٦٥ . . . . _البت دي لعنة وشؤم يا ماجد، أقسم بالله أنا مستحملاها بالعافية وخلاص على آخري. رد ماجد على والدته وقد سئم من حديثها المستمر: _ما خلاص بقا ياما!!، ما البت بتخدمك وشايلة جزمتك فوق راسها عايزة إيه أكتر من كده؟ منذ سبع سنوات، حيث كانت علا ما زالت على ذمة ماجد وتعيش معه ومع والداه، رغم أنها كانت كالأمة في منزلهم وتقوم بكل أعمال المنزل غير المكلفة بها، فقد كانت تسمع حديث أمه الفاحش عليها، وتذمرها المستمر على ما تفعله، ولا تفهم ما الخطأ الذي ارتكبته لتكرهها أمه بهذه الطريقة، ولكنها كانت صابرة لأجل ماجد والذي كان لا يدافع عنها من الأساس. أثناء ما كانت واقفة في المطبخ تطبخ لهم الطعام كالعادة دخل والد ماجد الرجل الكهل، ومر من خلفها ليقوم بأخذ كوب ماء، وفي تلك اللحظة شعرت بيد تلمسها من الخلف، ومع خفة اللمسة، لكنها انتفضت من شدة نفورها وفزعها مما حدث، لتلتفت وهي ترمقه بصدمة واستغراب، ليقول لها: _مالك يا بت، بتزغريلي كده ليه؟ ظلت تحملق فيه إلى أن مر من خلفها مجددًا ولم يلمسها تلك المرة. لم تسيء علا الظن به، فهي تعلم منذ بداية زواجها بماجد أن والدها لطالما كان يرمقها بنظرات منحرفة، وحين يكونا وحدهما تشعر بتلامسات منه، وإذا اعترضت عليها يتم إنكار الأمر ويظهر أنها المجنونة بينهم. حتى الآن، فقد جلست ستة أشهر في هذا المنزل، وفي كل مرة تتأكد أن هذا الرجل يقوم بالتحرش بها بالفعل. انتهت علا من الطعام وأثناء ما كانت تضعه على المائدة، قام ماجد ليساعدها كعادته، فهو يحب مساعدتها في كل شيء، ولكن ما كان يمنعه هي أمه. _ما تقعد يا واد، أنت كل شوية تقوم عشان تساعدها... لما أنت تساعدها، لازمتها إيه هي في البيت؟ _ياما ما أنا بساعدها زي ما بساعدك. _وأنت هتحطني جنبها ولا إيه؟ قالت علا بتبرم لكي تسكت تلك المرأة: _خلاص يا ماجد، خليك قاعد، مش كل يوم على الموال ده. صوت أم ماجد يجعل علا تستشيط غضبًا، دائمًا ما تسمعها تصيح، تتذمر، وتتكبر عليها. سئمت من حديثها وصوتها المزعج في كل مرة تتفوه فيها بأي كلمة، لذلك كانت تنهي الأمر بسرعة حتى وإن كان سيكون ظلمًا لها. فهي تفضل أن تُظلم على أن تسمع نبرة تلك المرأة الشمطاء. أثناء ما كانت تسير من المطبخ إلى المائدة لتقوم بتحضير الطعام، كان والد ماجد يحدق في علا بشدة فيها وفي جسدها تحديدًا، لتلاحظ الأم بصره الثابت على علا، فتقوم بضربه على قدمه من تحت الطاولة. نعم، فقد كانت الأم تعلم، تعلم أن زوجها العجوز مهووس بعلا زوجة ابنها، وكان هذا ما يزيد بغضها وحقدها تجاه علا التي لا ذنب لها في انحراف ذلك العجوز الأخرق. انتهت علا وجلست وبدأوا في الأكل، وأثناء ذلك قالت الأم وملامح التقزز والشجب في وجهها: _إيه يا بت ده، هو أكلك دايمًا دِلِع كده؟ لم تجبها علا، فقد كانت متحفظة على برودها وتجاهلتها تمامًا. لتردف الأم: _إنتِ إزاي تتجوزي ابني من غير ما تعرفي تطبخي؟ إزاي متعلمتيش؟ أمال لازمتك إيه في الحياة؟ مش فاهمة، لا جمال ولا طبخ ولا حتى نظافة، حاجة تقرف. نهضت الأم من على طاولة الطعام غاضبة، بينما كانت علا تتناول طعامها ببرود ولا مبالاة، وتنظر لماجد بطرف عينيها لتتأكد في كل مرة أنه لم يدافع عنها أبدًا في كل مرة أمه تهينها أمامهم، لكن تأتي المواساة من الشخص غير المناسب، ويمد الأب يده وهو يربت على كتف علا قائلًا: _متضايقيش منها يا بنتي، أكلك حلو... حلو أوي. أبعدت يده وهي تشكره بضيق وعادت ونظرت لماجد الذي كان كالمزهرية لم يعترض على لمس أبيه لها حتى. ومرت الساعات المهلكة التي كانت فيها علا تنظف وتغسل وتنشر وترتب إلى أن أتى الليل ويأتي وقت راحتها أخيرًا. أثناء ما كانت في الغرفة مع زوجها، اقترب منها وبدأ في مداعبتها بالحديث والغزل، ولكنها رفضته وأظهرت عدم رغبتها البتة، ليزفر بضيق ويقول بإمتعاض: _وبعدين بقى يا علا... أنتِ بقالك أسبوعين! _ماجد، أنا مش طايقاك، مش طايقة أم البيت ده... أنا عايزة بيت أعيش فيه لوحدي، أنا مش مرتاحة. لما تبقى تجيبلي بيت لوحدي هنبقى نعملها كل يوم يا سيدي، بس نفسي أخد راحتي وأرتاح. _لوحدك يعني إيه؟ وأنا أجيبلك البيت ده منين؟ قطبت علا وجهها وهي تقول: _أنت مش وعدتني؟ _يابت، وعد إيه؟ الظروف اتغيرت عن أيام الوعد ده. _آه يعني أنت مش راجل مبتوفيش بوعدك؟ غضب ماجد واعتدل في جلسته وهو يقول بصرامة: _مش راجل إيه يا بت؟!! متقوليش الكلام اللي يعصب ده، لاحسن أخليكي تصوتي مني وأعرفك يعني إيه راجل. _اه عشان أنت راجل أوي تخلي مراتك ٢٤ ساعة تلف في الشقة قدام أبوك؟ _مش فاهم يعني ماله أبويا؟ مهو في حالة. زفرت علا وهي تخرج أنفاسًا كالنيران، وهي تقول بنفاذ صبر: _ماجد، أنا زهقت من غبائك، زهقتتت. _يابت في إيه؟ _أبوك بيتحرش بيا وبيفضل يبحلق فيا يا ماجد، أنت مشفتوش مسكني إزاي قدامك النهاردة؟؟؟ أنت أعمى البصر والبصيرة، وبقرون أقسم بالله. جحظت عيناه مصدومًا من بشاعة ما تقوله ليقول لها بنبرة خافتة يكتم الاحتدام فيها: _إنتِ اتجننتِ، أقسم بالله!!... واضح أن الكلام اللي أمي بتقوله عليكِ صح... أبويا أنا؟ إنتِ مجنونة أقسم بالله، متقوليش كده تاني لَأَحسن بجد هتشوفي وش ما شفتهوش قبل كده، وهعتبر نفسي مسمعتش اللي قولتيه ده. _خلاص مش هقول كده تاني... بس إنت ركز معاه وهتشوف كلامي صح ولا لا. في اليوم التالي كانوا أربعتهم جالسين في الصالة، إلى أن أمرت أم ماجد أن تأتي علا لها بشيء ما. وفور أن نهضت علا نظر ماجد لوالده، وتأكد من حديث علا حين رأى نظرات والده المقززة العجيبة وتحديقه المستمر بها وهي تسير. ما جعله يتأكد أنها لم تكن المرة الأولى التي يرى فيها ماجد والده يصب بصره على علا بهذا الشكل، شعر ماجد أن دماءه تقوم بالغليان من هول ما استوعبه، ولم يستطيع أن يصمت أكثر ليقول: _حج، هو أنت بتبص على علا كتير ليه؟ التفت أبيه وهو ينظر إليه متدعيًا الصدمة من حديثه كالبريء، وشهقت الأم وهي تقول بعدما ضربت صدرها: _يا نهارك أسود؟! إيه اللي بتقوله على أبوك ده يا واد؟! صاح والده وجسده يرتعش من شدة سخطه: _أنت تقصد إيه يا واد؟! تقصد إن عيني على مراتك؟! ارتبك ماجد من ردود أفعالهم وأجابهم: _ل... لا مش قصدي يعني بس أنا لاحظت يعني إنك بتبحلق فيها أوي. وثب والده وهو مستمر في الصياح ولم يتحمل، وصفع وجه ابنه بقوة، لتقف الأم أمامه وهي تمنعه قائلة: _متضربش الواد، الواد مالوش ذنب، دي تلاقيها الشيطانة مراته اللي وسوست له بكده، مهي شؤم ومحدش عايز يصدقني. في تلك اللحظة خرجت علا لهم وهي لا تفهم ما يحدث، وترى الأم تتقدم إليها بسرعة وخطوات مستشيطة وتنهال عليها بالضرب، وعلا تصرخ طالبة النجاة ولكنهم كانوا يشاهدونها تُضرب دون التدخل، وتحدث مشاجرة كبيرة بينها وبين الأم واقسمت علا من بعدها على إنها لن تأتي لهذا البيت مجددًا فقد ضاقت ذرعًا من كثرة الظلم والتجبر والإهانة التي تتلقاها فيه وبعدها اخذت امتعتها وقررت العودة لمنزل والدها معتز. وبعد تلك الحادثة بأيام، في الصباح الباكر حيث منزل معتز، يدخل هيثم على والده في المطبخ بينما كان يغسل الصحون، وهو يقول: _فطرتوا؟ _آه يا حبيبي، فطارك عملتهولك جاهز. سكت هيثم قليلاً وهو يفكر بتردد ثم قال: _بقولك يا بابا... هو مش حاسس إن لازم علا تطلق بقى؟ _والله يا بني نفسي. _طب ما ترفع خلع؟ _شكلها هتبقى كدة. عاد هيثم لصمته ثم قال: _ط... طب ينفع بعد ما هي تطلق أتجوزها أنا؟ توقف معتز فجأة عما كان يفعله، والتفت لهيثم وهو يقول مصدومًا: _نعم؟! ارتبك هيثم من نظرات أبيه له: _ا... إيه في إيه؟ _عايز تتجوز أختك؟ إنت اتجننت؟ _بس دي مش أختي، هي أختي على الورق بس، لا رضعنا عن بعض ولا بينا صلة دم. قال معتز بصرامة: _هيثم! إياك تفكر بالشكل دا تاني، ولو عندك مشاعر ناحية علا فإمحيها خالص ومتفكرش نهائي نهائي إن علاقتكم تبقى أكتر من أخوات، إنتوا أخوات وبس! تمام؟ لم يتوقع هيثم رد فعل أبيه هذا، والذي حطم كل ما كان يخططه لمستقبله مع علا، ودك قلبه وجعله لفتات، فقد شعر بهذا الألم حين استوعب أن علا لم ولن تكون له، واستوعب أنه سيراها مع رجل آخر دونه. كان الأمر عسيرًا على هيثم في تقبله، ولكنه إنسان بسيط ولا يرغب في تضخم المواضيع التي تخصه، لذلك أومأ هيثم رأسه بيأس واستسلام، وهو يقول: _ح... حاضر، أنا آسف. _ولا يهمك يا حبيبي، إن شاء الله ربنا يرزقك بأجمل بنت ممكن تتخيلها. استأذنه وخرج لعلا في الحديقة، ورآها واقفة تشاهد القطط وهم يأكلون الطعام الذي وضعته لهم في الحال، أتى بجانبها وتحدثا قليلاً إلى أن قال: _وبعدين؟ أنا مش عارف إيه اللي دبسك مع العيلة الخلل دي. _الحياة معاهم لعنة بجد يا هيثم... مش عارفة أخلص منهم إزاي... للأسف كنت مفكرة إن ماجد بيحبني، ماجد اللي كان ناقص يلحس التراب اللي أنا بمشي عليه بس عشان أرضى بيه، في الآخر يطلع كدة... صمت هيثم في ضيق وهو غاضبًا منزعج لها وقال: _لو كان ماجد اللي ضربك كنت قطمت رقبته... بس دي أمه... أقطم رقبتها إزاي؟ نظرت علا إليه وابتسمت ابتسامتها اللطيفة وقالت وهي تضع يدها على كتفه: _ولا يهمك... متشغلش بالك كتير بالموضوع دا، كدة كدة ضربها موجعنيش ولا أثر فيا... الفكرة بس إن الإهانة وحشة أوي. هنا سمعوا صوت طرق باب بيت الساحة المفتوح، واحد يدخل ويسلم عليهما، التفتا ليجداه يامن لتبتسم علا وهي تقول: _وعليكم السلام، تعالى يا يامن. أتى إليهم وقالت له وهي تدخل البيت لتتجهز للذهاب إلى عملها في التحقيق بصحبة يامن: _هخش أجهز وأخلص الورق وهنطلع، تمام؟ _تمام، مستنيكي. فور أن دخلت المنزل، ظل هيثم يحملق في يامن لينظر يامن إليه وقال هيثم هنا بنبرة مليئة بالغيرة المكتومة: _أنت بقى يامن؟ _أيوة أنا... _جاي هنا ليه؟ قال يامن بابتسامة عريضة مستفزة: _حاجات تخص الشغل مالكش دعوة بيها، وعايز تعرف والدها عليا برضو بما إنني صديقها لحد دلوقتي لمدة خمس شهور، شكلها هتحطني معاكم في العيلة. بدا على هيثم الامتعاض من قول يامن ليقول وقد ازداد حنقه في نبرته: _كانت بتجيبلي سيرتك كتير. ابتسم يامن في حرج وفخر وهو يقول: _ممكن تكون معجبة. _دي متجوزة يا أهبل. _آه منا عارف... وجوزها نطع وابن أمه. عقد هيثم ما بين حاجبيه متعجبًا من معرفة يامن بذلك، وهو يسأله: _هي بتحكيلك؟ _آه... افتكرت نفسك مميز عشان بتحكيلك إنت بس؟ في تلك اللحظة كانت علا تساعد سلمى، صاحبة الثمان سنوات، في ارتداء ملابس المدرسة، بينما كانت أمها تعد حقيبة سلمى، وهي تقول: _متأكدة يا علا إن يامن يوصل سلمى؟ مش هزعجكم؟ _لا يا حبيبتي والله مفيهاش إزعاج. نظرت علا لسلمى وقبلت خدها بقوة، جعلت سلمى تقهقه في حرج، ثم قالت: _سلمى دي حبيبتي، وأسِيب شغلي كله عشانها. استمرت سلمى بضحكاتها اللطيفة البريئة، وحين انتهت علا من تجهيزها، خرجت علا ليامن وهيثم، وهي تقول: _إنتوا واقفين لوحدكم ليه؟ ما تخشوا؟ خش يا يامن، مدخلتوش ليه يا هيثم لحد الوقتي؟ قال هيثم: _آه، هدخله، هوه معلش... يلا يا يامن اتفضل. يبدو أن أول لقاء بين يامن وهيثم كان مليئًا بالغيرة والمشاحنة الخفية، وبعدما دخلا وتعرف يامن على معتز وجلسا سويا، سمعوا الباب يطرق. نهضت سلمى، صاحبة الثمان سنوات، وهي تركض وتقول بحماس: _هفتح أنا. حين فتحت، وجدت أمامها ماجد، لتقول: _عمو ماجد؟ _آه... إزايك يا سلمى؟ ينفع أخش يا حبيبتي؟ قال معتز من الصالة: _خليه يخش يا سلمى. دخل ماجد بسرعة إلى الصالة، ووجد علا جالسة، وفور أن رآها، اتجه مسرعًا إليها، وأرتمى جاثيًا على ركبتيه أمام الجالسين، يمسك بيدها ويقبلها، لتنهض علا وتسحب يدها بسرعة في ارتباك وحيرة من تصرفه، وتجده يقول متوسلًا لها: _يا حبيبتي والله ما قادر أعيش من غيرك... أنا كلمت أمي وقلت لها متقربش منك ولا تفتح بقها معاكي خالص والله العظيم، أبوس إيدك، ارجعي بقى، ارجعي والله هنتعامل معاكي معاملة أحسن بس ترجعي، أبوس إيدك يا حبيبتي، أنا بحبك وبموت فيكي، مقدرش أعيش من غيرك. قال معتز له: _يابني اقعد واستهدى بالله، إيه اللي بتعمله ده؟ _لا لا مش هقعد إلا لما علا ترضى عني... يا عمي أنا كلمتك واعتذرتلك كتير، إزاي معرفتش تقنعها؟ _اللي حصلها مش حاجة بسيطة... وأنا مرضاش بيه ومرضاش أرجعها لك إلا لو اتخذت قرار فعلاً إن محدش هيقرب لها... _وأنا والله اتخذت القرار ده معاهم خلاص والله، علا هترجع وكانها ملكة والله العظيم، والله العظيم. وقف أمامها وأمسك بيديها وقبلهم وقبل جبينها، ثم قال: _خلاص بقى يا علا عشان خاطري... يلا يا حبيبتي عشان ترجعي لبيتك... دا بيتك والله العظيم زي ما هو بيتهم... محدش ليه الحق يخرجك منه. ظلت علا صامته بوجه عابس حائر، نظرت لهيثم ويامن، اللذان كانا بجانب بعضهما، وكلاهما هزا رأسهما بالنفي، كما لو كانوا يقولون لها ألا تعود له وترفض الأمر تمامًا. فنظرت لماجد وقالت: _ماشي يا ماجد... هرجع المرة دي وأشوفك صادق ولا لا. ضرب هيثم كفًا على كف، وامتلأت نظرات يامن بالحيرة والتعجب واليأس الشديد. ومن بعد هذا اليوم عادت علا لمنزل زوجها، وليتها لم تعد. فقد جلست أسبوعًا في راحةٍ نوعًا ما، والأمور كانت سلسلةً بسيطةً ومريحةً، وصدقت ماجد بالفعل هذه المرة، إلى أن أتى يوم قرر فيه الثلاثة أن يخرجوا في مقابلةٍ عائلية، وقررت علا ألا تذهب. وبعد خروجهم بساعة تقريبًا، عاد الأب وحده، وأثناء جلوسها في غرفتها بسلام، فُتح الباب فجأة لتنتفض وتستر نفسها فور أن رأته، إنه والدها، وقالت هنا وهي غاضبة: _في إيه يا عمو؟ مش تخبط؟ _آسف يا بنتي... أنا بس عملتلك شاي بورق اللورا اللي بتحبيه... يعني حاجة كاعتذار مني. عقدت حاجبيها في تهيع ثم قالت له: _ش.. شكرًا يا عمو، ولا يهمك. وضع الأب الشاي بجانبها وخرج من الغرفة، رغم أن اللحظة كانت مُقبِضة، ولكنها تجاهلت الأمر واعتقدت أنهم قد عادوا جميعًا، فظلت جالسة منتظرة ماجد دخوله بينما كانت تشرب الشاي، ومع مرور الوقت، غلبها النعاس القوي غير المبرر، كان الأمر شاذًا وغريبًا جدًا بالنسبة لها؛ فهي لم تشعر بهذا الشعور مطلقًا في حياتها، ولم تنم في حياتها البتة، وعاشت بين ساكني منازلها على تمثيل النوم واتدعائه. ولكن تلك المرة، شعرت بالفعل بهذا النعاس القوي، لذلك قامت من مقعدها وهي تترنح، وألقت بجسدها على السرير من شدة الدوار والنعاس الذي تغلغل بداخلها، ثم أغمضت عينيها لتنام نومًا عميقًا. لا تعرف كم مر من الوقت، ولكنها استيقظت بشكل غير كامل مع سيطرة الدوار الشديد على عقلها، فتحت عينيها بشكل جزئي لترى أمامها الأب... وهو يخرج من غرفتها. حاولت بصعوبة أن ترفع رأسها وتستفيق لتنظر حولها ولنفسها، كانت لا تفهم لماذا كان هذا الرجل في غرفتها، لوهلة شعرت أنها كانت مجرد هلاوس بسبب حالة عقلها غير المستقرة، لم تفهم علا ما حدث، ولكن شعور نعاسها القوي أدى لعودتها في أن تغط في نوم عميق وتنسى ما رأته. ومع مرور الأيام والأسابيع، اتضح أنها حامل، خبر جعلها تنسى كل الصعوبات التي مرت بها من شدة ابتهاجها، ومن سعادة ماجد بهذا الأمر، أصبح يخدمها كالأميرات بالفعل، كان يجلب لها الطعام ويدلك قدميها ويعتني بها في أقل التفاصيل الممكنة، ويجلب لها كل ما تتمناه وتشتهي. ماجد كان يعشق علا ومستعدًا أن يفعل أي شيء لإرضائها. في الوهلة الأولى، يظهر أنه رجل مثالي، جميل المظهر، محب كبير، في خدمة أهله دائمًا، ولكن العائق الذي يظهر هو أنه صاحب عقل طفل لم يبلغ، هو ضعف شخصيته أمام أمه للأسف. استمر ماجد على هذا لمدة تسع أشهر، وبعد ولادتها أيضًا، لم يكف عن خدمتها والاعتناء بطفله... أو تحديدا بطفل والده. ولدت علا طفلًا جميلًا اسموه بمحمد. وبعد اثنا عشر يوم نامت علا في ليلة من الليالي للمرة الثانية على التوالي أغمضت عينيها أثناء ما كانت في سريرها ولم يمر دقائق لتجدها تستيقظ في فزع على صوت أم ماجد وهي تصرخ. _ااييه اللي عملتييه دا يخربيتك يا مجنوونةة، قتلتي الوااد؟؟، قتلتييي الوااد؟؟؟، يخربيتك. رأت الأم علا وهي تخنق الرضيع وتقتله تماما وفور أن صرخت انتفضت علا واستيقظت لتجد نفسها واقفة أمام سرير إبنها والأم تحمل الرضيع وتحاول إنعاشه وإيقاظه ولكن فات الأوان. _أصحى يا محمد، أصحى يا حبيبي، أصحى يا حبيبي!!! استيقظ ماجد وهو لا يفهم شيء ولكن من حديث أمه علم أن الرضيع مات، وعلا من قتلته، لم تكترث علا بإتهام الأم لها لتأخذ رضيعاها وتحمله وتحاول إيقاظه مستنكرة فكرة أنه قد مات. _محمد!!!، محممدد حبيبي، محممدد اصحي يا محممدد. قالت الأم وهي تستكمل صياحها في وجه علا: _انتِ مجنونة؟؟؟؟ قتلتي إبنك وعايزاه يصحى؟؟؟ انتتِ مجرمةة ومجنوننةة اقسم بالله انتِ مش طبيعية انتِ تتسجني وتاخدي إعدام. بدأت علا بالصراخ لتدافع عن نفسها واتهامات الام تحرق روحها، بجانب احتراقها على موت ابنها: _مقتلتوش والله العظييم مقتلتوش انتِ ازاايي تقولي كدة حرااام عليكي، دا ابني مستحيل اقتل ابننيي أنا معملتش حاجة والله العظيم. ظل ماجد يحدق بأعين حاجظتان في هذا المشهد المفجع، ما يعتقد أنه إبنه ميت، وأمه تتهم زوجته الحبيبة أنها قتلته، وعلا لا تعرف اتدافع عن نفسها أم تحزن على إبنها، كانت علا تنادي على إبنها يحرثه وقهر عظيم لعله يستيقظ ولكنه لا يستيقظ، جسده مرخي كالدمى ولا يقاوم ولا يقوم بأي رد فعل. وبعد تلك الحادثة بيوم، طلق ماجد علا لينتهي هذا الجحيم الذي عاشته لمدة تزيد عن سنة. لم تتخطَّ علا موت ابنها حتى الآن، وما يزيد جنونها هو عدم نومها ولا مرة طيلة حياتها، مما يجعل عقلها يستمر في التفكير في ذلك اليوم الملعون مرارًا وتكرارًا بدون راحة. عاشت علا من بعدها وهي لا تكف عن الابتسام، فابتسامتها المستمرة لم تكن تعبيرًا عن السعادة، بل كانت مقاومة لكل المشاعر السلبية والقاسية التي نتجت عن كل ما مرت به، خصوصًا من ليلة موت ابنها. أصبحت كأبيها تواجه غضبها وحزنها بالابتسامات، ولكن هناك حدود لتلك الابتسامات، وسيأتي يوم تفقد فيه الشعور بعضلات وجهها تمامًا من شدة الفاجعة التي ستحل بها. *********** . . . . في الزمن الحالي، يُقام العزاء على خالد وزوجته وابنته سلمى عند منزل معتز نظرًا لاستمرار التحقيقات في منزل خالد في الوقت الحالي. كانت حالة معتز وهيثم يرثى لها، معتز ينحب بقوة، قلبه منفطرًا على ابنه وحفيدته، القهر الذي يعتليه كاد أن يفتك بروحه ويقتله من هول الصدمة والفجعة. في العادة، الرجال المسنون مثله يموتون قبل أولادهم مهما كبر سنهم، وهذا ما كان يعتمده معتز، ولكن الأرواح بيد الله، يأخذها متى يشاء. مات ابنه قبله بطريقة وحشية مأساوية. لم يتخيل في حياته أبدًا أن تكون تلك نهاية ابنه العزيز وحفيدته المليحة. ذهبا في حادث مروع سببه مجهول عند معتز وهيثم. أما هيثم، فكانت عينيه مغرورقة، يصعب عليه البكاء، كما يصعب على عقله استيعاب نهاية شقيقه الشنيعة. جالسٌ شاردٌ، عاجز عن إبداء أي رد فعل. فما حدث كان شديد القسوة على عقله وقلبه. فقدان شقيقه بقتل نفسه، ومعه قتل زوجته، ثم تقتل سلمى نفسها؟ ما كل هذا؟ لماذا كل هذه الأهوال؟ ما الذي حدث؟ هنا جاء يامن للعزاء وقام بواجبه مع معتز وهيثم، ثم جلس بجانب هيثم وبدأ يربت على ظهره ليواسيه. فيامن يشعر بشعور مشابه لما يشعر به هيثم، ففقدان الشقيق لهو أمر يجعل القلب ينصهر حسرةً وقهرًا. _البقاء لله يا هيثم، اصبر واحتسب، الله يرحمهم يا رب ويثبتهم عند السؤال ويجعل قبرهم روضة من رياض الجنة. صدقني، أخوك ما يقدرش يعمل كده... أكيد في جريمة ورا اللي حصل لهم ده. قال هيثم بنبرة بها ارتجاف قوي: _مش عارف والله يا يامن إيه اللي حصل، والله مش عارف إيه اللي حصل، عندي إحساس إن علا تعرف، بس هي مش عايزة تتكلم مع حد خالص... لم يتحمل هيثم، فانهالت دموعه وبدأ يبكي بحرقة شديدة. فاحتضنه يامن برأفة، يحاول مواساته. أما الآخرون، فكانوا يواسون معتز الذي لم يكف عن البكاء أيضًا. كم هو أمر مأساوي أن تحدث تلك النكبة القاسية لعائلة مسالمة يقودها رجل طيب القلب مثل معتز. معتز لا يستحق كل هذا العناء البتة. بعد قليل، وصل كل من نوح وسليم للعزاء وقاموا بواجب العزاء مع هيثم ومعتز. كان يامن يريد أن يحدث سليم عن فريدة، ولكنه قرر أن يؤجل الأمر حتى ينتهي الجميع. وأثناء ما كان نوح يعزي معتز ويواسيه ويصبره، سأله عن علا، ودلهم على غرفتها في المنزل، فصعدا إليها. تعجب يامن قليلًا وقال لهيثم: _معلش بس هو... عادي كده يخشوا أوضتها؟ قال هيثم: _دول إخواتها يا عم، هي مقالتلكيش؟ اتسعت أعين يامن دهشة وصدمة، بعدها التزم الصمت وهو يحاول استيعاب الأمر، واستيعاب أن زوج أخته هو أخو علا. أخذ نوح سليم ودخلا المنزل الذي كان به النساء، ثم صعدا لغرفة علا وطرق نوح بابها، ولكنها كانت لا تجيب. فطرق مجددًا وهو يقول: _حبيبتي، أنا نوح... ينفع أخش؟ فور أن علمت أنه نوح، نهضت من سريرها بسرعة وفتحت الباب، وألقت نفسها في حضنه لتعانقه عناقًا قويًا مشحونًا بالمشاعر. كانت علا تعانق نوحًا بلوعة قوية، كما لو كانت لم ترَ أحدًا رشيدًا يحميها ويبث الصبر في قلبها منذ زمن بعيد. انفجرت باكية في حضنه، وهو يحسس على شعرها ويواسيها بصوته الرخيم الهادئ: _بس بس يا حبيبتي، خلاص والله، دموعك دي بتنزل على قلبي تحرقه، مقدرش أشوفك كده يا حبيبتي، خلاص... قال سليم وهو يربت على ظهرها وهو شديد الحزن عليها: _اهدي يا علا، والله شفتك وأنتِ بتعيطي كده بتخليني عايز أموت نفسي. نظر نوح إلى علا وجعلها ترفع رأسها له، وهو يقول قلقًا متهيعًا: _قولي ليه عملوا في نفسهم كده؟ لو في مجرم فعلاً زي ما بيقولوا، والله ما هسيبه. قالت علا بحسرة وأسى قاتل: _أنا السبب يا نوح... أنا السبب. _يعني إيه؟ ارجوكي يا علا، فهميني. سكتت مدة، وهي تجد صعوبة جسيمة في نطق اسم هذا الملعون من قوة الغصة في حلقها، ولكن بعد معاناة قالت: _ع.. عصام... عصام يا نوح. قال سليم وهو محتار ومتعجب من ذكرها لإسمه: _عمل إيه؟! سردت علا لهم كل ما حدث وما فعله عصام بسلمى، وأدى إلى نهاية تلك العائلة تمامًا، وانتهت حديثها بقولها ونبرتها تحمل الندم والأسى الشديد: _أنا السبب... لو ما كنتش روحت لعصام اليوم ده، وما شافنيش خالد عنده... النظرة اللينة الرحيمة التي كانت في عيني نوح تحولت تمامًا. تحولت نظراته لنظرات تفيض بالسخط المكتوم. فمن شدة صدمته واحتدامه الذي حبسهم نوح لكي لا يدك المنزل بمن فيه لم يبدي أي رد فعل ليقول سليم بدلًا عنه، الذي تقبل الصدمة بلين أكثر. _فين موبايل خالد؟ _معايا... مش عارفة أعمل بيه إيه لو وقع تحت إيد البت هتتفضح. _متقلقيش... هاتيه وهفرنطه تمامًا. أعطته الهاتف ودسه سليم في جيبه ليقول نوح هنا: _تعالى معايا يا سليم. قالت علا في قلق: _رايحين فين؟ لم يجيبها نوح، وخرج بخطوات قوية من شدة احتدامه من قوتها كما لو كانت تهز الارض، خطوات سريعة ثابتة تعلم تمامًا غايتها، يسير نوح متجهًا لسيارته متوعدًا أن يضع حدًا أبدًا لذلك المدعو عصام. ************ يجلس عصام في منزله وهو يشرب الجعة ويشاهد التلفاز، بينما وصل نوح إلى شارع منزله ويسير مع سليم متجهًا إلى بنايته، ولكنه توقف فجأة حين مر أمام الحدّاد، ولمح عنده إزربة، تلك المطرقة الحديدية القوية العملاقة. أتى في بال نوح فكرة ليتقدم إلى الرجل الحداد وهو يقول: _ينفع استلف منه المرزبة دي؟ _دي مش للسُلفة والله يا ريس. أخرج نوح ألف جنيه من محفظته وهو يقول: _طب لو كده؟ نظر الرجل إلى المال، وبعد تفكير لم يطل مدته، أخذ المال وهو يومئ برأسه لنوح، فقال نوح لسليم: _ينفع تشيلهالي لو سمحت، مش عايز أمسكها أنا لحد ما أقابل عصام. حملها سليم وهو متردد: _إنت عايزها ليه بالظبط؟ _هتشوف. أثناء جلوس عصام، سمع صوت جرس الباب فقام واتجه للباب بخطوات متكاسلة وثملة، وفتحه ليرفع حاجبيه في دهشة باردة وهو يقول لإخوانه: _إيه المفاجأة الحلوة دي؟ خشوا خشوا. دخلا كلاهما، ونوح ينظر لزجاجات الجعة وحال عصام المثير للشفقة، وهو يسأله: _مروحتش العزا ليه؟ _عزا إيه؟ قال سليم عاقدًا حاجبيه ضائقًا ذرعه من عصام: _هو إنت متعرفش حاجة خالص كده؟ قال عصام وقد سئم من مماطلتهم: _ما تخلصوا تقولوا عزا مين من غير لف ودوران. قال نوح وهو يكظم سخطه العارم ليعطي عصام فرصة للندم: _سلمى البنت الصغيرة اللي انت اغتصبتها وفضحتها...انتحرت...وبعد ما ابوها صورتها معاك وشاف ان بنته انتحرت، قرر انه يقتل مراته وبعديها قتل نفسه. في الحقيقة، فقد صدم عصام بالفعل مما سمعه، فهو لم يتوقع أن تكبر تلك الأهوال من صورة تافهة في نظره، وقال بنبرة باردة: _يا ساتر يا رب... مكنتش أعرف أن الموضوع ممكن يوصل للدرجة دي، يلا الله يرحمهم. ثبت نوح بصره على عصام وهو يحملق فيه محاولًا استيعاب ردة فعله الأبَرَد من زمهرير تلك، ورغم حنقه وسخطه الحارق الذي شعر سليم بحرارته وهو يقف خلفه، إلا أن نوح ما زال يتحدث بهدوء وهو يقول: _هو إنت مفكر إنك هتفضل عايش كده؟ من غير ما تاخد جزائك؟ مفكر إنك هتفضل تعمل العمايل الوسخة دي وإنت مرتاح؟ مش خايف من أي عقاب؟ عقاب؟ تلك الكلمة لا يعتادها عصام، ويستخف بها دائمًا نظرًا لعدم تعرضه لها من الأساس. عاش عصام حياته كلها دون أن يرى أي عواقب لأفعاله، يفعل ما يحلو له وما يروق له دون الخشية من أي عواقب. من الذي سيعاقبه من الأساس؟ فهو رجل شرطة، لديه نفوذ بين طبقات المجتمع، ضخم وقوي البنيان، من يستطيع أن يتعرض له؟ لا أحد. إن العقاب أمر أساسي في تكوين السلوك الإنساني، فإن كان العقاب معقولًا في وقته المناسب، سيتكون منه سلوك إنساني منطقي، يعلم الحدود والمبادئ، وسيعلم المرء ما هي الخطوط الحمراء، العبارة عن المحرمات وكل ما هو مؤذي للناس لكي لا يتعداها. أما من مثل عصام، الذي لم يتعرض لأي عقاب في عمره، فهو لا يتعدى الخطوط الحمراء فقط، بل يسبقها بمئات الكيلو مترات. ونوح يعلم ذلك، وقرر أن يعيده لما قبل الخطوط الحمراء ويعطيه جزاءه الذي لطالما تمنى إعطاءه. أجاب عصام هازئًا بعدما ضحك ضحكة قصيرة: _عقاب إيه يا عم... أنا أخاف من إيه يعني؟ قال نوح بنبرة صارمة، محتفظًا بهدوئها وبأعين مستشيطة لا تطرف: _تخاف مني! بعد تلك الجملة اعطى عصام لكمة في غاية القوة جعلته يرتطم ارضًا وقبل أن يحاول العودة للنهوض أمسك نوح بالإرزبة وإنهال بها على عصام بالضربات المتتالية المبرحة وهو يصيح ساخطًا بقوله: _خمستاااشر سنة، تعمل كدة بنت عندها خمستاااشر سننة وتنتحرر بسبببك يابن الكلب، خمستاااشر سنة!!!!! رغم أن الإرزبة وحدها لم تكن ستؤذي عصام بهذا الشكل، ولكن قوة نوح الجسيمة المشحونة بها جعلت عظام عصام تتفتت، عصام يصرخ مستنجدًا بسليم، ولكن سليم كان يحدق في أعين نوح منقبض قلبه بذعر مما يراه، ملامح نوح كانت مرعبة، كما لو كان يرى أمامه أدهم بذاته، كان يسمع صوت عظام عصام تُكسر وتُدك، يرى دماءه تنهمر وتنفجر في كل ضربة يضربها نوح. كل عظمة في جسد عصام تم كسرها لأربع أجزاء كأقل حد، حتى خرج معظم العظام المكسوره خارج جلده، عصام أصبح مشوهًا بأبشع طريقة ممكنة، ولم يصدق سليم أن ما فعل ذلك هو نوح، عصام يبكي ويعول وكلما يبكي كلما يلكمه نوح في فمه وذلك أدى لكسر جزء كبير من جمجمته وفكة من الضربات القوية المتتالية، وكان نوح طيلة الوقت يسبه بأبشع السباب. حين رأى نوح أن عصام لم يعد يقاوم وتم تدمير كل شبر في جسده التفت لسليم لينتفض سليم من خوفه من أخيه وقال له: _هنوديه لهناك...خش شوف في اوضته مسدس ولا لا. اومأ سليم برأسه وهو يقول _ح..حاضر. دخل سليم غرفه عصام ووجد بالفعل مسدس وأخذه وأعطاه لنوح بعدها أمر سليم _قلعله هدومه. نظر سليم بتردد لعصام ولكن خوفه من نوح جعله يطيعه، خلع قميص أخيه وبنطاله وقطب وجه سليم بشدة من مظهر الكسور والجروح والكدمات الشنيعة التي تعبيء جسده، لم يطيق سليم النظر أكثر في جسد عصام وخلع قميصه وبنطاله وترك سرواله الداخلي وهو يشيح ببصره، وكل حركة بسيطة كان عصام يصيح منها متألمًا، ولكن للأسف لم يكف نوح عند ذلك. فوجد سليم أخيه نوح يخرج من الحمام وبيده زجاجة ماء النار للتنظيم، لينهض سليم واقفًا بذعر وهو يقول: _إنت هتعمل ايه؟! أمسك نوح بيد سليم ليبعده عن عصام ومن بعدها بدأ يسكب ماء النار الحارق على جلد عصام ليعود عصام في الصياح العظيم، صراخ قد يشق السماء من شدته عظمته، فشده صراخه تظهر حجم الآلام الغير محتملة الجسيمة التي يشعر بها عصام حاليًا، لم يرضَ سليم بهذا وأمسك بيد نوح ليوقفه وهو يقول: _خلاص يا نوح كفاية خلاص خلاص!!! نظر له نوح نظره جعلت القشعريرة تتغلغل في جسد سليم من رعبه، لم يرَ نوح بهذا المظهر من قبل، كانت نظراته باردة صارمة ومفزعة، وما جعل سليم يهابه هو أن بدا عليه أنه مستمتعًا بتعذيب أخيه. يبدو أن عصام تلقى بشاعة كل ما مر به نوح طيلة حياته، ولم يكن يفعل نوح هذا بأخيه لو لم يمر بتلك الأهوال، ورأى نوح أن تلك هي العقوبة المثالية لعصام، رأى أن من الواجب أن يواجه عصام ما واجهه هو وأخيه مصطفى وكل المعتقلين الذي قام بتعذيبهم بالفعل. ما فعله نوح بعصام ليس إنتقامًا لسلمى فقط، بل إنتقام لرحمة، ولإيمان، ولأحمد، ولكل المعتقلين الذي عذبهم من قبل، يرى نوح أن عصام يستحق ما هو أشنع من ذلك لولا سليم لكان افتك به لحد الموت بكل أنواع التعذيب. أغلق نوح الزجاجة، وإنغمرت الارض بدماء عصام، وعصام يتنفس بعصوبة قاتله من فظاعة الآلام التي يشعر بها ومنها بسبب كسور ضلوعه ايضًا. وضع نوح المسدس في حزامه بنطاله وهو يقول ببرود لعصام: _تعالى بقا عشان شكل دي هتبقا نهايتك. أمسك نوح بشعر عصام وبدأ يسحبه على الارض ليعود عصام في الصياح من احتكاك إصاباته الشنيعة بالأرض، كان عصام لا يتوقف عن الصراخ والتوسل لنوح بأن يتوقف ولكن نوح كان يزجره: _اكتم يالا!! حالة عصام الحالية لا يحسد عليها البتة، ألم جسدي لا مثيل له ولم يواجه أحد أقسى منه، إهانة واذلال لا يتحمله حيوان، تمنى حقًا عصام أن يتبخر ويختفي في هذه اللحظة، تمنى لو لم يقترب من سلمى مطلقًا، تمنى لو لم يكن على قيد الحياة ابدًا، تمني لو لم يولد، كان نوح يسحبه وينزل به من على الدرج واحتكاك جروحه البليغة وعظامه بصخور الدرج الصلبة أدى لشعوره بألم جسيم قادم من جوف الجحيم لا وصف له. خرجوا من العمارة والقاه نوح بداخل السيارة في المقعد الخلف وامر سليم ان يرجع الارزبة للرجل ويعود ليركب السيارة وينطلق لمنزل معتز. *********** عند منتصف الليل، وانتهاء وقت العزاء، كان كل من علا وهيثم ومعتز جالسين سويًا في الصالة، مستوحشين حالهم، حيث لا يوجد خالد يشاجرهم ويشكو لهم كل ما يحدث في حياته، ولا توجد زوجته التي كانت تساعد معتز في الطبخ دائمًا، ولا توجد سلمى التي كانوا يسمعون أصوات دعابتها للقطط بشكل مستمر وحديثها الدائم مع علا في منتجات التجميل والملابس والموضة. جالسين في صمت، وهيثم وعلا يواسون معتز الذي لم يكف عن البكاء، وقطع هدوئهم صوت طرق الباب. تعجبوا من زيارة أحدهم في هذا الوقت، وقام هيثم متجهًا إلى الباب. وحين فتحه ورأى نوح وسليم، قال لهم: _خير؟ في حد ييجي لحد الساعة دي؟ _مش عايز تاخد حق أخوك؟ انتبه هيثم لوجود عصام في هذا الحال الشنيع، ومن صدمته لم يمنع نوح من الدخول. فدخل نوح وهو يسحب عصام وسليم خلفه. صوت أنين عصام العالي جذب انتباه علا ومعتز فخرجا من غرفة المعيشة ليقابلا هذا المشهد أمامهم. وفور أن أتى معتز لهم قال نوح: _هو دا السبب في ابنك وحفيدتك يا أستاذ معتز. محدش هياخد القصاص غيرك إنت. أخرج نوح المسدس وأعطاه لمعتز. فقال معتز وهو يمسك المسدس، مرتجفًا مرعوبًا من مظهر عصام: _أنت لازم تفهمني، إزاي هو السبب؟ ومن عمل فيه كده؟ وإيه اللي بيحصل؟! سرد نوح له كل ما حدث، وكيف أن عصام هو السبب الرئيسي في تلك العائلة. وكلما يتفوه نوح بكلمة، يزداد جحوظ عيني معتز وهو يحدق في عصام، وتفيض عيناه بالصدمة والقهر والحسرة والسخط. ويزداد ألم قلبه بعد كل كلمة كما لو كانت كلمات نوح تطلق أسهمًا منصهرة تخترق قلبه. كما هو الحال مع هيثم الذي يستمع لكل هذا ويشعر بلهيب يكوي عقله من هول ما ينطقه نوح. أما علا فكان الندم ينهش في روحها لحد الموت، وأنهى نوح حديثه بقوله: _المسدس في إيدك أهو، وهو قدامك. ليك كامل الحق أنك، بل دا حق نص الشعب المصري... الراجل دا لو ماماتش، ففي كتير هيروحوا زي سلمى... سلمى مكانتش الضحية الأولى يا أستاذ معتز. ابتلع معتز لعابه، محاولًا إزالة الغصة من حلقه، وقال بنبرة مرتجفة: _بس دا أخوك. _ميشرفنيش يكون أخويا، ولا يشرف علا. مد معتز يده شديدة الارتعاش مصوبًا المسدس إلى رأس عصام الملقى على الأرض، ولكنه لم يتحمل. إذ أن معتز رجل بسيط صاحب قلب لين لا يطيق كل هذا العنف والقسوة. حين لاحظت علا تردد معتز، سحبت المسدس منه وأطلقت عليه كل الطلقات حتى فرغ المسدس من الرصاص. كم هي مأساة! فقد أحبّت علا عصام حقًا، وكانت تهتم لأمره أكثر من أي أخ سواه. كانت تسعى لجعله رجلًا صالحًا ليعيش حياة جميلة بينهم. كانت تسعى لجعل عائلتهم عائلة طبيعية. تتذكر في المرة الأولى التي بدأ يحكي لها عن ماضيه فور أن شعر معها بالراحة قبل أن يعلم أنها أخته. تتذكر جلساتهم سويًا ومزاحهم سويًا، وتتذكر نظراته الصادقة حين كان يعبر عن رغبته الشديدة للتوبة لأجلها. أكانت تلك النظرات كذبًا؟ خيانته لها كانت بشعة لا تغتفر، ولن تسامحه علا عما فعله أبدًا طيلة حياتها، رغم تحسرها الجسيم على علاقتهما سويًا وعلى حبها له... ولكن ما فعله بها لم يثبت أي شيء سوى أنه لا يحب سوى نفسه. رصاصة من رصاصات علا اخترقت رأسه لتعلن عن موته النهائي. ومن بعدها، أنزلت يدها وهي تحدق في جثة عصام بنظرات جامدة منتقمة وعينين لا تطرفان. نظر معتز وهيثم إليها في صدمة من تصرفها، وظنوا أنها ستجهش بالبكاء، ولكنها لم تفعل. فقد كانت هادئة تمامًا. وهنا قالت لمعتز: _أنا آسفة يا بابا... أنا السبب في إنه يشوفهم... كل دا مكانش هيحصل لولايا. لم يطق معتز الأمر أكثر وتركهم دون أي رد فعل، وصعد إلى غرفته. بعدها أمر نوح سليم بأن يحمل جثة عصام ويضعها في السيارة، ثم اقترب إلى علا وأخذ من يدها المسدس، وقبل رأسها وعانقها لمواساتها: _أنتِ مش السبب في أي حاجة، متزعليش نفسك، اللي عملتيه دا صح. بعدها ابتعد عنها، والتفت لكي يعود، ولكن استوقفته بقولها: _استنى يا نوح، أنا هاجي معاك، أنا هروح أجهز شنطتي وأنزل. قال هيثم: _هتروحي فين؟ _مينفعش أقعد في البيت دا يا هيثم خلاص... لازم أبعد. لم يرضَ هيثم بقرارها واقترب منها وهو يقول معترضًا: _هو إيه اللي لازم تبعدي؟ دا بيتك! أنتِ ماعملتيش حاجة عشان تمشي. نظرت علا إليه وقالت بملامح مجهدة ونبرة يائسة: _أنا شؤم يا هيثم، أم ماجد مكدبتش لما قالت إني لعنة وشؤم... بسببى مات أخوك وبنته ومراته. _ بطلي تقولي كده، أنتِ مش السبب في حاجة... أنا مش هسمحلك تسيبينا يا علا، أنتِ بنتنا وإحنا عيلتك. أنتِ لو سيبتينا هنتوجع أكتر، وبابا هيزعل أكتر، دا أكتر وقت هو محتاجك فيه. نظرت علا لنوح لتستنجد به، فقال نوح لها: _هيثم عنده حق يا علا... أنتِ مش السبب في حاجة ودا بيتك. أما قولك بإنك لعنة... فأظن أنا وأنتِ وإخواتنا لعنات يا علا، أنتِ بالفعل لعنة زيك زيينا، فحاولي تتعايشي مع الموضوع دا. خرج نوح تاركًا إياهم، ووصل إلى سيارته، ورأى سليم متكئًا عليها. وحين اقترب منه قال: _يلا اركب عشان نشوف أي خراب ندفنه فيها. _مماتش. توقف نوح والتفت إلى سليم بنظرة تعجب شديدة، ليردف: _اتأكدت إنه لسه حي، وواضح إن الرصاصة مادخلتش مخه. قدامك دلوقتي حلين: يا تخلص عليه بنفسك دلوقتي وتتأكد إنه مات، يا توديه المستشفى يتعالج. ظل نوح واقفًا يفكر في مصير عصام، لترتسم على شفتيه ابتسامة طفيفة وهو يقول: _وفيه حل تالت. _واللي هو؟ _يا إما نوديه مختبر يوسف، أو بيت يوسف، ووقتها نعالجه بالطريقة اللي تناسبه. ----------------------- *•عطلة الاسبوع القادم•*
ROMISAA