مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١

مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١

35 0

٨٩ انتهت الأحداث الأخيرة بفضح نور الديب وكشف جيش ذود لأكاذيبه، وعودة حظر التجوال بسبب أدهم، وقيامه بجريمة شنيعة أمام أعين عمر وبصحبته. علم نوح بمكان غادة، الذي كان يحاصره آلاف من تلك الكائنات الغامضة، والتي سيحاربها لأجل إطلاق سراحها، مع يقينه بأن محاربته لها ستؤثر على صحته العقلية. كما رغب في التحدث مع إسماعيل ليسأله عن مكان تغريد، حين علم أن هذا المكان هو الذي لطالما سمع نور يتحدث عن ذهابها إليه. توالت الأيام حتى وصل الأسبوع إلى يومه السادس، مع اقتراب يوم عرفة بعد ثلاثة أيام. بالقرب من إحدى البنايات حيث يقع المركز الذي يُعطي فيه نوح دروسه، كانت تقف ثلاث فتيات في الصف الثانوي من طالبات نوح، بدا عليهن أنهن يتناقشن في أمر غامض يخصه. _يعني مجاميع امبارح شافوا منه نفس المشكلة؟ سألت هذا السؤال إحدى الفتيات، فأجابتها الأخرى: _أيوة يا بنتي، كان بيكتب المسائل بشكل غريب. ولما قالوله يكتبها تاني، رجع كتبها تاني بنفس الشكل الغريب ده. قالت الفتاة الثالثة: _وهما قعدوا الحصة كلها يشوفوه كدة من غير ما يقولوله أو يقولوا للأسيستانت؟ _هما كانوا خايفين منه، خصوصًا لما حاولوا يهزروا معاه أول مرة، صدّهم وزعقلهم. وهو آخر فترة، خلقه ضيق أوي وغريب، محدش بقى مستحمله، بس اللي صبرهم إن المسائل كانت مكتوبة في الكتاب. صمتن الفتيات مدة، وهن في حيرة، لتقول الفتاة الأولى: _أكيد هو بيعاني من حاجة نفسية، أنا معاه من أولى ثانوي، ودائمًا بلاحظه كده، مطفي وتعبان. رغم شرحه الجميل، بس بحس إنه... تعبان أوي كده، فاهماني؟ _لا يا ملك، دي مش حاجة نفسية، ده بقى مجنون رسمي. ده كاتب أرقام جوا بعض وبيقولهم المسألة مكتوبة كويس، ومش شايف أي مشكلة. في تلك اللحظة، لاحظت الفتاة التي تُدعى ملك سيارة نوح تأتي وتقف في الجهة المقابلة لهن. فور أن توقفت، أخرج قنينة كبسولات طبية وأخذ واحدة، وقد لاحظت ملك هذا واخذته في الحسبان. ترجل من سيارته واتجه إلى البناية. وكعادته حين يراهن خارجها، كان يُسلِّم عليهن ويطلب منهن أن يتبعنه، لكن هذه المرة لم ينظر إليهن حتى، ولم يلاحظهن البتة. وهذا ما زاد الضيق في صدر ملك بسبب قلقها عليه. بدأت الحصة، وبدأ نوح بالشرح الطبيعي الذي لا عوج فيه. لم يلاحظوا أي اختلاف أو اختلال، إلا حين وضع قلمه على السبورة وبدأ في الكتابة. كان نوح يرى أنه يكتب مسألة عادية بانتظام، يرسم المثلث بشكل طبيعي وواضح، والأمر كان اعتياديًا ومرتبًا. على عكس ما كان الطلاب يرونه، فقد رأوا رجلًا يكتب أرقامًا مبعثرة، خصوصًا المثلث، كان متداخلًا لا يُكوّن مثلثًا ولا شكلًا من الأساس، والحروف متعرجة متناثرة لا مكان محدد لها، حتى الطفل الناشئ لو كتب، سيكتب بشكل أكثر تنسيقًا مما يفعله نوح. كان الطلاب في حالة من الصدمة، يتبادلون الابتسامات الساخرة المتعجبة، حتى سمع نوح أحد الطلاب يضحك بصوت خافت، فالتفت إليه وهو يقول: _هو أنا قلت نكتة ولا حاجة يا حبيبي؟ قال الطالب: _لا يا مستر والله، كنت بحسبك بتهزر معانا بس. عقد نوح حاجبيه في تهيع وضيق: _بهزر في إيه؟ مش فاهم. ارتبك الطالب قليلًا وهو يشير إلى السبورة: _عاللي حضرتك كاتبه يعني... التفت نوح إلى السبورة وهو يُمعن النظر فيما كتبه، لكنه لم يرَ أي مشكلة، فالمسائل أمامه مكتوبة بشكل طبيعي كما هي. عاد ونظر إلى الطالب وهو يقول: _بس يا حبيبي، أنا مش ناقص جنان، الله يخليك. استغرب الطالب، وبدت على عينيه الدهشة الشديدة، وكذلك بقية الطلاب، فقالت طالبة هنا: _ط.. طب معلش يا مستر، ينفع ترجع تكتبهم تاني؟ أغمض نوح عينيه بقوة، محاولًا كبح سخطه تحت جفونه، ثم فتح عينيه وقال لها: _لا، مش هكتبهم تاني، المسألة عندك في الكتاب. في تلك اللحظة، لاحظ ملك أنها تقوم بتصوير السبورة، فزجرها بصرامة قائلًا: _أنتِ بتصوري إيه أنتِ؟ هو أنا مش قلت المسائل في الكتاب؟ انتفضت ملك ووضعت هاتفها وهي تقول: _معلش يا مستر، مخدتش بالي. أكمل نوح الحصة في أجواء مشتتة موترة بين الطلاب. لم تكن هذه أجواؤه المعتادة، فقد كان دائمًا يداعبهم ويستخدم الأساليب المريحة والتشاركية أثناء شرحه، لكن هذه الحصة كان شرحه مباشرًا، رتيبًا، وصارمًا. استمروا على هذا النظام لمدة ساعتين، إلى أن انتهى نوح واتجه إلى غرفة مساعدينه. هنا، نهضت ملك بسرعة واتجهت هي الأخرى إلى غرفة المساعدين، لتجد نوح جالسًا في شرود عميق. أتت إلى المساعدة وهي تقول: _بقولك يا مس، أنا عايزة أوريكي حاجة. نظرت المساعدة إليها بينما أخرجت ملك هاتفها على صورة السبورة وما كتبه نوح، وأعطتها لها وهي تقول بنبرة تتشرب بالقلق والحذر: _بصي يا مس... بيقولوا من امبارح، المستر بيكتب المسائل بالشكل ده... هو واضح إنه مش مستوعب أو عقله مش عارف يطلع الغلط، بس... أنا مكسوفة أقوله، فقوليله أنتِ، لأني خايفة عليه. قطبت المساعدة جبينها من غرابة ما رأته، أهذه كتابات نوح، المعلم العبقري النبيه؟ لم تصدقها، فنهضت متجهة إلى القاعة، ونظرت إلى السبورة، لترى بالفعل هذا العبث المكتوب عليها. ولم يكن ذلك مرة واحدة، بل كررها في مجاميع اليوم السابق. التقطت صورة، وعادت متجهة إلى نوح. فنظر نوح إليها منتظرًا ما ستقوله، لترِيه الهاتف وهي تقول: _بص كده يا مستر. نظر نوح إلى الصورة وهو يقول: _إيه ده؟ _ده اللي حضرتك كتبته في الحصة دي. نهض نوح بحركة بطيئة تدل على صدمته وتعجبه الشديد وهو يقول باستنكار وحنق: _يعني إيه ده اللي كتبته؟ مش فاهم! لا، أنا مكتبتش ده! إيه ده أصلًا؟! مفيش عيل بيعمل الشخابيط والأرقام دي، أنتِ بتهرجي؟ _والله ده اللي حضرتك كتبته، أنا شوفته بعيني. العيال بيقولولك إن فيه حاجة غلط، بس أنت شايفها عادية... مستر، أنا لما لاحظت تعبك النفسي، قلتلك مليون مرة بطل الشغلانة دي، عشان هتأذي نفسك، ومصدقتنيش. أرجوك يا مستر، ارتاح لحد ما تتعالج بشكل كامل، وارجع تاني. حرك نوح رأسه نافيًا مستنكرًا، وبخطوات مستشيطة سريعة مر بجانبها متجهًا إلى القاعة، والتي اجتمعت فيها المجموعة الأخرى. دخلها ونظر إلى السبورة فورًا ليستوعب عقله ما فعله، رأى بالفعل حقيقة ما كتبه عليها. وقف نوح أمام السبورة، عيناه معلقتان بذلك الهذيان المسطور عليها. للحظة، ما يشهده ليس مجرد خطوط وأرقام متشابكة متداخلة وعشوائية، بل كان إعلانًا عن انهيار عنيف صامت لعقله وإثباتًا لجنونه التام. الفتى الذي تمتع بالعبقرية في مراهقته، المعلم الذي تمتع بالفطنة والدهاء في شبابه، أصبح رجلًا خَرِفًا قبل شيخوخته. ذكاؤه الذي طالما افتخر به لم يعد سوى أطلال خاوية. عقله الذي كان حصنه الأخير لم يعد حصينًا وأصبح يندثر شيئًا فشيئًا. ذكاؤه، إرثه الوحيد، لم يعد ملكه. الأرقام التي كانت يومًا لعبته المفضلة أصبحت طلاسم مبهمة. التفت إلى طلابه، وشعر أن أعينهم الشاهدة على هذا الدمار ليست أعين طلابه، بل شهود على جنونه الذي لم يكن من المفترض أن يظهر للعلن. كيف حدث هذا؟ كيف أصبح الرجل الذي يُسأل عن أعقد المسائل الرياضية غير قادر على كتابة معادلة بسيطة؟ ولكنه يعلم كيف حدث هذا، كما حذره مايا من محاربة تلك الكائنات، فَكَثرة استخدامه لقوته ستزيد من التهاب عقله، وبالتالي سيشتد مرضه وهذيانه، وكل الأعراض الدالة على جنونه. امرهم نوح بالعودة لمنازلهم بعدها خرج لغرفة المساعدة والتقط بحقيبته وخرج مسرعًا منها. كانت خطواته الهابطة على الدرج سريعة، كمن يفر من العار المتلاحق من أعين طلابه. فور اقترابه من باب المبنى، استوقفه دخول أحدهم أمامه، شاب وسيم جذاب، ذو ملامح آسيوية وجسد رياضي. كان يتدلى من حقيبته معطف أبيض، فعرفه نوح من معطفه؛ لقد كان مهاب، زميل غادة في المختبر. وقفا أمام بعضهما، ومهاب يرمقه بنظرات ممزوجة بعدة مشاعر؛ غضب، شفقة، تعجب. _إزيك يا مستر نوح. أجابه نوح بنبرة تُظهر محاولته زحزحة غصته: _الحمد لله، حضرتك محتاجني في حاجة؟ سكت مهاب بتردد، ثم قال: _التواصل معاك صعب، فاضطريت أجي أسأل عن غادة... مختفية بقالها عشر أيام تقريبًا. لا سليم يعرف طريقها، ولا زمايلها في الكلية، كلهم بيقولوا إنها اختفت بعد امتحانات العملي بتاعتها. أنا مش جاي لحضرتك عشان أنا بس اللي قلقان عليها، لا، أنا جايلك بالنيابة عن كتير قلقانين عليها. أحس نوح بنبرة غضب مكبوحة بين أحبال مهاب الصوتية، مما جعله في حالة من السكوت الطويل. فهو يوقن تمامًا أن مهاب ليس شابًا عاديًا يسأل عن زميلة، بل شاب معجب بفتاة متزوجة، ويأتي لزوجها بكل وقاحة ليطمئن عليها بأسلوب يحمل اللوم الخفيف. كل ما فعله نوح أنه تجاهل مهاب ومر بجانبه، فاستشاط مهاب غضبًا والتفت وهو يلحق به: _مستر نوح!! أنا بكلم حضرتك!! وقف مهاب أمام نوح وهو يقذف غضبه دون الالتفات إلى مشاعره: _إنت سيبتها خمس شهور بحالهم لحد ما الهَمّ والوحدة قتلوها من حبها ليك! وهي صابرة ومستنية رجوعك ليها، بس حتى بعد ما هي اختفت الاختفاء المرعب ده، إنت مفكرتش تدور عليها؟ ولا حتى عايز تطمّن حد عليها وتثبت للي حواليك إنك بتحاول تدور عليها؟ إنت للدرجة دي بتكرهها؟! ظل نوح يحملق فيه بنفس نظراته الباردة الميتة، دون أن يبدي نية للرد عليه، لا بلسانه ولا حتى بقبضة يده. إلى أن أردف مهاب قائلًا: _على فكرة، أنا هعمل محضر، وهخلي الشرطة يدوروا عليها. ربنا يستر متكونش إنت ورا الموضوع ده، لأن من كلامها عنك بان إنك إنسان محترم، والمفروض بتحبها. أومأ نوح برأسه، كمن يحاكيه على قدر فهمه، وهو يقول: _ماشي يا حبيبي، روح اعمل، مع السلامة. قطب مهاب جبينه في صدمة وتعجب شديدين من رد فعل نوح، بينما دخل نوح سيارته، وهو كظيم، والهم يعتلي روحه وعقله حتى كاد ينهمر من عينيه على هيئة دموع. وفور أن دخلها، سمع صوت مايا يقول له: ~هانت يا نوح، فاضلك نومة واحدة، وغادة هتخرج إن شاء الله. أومأ نوح برأسه في صمت، ثم فتح حقيبته ليخرج مفتاح سيارته، لكن استوقفته ورقة بدا أنها دُسّت بين أوراقه وكتبه. سحبها نوح، ووجدها ورقة صغيرة مكتوبًا بها رقم هاتف، وبجانبه: <فياض راشد، دكتور نفسي> قبض نوح على الورقة، وقام بكفكفتها وألقاها خلفه، وهو يشعر بضيق عظيم. ثم قام بتشغيل السيارة، وألقى نظرة أخيرة على مهاب الواقف يحدق فيه، ثم انطلق.                           *********** بعد أن تم فضح نور من قبل مصطفى، أمر باصطحاب جمال وفرقته إلى سوهاج لاستكمال حربهم مع الميليشيات التي تقبع فيها وتتخذها ملجأً لها. استمرت حرب سوهاج لمدة ستة أيام، حاربهم جيش ذود ببسالة، يمضون بين الميليشيات كالسيوف، يسلبون أرواحهم عشرات تلو العشرات بسهولة. إلى أن في ليلة وضحاها، ساد الصمت أرجاء سوهاج، كما لو أن الحرب لم تمر بها قط. اختفى جنود الميليشيات بشكل كامل عن أنحاء سوهاج، وعن أي محافظة أخرى في الصعيد. لم يكن انسحابًا طبيعيًا، بل كان اختفاءً تامًا. تسلل الحذر والقلق إلى صدور مصطفى وجمال، إذ لم يكن في ذلك الانسحاب راحة ولا نصر. بعض الجنود ظنوا أن هذا هو الانتصار، ولكن لا... كان الأمر مثيرًا للشكوك إلى أبعد حد، حتى أن القصف على الجيزة قد توقف فجأة، وكأنهم قد تراجعوا في خطوةٍ مدروسة، ليعيدوا ترتيب خيوط خطتهم في الخفاء. لم يكن هذا إلا مقدمةً لشيءٍ أكثر سوءًا. وكان احساسهم في محله؛ فخلال الستة ايام تلك بدلًا من أن تُدان الميليشيات بوصفها جماعات إرهابية، صُوّر الأمر على أن ذود هي التنظيم الإرهابي الحقيقي الخفي. واصبح الناس منقسمون، والأحاديث مشتعلة. فقد انطلقت حملة مضادة يقودها داعمو نور ومؤيدوه، الذين كانوا يصفون مصطفى بالإرهابي منذ البداية. غير أن هذه المرة، اكتسبت الإشاعة زخمًا واسعًا، وتحولت إلى بروباجندا منظمة، اتهمت ذود بالإرهاب، وزعمت أن ما قاله مصطفى عن نور محض افتراء، وأن  الضحايا الذين شهدوا على جرائمه كانوا أسرى لدى مصطفى الذي عذبهم وأجبرهم على الإدلاء بتلك الشهادات. وهكذا، انقلبت الرواية تمامًا، إلى حد تصديقهم أن انسحاب الميليشيات لم يكن إلا تمهيدًا لاستيلاء ذود على الصعيد، بل أن ذود ستحتل كل محافظة تحررها، وستحوّل البلاد إلى ساحة للفوضى، وصُوّرت على أنها النسخة الجديدة من داعش وطالبان، وأن وجودها يشكل تهديدًا لأمن مصر، ولا منقذ من هذا الخطر سوى نور الديب. وصل التشويه إلى حد نسب جرائم الميليشيات إلى ذود، مدّعين أنهم يستهدفون المسيحيين وكل من يدعم نور الديب، وأنهم ينفذون إبادة جماعية تحت ستار محاربة الميليشيات. حتى ظهرت مقاطع فيديو مزيفين بملابس ذود واسلحتهم وهم يعذبون المسيحيين المصريين وداعمين نور اشد التعذيب. أثرت هذه الحملة على الرأي العام بشكل خطير، وأحدثت بلبلة واسعة. البعض رفض هذه الادعاءات وتمسك بدعمه لمصطفى، بينما صدّقها آخرون وأداروا ظهورهم لذود والميلشيات معًا. البعض رأى في نور الديب حاميًا للبلاد، ولم يقتنعوا بأن الميليشيات هي المسؤولة عن المجازر، بل آمن بأن ذود ليست سوى جماعة إرهابية مدعومة من داعش. باتت الأوضاع مشوشة، والأذهان مترددة، ولم يعد بالإمكان توضيح الصورة إلا بحدث صريح وحاسم، رغم أن المذابح التي ارتكبتها الميليشيات كانت ناطقة بالحقيقة لمن أراد أن يراها. في هذا الصباح، حيث معسكر ذود، وبعد انتهاء الجنود من التدريبات البدنية، ساروا بخطواتٍ متثاقلة مرهقة نحو المهجع، حيث امتزجت أنفاسهم المتلاحقة مع هواء الهاجرة الحارق. أثقلهم الإرهاق، وأجسادهم مغطاة بطبقةٍ من العرق، تلتصق بها آثار رمال الصحراء اللاسعة المتناثرة من أرض المعسكر القاحلة. كان منهم أحمد ووليد، الذي قرر أن يكون جنديًا بعد الآن. دخل خمسة من الجنود إلى غرفة من غرف المهاجع الخاصة بهم، ودخل كل منهم الحمام ليستحم بالترتيب بعد ان ينتهي الاخر وحين انتهوا وتجمعوا... _الشيخ مصطفى هيعمل محاضرة دلوقتي؟ سأل وليد أحد الشباب معه هذا السؤال، فكانت تلك أول تجربة له في المعسكر منذ خمسة أشهر لعمله كجاسوس، ليجيب الشاب: _اه، بس شيخ إسماعيل هو اللي هيعملها عشان شيخ مصطفى مشغول مع الرسول اللي اتبعت من عند نور دا. قال شاب آخر: _هو لسه عندهم؟ دا بقاله ساعة... سأل وليد: _والمحاضرة دي عن إيه بقى؟ اكيد عن اللي بيتقال علينا بقاله أسبوع مش كدة؟ أجاب الشاب الآخر وهو يحرك رأسه نافيًا: _لا، عشان عزيز ولؤي، الاتنين اللي لسانهم زفر دول من أول ما جم. قال وليد وهو يومئ برأسه متذكرًا: _اه، صحيح، دول اتحبسوا انفرادي، أحسن، يا ريت يتطردوا من المعسكر خالص، دا الأسبوع اللي قعدت فيه هنا ما سلمتش منهم. حرفيًا مبيسكتوش، مكانش بيهمهم الجنود اللي بيتضايقوا وبيشتكوا لمصطفى عنهم. قال شاب آخر: _كان لازم يتحطوا عند حدهم من أول ما جابوا سيرة أخت أحمد، قالوا عليها كلام وسخ أوي من غير ما يشوفوها أصلًا. _طب هما مش هيقولوا حاجة عن اللي بيتقال علينا وعلى مصطفى؟ _هيقولوا إيه؟ الحقيقة واضحة، والقادة مبيهتموش بالبروبجاندا دي قد ما يهتموا بتحسين اسلامنا وإننا نتدرب كويس عشان نهزم الكفار دول... متشغلش بالك ولا تقلق. في تلك اللحظة، خرج أحمد من الحمام وارتدى ملابسه، ونهضوا ليتجهوا إلى قاعة المحاضرات. وأثناء سيرهم، أتى وليد إلى أحمد: _ولا يا أزرق. نظر أحمد إليه، ليقول وليد بنبرة تردد طفيفة: _ما تطمني عليها؟ _على مين؟ _أختك. رمقه أحمد بنظرة اشتد معها التوتر في قلب وليد. _مش قصدي حاجة والله، بس أنا لما شوفتها آخر مرة كانت خايفة أوي، وأنا ما كانش قصدي والله، فحبيت أتطمن. _هي كويسة يا وليد، ولا يهمك. _طب هتعلمني لغة الإشارة إمتى؟ سأله أحمد بنبرة تعجب وهو ينهره: _وأنت عايز تتعلمها ليه يالا؟ _إيه يا عم مالك؟ عشان لو اتكرر موقف زي دا تاني، أتكلم معاها كده. _لا، مش هيتكرر، يا خويا، خليك في نفسك. التزم وليد الصمت، وأكملوا سيرهم، بينما في مكتب مصطفى، حيث الأجواء الملتهبة، وقف مصطفى شامخًا في مكتبه ومعه جمال وياسر، تحيط بهم هالة من الهيبة والصلابة، وعينا مصطفى المتقدتان ترمقان الرسول الواقف أمامه، مكبَّلًا بين جنديين من رجال ذود، يتبدى على وجهه القلق والاضطراب. المقصد من قدومه كان عقد هدنة وسلام، حيث يتوقف نور عن الحرب والقصف مقابل استرجاع الأسرى، ومنهم منار. وكان رد مصطفى هنا بنبرة هادئة ثابتة: _حربنا مع نور مش مجرد حرب لإنهاء المجازر والقصف، هي حرب لإنهاء الكفر والعبث اللي هو بيعمله، مش هنرجع منار والأسرى إلا لما هو ييجي بنفسه يسلم نفسه، وهو سايب كل اللي بيعمله ومعترف للناس بدجله. سكت الرسول برهة في تردد، إلى أن حسم تردده وقال بصوت مشوب بالخوف: _مع الأسف، نور قال لي إن اشترطت هذا الشرط، فسيحدث العكس، وسيحرق العالم، وستندم، من الأفضل أن ترضى بالسلم الآن. لم يزد حديث الرسول مصطفى إلا سكونًا جليلًا، ولم يتحرك في قسماته شيء، فقال بنبرة جهورية، رغم هدوئها، فيها من الثقة ما يجعل القلوب تقشعر: _{فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}. تلا الآية بطمأنينة القائد الذي يدرك يقينًا أن النصر قدر محتوم. رفع الرسول رأسه بنظرات تدل على عدم إدراكه لمعنى الآية، فأردف مصطفى بنبرة تفيض بيقين لا تشوبه ذرة تردد: _إحنا مش هندعوا للسلم، ولا هنوافق بالسلم مع كفار، حربنا مش هتقف إلا لما نبيد الميليشيات وننهي مسيرته المزيفة. ثم أشار بيده إشارة هادئة، في هيبتها أشبه بمرسوم ملكي، فاستجاب الجنود فورًا، وسحبوا الرسول نحو الخارج، ليعود إلى سيده. لم تكن لغة جسد مصطفى تحمل عجلة ولا توترًا، بل كان فيها من الثقة ما يجعل الناظر يدرك أن هذا الرجل لا يتراجع، ولا يخشى تهديدًا، وأن الحرب، في نظره، لم تعد مجرد معركة سلاح، بل قضية إيمان ومبدأ لا مساومة فيه. وفي الجهة الأخرى، في أروقة المبنى ذاته، وبخطى ثابتة تمضي نحو القاعة التي اجتمع فيها الجنود، مضى القائد إسماعيل. كان ظهره مستقيمًا كالسيف، تتجلى في ملامحه سمات رجولة هادئة تجمع بين الجدية والسكينة. في خطواته هدوء القائد الذي يعلم أن كل كلمة تخرج منه لها وقع السهام على القلوب، وأن كل نظرة منه تغرس في النفوس شيئًا من الثبات والإيمان. عيناه الحادتان مبطنتا الجفون، رغم سكونهما الظاهر، إلا أنهما تشعّان بالإدراك الحاد. علاقته بمصطفى وبهذه الحرب لم تجعله مجرد شاب حمل السلاح، بل أصبح رجلًا ينشئ ذاته على الفقه والشرع، ليصقل عقله بفهم عميق، عازمًا ألّا يترك زاوية من زوايا الدين إلا وألمّ بها. وحين وقف أمام الحاضرين، ساد الصمت. لم يكن ذلك صمت انتظار فحسب، بل صمت هيبة وإصغاء، والجميع قد استشعر أن القادم ليس مجرد محاضرة، بل درس من دروس الحياة، يُلقيه رجل لا ينطق إلا بحكمة، ولا يتحدث إلا بما يوقظ في القلوب يقينًا لا يتزعزع. وتبدأ المحاضرة...                             *********** يفتح نوح جفونه مُعلنًا عن عينَيْه الصفراوين المتوهجتين وهو يلهث بالفعل قبل أن يقوم بأي حركة؛ فلهثه دليل على عسر عملية وصوله إلى هذا العالم، كالذي يقاوم أمواجًا خارقة القوة ليصل إلى البر. شعره الطويل الأبيض البلوري، الذي يعطي لمعة أرجوانية قرمزية، يتطاير بانسيابية، وجناحاه ينبضان بطاقةٍ تُزلزل الهواء من حوله. صدره الشامخ يصعد ويهبط، وجسده الصلب المستور برداء أشبه برداء الرومان ثابت لا يتزحزح، يقف بين رمال العالم الأرجواني الذي كان يغلي. وسط بحرٍ لا نهائيٍّ من الأعداء، وقف نوح وهو في هيئة مايا، منفصلًا عن الزمن. أمامه عشرات الآلاف من الكائنات التي لا تنتمي لعالمه، لكنها بالتأكيد تنتمي إلى العالم الذي اقتحمه بلا إرادة منه. أشكالها تتلوى بلا ثبات، تتغير كل لحظةٍ كما لو كانت مصنوعة من كوابيس متحركة. لم تكن تلك أشكالها الأساسية، لكنها ما زالت جديدة على عينيه البشرية وذاكرته الضعيفة. لم ينتظروا، ولم ينتظر. كان أول من تحرّك. في لمح البصر، اختفى من مكانه، وانفجر جسده كوميضٍ خاطف في ساحة المعركة. كانت ضرباته تمزّق الهواء نفسه، تترك أثرًا، والزمن يتشقق حيث يمرّ. هبط بين الأعداء كسقوطِ شهابٍ ملتهب، تطايرت أشلاؤهم في الأجواء، ليلتقط ذراعًا من بينهم ويقبض عليه بقبضته، ويحوله إلى سيف من كربيد التنجستن العملاق. بضربةٍ واحدة بذلك السيف، شطر خمسة كائنات إلى نصفين، ثم قفز عاليًا، وضرب جناحيه، فانطلقت منهما شفرات من الطاقة النقية لم تقطع الأجساد فحسب، بل محتْها من الوجود تمامًا. لكنهم كانوا بلا نهاية. من كل اتجاهٍ كانوا ينقضون، كالفيضان الهائج، منهم من كان يحمل سلاحًا ومنهم من هجم خالي اليدين، يطعنون جسده الصلب بكل وسائلهم الممكنة. كان عليه أن يُصبح أكثر من مجرد محارب غرضه تحرير زوجته. كان عليه أن يُصبح الإعصار نفسه. ضربهم بجناحيه الضخمين، وأمسك كل من تشبث به وهشم جماجمهم بقبضة يده الواحدة، ثم انحنى على ركبته وغرس كفه في الرمال الأرجوانية، فتفجّرت الأرض تحته لترتفع أعمدة من اللهب كالخوازيق المنصهرة، واخترقت آلاف الكائنات حوله. ومع ذلك، لم يكن هناك وقت للاستمتاع بالنصر، إذ انقضّت عليه موجة جديدة، أضخم، أشرس. كانوا هذه المرة أسرع، أكثر عدوانية. أذرع متعددة امتدت نحوه، أشواك بلورية انطلقت من أعداءٍ مشوشي الوجوه، تحاول تمزيقه إلى أشلاء. لكن نوح لم يكن قد وصل إلى ذروته بعد. التفّ في مكانه، جناحاه امتدّا حتى ملآ الأفق، ثم لوّح بسيفه بانسيابية كما لو كان يعزف سمفونية الموت بالكمان الخاص به. كل حركةٍ كانت تمزّق الفراغ نفسه، تصنع دواماتٍ قاتلة، تجرف الأعداء في عاصفةٍ لا مهرب منها. بعضهم انفجر إلى أجزاء متطايرة، وبعضهم احترق قبل أن يصل إليه. ليعود نوح ويهبط أرضًا وهو يلهث بحرارة كالتنين، ثم يلتفت حوله ليراهم جميعًا موتى. قتل نوح آخر عشرة آلاف حارس من حراس الغرفة... وانتصر. الألم كان يتغلغل بين أوصاله. جراحه كانت تُثقل روحه. وفي كل مرة يستوعب ان هذه الكائنات لم تكن مجرد أعداء، بل هم شيءٍ أعظم من عقله البشري أن يدركه. للحظة، خارت قواه، والظلام زحف على أطراف رؤيته. أغمض نوح عينيه وهو يشعر بتلك الأمواج تتضارب في جسده مجددًا، وهو يسمع صوت مايا: ~نجحت يا نوح، نجحت، تقدر ترجع غادة دلوقتي وتدخل بيت سردار من غير أي مشاكل. وهنا فتح نوح عينيه برجفة قوية ارتطمت بجسده، وشهقة عالية كما لو كان يحاول استنشاق ما تبقى من روحه. أمسكت علا بيديه وجسده كي لا يسقط من على السرير وهي تطمئنه: _بس بس، أنا جنبك يا نوح، خلاص، أنت صحيت ورجعت بالسلامة أهو. ألقى برأسه على الوسادة كمن يلقي بحجر أنهكه حمله الثقيل، يلهث بقوة وهو يحدق في السقف، وعلا تدلك صدره وتهدئه قائلة: _حاول تقوم عشان تشرب مية وتبل ريقك. حاول نوح أن يبلل شفتيه اليابستين بلعابه، ولكن بالفعل كان فمه وحلقه جافين كصحراء قاحلة. نهض جالسًا وأعطته علا زجاجة الماء، فتجرع نصفها، ثم وضعها وهو يقول: _غادة هترجع أخيرًا يا علا... خلاص، أقدر أرجعها دلوقتي. في هذه الأيام، جلس نوح مع علا في منزلها لتسانده في مهمته العصيبة تلك، واتفق هو وهيثم أن يذهب هيثم إلى شقة نوح الصغيرة المتواضعة في هذه الفترة المؤقتة، نظرًا لعدم رضا علا بجلوسه معها بعدما أصبحت أكثر تحفظًا في جلوسها مع غير محارمها. تبسمت علا وحمدت الله، لكن نوح قال شيئًا جعل ابتسامتها تندثر: _مش عارف أقابلها إزاي بمنظري دا... مش عارف أقابلها إزاي بعد ما غبت عنها خمس شهور، أعوضها بإيه؟ وأعمل إيه؟... أنا مش مستعد إني أشوفها، وخايف. فاضت عيناها بتعجب وحيرة من حديث نوح، لتقول له: _نوح... رجّعها الأول، بعدين فكر هتعوضها إزاي، أنت مش جني المصباح السحري ترجعلها بكل العوض في وقت واحد، وبعدين ماله منظرك؟ ما أنت زي الفل أهو. قال نوح متجاهلًا كل ما قالته: _عايز صبغة شعر سودة. _نعم؟ _صبغة شعر سودة. _يعني إيه؟ ليه؟ قال نوح وهو يشيح ببصره في إحراج من إظهار لهفته وحماسه للقاء غادة: _هصبغ شعري ودقني قبل ما أقابلها، ع.. عشان مينفعش أقابلها وأنا عامل كده... و.. ولو سمحتي، عايزك تقصي شعري ودقني وتخليهم حلوين كده... لو سمحتي. صمتت علا برهة وهي تحدق في أخيها بأعينٍ حائرة، ممزوجة بمشاعر الرأفة في آنٍ واحد، ثم قالت له: _ماشي يا حبيبي، من عينيّا، هظبطلك شعرك ودقنك، بس بلاها صبغة. قال نوح وقد تعالت نبرته ممتعضًا كالطفل: _لا، بصبغة يا علا! _خلاص، بصبغة، ماشي، خلاص.                            ***********           _بسم الله الرحمن الرحيم، عايزين نبدأ كلامنا الميسر إن شاء الله بسؤال واحد، وهو ايه الاسلام بالظبط؟ الاسلام هو: عقيدة، عبادة، شرائع، اخلاق ومعاملات، ومن كمل عنده الاربعة اصبح مسلمًا حقًا، كما قال الرسول ﷺ وهو يوصى احد الصحابة "اتَّقِ اللَّه حيثُ ما كنت، وأتبع السَّيِّئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالق النَّاس بخلقٍ حسنٍ" ومحاضرتنا هنا هتركز على المعاملات والاخلاق اللي كانت من ضمن وصايا الرسول ﷺ سكت إسماعيل برهة ثم أردف: _يقول الله تعالى في كتابه في سورة الحجرات: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ}. ربنا عز وجل صوّر مفهوم الغيبة بتصوير دقيق جدًا جدًا، فجسم الميت عندنا في ديننا له حرمة كبيرة، بنغسّله براحة، بنمسكه براحة، بنتعامل معاه برفق. تخيل بقى شلّة ولاد كده بعد ما أخوهم يموت يتجمعوا حواليه، وبدل ما يدعلوه بالرحمه وإنه يثبته عند السؤال مثلا، تلاقيهم واخدين سكينة وقاعدين يشرحوا في لحمه، وكل واحد ياخد حتة يأكلها، وهما مستمتعين، وبيضحكوا، ويتناقشوا بقى في طعم اللحمة عامل إزاي، والميت مسكين مش عارف إن صحابه وحبايبه بيعملوا فيه كده! ارتسمت على وجوه الجنود بسمة خفية تدل على دهشتهم من شرحه الغريب وهم يتبادلون نظرات التأثر ويوجد من عبس وجهه وانقبض قلبه من دقة الوصف ليردف إسماعيل: _تخيلوا بجد، مبهزرش! تخيلوا ده يحصل فعلًا... هتقولوا محدش يعمل كده غير مجرمين ساديين، مش كده؟ طب ما الغيبة والكلام على الناس هي نفسها! ما ربنا عز وجل حطّلكم بشاعة الغيبة والخوض في الأعراض وشتيمة الناس بالظبط بنفس بشاعة أكل جثة صاحبكم! بدل ما الصحاب يدعوا لصاحبهم بالهداية، أو يدعوا إن ربنا يصلّحه، أو حتى يسكتوا عن اللي بيعمله، لا، دول بيتجمعوا ويجيبوا سيرته بسوء وهما بيضحكوا ومستمتعين وبيتناقشوا في حاله... وهو ميعرفش إن صحابه بيقولوا عليه كلام بشع كده زي الميت بالظبط!، ويظهر بشاعة الغيبة في رد فعل الرسول ﷺ لما عائشة رضي الله عنها اغتابت صفية رضي الله عنها وقالت عنها قصيرة وقالها غضبان "لقدْ قلتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بماءِ البحْرِ لَمَزَجَتْهُ" يعني غيرت لونه وخلت ريحته وحشة! سكت إسماعيل برهة وهو يترقب ردود أفعال الجنود الشباب المنصتين له، وكان عزيز ولؤي المذنبين واقفين أقصى الوراء مكبّلين الأيدي، ويستمعان لمحاضرة إسماعيل، بعدها أردف إسماعيل: _وفي الحديث الصحيح، والرسول ﷺ بيحكي لما عُرِج به إلى السماء ومرّ على جهنم، ربنا يعفينا منها يارب، وقال:"مررتُ بقومٍ لهم أظفار من نُحاسٍ يخمشون وجوهَهم وصدورَهم، فقلتُ: من هؤلاء يا جبريلُ؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحومَ الناسِ، ويقعون في أعراضِهم." إردف إسماعيل، وقد علت نبرة صوته العميقة قليلًا، مما زاد من هيبته، وأجبر الجميع على الإنصات بانتباه: _انتوا متخيلين إزاي حركة بسيطة من لسانك تقدر تعذبك العذاب البشع ده وخلّتك مجرم بتاكل في لحم شخص له حرمة؟ وخلتك تقدر تغير لون بحر كامل وريحته؟ متخيلين إزاي اللسان مهم في الدين؟ في نظرك حركته سهلة بسيطة، لكن أبسط حركة منه هتتحاسب عليها! وعند ربنا انت بتتعدّى حدودك على عباده، انت بتخوض في أعراض عباده، انت بتشتم وتقذف وتهين عباده، وهل ربنا هيرضى ده على عباده؟ لا طبعًا! وقال الله عز وجل في سورة ق: {مَّا یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ عَتِیدࣱ}. إنت متستحملش كلمة بتتقال على إبنك ولا بنته ولا مراتك ولا أي حد من أهلك، ولله المثل الأعلى إزاي يرضى باللي بيتقال لعباده؟ سكت إسماعيل برهة ثم أردف: _وقال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح:"لا يَستقِيمُ إيمانُ عَبدٍ حتّى يَستقِيمَ قَلبهُ، ولا يَستقِيمَ قَلبهُ حتّى يَستَقيمَ لسانهُ". وهنا رسولنا ربط بين الإيمان واللسان، فالمؤمن الحقيقي هو اللي بيهتم بالكلام اللي بيقوله، وبياخد باله من كلامه كويس قبل ما ينطقه. حتى الصحابة سألوا الرسول ﷺ: "أيُّ الإسلامِ أفضلُ؟" يعني مين المسلم الحقيقي، ومين المؤمن الحقيقي اللي إسلامه أفضل إسلام؟ هما عايزين يكونوا مسلمين بجد، فتخيلوا قالهم إيه؟ قالهم يختموا القرآن كل يوم؟ قالهم يقيموا الليل بأكبر عدد ركعات ممكنة؟ قالهم يطلعوا عمرة كل سنة؟ لا! قالهم رسول الله ﷺ: "مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ، ويَدِهِ". بس... انت لما ترحم اللي حواليك من أذية لسانك وأذية إيدك، انت كده خلاص بقيت مسلم حقيقي، وبتعمل أفضل الإسلام كمان! مش صعبة، صح؟ سكت قليلًا ثم أردف: _حتى قال الإمام ابن القيم: "ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ومن النظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يُشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالًا، ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب! وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي بما يقول". إن أحاديث إسماعيل كانت سيفًا يشهره في ساحات الكلمة، إذ لم يكن لسانه كلسان غيره، بل كان مرانًا على البيان، قد صقلته دروس مصطفى، أستاذه ومعلمه، حتى غدا منطقه قاطعًا، وبيانه مهيبًا، يحرك النفوس، ويوقظ القلوب، ويربط العزائم برباط لا ينفك. هنا رفع أحد الجنود يده ليستفسر عن شيء محدد، فسمح له إسماعيل ليسأله الجندي: _يعني حضرتك، هو فعلًا الكلام اللي بنقوله في لحظة غفلة كده في حد إحنا متعصّبين منه، أو حتى عشان نضحك ونرفّه عن نفسنا، ده بيبقى جنة ونار؟ ولا ربنا ممكن يسامحنا لو استغفرنا؟ _لا يا حبيبي، ده جنة ونار! حقوق العباد لا تسقط، ولا يغفر لها إلا لو اللي اتكلمت عنه أو شتمته سامحك، وإلا فربنا هياخد حقه منك بعذابك في جهنم. عرضت ابتسامة إسماعيل حين تذكر حديث معاذ، ليقول: _طب تصدق إن معاذ رضي الله عنه كان سأل سؤال زي سؤالك ده للرسول ﷺ؟ فلما الرسول ﷺ بيشرح له الأعمال اللي تدخّله الجنة وبيقوله: "رأسُ الأمرِ الإسلامُ، وعمودُهُ الصَّلاةُ، وذروةُ سَنامِهِ الجِهاد"، بعدين قاله: "ألا أخبرُكَ بملاكِ ذلِكَ كلِّهِ؟" يعني أقولك على الحاجة اللي تكملك على كل دول وتتمهم صح؟ فمعاذ قاله ياريت يعني، وهنا الرسول ﷺ مسك لسانه كده وهو بيقول: "كُفَّ عليكَ هذا"، فقام معاذ رضي الله عنه سأله سؤال شبه سؤالك وقاله: "يا نبيَّ اللَّهِ، وإنَّا لمؤاخَذونَ بما نتَكَلَّمُ بِهِ؟" فالرسول تعجب من سؤاله وقال: "يا معاذُ، وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وجوهِهِم أو على مَناخرِهِم إلَّا حَصائدُ ألسنتِهِم؟!" وده دليل إن اللسان وكل حرف بينطقه بيُحاسب عليه، وممكن يودّيه الجنة أو النار من غير أي نقاش. فعن أبي هريرة رضي الله عنه إنه سُئل رسول الله ﷺ عن أكتر حاجة بتدخل الجنة، فقالهم: "تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ"، بعدين اتسأل عن أكتر حاجة بتدخل النار، فقالهم: "الفَمُ وَالفَرجُ"، واللي هما أكبر شهوتين عند الإنسان، إن تملكهم وتحكم فيهم دخل الجنة، ولو ماقدرش... فمصيره ربه يحدده. سكت إسماعيل برهة، ثم أردف: _قبل ما أنتهي من المحاضرة، عايز أحكيلكم عن قصة امرأتين اتكلم الصحابة عنهم مع الرسول ﷺ، في حديث صحيح بيقولوله: "يا رَسولَ الله، إنَّ فُلانةَ يُذكَرُ مِن كَثرةِ صَلاتِها وصَدقَتِها وصيامِها، غيرَ أنَّها تُؤذي جيرانَها بِلِسانِها"، قام قالهم الرسول ﷺ على طول: "هيَ في النَّارِ"، فقام سأله الصحابي عن واحدة تانية وقال: "يا رَسولَ اللهِ، فإنَّ فُلانةَ يُذكَرُ مِن قِلَّةِ صيامِها وصَدقَتِها وصَلاتِها، وإنَّها تَتَصدَّقُ بالأَثوارِ مِن الأَقِطِ وَلا تُؤذي جيرانَها بِلسانِها؟"، فالرسول ﷺ قال: "هيَ في الجنَّةِ". وفي الحديث ده مقارنة بين امرأتين، واحدة الكل شاهد على صلاتها وصيامها وتديّنها، بس لسانها زِفِر، والتانية العبادات معاها مش قد كده، ومش متديّنة أوي، بس بتحافظ على لسانها، وده يثبت إن اللسان من أعظم أسباب دخولك للجنة أو للنار. بعدها نظر إسماعيل للجنود وهو يداعبهم: _بس محدش بقى في صلاة الفجر يقول مش هصليها دلوقتي، ربنا هيغفر لي عشان ما بشتمش! لا يا حبايبي، ما تفهموش اللي على مزاجكم، عشان أنا عارف دماغكم! الصلاة فرض! ضحك الجنود، ليتبسم إسماعيل ضاحكًا، ولكن سرعان ما اختفت ابتسامته تدريجيًا حيث تذكر هشام، صديقه، ثم قال: _لعلمكم، أنا كنت زيكم كده، كنت بستهين شوية بالموضوع ده، حتى أفتكر إني قلت لصديق ليا في وشه إنه جبان... بس هو أثبتلي إنه أشجع واحد فينا كلنا، لأنه كان أول شهيد بيننا، الله يرحمك يا هشام، ويتقبلك شهيد، ويسكنك الفردوس الأعلى يا حبيبي. ادعوا له كتير، وادعوا لكل الشهداء اللي جاهدوا بأرواحهم في سبيل الله. بكرا يوم التروية...وبعده يوم عرفة، فهتبدأوا من يومهم إنكوا تحسنوا من لسانكم ومعاملاتكم واسلوبكم، ما تستهينوش بالسب، والسخرية، وكسر الخواطر... ما تستهينوش بالغيبة، والنميمة، وقذف المحصنات. مفيش عذر في الدين اسمه "أصل اللي في قلبي على لساني"، "أصل أنا بهزر"، والكلام ده. وربنا يهدينا جميعًا يا رب. سكت إسماعيل برهة، وقد ارتسمت على وجوه الشباب علامات التأثر والرهبة. بعضهم كان ينظر إلى الأرض، وكأن حديثه حملهم إلى أعماق ضمائرهم، والبعض الآخر تبادل النظرات بصمت، كأنهم يراجعون أنفسهم فيما تفوهوا به سابقًا. أما عزيز ولؤي، المذنبان، يحدقان في الأرض بوجوه شاحبة. ابتلع إسماعيل ريقه، واستنشق نفسًا استعدادًا للقرار الذي سيعلنه: _بالنسبة لعزيز ولؤي، هما جنديين نوعًا ما جداد في المعسكر، أخدوا تلات إنذارات بسبب لسانهم وقلة ادبهم، ما شاء الله. وفي الشكاوي اللي اتقالت لنا عنهم إنهم... ما شاء الله بيقذفوا ستات كتير! وما يقارب التمن شهود من اللي عايشين معاهم في العنبر، يعني عدّوا لنا البنات اللي هما قذفوهم، يعتبر ٥ بنات! ومنهم أخت أحمد الأزرق اللي حررناها من إيدين الميليشيات، وأظن جه الوقت اللي نطبق حدود الله فيها عشان يكونوا عبرة لغيرهم. وقف إسماعيل شامخًا، وبصوته العميق الجهوري المميز الذي يزيد من هيبته، أعلن بثبات قائلًا: _عزيز محمد علي، لؤي منصور محمد، هيتم إقامة عليهم حد قذف المحصنات، وهو الجلد ٨٠ جلدة لكل بنت قذفوها على إجماع رأي الحنابلة والمالكية والشافعية، بكرا في ساحة المعسكر. وساد الصمت القاتل، لم يجرؤ أحد على التفوه بكلمة. فقط أنفاس مضطربة، ونظرات مرتعبة، ورجال يدركون أن العدل، حين يُطبق، لا يرحم.                           ************ ♪ يا ليل إحجبني، حجبني بعتمتك ♪ . ♪ يا ليل مليني، قويني بعتمتك ♪ . ♪ أخويا شاف السر، شاف السر، كان هيبوح ♪ . ♪ أخويا جوا الموج، جوا الموج عم بينوح ♪ . ♪ والصيادين نائمين... ♪ . وسط ركود خانق، حيث تكدست الأيام فوق بعضها البعض، اخترقت هذه الأغنية الغرفة وبدأت تتسلل ببطء إلى أذني غادة كرائحة مميزة منبعثة من الماضي. فتحت جفونها متجمدة في مكمنها، عيناها الغائرتان تحدقان في الفراغ في دهشة؛ فهذه الأغنية ليست بغريبة على عقلها. لطالما استمعت إليها حين اختفى أخوها في البحر، لطالما نامت كل ليلة وعيناها غارقتان في الدموع وهي تعيد تشغيلها مرارًا، مستشعرة في كل مرة مرارة الفقد والوحدة من الكلمات المعبرة الحارقة لروحها. لماذا تعود هذه الأغنية الآن؟ وكيف؟ هل هي تتوهم أوهام ما قبل الموت؟ رفعت رأسها بصعوبة، أجفانها ثقيلة، جسدها منهك، نظرتها تائهة، أنفاسها غير مستقرة. أمامها امتدت الجدران، المليئة برسومات زاهية: أطفال ضاحكون، شمس مشرقة تبتسم، سمكة تقفز من بحر أزرق صاخب. لوحة زاهية بألوان الطفولة البريئة، رغم ذلك بدوا في عينيها ككابوس ملعون. كيف يمكن لهذه الوجوه المرسومة أن تضحك بينما هي تحتضر هنا؟ كيف لهذه الغرفة، المليئة بألعاب متناثرة، أن تكون شاهدًا على عزلتها المريرة؟ حياتها في هذه الأيام كجحيم لا يزول سوى بصوت نوح الذي يحدثها بين الحين والآخر ليثبت لها أنها ما زالت في العالم الواقعي ولم تجنِ من كثرة الألوان والوجوه الضاحكة الملعونة تلك. كانت تنام على الأرض الباردة، تتكور على نفسها كجنين مذعور. تأكل الخبز الذي يجلبه لها نوح، تغمسه في الحليب. تشرب على عجل، ثم تعود للصمت. الزاوية البعيدة، اصبحت مرحاضها. لم يعد هناك معنى للكرامة في هذا القبر المزيَّن، ولم يعد للعفة معنى حين يتحول الإنسان إلى كائن تحكمه حاجاته فقط. كانت تغطي وجهها بكفيها هاربة من نفسها، لكنها لم تكن تستطيع الهروب من الرائحة ولا من الشعور القاسي بأنها تتحلل ببطء. ♪ يا بحر رجعلي، رجعلي أخويا ♪ ♪ الموج سرقلي، سرقلي أخويا ♪ ♪ أخذته حد البحر، خلى المياه تطهره ♪ ♪ أخذته حد البحر، دبغت الموج بدمه ♪ ♪ والصيادين غافلين، خامدين، نائمين ♪ تدريجيًا، تعالت أصوات الأمواج من حولها كما لو أن البحر ذاته اقتحم الغرفة. كانت أضعف من أن تنهض. كل ما استطاعت فعله هو أن تبقى ساكنة، لكن صوت الأغنية والأمواج معًا كان عاليًا، وكأنه إشارة لأن تنهض وتحاول فتح الباب لآخر مرة فقط. نهضت غادة بعسر، وقدماها تصطكان، وبخطوات واهنة وقفت خلف الباب والتفتت إلى الغرفة الملعونة تلك لتتمعن فيها. لا تعلم أهي النظرة الأخيرة أم لا، لكنها متأكدة أنها لن تجد ألعن من هذا المكان، ليس لأنها حبست فيه لمدة أسبوع، بل لأنها أيقنت أتم اليقين أن هذه الغرفة تحمل روح طفلة بريئة مكلومة عاشت أسوأ مما عاشته غادة فيها. فتحت غادة الباب، ليضرب جسدها ريح عاتية أغمضت عينيها من شدتها، ثم تقدمت خطوة بشكل لا إرادي، لتلمس قدمها العارية رمالًا رطبة. فتحت عينيها لتجد نفسها واقفة على شاطئ بحر صافٍ، بسماء شمسه على مشارف الغروب. كانت عيناها متحجرة، لا تطرف، غير مبالية بالرياح التي تحرق اعينها. تحدق في البحر والسماء والرمال مشدوهة مصدومة، حتى قلبها لا يصدق، وعقلها لا يرسل لأعضائها أي ردة فعل لإبراز دهشتها وسعادتها بحريتها. وعلى مدى أبعد، كان هاتفها موجودًا، ويصدر منه الأغنية. ♪ أخويا مع الحورية، رجعوه لي ♪ ♪ الموج أخدلي أخويا، رجعوه ليا ♪ ♪ أخويا راح مع الفجر، رجعوه ليا ♪ ♪ أخويا بقعر البحر، لسة ما عاد ليا ♪ تأملها في ماء البحر وهي تسمع تلك الكلمات التي لطالما استمعت إليها وهي تتأمل ماء دموعها أبرز مشاعر حارقة من اللوعة والقهر، مختلفة عن أي مشاعر أخرى. وفي تلك اللحظة، شعرت برغبة شديدة في أن تخترق تلك الأمواج البيضاء. بدأت تخطو بقدمها في الماء، تتقدم نحوه برغبة مجهولة، لا تدري إن كانت تحاول البحث عن أخيها، أم عن نقائها الذي فقدته طيلة تلك الأيام. اندفعت مهرولة، باغتها الماء فجأة مرحّبًا بها، باردًا لكنه حيّ ونابض بين أوصالها. تعمقت أكثر وسارت حتى بلغ الماء خصرها، وأصبحت الأمواج تتلاطم حولها كمئات الأيدي التي تحاول ضمّها. أطلقت شهقة، لا تعلم أهي شهقة سرور على ردّ الحرية لها، أم شهقة قهر وهي تضم البحر الذي أخذ منها أخاها، والذي شهد آخر لقاء لها مع نوح. امتزجت في قلبها البهجة بالحزن، والحرية بالخوف، والذكريات بالواقع. رفعت كفها ثم أسقطته بقوة على الماء لتتبعثر القطرات حولها كاللآلئ المنيرة من انعكاس ضوء الشمس الزاهي، وتطايرت خصلاتها البنية المبللة، ثم انحنت وغرفت الماء بكفيها، وسكبته بقوة على وجهها، مرارًا وتكرارًا، تغسل جسدها وشعرها ورقبتها على أمل أن تغسل روحها أيضًا، الملح تسرّب إلى شفتيها ومسام جلدها، لكنها لم تكترث؛ فهي تحاول محو آثار العزلة الطويلة لتستعيد نفسها التي أضاعتها هناك. كانت تبتسم تارة وتبكي تارة، تبكي وتضحك في آن واحد، لا حزنًا ولا فرحًا، كانت تتذوق الحرية قطرةً قطرةً. لم تكن تعلم أنها في هذه اللحظة ستستوعب مدى جهلها بأن الحياة يمكن أن تكون هكذا... نقية، متوحشة، جميلة، وقاسية في آنٍ واحد. وبين انشغالها بنشوة امتزاجها بالموج، اخترق صوت عالمها... _غادة! استدارت بحركة سريعة، وقطرات الماء تتساقط من رموشها، فمسحت عينيها لتتضح الرؤية لها، فرأت على الشاطئ ظلًا تعرفه أكثر من نفسها. توقفت أنفاسها واتسعت عيناها في استنكار. لم تستوعب إن كان مجرد سراب من شدة إجهادها، أم أنه حقًا أمامها. كان واقفًا هناك، فوق الرمال التي داستها قبل قليل. إنه نوح... كان مشهدًا سرياليًا بحق. واقفًا تحت ضوء الشمس، كأنه كان ينتظرها هنا منذ الأزل. خصلات شعره السوداء تتطاير، جسده بدا أصلب مما تتذكر، ملامحه أكثر قسوة، ولكن عيناه... عيناه فقط بقيتا كما هما، مزيجًا من الغموض والسطوع، من الحنية والقساوة المترددة. كلاهما ظل ثابتًا، وقدماها، اللتان كانتا تخوضان البحر بجموح قبل لحظات، اصبحا ثقيلتين، وهي تشعر بمزيج قاتل من اللهفة والصدمة والاشتياق. ابتلعت ريقها، في محاولة منها لابتلاع شهورٍ من الفقد، ثم بدأت تخطو خطوات مزحزحة عنها ثقل المياه والأمواج. كلما اقتربت، كلما استطاعت أن ترى التفاصيل التي افتقدتها فيه. الخطوط الجديدة على وجهه التي لم تؤثر على ملامحه الشبابية، الهالات الداكنة التي تحيط بعينيه، بقايا الإرهاق المزمن الذي لم يكن هناك في لقائهما الأخير. وحين لامست قدماها الرمال أخيرًا، وأصبحا في مواجهة بعضهما، كانت أعينهما تتبادل ملايين الكلمات التي تعبر عن شوقهما، قهرهما، لوعتهما، عشقهما، وندمهما. الموقف أكبر من أن ينطق فيه أحدهما، لقاء ثقيلًا مفاجئًا إلى حد الخرس. كان نوح ينتظر منها صفعة على وجنته، لومًا، عتابًا، زجرًا، إن لم يكن باللسان فبالنظرات. لكن ما فعلته غادة كان عكس كل ما توقعه تمامًا. فقد شعّ وجهها حبورًا، فور أن أيقنت أنه حقيقي وليس وهمًا. عرضت ابتسامتها دهشة وطمأنينة، ثم ازدادت خطواتها إلى حد الركض. ركضت غادة إليه مندفعه نحوه، بسط ذراعيه لها، واصطدم جسدها بجسده في عناق مترع بالشوق، يسكن أرواحهما التي تاهت طيلة الأشهر الخمسة تلك. دفنت وجهها بين سحره ونحره، تستنشق رائحته بعمق، وتقبض على ثيابه كما لو أنه الشيء الوحيد الثابت في عالمها المتصدع. كانت ذراعيه تلتفان حولها في احتواء عظيم، يداه تحيطان بها، مشدودتان بقوة. صدره يهتز تحت وجنتها، وقلبه ينبض بعنف، ربما كقلبها أو أكثر. لم تعرف كم مضى من الوقت وهي تستمع إلى نبضه، وهي تذوب في الدفء الذي ظنت أنها فقدته للأبد. كل ما كان يهم، أن هذه اللحظة حقيقية. _غ..غادة، أنا آسف... أ... أنا... نظرت إليه وأغلقت فمه بأصابعها وهي تقول: _ششش... اسكت، لا أريدك أن تقول شيئًا، لا تتكلم... _ح.. حاضر... أعطته قُبلة، وعادت لحضنه، وأغمضت عينيها وهي تستشعر الأمان والدفء والأنس من عناق حبيبها. طال هذا العناق لمدة خمس دقائق تقريبًا، إلى أن قال نوح: _أنا جايبلك أكل، تعالي نقعد سوا وتاكليه قبل ما يبرد. اتسعت عيناها أكثر، ونظرت إليه بشفتين وعينين ضاحكتين، فابتسم نوح وهو يومئ برأسه: _أيوة، الشنطة هناك، اهي تعالي يلا عشان تاكليه، جايبلك أكل كتير أوي تاكلي براحتك. التقط نوح هاتفها، وأمسك بيدها، واتجها إلى مكان يبعد عن الشط ببضعة أمتار، وجلسا على الرمل. بدأت غادة بالأكل بنهم شديد، ونوح يتأملها بابتسامة عريضة وأعين مليئة بالحنان والرأفة، ثم أزاح عن وجهها شعيراتها المبللة الملتصقة به، وخلع قميصه وجعلها تلتف به وهو يقول: _خدي عشان ما تاخديش برد، تلاقي مناعتك واقعة دلوقتي. ظلت غادة تأكل في صمت، بينما نوح صامت، يشعر بتردد وتوتر عظيم، ينتظر لومها، ينتظر عتابها، ينتظر أي شيء، لكنها لم تتحدث إطلاقًا، وهذا ما زاد من توتره. حتى حين تحدثت، قالت: _تعرف... أنا افتكرت أول لقاء بيننا في اللحظة دي. ابتسم نوح في صمت وهو يومئ برأسه، فسألته غادة: _مش فاكر؟ _لا، لا، طبعًا فاكر. ده لما جيتيلي الدرس واتصلت بأبوكي عشان أتجوزك وكده، وهو رفض. _لا، إحنا شوفنا بعض قبل ده... اختفت ابتسامته وهو يحاول التذكر بعسر، وحين لاحظت في عينيه إحراجًا وقهرًا من نسيانه، ابتسمت وهي تقول: _لو ناسي، حقك، يعني الموضوع كان زمان. أنا كنت جيت لك الدرس عشان أعمل عليك تمثيلية وأخليك تتجوزني لما هاجر قالت لي، وبعدها لما لقيت إن هاجر سابتني، جالي انهيار عصبي وكده، وبعدين ودتني المستشفى، وجبتلي أكل برضه، وإحنا في الطريق وأنا باكل كنت بتبصلي نفس البصات دي. نظراتك ليا ما تغيرتش، وأظن ده يدل إنك لسه ما تغيرتش. ابتسم نوح ثم قال: _لا، أكيد اتغيرت، بس ماعرفش ليه بحب أشوفك بتاكلي. لما بشوفك بتاكلي بحس بشعور أمان غريب كده وبرتاح. أومأت غادة برأسها وهي تقول: _أيوة، أيوة، أنا بحس نفس الإحساس ده لما بلاقيك نايم نومة حلوة من غير كوابيس. وقتها ببقى مرتاحة أوي، ومبسوطة أوي، وحاسة إن الدنيا لسه بخير...اللي هو أخيرًا نوح نام من غير كوابيس. ضحكت غادة، فضحك نوح هو الآخر من ضحكاتها النقية والحبورة، وعلى عينيه دهشة خفيفة... دهشة وتعجب من تصرفاتها التي لا تدل على حزنها الدفين أو كراهيتها لكونه غاب عنها خمسة أشهر، وكأنها تريد أن تمحو ذلك من ذكرياتهما. لكنه لم يقدر. اختفت ابتسامته، ثم قال: _غادة، أنا... أنا عامل حسابي أحكيلك كل حاجة و... قاطعته غادة وهي تقول: _صحيح يا نوح، إحنا فين؟ إحنا في إسكندرية؟ _ا.. أيوة. _عملتها إزاي دي؟ سكت نوح برهة، ثم قال مبتسمًا ليخفف من حدة مشاعره: _غادة، ممكن تسيبيني أتكلم من غير ما تغيّري الموضوع؟ الموضوع كبير، وما ينفعش يتأجل. ما تخافيش، مش هبوّظ فرحتك، ولا هطلع نفسي ضحية وبريء، بالعكس... مكانش المفروض أبعد عنك، مكانش المفروض أعمل كل اللي عملته طول الخمس شهور، مكانش المفروض آخد قرار أناني بالشكل ده... بس رغم كده، فحاسس إن نوعًا ما كان فيه إيجابية من القرار ده، وهو إنك ما تعيشيش الجحيم اللي أنا عشته قبل ما أتحسن. _وليه معيش الجحيم معاك يا نوح؟ ليه مستحيل في مخك إنك تاخد أنت كل الوحش لوحدك؟ مش ده اللي قلتهولي ليلة دخلتنا... سكت نوح برهة، ثم سألها بحرج: _أنا قلت إيه ليلة دخلتنا؟ أجابته غادة دون أن تظهر أي امتعاض من نسيانه لتلك الليلة المهمة، وقالت: _قلتلي: اللي بيبني عيلة لغرض احتياجه، هيهدمها لغرض احتياجه برضه. قلتلي إننا هنتمسك ببعض عشان إحنا عيلة، من غير سبب، العيلة هي العيلة. قلتلي مش هبعد عنك، عشان إنتِ مراتي، مش لازم يكون فيه سبب أو احتياج. قلتلي: إنتِ مهمة في حياتي يا غادة، من غير سبب، ولو ركزت في الأسباب هانساكي. _إيه دخل ده بالسبب اللي بعدت عنك عشانه؟ _إنت بعدت عني عشان ظنيت إني مش هعوزك عيلة ليا بظروفك دي... بعدت عني عشان فكرت إني محتاجة الفلوس اللي كنت بتبعتهالي بس مش محتاجاك إنت. بعدت عني وسِبتني عشان فكرت إني نسيت كلامك ده زي ما إنت نسيته، وإني مش هستحمل حياتك، ومش هشوفك عيلة. لما بعدت، انشغلت بإنك تنقذني من نفسك أكتر ما انشغلت إنك تعالج نفسك معايا، ونحاول سوا نصلح الموضوع. إنت اللي علمتني العيلة بتكون إزاي، وإنهم ما بيسيبوش بعض خالص، وما يحبوش بعض حب مشروط... رغم كده، إنت سِبتني يا نوح عشات فكرتني بحبك حب مشروط. كان نوح مطأطئ الرأس بندم، يحدق في حبات الرمال في صمت طيلة حديثها. وحين أنهت حديثها، وضعت يدها على ذقنه، ورفعت رأسه لها وهي تقول: _بس عند أول مشكلة وقعت فيها، إنت ظهرت في لحظتها... وأنقذتني ورجعتلي وعرفت غلطك. مالهاش لازمة أعاتبك، لأني عاتبتك كتير برسايلي، وأنا عارفة إن ده كان بيحرك مشاعرك، بس خوفك عليا كان بيتحكم فيك أكتر. إحنا دلوقتي مع بعض خلاص، مالهاش لازمة نتكلم في اللي فات. حدّقا كلاهما في أعين بعضهما، وبينما كانت تتحسس وتحك شعيرات لحيته، لاحظت سوادها وسواد شعره، فقالت: _إيه ده؟ إنت صبغتهم؟ تعجب نوح وهو يقول: _إنتِ شوفتيني وأنا شعري أبيض؟ _أيوة، كان حلو عليك أوي. قال نوح مستنكرًا ممتعضًا: _يا شيخة ماتقوليش كده! _والله العظيم كان شكلك جميل أوي وعندك وقار كده، وبعدين ده ما كانش أبيض، كان "سيلفر فوكس". _سيلفر فوكس؟ _أيوة، يعني كان فيه رمادي وأسود أكتر، وبينهم أبيض كده، كان فيه تعدد ألوان مخلي شكلك مميز. ده حتى العرب كانوا بيقولوا على اللي زيك "فلان أقمر ليلة". ضحك نوح وهو يقول: _خلاص يا بت، ماتزعليش أوي كده، مع الوقت الصبغة هتروح. _في الحالتين، إنت أجمل راجل في العالم. ابتسم واقترب منها وقبلها، ثم قال بأعين لامعة متلهفة: _قوليلي يا غادة، نفسك في إيه؟ أي حاجة، أنا هحققها لك. سكتت غادة برهة وهي تفكر مبتسمة، ثم قالت: _ نفسي أستحمى. اختفت ابتسامته بشكل بسيط، ثم عاد مبتسمًا وهو يقول: _ أيوة يا حبيبتي، أكيد هتستحمي، يعني ده شيء أساسي. أنا حاجز أوضة في أجمل فندق في إسكندرية عشان نقضي فيها كام يوم كمان، بس أنا عايز حاجة أنتِ نفسك فيها، أمنية... قوليلي أمنياتك. عادت لصمتها الطويل وتفكيرها، إلى أن قالت: _ أمنيتي إن إبراهيم يرجع، وإنك متسيبنيش تاني خالص... اندثرت ابتسامته في يأس من عدم تمنيها لأي شيء يخصها، لكنها جذبت انتباهه بقولها: _ وأمنيتي إني أبقى عالمة كبيرة، أبقى ذكية زي بروفيسور ليلى... حبي للعلم زمان، وفكرة إن ربنا يقدر لي إني أتجوز ابنها، دي أكيد مش صدفة. عايزة أورث علمها وأكون أحسن منها كمان، لأنها قدوتي بصراحة. كانت أعين نوح تومض حبورًا وهو يستمع لحديث حبيبته عن والدته، وابتسامته تتمدد إلى أن تصل إلى أذنيه في فخر واعتزاز، ليقول لها: _ وأنا هشجعك على ده، هدعمك بروحي يا غادة، عشان كده عايزة تشدي حيلك في المدة دي وتذاكري كويس، وأنا الفترة دي هحاول أبسطك بكل الطرق عشان أعوضك عن غيابي، بما إنك مش عايزة تقوليلي، فسيبيني بقى أتصرف. قرر نوح هنا أن يضع هدفًا يسير على خطاه حتى مماته، وهو رضا غادة وسعادتها، لأجل تعويضها عن كل ما حدث لها بسببه. وإن كانت لم تطلب ذلك ولا تبالي، لكنه قرر أن يتمسك به لأجلها، ولأجل نفسه أولًا. سيعودان سويًا إلى الفندق لتستريح وتستحم، ويقضيان ليلة رائعة لن تنساها غادة، ومن بعدها سيعبر نوح لها بجميع لغات الحب الممكنة عن رغبته في تعويضها: بالمال، والمشاعر، والتعامل، والمشاركة، وغير ذلك. فقط الأمنية الوحيدة لنوح... ألا يحدث خطب ما يوقفه عن هدفه ذلك.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة