحدهم يدخل من مدخل المقبرة، فالتفت إسماعيل تلقائيًا ليراها... رجاء، أمّه، التي تقدّمت وهي تقول في حزن: _ازيك يا حبيبي؟ أنا فرحانة إنك رجعت سليم، رغم المشاكل اللي بيننا... بس أنا عمري ما هحب أشوفك في الموقف ده يا حبيبي، زعلت أوي على مراتك، لروحها السلام. أومأ إسماعيل برأسه ببرود دون أن ينظر إليها، فتقدّمت وجلست بجانبه على المجلس الرخامي وهي تقول: _بصلي يا حبيبي... عشان خاطري. في حركة رتيبة، نظر إليها بأعين ميتة، باردة، منطفئة، فتحسّست وجنته وهي تقول برأفة: _أنا مستحيل أسيبك كده يا حبيبي... بقيت مابقاش ليك بيت، وأبوك مات، ومراتك ماتت... تعالى عيش معايا، ارجع لأمك، ارجع لحضني يا حبيبي... إنت واحشني أوي. جذبته إلى حضنها، وضعت رأسه على صدرها، وضمته بقوة وهي تقبّل رأسه، وملامحه ولغة جسده متشبّعة باللامبالاة، وكل ما قاله، حين ابتعد عنها برفق: _أنا مش لوحدي... أنا معايا ربنا. _ماشي، خلي ربنا معاك... وأنا معاك برضو. _مستحيل تبقي معايا في حاجة... عمرك ما كنتِ معايا، عمرك ما كنتِ مع اللي محتاج يبقى معاه حد... دايمًا كنتِ مع اللي يعجبك، واللي يرضيكي إنتِ وبس... ثم رمقها وهو يقول: _إنتِ شاركتي في قتل أبويا ومراتي...، متفرقيش حاجة عن اللي داس زرار الصاروخ اللي نزل فوق راسهم. إنتِ للمرة المليون بتثبتيلي إنك مجرمة! والمرة دي مستحيل أقدر أتحمّل أي حوار بيني وبينك... ولا أتحمّل حضورك في المكان اللي أنا فيه حتى. حملقت أمّه فيه بشدّة وهي تقول مصدومة: _يعني إيه يا إسماعيل؟! قال إسماعيل بثقة وثبات: _يعني إنتِ بالنسبالي ميتة... زيك زي اللي تحت الأرض اللي إحنا فيها دي. أنا ماليش أم... وافتكري كويس إني قلتلك كده، في كل مرة تفكّري فيها تشوفيني... وربنا يسامحني. كانت كلماته كرطل من الحمم يهبط على قلبها المتوجّع، فلم تعتد أبدًا هذا الرفض الصارخ من إسماعيل. اعتادت أن يتحمّلها، ويحاكيها، ويبرّها حتى إن كانت كافرة كما يقول الدين. وهنا انتهزت هذا الأمر وقالت: _بـ... بس دينك قال إنك تبرّ أمك حتى لو هي كافرة. ابتسم إسماعيل في تهكّم، وهو يقول هازئًا: _حلو... بدأتي تستخدمي الدين على هواكي أهو... كعادتكم... مع السلامة بقى، أنا ما بقيتش قادر أتكلم... اتفضّلي، لو سمحتي، امشي. نهضت نجلاء ببطء، ووقفت أمامه لحظة، تحدّق في وجهه الذي طالما رأته طفلًا يتعلّق بطرف ثوبها، فإذا به الآن يُسقطها من قلبه كما تُسقط الشجرة ورقةً قد يئست من خضرتها. أرادت أن تقول شيئًا، ولكن لم تجد إلا أن تُشيح بوجهها عنه وتستدير. رحلت تتهادى بخطواتٍ متكسّرة. وخلفها، بقي إسماعيل جالسًا كصخرةٍ أصابها الزمن بكل شيء، ولم يُفلح في تكسيرها. في داخله، كان الخذلان أبلغ من البكاء، والسكوت أصدق من أي وداع.                         ************ رغم اشتعال الداخل المصري بالفوضى، وغياب الاستقرار السياسي عقب اغتيال الرئيس فاروق وتسلّم قيادة مؤقتة مهزوزة، ورغم انشغال الدولة بحروبها الداخلية وجرائمها المتفشّية، لم يكن من السهل تجاهل الضغط الدولي المتصاعد الذي فرض على مصر قبول الذين رأوهم مجرد لاجئين عاديين ولكنهم ناجين من منظومة عالمية مشبوهة وهم سجناء دارين، في فضيحة أخلاقية لم تجرؤ دولة على الاعتراف الكامل بها. تقدّمت المغرب، التي كانت قد استقبلت مئات الآلاف منهم على مضض، بمبادرةٍ سياسية ذات أبعاد معقّدة، تضمنت اتفاقًا عاجلًا مع الحكومة المصرية والبريطانية بواسطة شارلوت التي لم يعلموا إنها ميتة بعد، يقضي باستقبال دفعة أولى محدودة من الناجيين على الأراضي المصرية، على أن يتم تنفيذ ذلك خلال يومين فقط. وكان الاتفاق أشبه بتنازلٍ مؤلم على طاولة مليئة بالضغوط والصفقات، حيث وُعدت مصر من قبل بريطانيا بدعمٍ دولي "مؤقت"، ومساعدات إنسانية سخية، مقابل فتح حدودها لما لا يزيد عن خمسين ألفًا من أولئك المكلومين. لم يكن العدد عبثًا ولا ارتجالًا؛ بل حُدد بدقة ليمثّل الحدّ الأدنى من التعاون دون إثارة الرأي العام، ودون أن يتحول الملف إلى أزمة داخلية جديدة. خمسون ألفًا... رقم يحمل في طيّاته معنى رمزيًا؛ هو اعتراف قلق، وتجربة مرّة، ورسالة مشوشة للعالم أن مصر، رغم هشاشتها، لا تزال تتجاوب ولو مكرهَة مع نداءات الإنسانية، ولو تحت لافتة الخوف من الفضيحة. دخلت الدفعة الأولى في صمت، عبر مطارات معزولة وموانئ هامشية، بحراسة عسكرية مشددة، وتوزعوا على ملاجئ ياسر بعيدة عن أعين الإعلام والشارع. لم يُعاملوا كلاجئين، بل كملف أمني حساس، يُخشى منه أكثر مما يُرحّب به. ومن هناك، بدأت الحكايات تتسرّب... شهادات مكتومة، وعيون لا تنام. لم يكونوا عبئًا بشريًا، بل مرآة قاتمة تعكس تورّط العالم أجمع في منظومة بيع البشر. أما الحكومة المصرية، فقد تعاملت مع الأمر كمن يتجرّع كأسًا مرًا، مؤجلة القرار بشأن الدفعات التالية، ومعلّقة مصير عشرات الآلاف الآخرين على خيوط التفاوض حتى تستقر البلد ويصبح لها رئيس حقيقي، وصدى الرعب الذي قد يُبعث من مجرد سماع قصص هؤلاء الذين كانوا يومًا، مجرّد "ملفات تجريبية" على طاولة العلم والسياسة. وها هو مر يومان من بعد عند يوم عرفة يوم التحرير ووصلا دفعة أولى خمسون الف فرد من أصل خمس مئة الف، ومنهم كان إبراهيم ، بلال، حيدر، ندى، هند، سيد وريان وبالطبع جثة فريدة، آلاف ذهبوا لملاجئ ياسر ولكن علا وهيثم ونوح ونجلاء قرروا أن يتكفلوا بهولاء السبعة نظرا لتقربهم منهم ورغبة إبراهيم في أن يكونوا معه. هيثم الان يقود سيارته بجانبه إبراهيم وخلفه حيدر وبلال. كان الطريق إلى شقة نوح الأخرى التي يعيش فيها هيثم أمام نادي الغابة أقرب إلى رحلة بالنسبة لحيدر وبلال؛ فعمرهم كله كان مجرد نفق طويل مظلم، خرجا منه أخيرًا إلى مدينةٍ تفتح لهم ذراعيها. في السيارة، كان صمتهما أكثر ضجيجًا من أي حديث. لم يكن في وسعهما أن يتكلما، فالعيون كانت مشغولة بافتراس المشهد، بكل ما فيه من تفاصيل كانوا يظنونها اندثرت، أو كأنها لم تكن أبدًا. مرّوا أولًا بشارع العروبة، حيث يقف قصر البارون شامخًا، لا يشيخ ولا ينحني. تأملاه طويلاً وهم يتأملون كم من الزمن مر وهم لا يرون سوى جدران رمادية واسقف متهالكة... أما الآن، فها هنا يرا هندسةً تتحدّى الزمن. انعطفوا إلى شارع الأهرام، وظلا يحدقان في الواجهات القديمة، في الشرفات العتيقة التي تفيض دفئًا وحياة، في الأشجار التي غطت الطريق كأنها تفتح لهم مظلّة من الحنان. رأوا في الطريق أطفالًا يركضون، وعجائزَ يجلسون على الكراسي الخشبية، وشبابًا يتبادلون الضحكات تحت لافتات المقاهي. كانت الحياة هناك مشغولة بذاتها، لكنها استقبلتهما كضيفين عزيزين عادا من صحراء الغياب. دخلوا شارع الحجاز، وتهادى أمامهم كحلمٍ طويل، تصطف الأشجار على الجانبين كحرس شرف لحكايتهم، الهواء هنا مختلف، رائحة الخبز والزهور والكتب القديمة تسكن حجارة المكان. المحالّ والمقاهي وواجهات البيوت كشواهد على حياةٍ لم يكن لهم نصيبٌ فيها يومًا، لكن ها هي تُمنح لهم الآن، بلا مقابل. وصلوا أخيرًا إلى ميدان المحكمة، من ثم ظهر نادي الغابة. أوقف هيثم السيارة أمام بناية القديمة المطلة على النادي،ثم ترجل هو والثلاثة، وكان الغروب قد بدأ يرسم ظلاله على الأرصفة حين دخلا العمارة وصعدا الي الشقة ودخلاها _حمدلله على السلامة خشوا وخدوا راحتكوا خالص البيت بيتنا، ارتاحوا على الاخر. قال ابراهيم هنا: _أول حاجة نعملها ناخد دش ونغسل جسمنا ونفسنا من كل حاجة. قال حيدر وهو ينشر بصره ويتلفّت متأمّلًا أرجاء المنزل، ورغم بساطته، إلا أنّ الدهشة لم تفارق ملامحه، مندهشًا من فكرة المسكن التي فقدت معناها لديه لسنين: _روح إنت استحمى، آني وبلال راح نلفّ عالشقة لين ما تخلّص. إحنا أساسًا تغسّلنا بالگارب. وجّه هيثم إبراهيم إلى الحمّام، وأرشده إلى أماكن غسولات الشعر والجسد، وصنبور الاستحمام وما إلى ذلك. بعدها خرج واتجه إلى الغرفة التي اعتاد نوح الجلوس فيها، وقد سمح نوح لهم باستخدام ما تبقّى من ملابسه هناك. بدأ هيثم في إخراج بعض الملابس له ولرفيقيه، وفي تلك اللحظة سمع صوت شيء صلب يسقط على الأرض. تجمّد لحظة، ثم نظر إلى الأسفل واتّسعت عيناه قليلًا، وانحنى ببطء ليجمع ما سقط... فإذا به ممسكًا بعظمة بشرية صغيرة، على الأرجح لعقله إصبع يد. تلبّكه ارتباك صامت، وصُعق وهو يتأمل ما بين يديه، عاجزًا عن فهم السبب أو الدافع لوجود عظمة آدمية في ملابس نوح. لكن دون أن ينبس ببنت شفة، دسّها في جيب بنطاله، مؤجلًا عاصفة الأسئلة التي اشتعلت في رأسه... إلى أن يحين وقت التحليل، ومعرفة الحقيقة. وحين انتهى وخرج، اكتشف بلال وحيدر واقفين عند الشرفة يشاهدان مباراة كرة قدم تُقام في النادي المقابل. ارتسمت ابتسامة على وجه هيثم لرؤيتهما يتابعان المباراة بانتباه وعيون تلمع حماسة كالأطفال، فتقدّم نحوهما قائلًا: _بقت عندي عادة أقعد هنا وأتفرّج عليهم وهما بيلعبوا. نظر حيدر إلى هيثم وقال بلهفة: _أريد ألعب آني وبلال... يصير؟ قال بلال بنبرة يائسة ممزوجة بثقة: _أكيد ما بيصير... هاد نادي، بيفوت عليه بس ناس معينة، من طبقة معينة وهيك. ابتسم هيثم بشيء من الشفقة على طريقة تفكير بلال، وقال: _لا، النادي لأي حد عادي. هندفع بس مبلغ بسيط وإحنا داخلين، وتقدروا تشاركوا في الماتش وتلعبوا معاهم عادي. وفيه كذا ملعب كمان، مش الملعب ده بس. التفتا إلى هيثم بدهشة عارمة، وحيدر قال في ذهول: _والله؟ يعني نكدر نطب نلعب وياهم؟ قال هيثم بسرور: _ينفع طبعًا. يلا تعالوا معايا وهنبقى نبلغ إبراهيم عشان ميتخضش. خرجوا متجهين إلى النادي، وحين دخلوه اتجهوا إلى الملعب... كان دخولهما إلى الملعب كعبور من باب غير مرئي بين عالمين؛ من ظلمة القهر إلى فسحة الحرية، من رطوبة الزنازين إلى رطوبة النجيلة المنعشة. دخل بلال وحيدر الملعب وقد بدت عليهما لمحة من التردد وهما يشاهدان اللاعبين، كتلميذين ضلّا الطريق إلى فسحة المدرسة. أخبر هيثم المدرب عنهما، فأوقف اللعب ليعرّفهم بوجود حيدر وبلال، فالتف حولهما جمع اللاعبين من الشباب المصريين، وما إن عرفوا أن أحدهما عراقي والآخر سوري، حتى انفرجت الوجوه وامتلأت الأذرع بالترحيب. كان الترحيب صادقًا، منطلق بعفوية خالصة، محمّلين بالنية الطيبة والكرم الذي يجري في عروق المصريين كما يجري النيل في مجراه الأبدي. _يلا شدّوا حيلكم، عندنا ماتش قوي النهاردة! سرعان ما تعاملوا معهما بودّ شديد، كأنما يعرفونهما منذ سنين. لم يسأل أحد من أين جاءا، ولا ماذا فعلت بهما الحروب والحبس. اكتفوا بالحفاوة، وبفسحة الوقت، وكأنّ هذا الملعب هو الأرض المحررة الوحيدة في هذا العالم. خلع حيدر حذاءه أولًا بتلهّف شديد، ثم نظر إلى بلال فوجد في عينيه لمعة لم يرها منذ حبسهما؛ لمعان الطفولة التي لم ينجُ فيها من القهر، وشرارة الحياة التي لا تنطفئ مهما طال السكون. ابتدأت المباراة، وكانت أشبه باحتفالٍ حميمٍ بأنهما ما زالا على قيد الحياة. بينما كانت الشمس تفرش آخر خيوطها الذهبية على رؤوسهم، ركض بلال خلف الكرة كأنما يركض خلف الحياة نفسها، مستشعرًا حلب التي قضى فيها طفولة محدودة تراقبه من بعيد، وكل صمتها القديم يصفّق له، كل حجر تهدّم فيها عاد ليركض معه على هذه الأرض الجديدة، بحرية كاملة. أما حيدر، فكان يصيح ويضحك، يتعثّر ويقف، يمرّر ويسدد، والزمن يعيد تشكيل روحه بلمساتٍ خفيفة فوق المستطيل الأخضر. قلبه تذكّر أنه كان طفلًا ذات يوم، يركض في شوارع بغداد، يضحك، يسقط، ينهض، بلا خوف. لم يكن الملعب ملعبًا فقط، بل كان أرضًا تطهّرهما من قيودٍ قديمة، وغبارٍ التصق بذاكرتهما سنين طويلة. ضحك الاثنان، ضحكًا نقيًا بريئًا صاخبًا، ضحكًا لم يخرج من حناجرهما منذ عشرات السنين. ضحك حيدر حتى اغرورقت عيناه، وركض بلال حتى كاد قلبه أن يطير من صدره. المباراة في ظاهرها عادية، كرة تُركل، هدف يُسجل، لكنها بالنسبة لهما كانت طوق نجاة. لم تكن المتعة في الانتصار، ولا في الهزيمة، بل في ذلك الإحساس البدائي النادر؛ أن تكون على أرض، وتختار أن تركض. لا أحد يمنعك، لا أحد يضع السلاح في ظهرك، لا أحد يسألك لمن تنتمي. أن تركض فقط... لأنك حر. وأن تبتسم، لأنك حي. حتى حين خرج إبراهيم إلى الشرفة ولمحهما، ظلّا يهتفان باسمه، وظلّ إبراهيم يستمتع بأصوات ضحكاتهما من الملعب وهو يبتسم بأريحية عظيمة. جلس هيثم خارج الخط الأبيض يراقب المشهد، وابتسامته تتسع؛ فقد رأى فيهما ما لم تقله السجون، أن الإنسان حين يُمنَح لحظة حرية صادقة، حتى وإن كانت مجرد مباراة عابرة، يمكنه أن يعود طفلًا، عاشقًا، شاعرًا، حيًّا… من جديد. أثناء وقوف إبراهيم وهو يستمع إلى أصوات المباراة من الشرفة، تناهى إلى سمعه صوت جرس الباب. توقف برهة وقد ارتبك قليلًا، لكنه حاول شق طريقه نحو الباب رغم صعوبة الأمر، إذ لم يكن مألوفًا له المكان. ومع تكرار دق الجرس، بدأ يتحسس طريقه بعناء، حتى بلغ الباب وفتحه، ثم ظل واقفًا صامتًا... مترقّبًا أن يلقي القادم من الجهة الأخرى السلام أو ينطق بشيء، لكنه لم يسمع سوى الصمت. إذ كانت الواقفة أمامه هي هاجر... التي ظلّت تحدّق فيه في ذهول مكبوت خلف برودة أعصابها، تتأمل ملامحه، وتقلّب النظر في كل شبر من وجهه وجسده. فمظهره الحالي بدا بعيدًا كل البعد عن الصورة التي رأتها له في هاتف غادة. وحين طال الصمت، قال إبراهيم متسائلًا: _في حد؟ ولا دا كان طفل بيعمل مقلب وجري؟ أجابته هاجر وما تزال تنظر إليه بتمعن: _أظن لو فيه طفل جري كنت هتسمع خطواته. أومأ إبراهيم برأسه وقال: _يبقى فيه حد...، حضرتك عايزة مين؟ _عايزاك... ينفع أخش؟ _آه آه طبعًا اتفضلي، أنا آسف، أصل دا مش بيتي ومعرفش انتِ مين، فمعنديش فكرة أتصرف إزاي حاليًا. دخلت هاجر الشقة، وأمسكت بيده بلطف لتجلسه في غرفة المعيشة. جلسا سويًا، فقالت بنبرة هادئة: _أنا هاجر، أخت نوح وسليم. نوح بعتني عشان أطّمن عليكم. سكت إبراهيم برهة ثم قال: _واضح إن نوح دا الجندي المجهول... ما شاء الله من أول ما طلعت من دارين وأنا مش بسمع غير اسمه. _آه، هو يعتبر ساعدكم من ورا الكواليس. هو اللي وصّلكم بالأوتوبيسات، وهو اللي سرّع عملية سفركم للمغرب وبعدين لمصر. _هو عنده نفوذ ولا إيه؟ ابتسمت هاجر من بساطة تخمينه ثم قالت: _لا نفوذ ولا حاجة، هتفهم بعدين. أومأ إبراهيم برأسه، ثم قال: _وغادة؟ ليه مجتش معاكي؟ _انت عايز يجيلها سكتة قلبية ولا إيه؟ اصبر، نوح يهيّأ لها الموضوع واحدة واحدة. أومأ برأسه مجددًا وهو يقول: _عندِك حق. مرّ وقت طويل وإبراهيم جالس في صمت وارتباك من حضورها الساكن، نحو عشر دقائق لم يسمع خلالها منها شيئًا، حتى قال لها بنبرة ثابتة: _تعرفي، الواحد لما مبيبقاش شايف حاجة ومبيبقاش سامع في نفس الوقت، الموضوع بيبقا مربك عليه شوية... أجابته هاجر بصوتها الهادئ، المغلف بفكاهتها الجافة المعتادة: _دي مشكلتك، أنا جيت هنا عشان أطّمن عليك مش عشان أدردش معاك. أنا في نيّتي والله أسألك أسئلة كتيرة، بس انت مش هتستحمل... انت محتاج راحة. صحيح، أومّال فين صحابك؟ _بيلعبوا كورة. في تلك اللحظة، كان حيدر وبلال قد أنهيا الشوط الأول، وجلسا على الأرض يلهثان بأنفاس متسارعة، تتداخل فيها المتعة مع الإنهاك. غابت الشمس، والهواء صار ألين، والهدوء بين الشوطين فسحة نادرة من الصفاء، فيها انفتح الباب للبوح. نظر بلال إلى السماء وهو يعيد في ذهنه كل ما حدث يوم التحرير، ثم أنزل رأسه وقال بنبرة خافتة، وكأنه استدعى شيئًا من أعماقه: _بالمناسبة... هديك الجملة اللي قلتها، هي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه. قال حيدر مستغربًا قليلا: _شنو؟ أي مقولة؟ _"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً" هاي لعمر بن الخطاب. تفاجأ حيدر قليلًا، ثم قال بعفوية: _صحيح؟ آني سمعتها بالحسينية إنّ الإمام علي عليه السلام اللي گالها... بس مو مشكلة، آني أحب عمر بن الخطاب، وأحب كل صحابه النبي ﷺ وزوجاته. ابتسم بلال وقال بهدوء وسخرية لاذعة ناعمة: _لأنّك ما لحقت تتربّى كفاية على كرههم... الله نجّاك والله. ضحك حيدر بخفة وهزّ رأسه، ثم ساد بينهما صمت قصير، كان أكثر راحة من أي كلام. بعد لحظة، قطعه بلال وهو ينظر إليه بعين فاحصة، وكأنه يطرح سؤالًا مصيريًا: _لا يكون علوي إنت؟ حرّك حيدر رأسه بسرعة وهو ينفي: _لا لا... مستحيل، ارتاح، آني مو علوي. _هيك فيني خلّيك رفيقي وأنا مرتاح. ضحكا معًا ضحكة قصيرة، خفيفة، عابرة كنسمة في مساء صيفي ثم قررا أن ينهضا ليتجهزا للشوط الثاني.                           *********** بعد أن انشغل إبراهيم وحيدر وبلال بالتوجه إلى شقة نوح الأخرى برفقة هيثم، وذهبت هند وندى إلى منزل علا، ورحل ريان إلى منزل ديميت، اتجه سيد مباشرة إلى المستشفى. كانت الصدمة التي تعرض لها جراء موت ابنته قد ألقت به في حالة من الانهيار العصبي الحاد، متسببةً في تفاقم الأمراض التي كانت تعصف بجسده. لقد كانت تلك اللحظة نقطة تحول له، إذ دفعت حالته النفسية والعصبية المعقدة إلى الواجهة، لتظهر آثار التجارب القاسية التي مرّ بها في جسده. أظهرت الفحوصات الطبية تفشّي العديد من الأمراض في جسد سيد نتيجة لتلك التجارب. على مستوى الأعراض الجسدية، كانت الآلام المزمنة غير القابلة للتفسير تلاحقه، إلى جانب ضمور عضلي قد يقيّد حركته. أما على الصعيد النفسي والعصبي، فقد ظهرت تقلبات مزاجية حادة، ونوبات غضب مفاجئة، مع هلاوس سمعية وبصرية تلاحقه في كل مكان. كما عانى من حساسية جلدية معقدة تزيد من معاناته. لم تكن حالته الصحية تقف عند هذا الحد، فقد كان سيد في مرحلة حرجة حتى في أعضائه الداخلية. وبعد سلسلة من العمليات الجراحية، كان لا بد من إزالة الكلية والمرارة، ليكتشف الأطباء وجود قرحة شديدة في معدته، ما زاد من تعقيد حالته. وهنا، في ردهات المستشفى المعتمة، حيث يختلط صمت الجدران بأنفاس القلق، جلس يامن ورضوى ومحمد وكريم ومنة وبسنت في غرفة سيد، منتظرين أن يخرج من غرفة العمليات، متكئين على الانتظار، والساعات تمضي ثقيلة، تدهس على صدورهم وتضغط دون رحمة. منة كانت ترتجف كطفلة أضاعت دفئها في العاصفة، بينما انكمشت بسنت إلى جوارها، وكلتاهما تصيحان، وذراعا رضوى حولهما، وهي تنحب مثلهما، في محاولة من ثلاثتهنّ للاحتماء ببعضهن من عالمٍ انهار فجأة. كانت دموعهن وجعًا متراكبًا، وجع فقدان فريدة التي كانت لهنّ الحياة كلّها، الملجأ، والصوت الحنون، والكتف الذي لا يميل. ماتت فريدة، وسقطت الدنيا من فوق رؤوسهنّ دفعةً واحدة. يامن ومحمد وكريم تنهال دموعهم في صمت، وتظهر رجفة جسدهم بوضوح، كلّ واحدٍ في الغرفة كان غارقًا في داخله. نظراتهم شاحبة، أفكارهم تتقافز كالعصافير المذعورة، تبحث عن مخرجٍ ولا تجده. فالغصّة في القلب مضاعفة، إذ ليسوا أمام موتٍ واحد، بل احتمال موتين: فريدة التي فارقتهم، وسيد الذي عاد بعد غياب ثلاث سنوات، منهكًا، متآكلًا، كجسدٍ لفظته الحرب. كانوا يعرفون أن السنوات الماضية لم تمرّ عليه مرورًا عابرًا، بل تركت فيه من الخراب ما لا يُرمّم. الأجواء من حولهم مشبعة بالقهر، كأن المستشفى نفسها تتنفس معهم هذا الوجع، وتئن مع دموعهم، ففي هذا الليل الطويل، كانوا على حافة هاوية، بين فقدٍ تأكّد، وآخر يوشك أن يكتمل، بين أختٍ راحلة كانت لهم كل الحياة، وأبٍ عائد تآكلت منه الحياة. جثة فريدة ما زالت في ثلاجة الأموات، فقد رفض يامن رفضًا قاطعًا أن يتم دفنها ليلًا، وحتى سليم لم يُخبر إخوته بعد عن موتها حتى الان لأسبابه الخاصة. هنا، طرق الباب فجأة، فنهض يامن وفتحه ليجد الممرّض واقفًا يُطمئنهم بصوتٍ هادئ أن سيد خرج من العمليات بسلام، وأنهم سيدخلونه إلى الغرفة خلال لحظات. تنفّسوا الصعداء، وحمدوا الله بامتنان، كأنّ الحياة منحتهم هدنة مؤقتة في خضم هذا الانهيار. وحين دخل سيد، محمولًا على السرير، غارقًا في غيبوبة المخدر، خيّم صمتٌ ثقيل على الغرفة. وجهه شاحب، وأنفاسه متقطعة، وذراعه متصلة بأنابيب، وصدره يعلو ويهبط ببطء تحت الغطاء الأبيض. همهمات خافتة خرجت من فمه، كلمات مبعثرة لم يفهموها، لكن وقعها مزّقهم؛ كأنّ الوجع ظلّ يتكلم حتى في غيابه. نظروا إليه، والدمع في عيونهم لا يعرف إن كان فرحًا بنجاته أم حزنًا على ما آل إليه… لقد عاد، نعم، لكن أيّ شيء تبقّى منه؟ عادوا إلى صمتهم المقهور وهم يبكون في هدوء هذه المرة، محدقين في والدهم بحسرة شديدة. مرّ ما يقارب الربع ساعة حتى بدأ سيد يفتح عينيه، وما إن فتحهما حتى رأى رضوى تعدّل الوسادة التي تحت رأسه: _فريدة؟ نظرت رضوى لأبيها في ذهول طفيف، ليكمل سيد وهو يقول بوهن شديد وجفونه منسدلة بعض الشيء: _إنتِ هنا يا فريدة؟ كنتِ فين يا بنتي؟ التفتت رضوى ليامن، فأشار لها بأن تسكت ولا تقوم بأي ردّ فعل، ليردف سيد وهو ينظر إليها: _إنتِ جميلة أوي، جميلة أوي يا فريدة... سكت سيد وهو يتنفس بصعوبة، ثم أردف: _كنتي بتعيّطي كتير أوي زي الأطفال، وكنتي بتتعصّبي كتير أوي... بس كنتي جميلة... جميلة أوي. محدش كان بيشكرك ولا بيواسيكي، وده كان بيزعلك... شكرًا يا فريدة... شكرًا يا حبيبتي... لم تتحمل رضوى، فابتعدت وذرفت دموعها مجددًا، حتى يامن لم يستطع كبح دموعه. وفي تلك اللحظة، طرق الباب، فقام كريم وفتحه ليجد سليم... سمحوا له بالدخول، فسلّم عليهم ثم قال: _أخباره إيه؟ قال يامن بتهدج، والغصة كادت تنحره: _معرفش يا سليم... كل حاجة فيه راحت... صحته وعقله وجسمه وكل حاجة... وأنا مرعوب يروح مننا هو كمان، والله العظيم... بحركة هادئة ثابتة، أخرج سليم من حقيبته مجموعة من الحقن كان محتواها مادة أرجوانية، وهو يقول ببرود وثبات: _لا، مش هيروح ولا حاجة. المادة دي هتحسّن حالته إن شاء الله... بس محتاجك إنت ومحمد وكريم تمسكوه كويس...                           *********** بعد أن تأكد نوح من هاجر أن إبراهيم بخير، ولو نسبيًا، وبعدما كان يتجول مع غادة احتفالًا بالعيد، يبتاع لها كل ما تشتهيه، ويراقب فرحتها بعينين ممتلئتين بالحب والامتنان، استقر داخله قرارٌ تأخر طويلًا... لقد آن الأوان ليمنحها هدية العيد التي لا تُقدّر بثمن. أن يطفئ في قلبها نارًا احترقت لثلاثة عشر عامًا دون انقطاع. قاد سيارته نحو شقته الأخرى، نظراته تتسلل نحو غادة بين حين وآخر، ثم قال: _تحبي تعرفي بقا أنا عيشت فين طول الخمس شهور دول؟ سألها نوح هذا السؤال، وهو يحاول تخفيف حدة توتره الداخلي، فأجابت غادة وهي تداعبه مبتسمة: _آه، ياريت تعرفني، عشان أنت عرفت مصر كلها إلا أنا. ضحك ضحكة خفيفة، ثم عاد لصمته، ذاك الصمت الدال على تحضيره لأمر كبير...، بعدها قال فجأة، دون تمهيد: _أنا قولتلك إن سليم خلاص سافر عشان يهرّب اللي في دارين، صح؟ نظرت إليه بقلق فوري، وأجابت: _آه، أخبارهم إيه؟ وصلوا؟ سكت برهة، كما لو أنه يكبح كلماته كي لا تهتز نبرته، ولا ينفضح ما يخبئه. ثم قال، محاولًا الحفاظ على ثباته: _آه… وصلوا. اتسعت عيناها، واعتدلت في جلستها كمن تحسّ بزلزال قادم: _وإبراهيم؟ معاهم؟ قال نوح بنبرة اطمئنان وهو يحرك رأسه: _متقلقيش… مش عايزك تقلقي. هنوصل البيت بس… وهكلمك. إحنا قرّبنا أهو. خيم صمت ثقيل بينهما، وسكنت غادة تمامًا، لكن داخله كان يعجُّ بضجيجٍ لا يُحتمل. سكنت كأن شيئًا هائلًا يوشك أن يقع ولا تملك له استعدادًا. التوتر لم يبدُ على وجهها صريحًا، لكنه تفشى في أطرافها، والم معدتها وصعوبة انفاسها. حديث نوح المبهم جعل عقلها يضطرب كذلك بقية أعضاء جسدها، لم تكن تعلم هل هو الخوف، أم الأمل الذي لا تجرؤ على تصديقه، أم ذلك الفراغ المرير الذي اعتادت عليه حتى صار جزءًا من كيانها… والآن يبدو كأنه سيتغير. كانت تنتظر من نوح شيئًا… أي شيء يخفف هذا التشتت، لكنها لم تجرؤ على السؤال، من خشيتها من الإجابة. رغم ذلك، فهي لم تكن تعلم البتة أن تلك السيارة تمضي نحو أخيها بعينه، نحو مفترق يُرمم به قلبها الذي ظل معلقًا باسمه ثلاث عشرة سنة. وصلا إلى العمارة، وترجّلا من السيارة، وحين رأت غادة البناية قالت وهي تحاول كسر جليد قلبها المفزوع بمزاحٍ خفيف: _إيه دا؟! طلعت كنت قاعد في حتة حلوة والله، أنا جه في بالي إنك قاعد في عِشّة فوق السطوح مثلًا ولا حاجة... ضحك نوح وهو يضع يده على كتفها، يحيطها بذراعه برفق: _تعالي يا غادة... تعالي. دخلا العمارة وصعدا الدرج بخطى وصامتة، حتى وقفا أمام باب الشقة. أخرج نوح المفتاح، ثم توقف... توقف وقد ثقُلت يده؛ فما ينتظره خلف الباب يحتاج إلى أكثر من مجرد دوران مفتاح. تلبّك داخله، يحاول أن يبحث عن مقدمة، أو تمهيد لما سيقوله، شعرت غادة بقلقه، فسألته بصوتٍ يحمل نبرة ارتياب خفي: _إيه يا نوح؟ في حاجة؟ استنشق نوح نفسًا عميقًا، والتفت إليها بوجهٍ يملؤه الصدق، وقال دون مواربة: _غادة... أخوكي ورا الباب دا. تحجرت بالكامل في مكانها. حدّقت إليه، وكأن الكلمات التي تفوه بها للتو جاءت بلغةٍ صينية مثلًا، وعقلها عجز عن ترجمتها. ارتسمت على شفتيها ابتسامة مرتعشة، حاولت بها أن تنكر، أو على الأقل تؤجل التصديق: _مش... مش فاهمة قصدك؟ كررها نوح، بصوتٍ أكثر ثباتًا هذه المرة، ليحسم الأمر: _بقولك أخوكي جوا الشقة دي دلوقتي.... اتسعت مقلتيها وجحظت عيناها في صدمة، وخرج صوتها كهمسة مرتجفة تقول: _هو مين دا اللي جوا في الشقة؟ _أخوكي. _إبراهيم؟! _هو فيه غيره؟ احتدت سرعة أنفاسها، وانكمشت رئتيها بقساوة موجعة عن استيعاب هول اللحظة. بدأ قلبها يضرب بعنف جدران قفصها الصدري حتى شعرت أنه سيكسر كطائر مذعور في قفص مغلق، يتخبط بجنونٍ بين التصديق والإنكار. وارتجف جسدها بالكامل في ارتعاشة طفي تنبع من الأعماق، من جذر الذكرى القديمة التي ظلت تنزف بصمت لثلاثة عشر عامًا. هجم بجموح على روحها رغبة عارمة في البكاء، لكنها لم تقدر، مشاعرها مضطربة حدّ الشلل؛ فحسرتها القديمة تصطدم بعنف بأملٍ جديد لم تتخيل هيبته كذلك البتة. تراجعت خطوة إلى الوراء دون وعي، وضعت يدها على صدرها تحاول أن تمنع كسره من دقات قلبها العنيفة أو كي لا يسقط قبلها منها كما سقطت قدرتها على الكلام. _حاسة إن هيجيلي بانك اتاك والله. سرعان ما اقترب نوح منها، ووضع كفه على كتفها برفقٍ بالغ، وقال بصوته الرخيم: _لا يا غادة، مش هجيلك حاجة. اهدي، أنا معاكي، وكلنا معاكي، متخافيش من حاجة. كانت تسمع في داخلها صوت أخيها، صورة وجهه التي حفظتها كتمثالٍ في ذاكرتها، تبكيها ليلًا، وتُحدّثه في الظل، وتكتب له رسائل لم تُرسل أبدًا. الآن… هو ليس في حلم، ولا صورة، ولا قبر... إنه خلف هذا الباب. وبينها وبينه… فقط أمتار قليلة، وثلاثة عشر عامًا من الحنين، والانكسار، والانتظار. لم يعجبه نوح ما يحدث في غادة هكذا فجأة وهي لم ترَ أخيها بعد. فكرة وجوده بالقرب منها جعلتها تنهار، فاقترب منها أكثر، وصوته الرخيم ينساب إليها هادئًا، دافئًا، كنسمة في عزّ العاصفة: _غادة، بصيلي..، احنا مش هنخش خلاص، ولو عايزة نمشي هنمشي. حركت رأسها نافية بقوة: _لا، لا.. عايزة أشوفه.. عايزة أشوفه عشان خاطري، بس خليك جنبي، خليني ماسكة إيدك. _حاضر والله، بس عايزك تهدي خالص الأول..، لو عايزة تشوفيه حاولي تهدي، أنا قدامك أهو، أي حاجة عايزاها هعملهالك. هنا قررت غادة احتضانه وضمه بعمق، فإعتادت من يوم أن زارها في منزل عمتها وفي كل مرة هي تنهار فيها تستمد هدوءها وسكونها من عناق نوح، مرت دقيقة أو اثنتان بدا فيهما الزمن ساكنًا، ثم بدأت يداها المتشبثة به تهدآن، وانخفضت رعشة جسدها شيئًا فشيئًا، وانقشعت تلك الغمامة الكثيفة التي كانت تبتلعها. وحين شعرت أن روحها سكنت عن البلبلة، نظرت إليه وهي تقول: _نوح... خليك ماسك إيدي ومتسيبهاش خالص إلا لما أسيبها أنا تمام؟! _تمام، حاضر من عينيا... يلا بينا؟ _يلا... فتح نوح الباب، وخطت غادة إلى الأمام، متشبثة بذراعه، مثقلة الخطى، كأن روحها تزن أطنانًا، وقلبها يدق بعنف، حاملاً من الألم الذي نحت في روحها أخاديد عميقة كفأسٍ حادٍّ يشقّ الصخر وهي تنتظره يعود كل ليلة. كانت تعلم أنه هناك، خلف ذلك الجدار، لكنها لم تكن تعلم كيف سيكون، ولا كيف ستقاوم ثقل رؤيته بعد هذا الغياب الطويل. _دا صوت باب الشقة؟ سأل إبراهيم هاجر في تعجّب، إذ إن حيدر وهيثم وبلال قد عادوا بالفعل، فأجابته: _آه، تلاقيه نوح، متقلقش. تسلل صوته إلى أذني غادة، فشهقت شهقة مكتومة، وقبضت على يد نوح بقوة حتى كادت أظافرها تغرز في جلده. تباطأت خطواتها أكثر، كما لو أن قلبها يتوسل إليها أن تتراجع، أو تؤجل لحظة اللقاء. سارا معًا حتى مرا من عند مدخل غرفة المعيشة... وهنا... رأته. رأته جالسًا على الأريكة بشكلٍ طبيعي، بجانب هاجر... رأت إبراهيم حقًا. من هول الصدمة ارتخت عقدة حاجبيها، وجحظت عيناها حتى خُيّل للناظر أنهما ستخرجان من محجريهما، تجمدت مكانها، وانسلت يدها من يد نوح. شعرت أن العالم قد انكمش في لحظة، ولم يتبقَّ فيه سوى تلك الرؤية. كان جالسًا، منحنيًا بشكلٍ طفيف، كشجرة كسرتها العواصف لكنها ظلّت متجذّرة، كمعجزةٍ من الله. وجهه، الذي كانت تحفظ ملامحه عن ظهر قلب، قد شحب حتى صار كالرماد، جلده مشدود على عظام خديه. عيناه البنية الساحرة أصبحتا مبيضّتين، وسُلب منهما النور، لكن الجحيم الذي شاهده وأصبح يسكن خلفها لم يُسلب. شعره، الذي كان بنيًا كقهوة سمراء في فنجانٍ خزفي، قد غزته خيوط بيضاء كثيفة. جسده لم يكن هزيلًا، لكن ظهر عليه دليل دامغ على أن الحياة قد استنزفته حتى لم يتبقَّ منه سوى ظلٍّ باهتٍ للشاب الذي كان. رغم ما تبقى من صلابته، فإنها تحمل آثار أماكن قاسية مرّ بها، من جدران غرف التعذيب الباردة إلى الأغلال التي كبّلت روحه قبل جسده. حدّقت غادة فيه بعينين مشدوهتين جاحظتين لا تطرفان، في خشية أن يتلاشى إن أغمضتهما. فعقلها ما زال عاجزًا عن إقناعها وإقناع نفسه أن ما أمامها وما تعيشه حاليًا هو واقع بالفعل. الشاب البريء المتفائل تحوّل لرجلٍ أكل الزمان أطرافه وترك منه بقايا واهنة، نهشت جوهره ولفظته خاليًا إلا من الندوب. اجتاحتها الذكريات كسيلٍ عنيف، وعقلها يحاول عبثًا أن يجسر الهوة بين إبراهيم الماضي وإبراهيم الحاضر. صورته الحالية متآكلة، منطفئة، مأساوية، لا تشبه تلك الصورة التي نقشتها في ذاكرتها طوال سنين الغياب: وجهه الحبور حين يعلّمها السباحة، وعيناه الضاحكتان، قهقهاته، حين كانت تريه خطوات رقصاتها الجديدة الطفولية، ووجهه الصارم، ونبرته الحادة حين كان يتصدّى لكل ما قد يؤذيها، واقفًا كحائطٍ منيع في وجه الأبوين إن قصّرا معها، كأنما يعلن للعالم أن شقيقته، روحه الصغيرة، لا تُمس. كان صديقها الوحيد في عالمٍ لم يكن فيه لها أحد، يجلس معها يشاركها أحزانها، اهتماماتها، متعتها، يحكي لها كل ما تريد سماعه ويلعب معها كل لعبةٍ كانت تبتغيها، يضمها حتى يفيص قلبها الخائف دفئًا، يحملها على كتفيه، يبتاع لها الحلوى كلما عاد بها من المدرسة، لطالما شعرت أن العالم آمنٌ طالما هو موجود. لم يكن مجرد شقيق، بل كان ملاذها، عالمها، الإنسان الوحيد الذي جعلها تشعر أنها تستحق الحياة. ها هي تراه هكذا... محطمًا، كفيفًا، مسلوب الروح... انتفض قلبها وروحها بقهرٍ عظيم، كالنار تلتهم أحشاءها، القهر الذي تفجّر في روحها وهي تدرك ما فعلته به السنون، وما فعلته به الأيادي القاسية التي سلبته حريته ونوره وكرامته وشرفه. بركبتين مصطكّتين، وعيون تفيض بنظرات الحسرة والقهر العظيم، اقتربت منه رويدًا... وكل خطوة كانت تشتد ألمًا في صدرها، كأنها تقترب من جرحٍ مفتوح في قلبها ذاته. وعندما وقفت أمامه، بدا على إبراهيم الحيرة والارتباك من هذا الصمت المديد. وتحدث هنا متسائلًا عنه: _هاجر؟ لم تجيب هاجر حيث قد نهضت ووقف بجانب نوح بينما ساقا غادة لم تحتمل المزيد، فجثت على ركبتيها أمامه برفق، وهي تتأمل ملامحه، ولم تطرف عيناها حتى اللحظة. أنفاسها كانت متسارعة، متقطعة، وعيناها اغرورقتا بالدموع، لكن الصدمة كبحت انفجارها. أرادت أن تناديه، أن تخبره أنها هنا، أنها انتظرته لسنوات، أنها لم تنسه يومًا. الكلمات خانتها، تجمعت في حلقها كأحجار، وخلّفت غصةً شائكة تخنقها. مدت يدها نحوه بتردد، ووضعتها فوق كفّه بصمتٍ تام. أما إبراهيم، في ظلمته الخاصة، فقد ظل ساكنًا، غارقًا في صمته. لم يكن يرى دموعها، لم ير وجهها المنهار، ولا يدرك أن شقيقته، التي حملت روحه في قلبها ثلاث عشرة سنة، تقف على حافة الانهيار... على بُعد ذراعٍ فقط منه. لكنه كان يشعر... كان يشعر بكل شيء. شعر بثقل الهواء لحظة دخولها، سمع أنفاسها المتسارعة، سمع اجهاشها بالبكاء، سمع خطواتها المترددة... والأهم، أنه شعر بيدها على يده الآن. بدأت لحظة الاستيعاب تتغلغل إلى عقله لترتجف شفتيه بشكل طفيف وتزداد سرعة أنفاسه وهو يقول: _غ.. غادة...؟ لم تتحمّل غادة أكثر، فور أن سمعت صوته وهو يناديها، انفجرت باكية وهي تصيح، وتشبت بكفّه واقتربت أكثر وهي تقبّله بقوة، لتجحظ عيناه ويسحب يده بسرعة، وهو يقول في هلع وصدمة جعلته يجهش بالبكاء وهو يمد يده ليتحسس شعرها وملامحها: _غادة؟! غادة! دا انتِ؟! دا انتِ يا حبيبتي؟! قالت غادة وهي تنحب ودموعها تنهال بغزارة: _أنا يا إبراهيم، أنا يا حبيبي. ذرفت دموعه وهو يصيح باكيًا، جسده ينتفض: _لا لا لا... لا، مستحيل... لا... لا... جلس أرضًا أمامها وظل يتلمّس وجهها بأنامله المرتجفة، محاولا من التحسس استعادة ما سرقته السنون من عينيه. بأنفاسٍ متقطعة، مختنقة بالبكاء، وبجسدٍ ينتفض كورقةٍ في مهبّ عاصفة، قال مكررًا بنحيب: _نفسي أشوفك يا حبيبتي، نفسي أشوفك! انتِ كويسة؟! انتِ كويسة؟! قالت غادة وهي تضمه بقوة: _أنا كويسة يا حبيبي، كويسة. عندما ضمّته غادة، انفجر إبراهيم يصرخ باكيًا بكاءً لم يبكه أبدًا منذ موت إلياس، بكاءً يحمل ثلاث عشرة سنة من الجحيم، من التعذيب الذي كسر عظامه، من الإذلال الذي سحق كرامته، من التجويع الذي نهش جسده، من الإجهاد الذي أطفأ بخّر روحه. كان بكاؤه انهدامُ لرجلٍ كُسر ألف مرة ولم يسمح لنفسه بالسقوط، حتى أتت اللحظة التي عادت فيها روحه إلى صدره، فانهار. شهقاته المتتابعة كانت نحيبُ وصيحةُ سنواتٍ بأكملها، صيحة لكل ليلةٍ قضاها في زنزانةٍ باردة، لكل ضربةٍ وصعقةٍ تلقاها، لكل مرةٍ يرى فيها أرواح الأبرياء تُزهق في سبيل المتعة، لكل لحظةٍ ظن فيها أنه لن يرى غادة مرةً أخرى. أحاطها بذراعيه كالغريق حين يحيط بطوق نجاةٍ طفا فجأة في محيطٍ قاسٍ. غاص بين سحرها ونحرها راغبًا في أن يهرب من جحيم لا يريد أن يتذكره؛ فعظامه المُتهالكة لا تحتمل المزيد، وجسده كله يبحث عن ملاذ، عن لحظة لا يُساق فيها إلى زنزانة، لا يحمل فيها أشلاء أطفال، لا يُصفع، لا يتم يصعق، لا يُذل. صراخه الباكي يشقّ صدره كما لو أنه يلد ذاته من جديد. ففي حضن غادة وُلدت الحرية منه، ولم يعد هناك ما يكبح هذا الطوفان. سقط القناع الذي ارتداه طوال سنوات السجن والغياب، وظهرت هشاشته كاملة، طفل عاد من المنفى إلى حجر أمه، لكن بعد أن ابتلعت الوحوش نصف قلبه. _أنا تعبت أوي يا غادة، أنا اتبهدلت، أنا كنت في كابوس، كنت في كابوس يا غادة، كنت في كابوس! قالت غادة وهي تحاول أن تكبح انهيارها لتسانده، وهي تحسس على شعره وتطمئنه: _عارفة يا حبيبي، عارفة، خلاص، انت معانا دلوقتي، خلاص، انت بينا ومش هنسيبك أبدًا. لم يشعر إبراهيم بالحرية حين نزعوا عنه القيود، ولا حين خرج من أسوار المعتقل، بل لم يشعر بها حتى وهو يتنفس هواءً طلقًا للمرة الأولى بعد ثلاث عشرة سنة. الحرية لم تسكنه إلا الآن، في هذا الحضن، في رائحة غادة، في دفء صوتها وهي تهدّئه، بأنه ليس وحده، بأنه ما زال أخاها، وما زالت تحبه. ظلّ كل من نوح وهاجر واقفَين بجانب بعضيهما، ونظرات الأسى والشفقة والفرحة في آنٍ واحد تفيض من أعينهما، وحين لاحظ أن عيني هاجر مغرورقتان، وضع يده على كتفها وأحاطها بذراعه ليطمئنها ويسكن قلبها. استمر إبراهيم في البكاء كما لا يبكي الرجال، لأنه لم يعد بحاجة أن يكون قويًا. بكى لأنّ غادة سمحت له أخيرًا أن يكون ضعيفًا، أن يكون مكسورًا دون أن يُحاكَم، أن يُحبّ دون أن يُعاقَب. يبكي كالعائد من الحرب، لا لأنه نجا، بل لأنه يعرف أنه لن يكون كما كان، وأنّ ما فُقد لن يُستعاد، وأنّ ما انكسر بداخله لن يُجبره الزمن، ولكن حضن غادة، ولو للحظة، جعله يتمنى أن يعيش من جديد. أثناء ذلك، رن هاتف نوح، وكان حسين، حارس العمارة، فابتعد عنه ووقف في زاوية وأجاب: _ألو، خير يا حسين؟ _صاحب حضرتك يا أستاذ... اللي هو دكتور عمر، فيه حد جابه وهو شايله وحطّه في حوش العمارة، وبيقول إن بيته اتحرق وأهله ماتوا، وأنا هتصل بالإسعاف أهو، بس حبيت أقولك. عقد نوح حاجبيه في صدمة وقال: _حاضر استنى اجيلك الاول بعدين هطلبه، أنا جايلك أهو. يلا، سلام.                             *********** قبل هذا بساعة... _يا حبيبي خلينا نخرج بكرا طيب.. ارتاحنا يومين. _لا معلش يا حبيبتي، مش دلوقتي خالص، لسه عايز أتهنى بيكي وبالبيت. _طب افتح البلكونة على الأقل، نشم بيها أجواء العيد. _لا برضو، تاخدي برد، وإنتِ حامل، مناعتك ضعيفة. _إنت لسه مستوعب إني حامل دلوقتي؟! كان كل من شيماء وعمر جالسين سويًا ويتجادلان بتلك الطريقة بسبب حزم عمر غير المبرر في إبقاء شيماء أمام عينيه. ففي هذين اليومين، تقمّص عمر دور ظلّها الذي لا يفارقها أبدًا، يتبع خطاها، ولا يتركها وحدها لحظة، كأنما فُطر على حراستها. فمنذ أن رأى وسمع ذلك التهديد من صاحب القناع، تغذّى خوفه عليها، وسكنت الوساوس صدره بأن صاحب القناع قد يكون أقرب مما يظن، وبأن الخطر قد ينقضّ في أي حين. لازمها في كل مكان؛ في المطبخ، في الحمام، في الغرفة، وفي الشرفة التي لم يسمح لها حتى بفتح بابها. حتى في نومها، ظلّ ساهرًا يراقب تنفّسها، يعدّ أنفاسها، يطمئن إلى بقاء الحياة في وجهها، لا يطرف له جفن، وكأن عينه قد نذرت عمرها لحراستها. أصبح عمر مستعدًا أن يُلقي بنفسه في فم الموت إن كان في ذلك نجاة لها ولجنينها؛ فهو يراها وطنه، وهو الجندي الأخير على حدود هذا الوطن، لا يطلب راحة، ولا ينشد نومًا، بل كلّ ما يرجوه أن تمرّ الليالي دون أن يسمع صرخة فزع أو يرى دمعة خوف في عينيها. أثناء جلوسهما سويًا في غرفتهما يشاهدان فيلمًا ليحاول إسعادها، وهي لم تعترض، بل كانت متعجبة من سلوكه المربك، فجأة نهضت، فانتفض عمر وهو يقول: _رايحة فين؟! قالت شيماء في استياء: _رايحة الحمام يا عمر، بطل تخضني كده. قال متعجبًا وهو يداعبها: _إنتِ بتروحي الحمام كتير ليه كده؟ ابتسمت شيماء وهي تقول: _حامل بقا. _طيب ماشي. نهض عمر ووقف جوارها وهو يقول: _يلا بينا. حدّقت شيماء في عمر، وما زالت الحيرة تنهش عقلها، وقالت: _هتخش معايا برضو؟ قال عمر وهو يرفع منكبيه كما لو أن الأمر بديهي: _آه طبعًا هخش معاكي. ظلّت شيماء صامتة، تحاول أن تخفي امتعاضها، لا ترغب في زجره أو إزعاجه، فأتى في عقلها ألف مبرر، وقد تكون صحبه الجنون حين غاب عنها في هذه الأسابيع. اتّجها كلاهما للحمام، وظل معها حين كانت تقضي حاجتها، وبعدها انتهت وعادا لمشاهدة الفيلم. مرّ الوقت في سكينة، بدون أي أجواء موترة، حتى انتهى الفيلم، وقالت شيماء: _من أول ما جيت وانت ما سرّحتش شعري.. تحب تسرحه؟ ممكن يريح نفسيتك شوية ابتسم في حبور وهو يقول بتلهّف: _ياريت! نهضت وأمسكت بالمشط، وهو اعتدل في جلسته وجلست أمامه، فردّت شعرها إليه كشلالٍ أسود مسترسل، وفي دفءٍ عميق بدأ يمشّطه، وفي كل خصلة تُفكّ عقدتها، يشعر بأن عقده من روحه تنفكّ معها... في تلك اللحظة، نظرت شيماء إلى المرآة لتتجمّد تمامًا وتجحظ عيناها بفزعٍ عظيم، وهي تتمتم: _عمر... عمر.... ال.. ال... الراجل هنا... الراجل... انتفض عمر ونظر للمرآة، ليجد الرجل صاحب القناع واقفًا عند مدخل باب غرفتهم بثباتٍ مفزع، وفور أن التفت عمر إليه فجأة انطفأت الأضواء، وغرق في عتمةٍ تامة كمن ابتلعه الحوت. تشبّث عمر بشعر شيماء بأصابع مرتعشة، وحاول أن يتشبّث بها هي أيضًا، وأن يستبقيها، لكنه لم يجد سوى خصلاتها الباردة بين كفّيه، واختفت شيماء كأنها لم تكن، كأن الأرض ابتلعتها من دون وداع. انقضّ عليه الهلع بشراسة. قفز قلبه في صدره، وتسارعت أنفاسه حتى كادت تختنق في حلقه. _شيماء!!! شيماااء!!! انفجر صوته في العتمة وناداها بصوتٍ مشروخ كصرخة مذبوحة، ممزق بين الفزع والصدمة، لكن لم يجد إجابة سوى العتمة الموحشة، والصمت الثقيل، الخانق ككفنٍ أسود أطبق على روحه. نهض بسرعة كالمجنون وهو يمدّ يديه في الظلام المكفهر، عيناه جاحظتان، تحدّقان في اللاشيء علّهما تريان شيئًا... حتى لو علامة طفيفة تثبت أن شيماء بجواره. ظل يسير وهو يتحسّس الهواء بحثًا عنها، عن أي أثرٍ لدفئها، لكنّ الظلمة لم تمنحه إلا فراغًا باردًا. الفزع ينهش أحشاءه، كسكينٍ تدور في جوفه، ووساوسه التي طاردته منذ أيام تنفجر الآن كحقيقة قاسية دامية، ليصيح بارتجافة مأساوية في نبرته المختنقة: _شيماء، لو سمعاني ردي عليا!! روحتي فين؟؟ كان تردد صوته محدود وضعيف، كما لو أنه يصرخ داخل قبرٍ ضيق خانق يبتلع صداه. سارع خُطاه وبدأ يركض، يتعثر في الأثاث، يصطدم بالجدران، يداه تتقافزان وهما تبحثان عن مفتاح إضاءة، عن هاتفه، عن أي بصيص ضوء ينقذه من هذا القبر الحي. وأثناء ذلك، فجأة... سمعه. _إنت مفكّر يعني لما تفضل قاعد في بيتك هتبقى في أمان؟ إنه صوت صاحب القناع... ومن هول الصدمة، تجمّد عمر ولم ينبس، فأردف بقوله: _إيه رأيك بقى إني هاخد منك بيتك... والأمان! فجأة بعد تلك الجملة، لمح وميضًا بعيدًا، ضوءًا برتقاليًا يرقص في الظلام كعين شيطان. اندفع مسرعًا صوبه وقلبه تشتد دقاته كطبول الحرب، حتى أدرك أن الضوء ليس سوى نيرانٍ تتصاعد من غرفة المعيشة. توقّف بسرعة، وهو يشهد النيران تتراقص كأفاعٍ من جحيم، تلتهم الستائر، تتسلق الجدران، ودخان كثيف يملأ المكان برائحة الموت. ولكن ليس هذا ما شلّ أوصاله وجعله يتحجّر كتمثالٍ متحسّر مكسور؛ فبين هذا السعير، رأى ما سلب روحه قبل أن يسلب عقله... شيماء... جثتها معلّقة من السقف كدمية مكسورة، شعرها الأسود الكثيف، ذاك الذي كان يداعبه بأنامله قبل لحظات، قد تمّ قصّه تمامًا، ورُبط كحبلٍ غليظ يشدّ عنقها كمشنقة أُعدّت خصيصًا لإذلاله قبل أن تُميت قلبه. وجهها شاحب، عيناها جاحظتان، وبطنها الحامل... مفتوحة كجرح غائر، تنسدل منه المشيمة والحبل السري... والجنين غير موجود... في مشهدٍ يفوق كل كوابيس الدنيا التي قد يراها في عمره. الدم ينزف على الأرض بغزارة، يمتزج باللهب، يُغذي النار التي ازدادت توهّجًا، وكأنها تشرب من مأساته. والدخان... يلف المشهد كستارٍ من الجحيم، كثيفٌ، خانق، مرّ الطعم، كرائحة موت لا يُغتفر. أمسك عمر رأسه بكفّيه وهو يجذب شعره بقوة حتى كاد أن ينتزعه من فروة رأسه، وبدأ يصيح صيحات عظيمة لم يكن يعلم أن صدره قادرٌ عليها، صرخة مزقت حنجرته، وعيناه جاحظتان لا تتأثران بدخان النيران الملتهبة، فألم هذا المشهد المفجع أسوأ من ألم الحرق. ركبتاه خانتاه، فسقط على الأرض، عيناه مسمّرتان على الجثة، غير قادرٍ على تصديق ما يرى بين النيران التي تزمجر كوحشٍ جائع من حوله، والدخان يخنق رئتيه. أيقن أن عالمه قد انهار بالفعل، كل من حاول حمايته، كل ما حارب من أجله، قد تحوّل إلى رماد. شيماء، وطنه، حياته، جنينه الذي لم يرَ النور، كلهم الآن أصبحوا رمادًا يتطاير مع نيران الحسرة والقهر. نيران ذلك الرجل ذو القناع الملعون. مع هذا المشهد الشنيع، وعقله الذي تفتّت تحت وطأة صدمته النفسية، وكثافة الدخان والحرارة من حوله كمن دخل بوابة من جهنم، سقط وارتطم بالأرض الحارقة، وارتعاشاته الأخيرة تمرّ في عضلاته كأنها نحيب من الداخل. آخر ما رآه قبل أن يغرق في اللاوعي، كان وجه شيماء، معلّقًا بين النيران، كأنها تحدّق إليه، خُيّل له أنها تبكي... تذرف دمعة على ابنهما الذي لم يستطع حمايته، على حياة لم تكتمل، على حبٍ انتهى مشنوقًا بالحقد. وقبل أن يغوص في العدم، رأى ظلّ ساقين تقتربان منه. ظنّها النهاية. ظنّ أن صاحب القناع جاء ليحمل روحه إلى حيث لا رجعة. لكن حين اقترب أكثر، وحين انحنى ليحمله... رآه... كان أدهم. امتدّت يده إليه، قبل أن تغيب الرؤية، وقبل أن تُسدل الجفون ستارها الأخير، وروحه مستسلمة، لا للموت فقط... بل للخذلان، للجحيم، للعدم.                          ************ وعلى منتصف الليل، في منزل ديميت، بعد أن وضعت ريان في الفراش وظلّت بجانبه حتى استسلم للنوم، خرجت إلى الصالة بخطوات هادئة، لتجد سليم جالسًا هناك، وحده، والسكون يُطبق على المكان. كان وجهه متجهّمًا، وبصره شاردًا في الفراغ، كأنّ عينيه توقفتا عن رؤية ما حوله، وغاصتا في هاويةٍ لا قرار لها. اقتربت منه ديميت دون أن تنبس ببنت شفة، وجلست إلى جواره. وما إن أحسّ بها حتى مال بجسده تلقائيًا، كطفلٍ ضلّ طريقه طويلًا، وتوسّد فخذيها، كأنما وجد أخيرًا ملاذًا من العاصفة. مدّت يدها إلى شعره، وأخذت تمرر أصابعها برفق، بحنان الأم التي تعرف أنّ لا كلمات يمكن أن تُخفف هذا الألم، فاكتفت بالمواساة الصامتة، لعلّ في صمتها ما يُجبر الكسر. ظل متمسكًا طوال تلك الأيام، متماسكًا حدّ الجفاف، يقف شامخًا في وجه الانهيار كجبلٍ صخري. لكن ما إن لامست يد أمه رأسه، حتى تشقّق السد، وانهار ما خلفه. بدأ بالبكاء في هدوء... عبارة عن نحيبٍ مكبوت، مبحوح، موجوع، نابع من أعماق روحه، كأنّ كل أوجاع الدنيا تجمّعت في صدره وخرجت دفعةً واحدة. كان يختنق، يتلوّى من الداخل، والدموع تنهمر بصمت. يشعر بلوعةٍ لم يعرفها من قبل، وبقهرٍ يكاد يُمزّقه، كأنّ الموت حين اختار فريدة، اقتطع جزءًا من قلبه ورحل به. كانت أول مرة يتذوّق فيها طعم الفقد الحقيقي، الفقد الذي لا يُعَوّض، الذي لا يُرمَّم، الفقد الذي يتركك ناقصًا إلى الأبد. وقال هنا بصوتٍ متهدّج: _إيه الشعور دا يا ماما؟ إزاي نوح استحمله؟ إزاي مصطفى استحمله؟ إزاي علا استحملته؟ إزاي هاجر استحملته؟ إزاي عصام استحمله؟ إزاي الواحد استحمل يموت له أكتر من شخص عزيز وكمل حياته عادي؟! إزاي عملها؟! قالت ديميت في نبرةٍ متحسّرة: _الحياة مستمرة يا حبيبي... الأرض لسه بتدور... والنفس لسه بيخش رئتنا... مُجبرين على الاستمرار. وضعت ديميت كفها الأخرى على صدره، وهي تشعر بكل دمعة تنزلق من عينيه كأنها تمزّق قلبها هي. لم يكن سليم فقط من فقد فريدة، بل العالم كلّه صار أضيق، أبرد، أفرغ من بعدها. لكن ابنها... ابنها يتفتّت في حجرها، وعجزها عن حمايته ينهشها نهشًا. _لازم أَمنع دا... الخطر بيقرّب مننا أكتر وأكتر... مش هستحمل حد من إخواتي يموت، ولا إنتِ تموتي، ولا ريان... مش هستحمل... مستحيل أستحمل وأسيب حاجة زي دي تحصل! قالت ديميت برضا ممزوج بالاستسلام: _دا قدر ربنا يا حبيبي، اللي ربنا كاتب له يموت، هيموت... في تلك اللحظة، توقّفت دموع سليم، كما لو أن عقله انشغل في شيء أهم من البكاء. مسح دموعه بسرعة، وجلس وهو يقول: _بس السعي والدعاء بيغيّروا الأقدار. بعدها أمسك بالهاتف وهو يقول: _ربنا رزقنا بعلم عشان نحمي نفسنا ونطور حياتنا، مش عشان نإذي بيه الناس. نظرت ديميت له متعجبة بشكلٍ خفيف، لا تعلم ما الذي يخطط له. وهنا كتب سليم رسالة لغادة وأرسلها لها، وكان محتواها: «غادة، أنا عارف حوار الاستنساخ اللي اخترعتيه، وعارف إنك عاجزة إنك تستنسخي إنسان كامل عشان حوار الروح وكمية الأبموف الكتيرة. بكرا خلينا نقعد سوا نتكلم في الموضوع دا.. وأنا وإنتِ هنشوف أي وسيلة تخلينا ننجح في استنساخ البشر. مش هسيب الموضوع دا إلا لما نحققه!»                             *********** _الجنين اتسرق؟! إنت بتستهبل، صح؟ قالها سردار بصوتٍ زاجر، وهادئ في الوقت ذاته، وهو يُحدّث أحد أفراد عصابته في الهاتف بنظرة، ليجيبه الآخر بارتباك: _والله كان لسه مدخلها الحضّانة في المختبر بتاعك، وأول ما ظبّطت وضعها، وضمنت إنها هتعيش تمام، وكل حاجة... طلعت، مفيش خمس دقايق، دخلت ملقيتهاش! كان سردار واقفًا عند نافذة أحد منازله المؤقتة في مصر... منزل بدا وكأنه خرج لتوّه من ظلال الخفاء، تمامًا كصاحبه. بطريقة مريبة وسريعة، أصبح له إقامة في مصر، كأنّ الأرض فُرشت له سرًا، دون أن يُعلَن ذلك في أي وثيقة رسميّة. في تلك اللحظة، لم يكن يرتدي قناعه الجزئي الأسود المعتاد، ذلك القناع الذي يُواجه به الجميع، حتى نور الديب نفسه. وبينما كان يستمع لمساعده المشؤوم، التفت بنظرة خاطفة نحو النافذة... ليقع بصره على مشهد أربك السكون من حوله، ولكن لم يُربكه شخصيًا. كان أدهم واقفًا فوق أحد أسطح البنايات المقابلة، يُحدّق فيه بابتسامةٍ خبيثة؛ مزيج من شماتة، واستخفاف، وسخرية، كمن يلوح بنصرٍ خفي. ظلّ سردار يحدق فيه ببرود، وتحدٍّ، ولا مبالاة، وأيقن في لحظتها أنّ من سرق الجنين هو أدهم، ذلك الرجل السريع في كلّ مهامه إلى حدٍّ مُرعب. هنا قال أدهم، كمن يُحدّث نفسه: _دا بقى وشك من غير ماسك؟... والله ومقلبتهم يا... قبل أن يُتمّ جملته، ظهر رفاييل بجواره بخطواتٍ ساكنة، كأنه شبح ناصع البياض، كبشرته وشعره، يخرج من بين ظلمات الليل، وهو يقول لأدهم: _حالتها مستقرة دلوقتي في الحضّانة عايشة. _حالتها؟ _آه، طلعت بنت. ارتسمت على وجه أدهم ابتسامة اتسعت بهدوء، ثم سار مبتعدًا ببطء، ورفاييل يسير إلى جواره كظلّه المُلاصق، بينما أدهم يتساءل وهو ينظر للبعيد: _يا ترى هتبقى جميلة زي أبوها لما تكبر؟ قال رفاييل بجموده المعتاد: _مظنش إنك هتكون عايش لحدّ ما هي تكبر أصلًا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة