قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١

قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١

37 0

١٠١ . . . . سنة ٢٠٠٠ استكمالًا لماضي ليلى وعند مشهدها هي وأدهم حين كانت جالسة في الغرفة المخصصة له وأعطته قطعة حلوى، وسألته: _أنت حاسس بإيه دلوقتي؟ في حاجة بتوجعك؟ سكت أدهم برهة، ثم قال: _كنت بحس بوجع زمان، بس دلوقتي... لا. سؤال غريب بصراحة، لأنهم أكيد عرفوكي إني مش إنسان عادي عشان أحس بوجع، أنا غريب... مسخ. لم تتحمل ليلى أن ترى هذا الانكسار في فتى صغير مثله؛ ففتاة مثلها لديها أخ في الثامنة عشرة، وهذا الذي أمامها مراهق لا حول له ولا قوة، يصغره بأربعة أعوام. حين تخيّلت وائل مكانه، لم تتحمّل الفكرة أبدًا. بحركة أخوية عفوية رؤوفة، تحسّست شعر أدهم وقالت بصوت دافئ: _أنت بالنسبالي إنسان عادي. سكنت ملامح أدهم للحظة، وكأن عقله يحاول استيعاب الكلمات التي سمعها، كأنها لغة جديدة لم يألفها من قبل. اتّسعت عيناه، واهتزّ جفناه في ارتباكٍ مكبوت. لو كانت قالت له إنه قوي، أو مختلف، أو حتى مسخ كما اعتاد أن يُنعَت، لما اهتزت نفسه بهذا الشكل. لكنه الآن، ولأول مرة، يسمع من شخصٍ آخر نقيض كل ما قيل له طيلة حياته. _بروفيسور ليلى... جاء صوت من خلفها، نبرته هادئة لكنها تحمل سخطًا مكبوتًا. التفتت بسرعة، لتجد ماثيو واقفًا عند مدخل الباب يحدثها بالانجليزية بلهجته الفرنسية: _هل يمكن أن تأتي من فضلك؟ نهضت ليلى واقتربت منه بحذر، لم تكن خائفة، لكن القلق تسرّب إليها. خرجا معًا إلى الممر، وحين استدار نحوها، قال بصوتٍ منخفضٍ مشوبٍ بالحدّة: _سمعت عن إنسانيتك العارمة وانجذابك الشديد لتحرير هذا الفتى. قطب جبينها بدهشة، وقالت: _سمعت من مين يعني؟ _ليس هذا ما يهمك، ما يهمك أنني حدّدت لكِ مهمة ستكونين مُجبرة على القيام بها، ولن يكون لديكِ حرية الرفض... ظلّت ليلى تُحدق فيه ممتعضة، وأحكمت نظراتها المستنكرة، وتمعّر وجهها بينما قال لها: _اتبعيني إذا سمحتِ... شريكاكِ في الانتظار. استدار ماثيو بخُطى واثقة، وسارت خلفه ليلى بخُطًى مترددة يكسوها التوجّس والضيق، حتى وصلا إلى مكتبه، حيث كان كلّ من يوسف وسردار في انتظارهما. تقدمت ليلى لتقف إلى جانبهما، فمال يوسف نحوها وهمس: _إيه اللي خلاكي تروحي لأدهم بالشكل دا؟ نهرته هامسة، دون أن تحيد بنظراتها عن ماثيو: _اسكت.. وقف ماثيو أمام مكتبه، وفتح أحد الملفات، وأخذ يقلّب صفحاته، ثم قال بنبرة هادئة لكنها تُنذر بثقلٍ قادم: _لقد بدا على صديقك يوسف اهتمام بالغ بشأن الملوك السبعة، وكذلك سردار، الذي قرر أن يشارك في بحثٍ معمّق مع يوسف. وقد أعجبتني تلك الحماسة التي أظهراها، ولذلك قررت أن أستعملكم في التجارب المتعلّقة بهذا الموضوع... وكلاهما قد أبدى موافقته. تقطّبت ملامح ليلى، واتسعت عيناها في ذهولٍ شديد، وهي تنقل بصرها بين زميليها، في محاولة لفهم خيانة لم تكن تتوقعها. لكنه تابع دون اكتراث: _لا داعي للدهشة إلى هذا الحد... فسيكون لكِ دور أيضًا. قالت بانفعال: _دور إيه؟ أنا مش سامحة إنك تعمل تجارب عليا! فأجابها، ببروده المعتاد: _للأسف يا ليلى، ليس لكِ حرية الاختيار... هذا واقع ينبغي أن تقبليه، ما دام شريكاكِ قد وافقا، فلا مشكلة. صاحت ليلى باعتراضٍ قاطع، وقد علت نبرتها بالغضب: _أنا مالي أنا هما وافقوا ولا لأ؟ أنا مش موافقة!!! سكت ماثيو برهة، ثم قال بنبرةٍ تقطر استعلاءً: _منذ متى كان للنساء خيار فيما يحدث لأجسادهن؟ رمقته ليلى بنظرة احتقارٍ حادة، قبل أن تعود بنظرها إلى زميليها، اللذين تخلّيا عنها بخنوعٍ مخزٍ. ثم أردف ماثيو: _يوسف أو سردار، أحدهما سيكون البوابة القادمة التي ستُعيننا على الوصول إلى الملوك الستة الباقين، ذلك لأن التعامل مع أدهم قد أصبح بالغ الصعوبة، مما يحول دون الاتصال بروح قوته. لذا، سيتطوّع أحد رفاقك ليكون البوابة الجديدة، وهو ما سيساعدنا في الوصول إلى الملك الأعظم، الذي أطمح إلى الإمساك به. لقد أخبرني روح قوة أدهم بأن هذا الملك بالتحديد هو "أبو الملوك"، المتحكّم بهم قبل أن يكونوا ملوكًا، وقوّته تفوق قواهم مجتمعين، إذ يتفرّد بعظمةٍ لا تُضاهى. توقف ماثيو لبرهة، ثم استأنف حديثه بنبرة مثقلة بالهدف والنية: _الإمساك بهذا الملك أمر شبه مستحيل، ولذلك علينا التقاط كل شظيّة من روحه شيئًا فشيئًا، بمساعدة البوابة التي ستكون إمّا يوسف أو سردار... وبرَحِم... قالت ليلى بدهشة: _رحم؟ _زرع قوة وروح هذا الملك فجأة في جسد إنسان سيؤدي إلى وفاته، إذ لن يحتمل تلك القوة، لكن إن زُرعت تدريجيًا في بويضة مُخصّبة، وبدأ الجنين باستمداد تلك القوة على مراحل، فإن الجسد حينها سيتكيّف معها. بيد أن ثمّة شرطًا آخر، وهو أن القوة لن تستقر وتعمل إلا إذا تمّ تلقيح تلك البويضة بجينات أدهم، ذلك أن جيناته قد تغيّرت كليًا، وأصبحت انعكاسًا للكائن الذي يسكنه. إن جيناته كنز دفين، وكل من يشترك فيها ستنتقل إليه أرواح القوى بسلاسة، دون الحاجة إلى جراحة أو تقنيات حديثة. في تلك اللحظة، أدركت ليلى مقصد ماثيو بالكامل... لقد أراد أن يجعلها الحاضنة لصاحب هذه القوة، وأن تُلقَّح بجينات أدهم. لكنه استأنف الحديث دون أن يترك لها فرصة للاعتراض: _لكن، قبل أن يتم تلقيحك، سأمنحك قائمة طويلة من المواد، ستقومين بحقن نفسك بها وتناولها على مدار عامٍ كامل، لتُهيّئي رحمك لهذا الحدث الجلل. قالت ليلى باحتجاج: _وليه اخترتني أنا؟ ما ممكن تختار أي بنت تانية؟ فأجاب، وعيناه تلمعان بتصميمٍ بارد: _لأنك لا تملكين عقلية الفتاة العادية. أنتِ عالِمة... تلتزمين بالجدول... لن تأبهي للألم... لن تعبئي بنظرة المجتمع لكِ... وستسعين لأن تكوني مهد أعظم ابتكارٍ بشري عرفه التاريخ، وأخطر سلاح بشري تم صناعته على الإطلاق. في تلك اللحظة، شعرت ليلى بأن حضورها كتمثالٍ من زمنٍ غابر، لا تنتمي إلى الحاضر، ولا تجد سبيلًا إلى المستقبل. كانت عيناها ثابتتين، تحدقان في الفراغ الممتد، في الواقع الذي انهار أمامها كجبلٍ من رمال، اجتاحته موجة خيانةٍ لا رحمة فيها. اتفاقهم الثلاثة دون رجعة لها، ودون الاكتراث لرفضها أو موافقتها، جعلها توقن أنها لم تعد امرأةً في أنظارهم، ولا حتى كائنًا بشريًا، بل حقلًا للتجربة، وعاءً يُملأ، ثم يُراق، ثم يُنسى. هي التي قضت عمرها تركض خلف النور، تحمل شعلة العلم في وجه عتمات الجهل، تؤمن أن المعرفة طريق الخلاص، وأن الجسد البشري حرمٌ لا يُمسّ دون إذن الروح. كانت تطمح إلى أن تداوي، أن تفكّ ألغاز الأمراض، أن تترك في هذا العالم أثرًا يشبه البلسم، لا أن تكون بوّابةً يمرّ منها جنون السلطة ومكر الطغيان. ليلى التي كانت تحلم بإنقاذ البشرية، أصبحت فجأةً ممرًّا لصياغة وحشٍ جديد، سلاحٍ يتغذّى من رحمها، لا من حلمها. انقلبت معاييرها دفعةً واحدة، وتداخلت المبادئ بالنوايا، حتى باتت لا تعرف.. أتثور أم تستسلم؟ أتُقاوم هذا الاستلاب لجسدها وعقلها، أم تتقمّص دور المنقذة، ولو في أعتى صوره انحرافًا؟ أتهرب أم ترى خطةً أخرى للملاذ؟ لم تكن تتوقع أن تُخدع بلغتها المفضلة والخاصة... لغة العلم، لغة البحث والاكتشاف. وهنا كان الوجع أكثر عمقًا، لأن الطعنة لم تأتِ من عدوٍّ جاهل، بل من رفاق الحلم الذين استبدلوا البوصلة، وباعوا الإيمان الأول لقاء وهمٍ اسمه القوة. وفي داخلها، كانت ريح هادرة تهدم مباني الثقة، وتكنس رماد ما تبقى من سذاجةٍ إنسانية.. وفي تلك اللحظة، بدأ شيء جديد يتكوّن... شيء لا يشبه ليلى السابقة، بل نسخةً أكثر إدراكًا لظلمة العالم، وأكثر وعيًا بحدود الرحمة في عقول الساعين إلى الخلود. وهكذا، وسط حطام قناعاتها، لم تعد تنتظر النجاة، بل قررت أن تصنعها لأن ثمن السكوت أصبح أفدح من ثمن المقاومة... في لحظة الانكسار تلك، لم تتّخذ قرارها بعقلٍ منفعل، بل بقلبٍ أنضجته الخيبة. وفي صباح ذلك اليوم، في مختبرٍ لم يعد العلم فيه طُهرًا، بل ستارًا لما وراءه من خطايا مُنمّقة. بدأت سلسلة التجارب تحت إشراف ماثيو، الذي كان يخطو بين أجهزته كقسٍّ حديث يتلو تعاويذ علمانية، لا يسجد للرحمة، ولا يؤمن إلا بما يُنتجه الخوف والطموح الجامح. كانت يده تمسك بالأوراق، وعيناه لا تنظران في الوجوه، بل تتفحصان الأرقام، وتفتشان عن إشارات الحياة كما يفتش صياد عن أثر فريسته. وُضع كلّ من ليلى ويوسف وسردار منذ الصباح تحت سلسلة من الفحوص الجينية الدقيقة، أُخذت منهم عينات لا تُعدّ، وتم تحليل تكوينهم الخلوي بكل ما في العلم من شراسةٍ محايدة. تم تفكيك كل ما فيهم: الدم، والأنسجة، والنبض، وحتى بصمات الصمت الكامنة في خلاياهم. كان اليوم أشبه بطقسٍ قاسٍ يُعدهم لتجسيد نبوءة تفتح أبوابًا خلفها الجحيم. وبخصوص ليلى، فقد تلقت تعليمات ماثيو المكتوبة بإحكامٍ جاف، تتضمن نظامًا دوائيًا معقّدًا، جرعات من مواد كيميائية تم اختيارها بدقة مفرطة لتعيد تشكيل بيئتها الداخلية، وتجعل من رحمها أرضًا خصبة لقوةٍ غير بشرية. كانت تعلم أن كل جرعةٍ تتناولها، تنتزع منها شيئًا من إنسانيتها، وتزرع فيها بذرًا مجهولًا، لا تدري أهو مجد أم لعنة... وكانت تعرف، ببصيرةٍ لا تزال تسكن بقاياها، أن تلك التهيئة الجسدية ليست سوى الوجه الأول لتحولٍ أشد خطورة... تحول نفسي، تتراكم فيه التنازلات، ويتآكل فيه الجزء الذي كان يرفض. على مدار اليوم، تنقلت بين الغرف: غرفة الفحص، غرفة الأشعة، غرفة التنقيح الجيني، ثم غرفة العزل، حيث كانت تُترَك لساعاتٍ طويلة تحت مراقبة صارمة، في صمتٍ يشي بأن ما يُزرَع فيها لا يعود إليها وحدها، بل هو ميراث قادم لحقبةٍ كاملة من الظلام المتحضّر. وفي حين كان الآخرون، يوسف وسردار، يجرون تجارب أخرى أشبه بالتقاطع مع قوى ما وراء الطبيعة، كان ماثيو يفرغ جهده في جعل ليلى "الوعاء"، ذلك المصطلح الذي بدأ يتكرر في تقاريره، والذي يُلخّص كل شيء؛ فهي لم تعد عالمة، لم تعد شخصًا، بل وسيلة مُهندسة، منتجًا في طور التصنيع. وبعد هذا اليوم المرهق، أخبرها ماثيو أنها ستعود إلى مصر في الصباح التالي، وجلست ليلى في غرفتها، يلفها صمت كثيف لا تقطعه إلا همسات أجهزة المراقبة، وشعرت بجسدها يُثقل، لا من التعب فقط، بل من الإدراك... الإدراك بأن الغد لن يعود يشبه الأمس، وأنها تُقاد إلى مصير لا فكاك منه، بوعيها الكامل. جلست ليلى في هذا الوضع الرمادي لمدة سنتين كاملتين، لا هي حيّة كما أرادت، ولا ميتة كما تمنت في لحظات ضعفها العميقة، كانت خلالها تتبع بدقة التعليمات التي أُملِيَت عليها: تحقن نفسها، تتجرّع المواد الغريبة، وتخضع للفحوص والتعديلات بلا سؤال. عامان من الانضباط القاسي، تقيم في مصر وتنفذ ما أُملي عليها ثم تسافر إلى فرنسا لتستكمل الفحوصات، عامان من العزلة الممنهجة رغم تفوقها في مجالها واستمرارها فيه، عامان من إعادة تشكيل ذاتها قطعةً قطعة، رغم نظرة الناس لها بأنها فخر لمصر والجوائز العلمية التي اكتظت بها غرفتها. رغم بقاء عبقريتها واستمرارها في المجال والتفوق فيه حتى في ظروفها الحالية... لكنها لم تعد ترى في انعكاس المرآة ملامح ليلى العالمة، بل صورة أنثى حُوّلت بعلمها إلى وعاءٍ لقوةٍ غامضة. لكن بين هذا الخضوع الظاهري، كانت نيران أخرى تتقد في أعماق ليلى، جمرة لم تخبُ رغم قسوة العامين، ولم تنطفئ تحت ثقل الحقن والتجارب. كانت تراقب ماثيو بصمتٍ بارد، تدرسه كما يدرسها، وتجمع شظايا خططه لتعيد ترتيبها في عقلها، لا بصفته سيد اللعبة، بل بوصفه أعمى عن ثغراتها. ومن بين كل حلقات هذا المخطط، كانت تعرف أن العنصر الذي لا يمكن استنساخه ولا السيطرة عليه بسهولة هو أدهم. وهنا بزغت في ذهنها الخطة... خطة لا تحتاج إلى أسلحة، ولا مقاومة مباشرة قد تهدد عائلتها، بل تحتاج إلى كلمة، معلومة صغيرة تُغرس في عقل أدهم كزرعٍ خفي، فتوقظه على حقيقةٍ لم يعِها بعد: أنه يستطيع أن يتحكم بالآخرين، أنه قادر على كسر الحصار والهروب من قبضة ماثيو بلا قيد وبلا مجهود، وإن وصل إلى هذه القناعة، فلن يستسلم، ولن يُسحب منه جينات... وبها سينهار مخطط ماثيو في صمت. وكان ذلك أمل ليلى الوحيد... أن تُنقذ نفسها، وتُنقذ العالم، وتُنقذ جنينًا مستقبليًا، إن كُتب له أن يُخلق في ظل هذه الخطة، فلن يذوق من الحياة سوى الجحيم. وفي إحدى زياراتها لمختبر ماثيو في فرنسا، اغتنمت الفرصة مجددًا لتتوجه إلى أدهم، الذي كانت تشارك في تجاربه منذ سنوات، بصحبة يوسف وسردار. سارت بخطى واثقة نحو المبنى الذي كان يقيم فيه؛ ذلك المبنى المنعزل، الذي انفصل حراسه وموظفوه عن أي تطورات في سائر المنشآت، لما يحتويه من تجارب بالغة الوحشية، منزوعة عن كل معايير الإنسانية. ولأنه كان كذلك، فقد سُمح للحراس أن يفتحوا لها الطريق من جديد، فدخلت على أدهم للمرة الثانية. كان على حاله، كما تركته آخر مرة. وما إن رآها تدخل حتى نظر إليها نظرة باردة، غير أنّ تلك النظرة لم تخلُ من لمحة سرورٍ خفية لا تكاد تُرى. أغلقت الباب خلفها وقالت: _ادهم.. فايق نتكلم سوا؟ قال أدهم دون أن يبتسم أو يُبدي أي تعبير، مكتفيًا بلمعانٍ خافت في عينيه، لم يكن سوى انعكاسٍ صامت لحبه لها: _ا.. آه، أنا فرحان أوي إنك زورتيني تاني... اقتربت منه بخطى هادئة وقالت: _على كده... أنا لو قلتلك أي حاجة، هتصدقني فيها؟ تردد أدهم قليلًا، ثم أجاب: _معرفش... انتِ زيهم وأكيد هتستغليني. _لا يا حبيبي والله... انت عارف إني بعمل كده غصب عني. غرق أدهم في صمته من جديد، ثم قال بعد لحظة: _طب عايزة تقولي ليه؟ تنهدت ليلى استعدادًا لما ستقوله، ولِما قد يحدث بعده، ثم قالت: _مش ملاحظ إن معظم اللي كانوا بيعملوا عليك تجارب مابقوش يجولك؟ وبقوا مش عارفين يعملولك حاجة؟ صمت أدهم قليلًا، كمن يفكر في ما لم يخطر على باله من قبل، ثم قال: _آه... ملاحظ. _ده عشان انت بتتحكم فيهم يا أدهم، الكائن اللي زرعوه جواك ده بيعرف يتحكم في الإرادة ووعي الشخص، انت رغبتك هي إنهم ميقربوش منك، بالتالي هم ماقربوش منك... رغبتك هي اللي بتتحكم في إرادتهم وتصرفاتهم! وكما في كل مرة كانت ليلى تحدثه، كان وقع كلماتها على أدهم كوقع الزلزلة؛ إذ كلما تفوهت بكلمة، تفتّحت في داخله مشاعر وأفكار لم يسبق له أن عرفها خلال ستة عشر عامًا من عمره، وكأن الزمن قد احتجز عنه كل إحساس إلا في حضرتها. نهض من مكانه وتقدّم ببطء نحوها… وبرغم صغر سنه، فقد كان يفوقها طولًا بمسافة ملحوظة. خطا نحوها وهو يحاول أن يستوعب حديثها، متأمّلًا ملامح وجهها الجادة التي لا تشي بكذب، بل تومئ إلى يقينٍ غامض. كان في حيرة عميقة، ثم قال وكأن كلماته ليست ردًا مباشرًا، بل بحثًا عن تفسيرٍ لما بداخله: _دايمًا بسمع صوت في ودني، حد بيقولي بص في عينيك... بسمعه كل ليلة بيكلمني... وساعات بشوف ضله الغريب في الأوضة دي... مرة أسمع صوته... ومرة أسمع صوت دق على الإزاز... هو ده الكائن اللي جوايا؟ _أيوه هو... احتمال بيقولك بص في عينك يعني تبص على انعكاس ليك زي المراية كده عشان تتواصل معاه ويفهمك قدرتك... ممكن الانعكاسات تكون وسيلة للتواصل بين كائنات مجهولة... فلو مش مصدقني... ابقى بص على انعكاس الإزاز اللي في أوضتك... ممكن تفهم. ثم التفتت بسرعة، قبل أن تتورط بما لا تُطيق احتماله، وخرجت، تاركة أدهم غارقًا في حيرته، حائرًا بين تصديقها وتكذيبها. ثم التفت أدهم ببطء نحو الزجاج، يُحدّق في انعكاسه بعمقٍ متوتر… ومن تلك اللحظة، بدأت أكثر الحِقَب التاريخية تعقيدًا وظلمةً في تاريخ البشرية… وفي هذا الصباح، عادت ليلى إلى مصر. ولم تكد تمضي سوى أسبوعين على استقرارها وترقبها لنتيجة ما قالته لأدهم، حتى أتى اليوم الذي كانت فيه في المختبر المصري، حين دخل يوسف بخطاه السريعة المألوفة إليها، يحمل في ملامحه امتعاضًا خفيفًا يدلّ على خبرٍ لم يكن في الحسبان. أدهم داغر... فرّ. الرجل الذي كان يُفترض أن يبقى خلف الجدران، تحت السيطرة، في قبضة النظام الحديدي لماثيو... الرجل الذي كانوا يعتبرونه شبحًا، مخلوقًا لا يجب أن يتحرك أو يتنفس خارج حدود الزجاج المعقّم... قد تحرّر. وكانت المفاجأة التي جلبها يوسف بمثابة نافذة حرّرتها من خوفها الصامت، من مراقبتها الدائمة... وتنفست ليلى الصعداء كما لم تفعل منذ أعوام، وسادها شعور بالطمأنينة العميقة. ظنّت، بل صدقت، أنها استردت حريتها أخيرًا؛ فماثيو انشغل بالهروب المروّع، وصار تركيزه منصبًّا على استرجاع السيطرة، وكذلك يوسف وسردار أصبحا هما محور تعقب ماثيو الجديد. ووسط كل ذلك، استطاعت ليلى أن تسير على خُطاها الخاصة، بعيدًا عن الدوائر المظلمة التي ابتلعتها لسنوات. لكن الحرية التي ظنت أنها بلغت ضفافها، لم تكن إلا سرابًا بعيدًا؛ فبعد خمس سنوات، غيرت الأخبار وجهها، وتبدلت نبرة الروايات، لتصبح الجرائم المتناثرة على خريطة العالم خيوطًا تلتف حول اسمٍ واحد: أدهم داغر. لم يكن حديث الصحف عن قاتل مأجور أو مجرم متسلسل من طراز معتاد، بل عن كائن خرج من الجحيم، يلتهم المدن بلا صوت، ويزرع الرعب في صدور الشعوب، كما لو أن كل ضحية له تعني شيئًا خاصًّا في معركته مع العالم. ومع كل خبر جديد، كانت ليلى تشعر بانقباض خفيّ يتسلل إليها، ينمو داخلها كورمٍ خبيث لا يمكن استئصاله. وكان الذنب كصخرة شائكة تجثم على صدرها...كيف لم ترَه؟ كيف لم تستشعر هذا الظلام المتربّص في قلبه حين كانت قريبةً منه؟ كيف غفلت عن نظراته التي لم تكن مجرّد شتات إنسانٍ محطم؟ لم يكن أدهم مجرّد رجلٍ هرب... كان لعنة أُطلقت في زمنٍ غفلت فيه هي عن رؤيتها. وفي إحدى تلك الليالي التي تآمرت فيها الظلمة مع الذنب، كانت ليلى مستلقية على فراشها، تتقلب بين الوسائد تسعى إلى خلاص لا يأتي، تحاول عبثًا أن تغفو، بينما عقلها يعتصره سيل من الأفكار الشائكة، يغزل خيوط الذكرى بالندم، ويحيك لها ثوبًا من الكدر لا يُخلع. ارتعشت أفكارها في عتمة الغرفة، واختنق صدرها بضيقٍ لا يشرحه سوى من تجرّع الإثم دون أن يشارك في صناعته. وفجأة، انشقّ الصمت بصوتٍ خافتٍ على الشرفة، اتسعت عيناها، وانفجرت جفونها بالتحديق نحو الظل الذي تسرّب من الزجاج. وفي اللحظة التي كانت فيها لا تزال تتلمس الخيط الفاصل بين الواقع والوهم... رأته. أدهم... يدخل غرفتها بجسده الكامل، كما لو لم تبتلعه السنوات الخمس الماضية، كما لو لم يكن شبحًا تطارده الحكومات، أو لعنة تجوب الخرائط العالمية. كان واقفًا أمامها، بذات النظرات الصلبة التي حفرتها ذاكرتها، يحدّق فيها بثباتٍ أربك كل خلية في جسدها، وكأن الزمن لم يمسّه. شهقت ليلى شهقة مختنقة، وتقلص جسدها تحت الغطاء، تحتمي منه كما تتحصّن المدن القديمة بأسوارها أمام غزوٍ مباغت. ولشدة هلعها، انعقد لسانها، وتجمد عقلها، وعجزت عن فهم كيف وصل، ولماذا هو هنا. كان قد اخترق المستحيل ليكون في مواجهتها... في قلب حجرتها. رفع أدهم يديه في إشارة تهدئة، وهو يتقدم كأنما اعتاد هذا المشهد من قبل. وببرودٍ يجلّ عن الوصف، قال بنبرةٍ لم تحتوِ من الرهبة شيئًا: _اهدي اهدي... مالك خوفتي كدة ليه؟ ولأن سؤاله كان من الغباء بحيث لم يُدرك حجم الزلزال الذي أحدثه في كيانها، لم تجد ليلى ردًّا، فاكتفى بأن يردف بجملةٍ أكثر جنونًا، وأكثر نزعًا للعقل: _أنا مش هقتلك... أنا بس حبيت أشوفك لأنك وحشتيني أوي. قالت ليلى بصوتها المتهدّج خرج صارمًا رغم ارتعاشه: _أدهم... اطلع بره... سيبني في حالي... انت ليه رجعت... اطلع بره. لكن أدهم، كما اعتاد التعدي على حدود المعقول، لم يتراجع، بل تقدم نحوها، وعيناه تقرآن ملامحها الممتعضة ويترجم وجعها إلى كلمات لا ينوي احترامها، وقال: _مالك طيب، اهدي... أنا جيت أشوفك بس... أكيد مش هدخل من باب الشقة يعني... وحين ضاق ذرعها، وتلبّسها السخط والغضب من بروده واختراقه السافر لواقعها، انفجرت فجأة، وبصوتٍ هستيري ممزوج بالحيرة والإنكار: _انت عايز إيه؟؟!! عايز إيه؟؟؟!! عاايز إيه؟؟؟!! لكن جنونه، كما هو حاله، كان أكبر من أن يتأثر بحدّة صوتها، فمال برأسه قليلاً وقال: _ما تعليش صوتك لحسن أخوكي ولا أمك يسمعوكي... ثم جلس على طرف السرير أمامها، كأنه صاحب الدار، يبتسم ببراءة قاتلٍ مغموسٍ بالدماء، وقال بهدوء وجنونٍ لا يخلو من صراحة مروعة: _النهاردة لما بصيت على نفسي في المراية حسيت إني كبرت كفاية... واستوعبت إني تميت الـ٢١. وكانت ليلى لا تزال تحدق فيه، راغبةً في أن تفقأ عينيها كي تتأكد أنه ليس كابوسًا. ثم قالت، بصوتٍ مشبع بالرفض والوجع: _وبعدين؟ قالها هو ببساطة مرعبة: _قولت أجي بقى عشان نتجوز وكده... ظلّت عيناها متحجرتين على وجهه من شدة صدمتها، ثم حركت رأسها نافيةً، محاولةً أن تنفي كل ما يحدث، بعدها وثبت بسرعة، كمن ينجو من نار، واندفعت نحو باب غرفتها لتهرب، لكن أدهم لحق بها وأمسك بذراعها، وصوته المتيبّس بالحيرة يُلهث: _إنتِ رايحة فين؟! ارتعش صوتها وهي تحاول أن تُبقي العقل حاضرًا في حضرة جنونه: _أدهم... اللي بتقوله ده مينفعش... واللي بتعمله ده مينفعش... ممكن نصلح الأمور سوا. لكن نبرته ازدادت حدّة، وصوته انغمس في رفضٍ وحيرة: _أمور إيه دي اللي تتصلح؟ _أدهم، انت في حالة مش مظبوطة... أنا مراعية إنك ممكن تكون بتنتقم من العالم بسبب اللي حصلك... ومراعية إن أنا أول بنت شوفتها في حياتك، عشان كده أنت متمسك بيا... بس صدقني الأمور دي كلها ممكن تتصلح وأنا هساعدك في كده... من غير قتل ومن غير جواز... ماشي؟ لكن أدهم، كما عهدته، لم يرَ في كلماتها إلا نغمة تشويش، فعقد حاجبيه في استنكارٍ متسع وقال: _انتقام إيه وهبل إيه؟ أنا مبقتلش عشان أنتقم والعبط ده... أنا بقتل عشان عندي قوة لازم أستغلها، وعشان يعرفوا إن الموت ده أساسهم، وإن رعبهم هو أصلهم... وبعدين إنتِ لو كنتي آخر بنت أعرفها هتمسك بيكي برضه... ثم سرح بعينيه نحوها ونحو جسدها، وقال بصوتٍ غارقٍ في التملّك: _إنتِ جميلة أوي... وذكية أوي... إنتِ مفيش زيك... مستحيل أسيبك لحد تاني، ومستحيل أخليكي لوحدك من غير ما يبقى فيه بينا حاجة تثبت حبنا وترابطنا ببعض. قالت ليلى، وقد نضب منها الصبر: _يعني إيه يا أدهم؟ ابتسم ابتسامة جامحة، وقال بلا تردّد: _عايز أخلف منك... أتجوزك وأخلف منك... عشان بحبك. وحين قوبل أدهم من ليلى بمقاومةٍ صلبة ورفضٍ قاطع، لم يرَ أمامه سوى خيارٍ واحد: أن يُخضع إرادتها لإرادته، مستعينًا بقدرته الشيطانية، ومارس ما شاء دون أن يُبقِي لها ذرةً من إرادة، وكأنها دمية في يديه، تحركها رغباته لا إرادتها. ولم تكن تلك اللحظة المُرّة سوى أولى اعتداءاته المتكررة، التي اعتاد أن يتسلل بها إلى حياتها كالطاعون، تكررت الأيام التي يتملكها فيهم دون إذن، ويغرس حضوره الكاسر دون رحمة. وكانت ليلى، رغم هشاشتها الظاهرة، تقاتل في الخفاء، تقاومه بعقلها حين عجز جسدها عن المقاومة، حتى نجحت أخيرًا في ابتكار مادةٍ مضادة، سُمّها المنقذ، أنجزتها بصمتٍ قاتل، وجربتها بيقينِ اليائسين. وعندما استخدمتها عليه، أدرك أن قبضته بدأت تتلاشى، وأن سلطته لم تعد مطلقة، فتركها... أو ظنّت أنه تركها. لكن، بعد ماذا؟ بعد أن ترك في أحشائها جنينًا لم تُرد له أن يولد، بعد أن أفسد جسدها بفعلٍ لم يكن فيه من الإنسانية شيء.. كانت حاملاً بنوح، تائهةً بين خيارٍ لم يعد ممكنًا، ومحاولة إجهاضٍ فشلت، وخطة نجاةٍ تمزقت على عتبة المستحيل. مسكينة ليلى... عبقرية في كل شيء إلا الخلاص. تلك المرأة التي أبهرت العالم بعقلها، لم تملك يومًا خارطة نجاة واحدة تنجح. النجاة دائمًا ضدها، تشيح عنها بوجهها البارد، وتتركها تُهزم في كل معركةٍ تخوضها ضد الظلم. كل خطةٍ وضعتها لتنقذ نفسها... فشلت، وكل حيلةٍ حاولت بها إنقاذ غيرها... انكسرت. فشلت في أن تنقذ نفسها بسبب أدهم، وفشلت في أن تنقذ نور، بسبب نوح. ولم تعد تدري، أذلك فشل منها؟ هل كانت ساذجةً وغبية في خططها؟ أم أن أدهم ونوح توارثا إفشال خططها دون إرادةٍ منهما...؟ . . . ********** نعود للوقت الحاضر، قبل أن يتحرر مصطفى وقبل أن يُسلِّم أدهم نفسه بإثنتي عشرة ساعة… كان يوسف في منزله بألمانيا، جالسًا أمام حاسوبه، يتبادل الحديث مع أحد أفراد عصابته العلمية، وقد بدا عليه ثبات مريب، كأنما تعوّد على التهديدات، أو تبلّدت في روحه رهبة الموت. <أمر رجاله بقتلي؟> <نعم بروفيسور، يعلمون أنك ستأتي إلى مصر، وسيُهاجمون بعد خروجك من المطار.> لم تتغير ملامح يوسف، لم يبدُ عليه أي أثرٍ للدهشة أو الارتباك، فقط أرسل بهدوءٍ متناهٍ: <عجيبة... لمَ يطلب أدهم هذا الطلب تحديدًا الآن؟> <لقد أخبرتنا أنه كشف سرك منذ شهرين.> <نعم، لقد كشفه... لكن رغم ذلك ظلّ صامتًا شهرين كاملين، ثم بدأ يتحرك الآن عبر رجاله... إذن أين هو؟ ماذا يفعل بجانب ذلك؟ لطالما علمت أن أدهم يبغض هذا الأسلوب، ودائمًا ما يُفضِّل تنفيذ المهام المصيرية بنفسه.> <هذا الرجل يصعب التنبؤ بنواياه.> كان كل ما يحدث الآن يشير إلى أن أدهم ينسج خطةً غامضة الملامح، متعددة الطبقات، بدأت حين دفع بكاجويا ورافاييل وتريسا إلى التسلل في قلب عائلته، متخفين تحت ستار العلاقات والزيف، بينما أمرهم باغتيال يوسف بعدما كشف سره المجهول. ثم امتد الخيط حين سلّم لنوح عنوان تلك الرضيعة، وها هو الآن، في لحظةٍ لا يمكن فهمها، يختار أن يُسلّم نفسه... فجأة، قطع عليه تفكيره صوت ليلى الآلية من خلفه، كانت قد قرأت ما كُتب على الشاشة، وقالت بصوت مشوب بالقلق: _هتعمل إيه يا يوسف؟ استدار إليها، ثم أجاب بثقةٍ هادئة: _هسافر برضو.. مفكرة إني ههرب منه يعني؟ قالت، وعيناها تحملان الرجاء الممزوج بالخوف: _ليه متقعدش مدة أطول؟ عشاني على الأقل؟ اقترب منها يوسف وجلس إلى جوارها، ثم مد يده يلامس شعرها بحنوّ، ثم طبع قبلةً صامتة على يديها، وقال: _الفترة دي بس تنتهي يا حبيبتي... وهقعد معاكي أكبر مدة ممكنة... بس دلوقتي.. أنا مضطر أسافر، لأن حاجة زي كده خلتني أعاند أكتر... وأعوز أسافر أكتر. *********** في سكون الليل الوارف، عاد مصطفى أخيرًا إلى أحضان عائلته بعد غيابٍ طال سبعة أشهر، وروحه مثقلة بأوزار الحرب والاعتقال، لكن عينيه تتلألآن بنور الأمل وشوقٍ لا يُضاهى. بمجرد دخوله منزل علا، استقبله وهج دافئ من الأنوار المنزلية، ورائحة الأمان والانتماء التي اختلطت بعبق الطعام المُعد بحبّ. كانت العائلة مجتمعة، كلّ في مكانه، كأن الزمن عاد ليجمع شتات قلوبهم في لحظةٍ واحدةٍ ساحرة. نجلاء، وقفت عند مدخل الصالة، عيناها مغرورقتان بدموع البهجة الممزوجة بالألم، اقتربت منه بخطواتٍ متعثّرة، وقلبها يسبقها إليه، فاحتضنته بقوةٍ تخفي وراءها سنوات الانتظار. ومريم، ابنته الصغيرة، هرعت نحوه كطائرٍ حرٍّ أُطلق من قفصه، فتعلّقت بعنقه، ضحكاتها الصافية تتردد في أرجاء البيت كموسيقى تنعش الروح. وتدريجيًّا بدأوا جميعًا ينقضّون على مصطفى انقضاض الشوق العميق، بأحضانٍ وترحيباتٍ حارّة، وضحكاتٍ ترجّ جدران المنزل، بينما كان فياض وإبراهيم يراقبان المشهد بأعينٍ تفيض بالسرور والحنين. وبعد لحظات الترحيب العاصفة، أمسكت نجلاء يد مصطفى، وقادته برفقٍ إلى الغرفة، ثم إلى الحمام، حيث أعدّت له ماءً دافئًا وملابس نظيفة لتزيل عنه غبار الحرب وثقل الغياب. كانت خطواته ثقيلة، وكتفاه كأنهما يحملان جبالًا من التعب، جسده مُجهَد، وروحه تكاد تتكسر من فرط ما مر به، لكنه حين دخل الغرفة برفقتها، شعر كأنه وضع قلبه على وسادةٍ ناعمة للمرة الأولى منذ سنوات. أغلقت نجلاء الباب خلفهما بصمت وخلعت نقابها، والتفتت إليه وهو يجلس على السرير. لم يكن الأمر بحاجة إلى كلمات، فقد رأت كل شيء في عينيه... كانت تحدّق فيه كما لو أنها تُعيد بناء ملامحه بذاكرتها، تخشى أن يكون الزمن قد انتزع منه جزءًا لا يمكن استرجاعه. وكعادتها، ارتبكت منه مجددًا كما لو أنها تراه للمرة الأولى، بسبب شدة عشقها له؛ فهي ترى في حضوره شعورًا ثقيلًا في صدرها، ولكن ليس الثقل المؤلم المقبض، بل ثقل المشاعر الفياضة بالحب والتعلّق، فقالت له وهي تجهز ملابسه: _أنا مجهزالك الحمام يا حبيبي، وكمان جايبالك هدوم جديدة... اهي، اقلع وارتاح واقعد براحتك في الحمام. ظل مصطفى يحدق فيها بهيام، وأعين لا تطرف، ثم قال: _والله يا نوجة أنا في بالي كلام كتير أوي... بس مش قادر أقوله، مش عارف دا من التعب... ولا الحرب خلت عاطفتي تروح. تقدمت نجلاء وجلست بجانبه، وبدأت تساعده في خلع ملابسه وهي تقول: _مش مهم تقول... عينيك بتنطق لوحدها، ودا كفاية. بدأت تفك أزرار قميصه واحدةً تلو الأخرى، وكل زرٍ يُفتح كأنه يُحرّر وجعًا صامتًا... أنفاسهما متقاربة، متعبة، لكنها دافئة. وفي تلك اللحظة، لم يكن الحب بينهما اندفاعًا أو اشتعالًا... كان شيئًا أعمق، أهدأ، يشبه دفء شمعة في ليل قارس، أو اتكاء قلبٍ على قلبٍ آخر دون خجل. وهنا لاحظ مصطفى يديها المرتجفتين بفعل الحمل والإرهاق المهني، فأمسك بيديها برفق، ثم قال: _واضح إنك تعبانة أوي. نظرت إليه وهي تقول: _إنت برضو تعبان أوي... _خلاص، انتهزي الوقت دا إنك ترتاحي إنتِ كمان... أنا وإنتِ نرتاح سوا. كان يرى مصطفى أن نجلاء لم تكن أقوى منه لمجرد أنها كانت بعيدة عن الحرب، بل كانت مثله تمامًا، تنهكها الليالي والسهر والعمل وثقل الجنين في أحشائها. لكن بينهما شيء كالاتكاء المتبادل، أن يسند كلّ منهما تعب الآخر، لا ليُزيله، بل ليجعله محمولًا بحنان. ابتسمت نجلاء في امتنان حين رأت أنه لم يغفل عنها، ولم يتحدثا كثيرًا، فالصمت كان بينهما لغةً أصدق. وأثناء جلوسهما سويًا، مال برأسه على كتفها، فأمالت رأسها على رأسه وهي تتحسس على لحيته وشعره. في مشهد كلوحة فنية عريقة يشبهان فيها سفينتين مثقلتين بالملح والأمواج، التقتا أخيرًا في ميناء الراحة، لا ليرتاحا، بل ليطمئنا أن الرحلة لم تذهب عبثًا. وفي تلك اللحظة، في دفء الغرفة الصغيرة، لم يكن هناك انتصارٌ أعظم من مجرد وجودهما سويًا، مرهقين، متعبين، لكن متشابكي الأرواح. في هذه الأثناء، في المطبخ، كان إبراهيم يتولى إعداد الطعام، بينما فياض وعلا وملك يتبادلون المهام بين تقطيع الخضروات وإعداد السلطات، يملؤون المكان بضحكاتٍ خفيفة وحكاياتٍ متفرقة تحاول أن تخفف من وطأة اللحظة. ومن تلك الحكايات، بدأت علا تقول لفياض وقد بدا عليها الندم: _مش كان جمال ييجي؟ ما هو بقى في العيلة خلاص، ويشوف مصطفى برضو. ابتسم فياض وهو منشغل بعمل الصلصة، وقال بصوتٍ ملؤه الحنو: _هتلاقيه هيرفض، إنتِ عارفة... هو من النوع الخجول ومش هيشوف إنه منتمي لينا لِسّه. استشعرت ملك ثقل الشعور الذي يسكن ملامح علا، فسعت إلى التخفيف عنها، وقالت بخفة ظل ممزوجة بالتفاؤل: _أصلًا هتلاقيهم هيحددوا معاد تاني يشوفوا فيه مصطفى... يعني قعدة شباب وصحاب وكده، برا عن العيلة. أومأت علا برأسها، وعيناها تهربان إلى الأرض قبل أن تهمس، وكأنها تُقنع نفسها: _فعلاً عندك حق... أنا أصلًا معرفش أنا شاغلة بالي بالراجل دا ليه، هو مجرد راجل غريب. وفي تلك اللحظة، نادى فياض على إبراهيم وهو يقول: _تعالى كده يا ابني شوف، عملت الصلصة مظبوطة ولا لأ. امتثل إبراهيم للنداء، واتجه نحوه، ثم تناول ملعقة صغيرة وذاق منها، لتعلو وجهه ابتسامة رضا: _مظبوطة، تسلم إيدك... كده فاضلنا نفرش السفرة. نظر فياض نحو ملك، وأسند إليها مهمة إعداد المائدة، لتتولاها بمساعدة مريم وريان، اللذين انضمت إليهما غادة وهاجر. راحوا يرتبون الأطباق والمعالق والأكواب بعنايةٍ تشي بالاهتمام، ينسجون من التفاصيل الصغيرة بهجة دافئة تتسلل رغم كل ما يعتمل في النفوس. تبادلوا الضحكات والنوادر، خاصة هاجر التي تمازح مريم وريان بخفة ظلها المعهودة، يحاولون جاهدين ألّا يسمحوا لفراغ غياب عصام بأن يبتلع فرحتهم، على الرغم من محاولاتهم المتكررة للتواصل معه دون مجيب. وأثناء انشغال علا بكل ما بين يديها، دوّت رنّة خاصة على هاتف علا، ونظرت سريعًا إلى الشاشة، لتجد رسالة واردة من أحد معارفها في المخابرات العامة، تربطها به مصالح مهنية تخص المؤسسة وما يخص الناجين الدارين. كان نصّها قصيرًا، لكنه بدا كأنه تسريب عاجل: <أدهم داغر اتقبض عليه... جهزي نفسك.> ارتسمت على وجهها ابتسامة ساخرة، تحمل تهكمًا أكثر من الدهشة، وسرعان ما ردّت برسالة مقتضبة: <لم ولن أشك في أيٍّ من مجهوداتك يا فندم.. بس أكيد المصدر اللي أخدت منه الخبر دا مشكوك فيه، اتأكد لو سمحت.> ثم وضعت هاتفها جانبًا دون اكتراث، وعادت بهدوء إلى ما كانت منغمسة فيه، وكأن شيئًا لم يكن. وعلى مقربةٍ منهم، وقف نوح إلى جوار سليم، متكئًا بظهره إلى الجدار، حين قال سليم بصوتٍ منخفض: _بقولك إيه يا نوح، ياريت متجيبش سيرة مشروع الاستنساخ دا لمصطفى، وقول لغادة برضو عن الموضوع دا. ارتسمت علامات الدهشة على وجه نوح، وعقد حاجبيه في استغرابٍ شديد: _إيه دا؟ ليه؟ دا أول واحد لازم يعرف، لأنه هو وعيلته أكتر ناس مستهدفين فينا. أجاب سليم بنبرة حاسمة: _عشان هيقولنا إن الموضوع دا حرام ومن الكبائر وتصوير لخلق الله والكلام دا، وهيمنع نفسه وأهله عنه... خليه ميعرفش، ويبقى يعرف ساعتها لما ننفذه على بنته ولا على نجلاء عشان يتحط قدام الأمر الواقع. ساد صمت مشوب بالتردد بينهما، قبل أن يسأل نوح: _طب والنخاع هتاخدوه منهم إزاي؟ قالها سليم بنبرة لا تحتمل جدالًا: _دي مهمة غادة بقى... وممكن تساعدها برضو.. اتصرفوا. أومأ نوح برأسه، ثم أخرج هاتفه من جيبه، وضغط على اسم "عصام" في قائمة الاتصال، منتظرًا أن يُجيب، لكن لا حياة على الطرف الآخر. فسأله سليم: _إيه؟ لسه مبيردش؟ حرك نوح رأسه وقال: _لا للأسف... رغم إن عمي قالّي إنه جهّز نفسه وهييجي. بعد لحظاتٍ من فراغهم من إعداد المائدة، وتزامنًا مع انقضاء مصطفى ونجلاء من استراحتهم وتطهرهم، اجتمع الجميع حول السفرة؛ الأطباق تعبق بأريج الطعام المنزلي، والقلوب تفيض بالامتنان والسكينة. جلس مصطفى بينهم، وبين يديه أول لقيماته بعد غياب، وقد بدأ يتعرّف على إبراهيم، يُنصت إلى حكايته بعد عودته إلى مصر، عن المؤسسة التي التحق بها، وعن زواجه بهاجر، ثم التفت إلى ريان، الذي تحدّث بخجل طفولي عن أحلامه الصغيرة وطموحاته المتواضعة. وكان فياض، العم الوافد على المشهد كمن يُعيد للحكاية جذورها، ينسج لهم من ذكريات الماضي خيوطًا من الدفء، يطرّزها بروح الدعابة، فينطلق ضحكهم صافيًا. ثم قال مصطفى، ببسمةٍ عريضة ترتسم على وجهه وقد امتلأ قلبه بالأنس: _اللهم بارك يا عمي، أول ما رجعت لبنا جوّزت لنا البنتين اللي حيلتنا.. بالراحة علينا شوية. وضحكوا، ثم أردف مصطفى وقد بدت في نبرته لمحة من الدعاء والرجاء: _ربنا يرزقك العمر اللي تشوف فيه مريم وهي بتتجوز إن شاء الله. فعقّب ريان ممتعضًا امتعاضًا طفوليًّا عذبًا: _شو هاد؟! مريم راح تتزوج؟؟ فقال سليم، يداعبه بنبرةٍ لا تخلو من الحنوّ: _إيه يا ريو، أنت وقعت فيها بدري كده؟ اتقل شوية. تضاحكوا جميعًا، وعين مصطفى كانت تلتقط ما خفي خلف الابتسامات؛ نظرات سليم، وإن زُيّنت بالضحك، لم تُخفِ العبوس المختوم في قسماته، فقد كان هناك شيء ثقيل جاثم على وجهه، على روحه، شيء لم يكن فيه من خفة سليم القديم شيء. سليم لم يعد ذاك الفتى المرح، خفيف الظل، منذ رحيل فريدة، وقد أدرك مصطفى أن الغياب لم يبدل ملامح المكان فقط، بل نقش ندوبه في وجوه أحبته. أيقن مصطفى أن الزمن مر على إخوته بأثقالٍ لم يكن شريكًا فيها، فتكدست التحولات من حوله حتى كادت تُبهم عليه، وأصبحت أن أمنيته الوحيدة الآن هي أن يمنح كل واحدٍ منهم وقته، يُنصت له، يرافقه، يطمئن عليه، كي لا يكون أخًا عاد من الحرب ليصير غريبًا عن وجع أهله وتفاصيلهم. وإن كان القلب قد انشطر شوقًا للجميع، فإن لنجلاء ومريم حظًا آخر، مكانة لا تُنازع، وموعدًا لا يؤجَّل. بعد ذلك العشاء الدافئ، انسلّت العائلة إلى جلسةٍ حميمية في رحاب الصالة، حيث تناثر ضوء المصابيح على الأرائك والوجوه، وتجلى الهدوء كستارٍ من طمأنينة. مريم، كعادتها التي لا تخونها، تسلّلت برفق إلى حضن والدها، وأسندت رأسها على صدره، كأنما تبحث عن نبضها هناك. الكل شارك في الحديث وامتزجت الأصوات بالضحكات، وتناوبوا على سرد الحكايات؛ منهم من استعاد ذكرياتٍ قديمة، ومنهم من تطلّع إلى الآتي بأملٍ خجول. كان في الجو ما يشبه السحر، دفء يعمّ المكان، كأن الزمن قد توقّف مؤقتًا ليهبهم هذه اللحظة الطاهرة، الخالية من شوائب الهموم والمآسي. غياب عصام، رغم ثقله، لم يفلح في تعكير صفو هذه الأمسية؛ فقد كان الحاضرون كأسرةٍ واحدة، متماسكة الجذور، يحتضنون مصطفى من جديد، ويعيدون نسج خيوط المحبة، تلك التي لم تفلح الحرب في تقطيعها، ولا السجون في إضعافها. لكن مع تزايد الدقائق وانحدار الليل نحو منتصفه، لم يستطع مصطفى كتمان قلقه، فسأل، وقد ارتسمت في نبرته نغمة استغراب وحرص: _أومال عصام فين؟ مش هييجي؟ إحنا قربنا على نص الليل. فأجابته علا، محاولة التهوين من غيابه: _لا خلاص، شكله مش هييجي.. عمالين نتصل بيه ومبيردش خالص، حتى اتصلت بيمنى، قالتله لسه مجاش. عندها بدا على وجه مصطفى انقباض خفيّ، وقال بقلقٍ لم يستطيع إخفاءه: _طب ما يمكن حصله حاجة لا قدّر الله؟ نروح نشوفه. فتدخلت هاجر بقولها: _لا يا عم، متخافش، تلاقيه لسه مشغول بشغله عشان الجرايم اللي بتحصل دي... ارتاح إنت ومتشغلش بالك. وبقيت الكلمات معلقة في الأذهان دون أن تُفسد صفاء اللحظة، وإن ظلّ في صدر مصطفى شيء من القلق، لا يبرح مكانه. *********** قرابة منتصف الليل، تسللت ياسمين إلى غرفة رجب بخطى خفيفة، كما اعتادت في لياليها الأخيرة، فوجدته جالسًا على كرسيه المعتاد، نظارته تغطي نصف ملامحه، والغرفة يغمرها نور خافت ينبعث من المصباح الجانبي، فيما كان هو غارقًا في صفحات رواية العمى للكاتب جوزيه ساراماغو. توقفت برهة تتأمله بصمت، وكأنها تتأكد أن هذا الرجل الذي أنهكته السنون والذاكرة، ما زال يملك قدرة على التماس الجمال فيما تبقّى له من إدراك. فما إن رفع بصره إليها، حتى بادرت بالسؤال، بنبرة خفيفة تحمل شيئًا من الحنين: _إيه رأيك؟ حلوة؟ أجابها بابتسامة صادقة، وهو يرفع الرواية قليلًا: _الرواية؟ آه، جميلة جدًا والله يا ياسمين. ذوقك حلو... تبقي تجيبيلي كتب دايمًا كده. ارتسمت على وجهها ابتسامة منبسطة، امتدت من قلبها حتى قسمات وجهها، وقالت وهي تهز رأسها في رضا وود: _من عينيا. ثم اقتربت منه، تناولت كوب الشاي الفارغ والصحن الذي وضع فيه عشاؤه منذ قليل، وأخرجت من الدرج شريط الدواء. كانت حركاتها رتيبة، متقنة، كمن تمرّن على الطقس عشرات المرات، وقالت له برفق أن يأخذ دواءه الآن. أعطته كوب ماء، وما إن ابتلع الأقراص حتى بقيت واقفة أمامه، تحدّق فيه بصمت لا يخلو من رجاء دفين، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ يكاد لا يُسمع، كأنها تخشى أن تفزع الإجابة: _هو إنت مسامحني؟ نظر إليها رجب مستغربًا، حاجباه ينعقدان بدهشة حذرة: _إنتِ سألتيني السؤال ده امبارح... إنتِ عملتيلي إيه عشان تسأليني كده؟ تجمدت ياسمين في مكانها، ونظراتها متسمّرة عليه من شدة ذهولها... لم تصدق ما سمعته. لقد تذكر! لقد تذكر أنها سألته هذا السؤال بالأمس. لم تكن هذه إجابة عابرة، كانت إشارة على أن في أعماقه شيئًا بدأ يصحو. ثم أردف بصوته الهادئ، الذي تغلفه الحكمة وتكسوه اللامبالاة الطيبة: _معرفش يا بنتي إنتِ عملتي إيه... بس أنا مسامحك على أي حاجة، كفاية التعب اللي بتتعبيه معايا... يلا بقى عشان الوقت اتأخر. أومأت ياسمين برأسها، وكأنما فقدت القدرة على النطق، ثم استدارت وخرجت من الغرفة، في حين كانت أنفاسها تتردد بين صدرها كارتداد الموج على صخر الذنب. ففي الشهرين الماضيين، كانت ياسمين تخدم رجب بإخلاصٍ يندر وجوده، بل تُفني ذاتها في سبيل راحته، تعطيه من روحها ما لا تُبقي لنفسها شيئًا. كانت تطهو، تنظف، تسهر، وتراقب مواعيد دوائه كما يراقب المُحب نبض الحبيب. لكن ما لم يره أحد، وما لم تبح به، أنها كانت كل مساء، كل يوم دون كلل، تطرح عليه السؤال ذاته: هل سامحتني؟ لم تكن تسعى للغفران قدر سعيها للهروب من احتمالية الرفض. كانت تكرر السؤال لعلها تزرع في قلبه العفو كلما فقد الذاكرة، خائفة من أن يأتي يوم وتكون الإجابة: لا. كان الزهايمر يحميها من ماضيها، يغلف ذنبها بضباب النسيان، وهي تلتمس فيه عذرًا سماويًا يريح ضميرها. لكن الليلة... الليلة تغير شيء في المعادلة؛لقد تذكّر أنها سألته أمس، وهذا يعني أن الدواء بدأ يؤتي ثماره. لكن بدلًا من أن يُبهجها الأمر، دبّ فيها الذعر؛ فإذا كان الدواء يُعيد الذاكرة، فهل يُعيد الذنب أيضًا؟ هل سيسترجع، مع التفاصيل الصغيرة، تلك اللحظة التي كانت فيها سببًا في انكساره؟ هل سيستعيد الصورة الكاملة، ويرى فيها خيانتها، خطأها، لحظتها السوداء؟ غادرت الغرفة وقلبها يعتصره الترقب، تسير في أروقة البيت كمن يسير على حافة اعترافٍ مؤجّل، يتمنى أن يُشفى العزيز، لكنه يرتعب من أن يدفع ثمن الشفاء انكشافًا وجلدًا وتأنيبًا لا قِبل لها به. هكذا باتت ياسمين... بين رحمةٍ تسقيها كل يوم لرجب، وخوفٍ يكبر في صدرها كلما اقترب من الشفاء. دخلت ياسمين الغرفة بخطى هادئة، لتجد يمنى جالسة على السرير، ما زالت مستيقظة، وجهها مشدود الملامح، يعلوه توتر لا تخطئه العين. لم تحتج ياسمين إلى سؤالها، فقد قرأت ما يدور في نفسها، فقالت: _لسّه مبيردش؟ أجابت يمنى بقلقٍ واضح: _لا لسه...، دا عمره ما عملها. اقتربت ياسمين من السرير، أزاحت الغطاء برفق، وتمددت إلى جوارها لتمهّد لجسدها طريقًا للنوم الذي لا يأتي، ثم قالت بنبرة حاولت أن تغلفها بالطمأنينة: _متقلقيش أوي كده، عصام مبيحصلوش حاجة. جاءت يمنى وجلست إلى جانبها، نظراتها مرتبكة، ثم قالت بصوتٍ مشوبٍ بالخوف: _أنا مش قلقانة عليه... أنا قلقانة منه. مش يمكن بيخوننا؟ نظرت إليها ياسمين بطرف عين، وعلى شفتيها ابتسامة ساخرة: _لا يا شيخة؟ ردّت يمنى بجدية تنبع من عمق الشك: _والله عادي واحد في حالته يخون.. ما ستيفن هوكنج كان أسوأ منه بمليون مرة وخان مراته برضو. قهقهت ياسمين ضاحكة، ثم قالت بلهجة مرهَقة: _نامي يا يمنى عشان خاطري شوية وهييجي، مفيش حاجة... نامي يلا. تنهدت يمنى بعمق، ثم أطفأت الأنوار، وتمددت بجوار ياسمين، كما اعتادتا دومًا، يتقاسمان الفراش والقلق معًا. ورغم صمتهما الظاهري، ظلّ عقلهما يعمل كآلة لا تهدأ. أعينهما مفتوحة على السقف، وأفكارهما تجوب دروبًا لا قرار لها. وبعد صمتٍ ثقيل، قطعه صوت يمنى الخافت، كأنها تفكر بصوت مسموع: _شكله بيحبك أكتر. أجابت ياسمين بتلقائية، دون أن تغيّر اتجاه نظرها أو نبرة صوتها: _مين؟ رجب؟ _رجب مين؟، أنا بقول على عصام... واضح إنه بيحبك أكتر مني. سكتت ياسمين لحظة، لم تتغير تعابير وجهها، بدا وكأن الجملة لم تحرك فيها شيئًا، ثم قالت ببرودٍ رصين: _دي حاجة متهمنيش بصراحة... وأنا عمومًا عندي اقتناع إن عصام مش بتاع حب. _يعني إيه؟ تريّثت قليلًا قبل أن تجيب، وكأنها تُنقّب عن الكلمات بين ركام تأملاتها: _عصام ممكن يعجب بس ميحبش..، عصام طول عمره هيعيش وهو بيحاول يحب... هيعيش وهو بيحاول يحب إخواته... وهو بيحاول يحب عياله... وهو بيحاول يحب مراتاته...، كلها محاولات بس كمشاعر حب حقيقية؟ لا معندوش وميقدرش يطلعها بجد من غير محاولة. _مش متفقة معاكي بصراحة. _عادي... كل واحد ونظرته. أنا بس مش عايزة تشغلي بالك بفكرة إن عصام بيحب مين أكتر فينا. لأنه مبيحبش في العموم.. في تلك اللحظة، انطلق رنين هاتف يمنى فجأة، فانتفضت كالملسوعة، وخطف القلق أنفاسها. التقطت الهاتف بسرعة، وإذا باسم "عصام" يلمع على الشاشة. أجابت على الفور، صوتها مشحون بالشوق والوجل: _أيوة يا حبيبي، إنت فين؟ جاءها صوته من الطرف الآخر، غامضًا، حاسمًا: _أنا احتمال مرجعش الكام يوم الجايين دول... ازدادت نبرة الخوف في صوتها، وخرجت الكلمات منها كالسهم: _ليه طيب؟ في إيه؟ طمّنا! ثم جاء الجواب، جافًا، ثقيلًا، يقطع سكون الليل بسكين الحقيقة: _أنا قبضت على أدهم. *********** في منتصف الليل، وعلى أحد الطرق الصحراوية النائية، كانت سيارة رباعية الدفع تقف في الاتجاه المعاكس للطريق، ساكنة وسط السكون الموحش. بداخلها ثلاث شخصيات غريبة عن المكان، يتحدثون بالإنجليزية لاختصار الجهد، إذ كانت أسهل على ألسنتهم من اللغة المصرية. جلست كاجويا إلى جوار تريسا، وقد ارتسمت على وجهها ملامح الاعتراض الممزوج بالدهشة، وقالت وهي تصوغ تساؤلها بامتعاض: _لا أفهم، لماذا يأمرنا أدهم في هذا الوقت الضيق بجمع عشرة آلاف فرد من العصابة؟! ولماذا؟! لأجل رجلٍ واحد؟ رجل واحد؟!! من المقعد الخلفي، انبعث صوت رفاييل بنبرته الباردة المتهكمة، كمن يسخر من حماسة لا يشاركها: _ولكنك أتيتِ بأربعة آلاف في نهاية المطاف. أجابته كاجويا بحدّة لا تخلو من السخط: _بالطبع أتيتُ بأربعة آلاف! أنستنزفهم ونستنزف أسلحتك لأجل رجلٍ واحد؟! وبينما كانت الكلمات تتراشق بينهم، تحدثت تريسا وهي تحدّق إلى الفراغ خارج النافذة، كما لو أن الغموض الذي يحاصرها يدغدغ عقلها ويأبى الرحيل: _ولكن، لماذا يريد أدهم أن يقتل يوسف؟ لقد دار بينهما صراع شرس مرّاتٍ عدة، ولم يفكر في أن يزهق روحه في أي مرة، فلماذا يفكر أدهم الآن تحديدًا في قتله؟ ما الدافع الكامن خلف هذا القرار؟ أجاب رفاييل دون أن يلتفت إليهما، وكأن الأمر لا يعنيه، وقد ارتسم على وجهه البرود المعتاد: _لا أعرف لماذا تتعبن أنفسكن في تحليل أفكار هذا الرجل... منذ متى وأنتنّ تبحثن عن مبرراتٍ لأهدافه؟ نظرت كاجويا إليه عبر المرآة، وقد نطقت كلماتها كصفعةٍ تُخرسه: _اخرس يا فتى! طفل مثلك لن يعلّمنا كيف نتعامل مع رئيسنا. أنت مجرد مبتدئ، فلا تتقمّص دور الحكيم. وفي تلك اللحظة، وبينما كانت تريسا تتابع الطريق بعينين نبهتين، لمحت من بعيد أضواء سيارة تتقدم نحوهما، فقالت بسرعة وهي تشير بأصبعها: _هيا يا رفاييل! ها هو قد اقترب! بخفة المحترفين، التقط رفاييل قاذف الصواريخ، وصعد لعلّية السيارة، ثم ثبت السلاح على كتفه، وما إن اقتربت سيارة يوسف من المسافة المناسبة، حتى أطلق الصاروخ، ودوى انفجار هائل مزّق السكون، وارتفعت ألسنة اللهب، وارتجّت الرمال تحت العنف الضارب للانفجار. ظلّ الثلاثة في أماكنهم، يرقبون المشهد بثباتٍ قاتم، يترقّبون أن تلتهم النيران جسد الرجل... ولكن... وحين تلاشى الدخان... لم يكن هناك لهب، ولا سيارة، ولا حتى حطام، بل ما تراءى أمامهم كان أغرب من أن يُصدق: شجرة ضخمة، عريضة الجذع، تتوسطها فتحة أشبه بمدخلٍ صغير، كمنزل سنجابٍ حجريّ... ومن تلك الفتحة، خرج يوسف... يمشي بخطى هادئة، وملامحه لا تحمل سوى نظرةٍ ثاقبة، باردة، كأنما يستخرج بها قلوبهم من صدورهم دون كلمةٍ واحدة. جمدت العقول، وشُلّت الألسن، أما رفاييل، فلم يملك سوى أن نطق بكلمةٍ روسيةٍ فاحشة، خرجت من فمه كصرخة صدمة تخترق الغموض. وظلّ يوسف يحدق فيهم بثبات، تتوسّد نظرته مزيجًا من التهكم الطفيف واللامبالاة المتعالية، ثم بدأ يخطو بخطى واثقة متجهًا نحوهم، كأنما يمشي في ممرٍ محفوفٍ بأشباحٍ لا يخشاها، عاقدًا العزم على بلوغهم، دون أن يرمش أو يتردد. لكن ما إن لمحته تريسا يتحرك، حتى أمسكت اللاسلكي بسرعة، وقد تعالى صوتها بصرامةٍ آمرة، وهي تصرخ في أذن الجهاز: _اهجموا الآن! أطلقوا النار فورًا! وفي لمح البصر، دوّى وقع الأقدام في الأرض كالرعد، وارتفعت سحابة من الغبار بين الرمال، وانطلق آلاف الرجال يندفعون نحوه، يحملون على بنادق ورشاشاتٍ قاتلة، يصبّون نيرانهم الهستيرية من كل حدبٍ وصوب، يريدون أن يدفنوا يوسف تحت عاصفةٍ لا تبقي ولا تذر. عندها، توقف يوسف لحظة، ثم استدار بهدوء وعاد إلى الشجرة، التي باتت كقلعةٍ من صمتٍ أسطوري ليحتمي من الرصاص، ومنها مد كفّه ولمس الأرض بخفة... وفور أن لامست راحته التراب، هاجت الأرض تحت أقدام ألفي رجل، وتشققت كأنها تُساقط جلدها، ثم انبثقت منها حمم بركانية، سوداء متوهجة، تبتلع الرجال دفعةً واحدة، وهم يصرخون صرخاتٍ رجّت السماء وارتعد لها الأفق. غاصت أجسادهم في أتونٍ لا يُبقي من العظم إلا رمادًا، ولا من الصراخ إلا رجعًا خافتًا في الفراغ. أما الألفان الآخرون، فقد تجمّدوا في أماكنهم، ووجوههم قد انقلبت إلى قناعٍ من الهلع، فتراجعوا مذعورين وقد خارت قلوبهم من هول ما رأوا. غير أن مئاتٍ من المسلحين لم يرتدعوا، بل ركضوا مباشرة نحو الشجرة، يطلقون النار بكثافةٍ عمياء، يصرخون ويزمجرون كأنهم يظنون أنفسهم قادرين على إخماد عاصفة بشر. وهنا خرج يوسف بخطواته سريعة، وفي قبضته حفنة من الرمال الناعمة، وما إن اقتربوا منه، حتى نثر الرمال في وجوههم كما ينثر الساحر غباره السحري، لكنها لم تكن رمالًا عادية... بل تحوّلت، في جزءٍ من ألف من الثانية، إلى آلافٍ من الأسياخ الزجاجية، كل رملةٍ منها انفجرت إلى رمحٍ حاد اخترق أجسادهم وتمزقت أحشاؤهم، وانطلقت الدماء في الهواء كشلالٍ من الرعب، وسقطوا كما تسقط أوراق الخريف في عاصفةٍ لا ترحم. تراكمت الجثث حوله، والدماء تنزف تحت قدميه، ومع ذلك... لم تتلطخ قدماه. أما المئات المتبقون، فقد خارت قواهم، وتردّدوا في مهاجمته، لكن يوسف لم ينتظر طويلًا. انحنى قليلًا، ولمس الأرض مجددًا ليستخدم خطوة مألوفة للبعض... وفور ان لمس بيده الارض، ارتجّت الرمال تحت أقدامهم، وانبثقت منها مئات الخوازيق الزجاجية، طويلة، شفافة، اخترقت الأجساد كالسكاكين في لحمٍ نيّئ، رفعتهم في الهواء، ثم علّقتهم كأعلامٍ دامية في ساحة مذبحة. وهنا صمتت البنادق، وسكتت الأرض... وبقي يوسف واقفًا في قلب العاصفة، لا يخدش صمته شيء. بعدما أردى يوسف أربعة آلافِ مسلحٍ أرضًا، دون أن يلهث أنفاسًا، أو ترتجف عضلة في جسده، وقف وسط ساحةٍ من الدمار وكأنه لم يخُض قتالًا قط. كان الهواء ثقيلًا مشبعًا برائحة البارود والدم، والسكون بعد العاصفة يصمّ الآذان كصرخةٍ خفيّة لا يسمعها إلا من شهد المجزرة بعينيه. تريسا، التي كانت تراقب المشهد من بعيد، اتسعت عيناها بذهولٍ لا مثيل له، ثم تمتمت بصوتٍ لم يُخفِ دهشتها العميقة: _لقد فهمت الآن... لِمَ طلب أدهم عشرة آلاف رجل. أما كاجويا، فقد استشاطت عروقها كوقودٍ في بركان، وصرخت وهي ترتجف من الحنق: _هذا الرجل جبان... لا يجرؤ على القتال القريب! سنهجم عليه الآن! وما إن أنهت عبارتها، حتى تأهّب الثلاثة، وانطلقت تريسا بالسيارة صوب يوسف، تعتزم دهسه بعزمٍ من لا يهاب، لكن يوسف، كعادته، انحرف بخطوةٍ واحدةٍ هادئة، ليتفادى السيارة كأنه يتفادى ورقةً تساقطت من غصن، دون أن يتغيّر موضع عينيه أو ترتبك ملامحه. توقفت السيارة بجانب الرمال، ونزل الثلاثة مسلحين بإصرارٍ دامٍ، وكانت كاجويا أول من اندفع. نزعت سيفها من غمده بقسوة، ولوحت به بكل ما أوتيت من قوة نحو عنق يوسف، تقصد أن تفصل رأسه... لكن يوسف، في رمشةِ عين، مدّ يده وأمسك نصل السيف دون أن يرتجف، لتنظر كاجويا أمامها مشهدًا لا يُصدّق... كان السيف يصدأ بسرعةٍ جنونية، كأنما تتآكله السنون في لحظات، حتى تلف بالكامل وتهشم بين أصابعه. وفي ذات اللحظة التي تهاوى فيها سيفها، كان يوسف ينزع ربطة عنقه، وبلحظةٍ خاطفة، حوّلها إلى سيفٍ حاد طعنها به في بطنها طعنةً نظيفة، نافذة، جعلت جسدها يتلوّى كما تلتوي الريح في غصنٍ ذابل، وانفجر الدم من خاصرتها كنافورةٍ دامية. لم تمضِ ثانية حتى جاء رفاييل من خلف يوسف، يركله بحركةٍ قتاليةٍ عنيفة، أشبه بانفجارٍ بشريّ، لكن يوسف التفت كأنما يراقب حركة فراشة، وأمسك قدمه في الهواء، ثم، وبلا أي تردد، حوّلها إلى صخرٍ قاتم، وسحقها بين يديه ويفتتها كالرمال. وسقط رفاييل يصرخ صرخة بترٍ تخلع القلوب، يتلوّى على الرمال، والألم ينخر روحه. التفت يوسف حينها إلى تريسا، نظراته هادئة، باردة كالموت، لا يحمل فيها تهديدًا ولا استعطافًا، فقط انتظار... انتظار من يُخطئ الاقتراب. لكن تريسا، بخلاف رفيقيها، لم تتقدم، لم ترفع سلاحًا، بل ركضت مباشرة إليهما، سحبت جسديهما النزيفين، وسرعان ما قذفت بهما داخل السيارة، وانطلقت بها إلى قلب الظلام، علّها تنقذ ما تبقّى من أرواحهما المنهكة. وبقي يوسف واقفًا، وحده في العراء، لا خدش على جسده، لا دم على ملابسه، فقط ذراتُ غبارٍ على سترته، مسحها براحة يده، ثم رتب شعره المبعثر كما يفعل العائد من نزهة، لا من معركة. وقف يوسف هناك، في قلب ساحةٍ امتلأت بالموت، لا كشاهدٍ عليه، بل كصانعه... وقف، وقد سحق جزءًا من أقوى عصابةٍ في العالم، دون أن يرتجف رمش من عينيه... وقف، وقد أثبت للعالم ولمن وراءه... أنه بالفعل الخصم الوحيد الجدير بمواجهة أدهم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة