يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢

يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢

40 0

٨٨ . . . سنة ٢٠٠٠. مع أولى خيوط الفجر، تستيقظ ليلى صاحبة الاربعة وعشرون عامًا على صوت هاتفها الذي لم يتوقف رنينه منذ منتصف الليل. كان يعج بالإشعارات: مكالمة من مركز الأبحاث الدولي، رسالة من إحدى الجامعات العريقة تطلب استشارتها، وإشعار بأن أحدث مقالاتها العلمية قد تصدرت المجلات المتخصصة، وإشعارات من مؤتمرات علمية ومراكز بحثية تنتظر ردها. لم يكن هذا غريبًا عليها، لكنها لم تألف بعد هذا الإحساس بأن يومها لم يعد ملكًا لها وحدها. لم تملك رفاهية التمدد في الفراش لدقائق إضافية، ففور أن فتحت جفونها نهضت لتستعد ليومها المكتظ بالاجتهاد والإنجازات. نهضت بسرعة، ارتدت ملابسها، ثم لملمت أمتعتها وخرجت، تاركة خلفها كوب القهوة الذي لم تتذوقه. في طريقها إلى المختبر، كانت الشوارع هادئة، على عكس رأسها الذي يعج بالأفكار والتخطيط والتدبير. وصلت إلى المبنى الذي أصبح عالمها الثاني، دخلت بسرعة، متجنبة نظرات الإعجاب التي اعتادت عليها من الطلاب والمتدربين. فهي امرأة لا تبحث عن الشهرة على أي حال. ما إن دخلت المختبر حتى وجدت فريقها. ومنهم يوسف إمام وسردار شاهين، الشابان اليافعان العبقريان، يرحبان بها بحفاوة ويرددون التصفيق في الأرجاء، وهذا لأن اتى اتصال لهم بفوزها بجائزة الأبحاث المبتكرة لهذا العام عن اختراعها الجديد الذي كان نظام تحليل متطور قادر على كشف الأمراض في مراحلها الأولى. وقيل لهم عن بوعد استلامها ايضًا. لم تقفز فرحًا، ولم تطلق صيحة انتصار، فقط اكتفت بابتسامة متواضعة وهي تحمد الله على توفيقها وتشكرهم، حتى حين بسط يوسف ذراعيه ليحتضنها ابتهاجًا، تجاهلته ولم تحتفل طويلًا نظرًا لضيق وقتها. اتجهت إلى مختبرها، حيث تستقبلها رائحة الكيماويات التي اعتادت عليها والتي أصبحت جزء من هويتها. وقفت أمام طاولتها الممتلئة بالمعدات المعقدة، عيناها تبحثان عن ملف التجربة التي بدأت العمل عليها منذ أسابيع. مشروعها الحالي، الذي يتشارك يوسف معها فيه. كانت تغوص في عملها فتنسى الوقت، وتنسى العالم الخارجي. مرت الساعات حتى طرق الباب فجأة، ويدخل يوسف إليها، وفور أن رأته قالت: _تعالى كده يا يوسف، راجع معايا العينات كده. _حاضر، بس عايز أعرفك انك هتستلمي الجايزة كمان أسبوعين كده، هتحضري مؤتمر في بريطانيا، وهتاخديها من هناك، ودا معناه ان قدامنا وقت لإننا نسافر فرنسا، عشان اتبعتتلي دعوة ليا أنا وإنتِ وسردار إننا نزور فرنسا يوم السبت، ونروح هناك مختبر سري، ويستشيرونا في تجاربهم بمقابل مادي كبير. عقدت حاجبيها في حيرة خفيفة، ثم قالت: _تمام... بس إيه "مختبر سري" دي؟ أوعى يكونوا بيعملوا تجارب في الناس ولا حاجة؟ ابتسم يوسف ابتسامة غامضة، ثم قال: _لسه لما نروح هنكتشف. ارتبكت ليلى من ابتسامته وجملته المبهمة تلك، وهنا جاء اتصال من الهاتف الأرضي للغرفة التي فيها، فذهب يوسف إليه ورد قائلًا: _إزيّ حضرتك يا مدام... آه، آه، فازت الحمدلله..... حبيبتي، إن شاء الله... آه، هي معاكي، أهي. أشار يوسف لليلى أن تأتي لتتحدث إلى والدتها، فذهبت إليه والتقطت السماعة: _أيوة يا ماما، إزيّك يا حبيبتي؟ _ألف مبروك يا نور عيني، هتسافري على كده ولا إيه؟ كان صوت أمها الحنون كافيًا ليعيدها إلى الأرض بعد ساعات طويلة بين الحسابات والتجارب. ابتسمت ليلى وهي تجيب: _آه يا حبيبتي، هسافر فرنسا، مش عارفة إمتى، بعدين هسافر بريطانيا عشان أستلم الجايزة بإذن الله. _طب خلي يوسف معاكي بقى، ماشي؟ سكتت ليلى، منزعجة بشكل طفيف، وقالت بصوت خافت: _ماما، هو لازم يوسف يبقى معايا في كل حتة؟ ما خلاص بقى، ده مش أبويا. _يا بنتي، هو قلبك مش بيلين ناحيته ليه؟ الواد بيحبك أوي، وبيخدمك كتير. _كتر خيره، بس أنا مش فاضية للجو ده بصراحة، وبعدين... أنا مش مرتاحة له... أوقات كتير بحسّه مش مظبوط كده! _يعني إيه؟ حين لاحظت أن يوسف قد انتبه لحديثها، أنهته بسرعة فلحقتها أمها: _طب ينفع وإنتِ راجعة يا حبيبتي تعدّي على أخوكي وتروحوا سوا؟ مش عارفة إيه تمرين الكمان اللي طالعلنا بيه ده ومضيّع فلوسنا عالفاضي! ضحكت ليلى وهي تقول: _والله، وائل موهوب جدًا، سيبيه، أنا متأكدة إنه هيبقى ليه مستقبل، وهيكون موسيقار كبير. _لأ، ياختي، عايزاه زيّك كده، يفيد المجتمع! _طب بس ما تقوليلهوش الكلام ده قدامه، لحسن يزعل... يلا، سلام يا حبيبتي. في تلك اللحظة، دخل سردار عليهم، فقال يوسف: _جهّز نفسك يا سردار، عشان هنسافر فرنسا السبت. توقف سردار عن السير، وثبت جسده من تلك المفاجأة، وبملامحه الباردة وعينيه الثابتتين، قال بلهجته المصرية الضعيفة: _مين اللي "هنسافر"؟ _أنا وإنت وليلى، ماثيو بوردو، العالم القدير، لاحظ ذكاءنا لما كان بيتابع اكتشافاتنا ومؤتمراتنا ودراساتنا، وعايز يستشيرنا في أهم أعماله. أومأ سردار برأسه في صمت. ويبدو أن سردار منذ شبابه صاحب شخصية هادئة، ووجه ثابت بارد. ثم قال: _طب أنا محتاجك عشان... قاطعه يوسف قائلًا: _لأ، لأ، مش فاضي، عشان هوصل ليلى هي وأخوها، مش دلوقتي، خليها بعدين. رمقت ليلى يوسف بنظرة تعجب شديدة، وقالت: _مش محتاجة، يا يوسف، شكرًا، خليك مع سردار. _لأ، معلش، هوّصلك. كانت نظرات سردار الباردة تتنقل بين وجه ليلى المتعجّب المنزعج، وبين يوسف العاشق المتحفّز، فقال سردار بنبرته الهادئة في صراحة جافة: _ليلى مش هتحبك يا يوسف، الحب مش بالغصب. شعرت ليلي بالإحراج بدلًا عن يوسف قالت: _خلاص، يا سردار، ملوش لازمة الكلام ده. زفر سردار في ضيق وهو يدير بؤبؤ عينيه بحركة تدل على تبرّمه واستخفافه بالأمر، ثم خرج وتركهم بخطوات لا مبالية. بعد مرور الوقت، خرجا معًا متجهين إلى وائل. ورغم انشغال ليلى بعلمها وعملها، لم يكن ذلك ليصرفها عن الاهتمام بأهلها، لطالما قدمت لأخاها ووالدتها رعاية دائمة، وكانت لهم سندًا ومعينًا. تجلّت فيها سمات المرأة المسؤولة، الرحيمة، الحكيمة، وذلك ما أسر قلب يوسف. فلم يكن جمالها الخارجي وحده ما شدّه إليها، بل إن جوهرها كان أكثر إشراقًا وسحرًا. مضت الأيام حتى أتى يوم السبت، يوم الرحيل إلى فرنسا، إلى ذلك المختبر المجهول الذي لم يُفصَح لها عنه سوى القليل. وفور أن وطأت قدماها أرض المطار، شعرت بقبضة قوية عصرت قلبها ورئتيها، وكأنها تُساق إلى مصير غامض غير مريح البتة. لم يكن القلق شعورًا مألوفًا لديها؛ فقد اعتادت على السيطرة، والإمساك بخيوط المنطق والتجريد، لكن هذه الرحلة كانت تثير في داخلها إحساسًا مقبضًا... إحساس الفريسة التي سيتم استغلالها لأمور تعكس مبادئها. جلست في مقعدها داخل الطائرة، تنظر عبر النافذة إلى السحب الثقال المتراكمة في السماء، تتخيل للحظات أن ما ينتظرها قد يكون أبشع مما تظن. كانت تخشى أن ترى ما كان يُشاع عن المختبرات الحقيقية التي لا رحمة فيها. هل ستكون هناك أجساد ممزقة تحت المشارط؟ أعين جاحظة بالرعب خلف الزجاج السميك؟ هل ستمشي في أروقة يعج هواؤها برائحة اللحم المحترق والدم المتخثر؟ ماذا لو كان هذا المختبر لا يدرس المادة، بل يدرس البشر؟ التفتت إلى يوسف، كان يبدو هادئًا متحمسًا. أما سردار، فقد كان هناك، جالسًا في الظل، كعادته. كان أشبه بشبح، وكأن هذه الرحلة ليست غريبة عليه، وكأنه يعرف مسبقًا ما سيحدث. في الحقيقة، فتلك الطاقة المنبعثة من سردار ويوسف لطالما اربكتها، طاقة سوداوية غامضة. ما كان يثير قلقها وشكوكها كان في محلّه، ففور أن دخلت ذلك المبنى الذي يقبع في منتصف الصحراء بين الجبال في خفاء، استُقبلوا في المختبر، حيث رحّب بهم العالم ماثيو بوردو بحفاوة، وأجلسهم في غرفة فاخرة ليشرح لهم سبب قدومهم. وبعد أن قام بضيافتهم، جعلهم يتجهون إلى غرفة أخرى. شقّت خطواتهم طريقها عبر الممرات الطويلة، حيث الجدران الرمادية تمتد بلا نهاية. الهواء خانقًا رغم برودته، مشبعًا برائحة مواد كيميائية وربما دماء، لكن بين كل ذلك كان هناك شيء مُلغز، كما لو أن المكان يحمل ذاكرة القهر، وأن الجدران نفسها تتشبع بصراخ لم يعد يُسمع. عند نهاية الممر، توقفوا أمام باب معدني سميك، تحرّك ببطء مع صوت ميكانيكي ثقيل. انكشف أمامهم فضاء واسع، هادئ إلى حدّ يبعث على الريبة، تصطف فيه أجهزة متطورة، تومض شاشاتها بإشارات لا تهدأ. الحائط الزجاجي الضخم كان النقطة الفاصلة بين عالمهم، وبين ما يوجد على الجانب الآخر. خلف الزجاج، امتدت غرفة أخرى، لكنها لم تكن غرفة بالمعنى الحقيقي، بل أقرب إلى قفص، معزول عن كل شيء. كانت جدرانها داكنة، وكأنهم يحاولون إخفاء وحش بين ظلماتها، مجرد مساحة خاوية تخلو حتى من وهم الراحة. أرضية باردة، سرير معدني مثبت في الأرضية، بلا وسادة، بلا غطاء، بقع داكنة متناثرة عليه، بعضها بدا أنه دم قديم جفّ منذ زمن. وفي وسط هذه العزلة، كبس ماثيو على أحد الأزرار، لينبعث ضوء خافت ويعلن عن وجود ما بداخل تلك الظلمات. لم يكن تنينًا ماكثًا داخل كهف جبل، أو ذئبًا يثوي في حجرته، بل... كان فتى لم يبلغ من العمر أربعة عشر عامًا، وتحت عينيه وشم (EG-1). لم يكن مجرد طفل. عضلاته المشدودة بطريقة غير متناسبة مع حجمه، جلده الذي بدا وكأنه لم يلامس الشمس يومًا، عروقه التي كانت تبرز أسفل بشرته الشاحبة، كلها كانت تروي قصة مأساوية. عيناه الناعستان الغائرتان لا تحملان أي وميض طفولي، فقط نظرة فارغة... ليست نظرة إنسان طبيعي على الإطلاق. جلس القرفصاء في زاوية الغرفة، ظهره مستند إلى الجدار، يحدّق في الزجاج بلا تعبير، بلا توتر، بلا خوف. كان في صمته شيء مهيب  يجعل من يراه يتساءل إن كان ما أمامه كائنًا واعيًا يدرك ما حوله... أم مجرد تجربة خرجت عن السيطرة وحولته لدمية. على جدران الغرفة، توزّعت شاشات صغيرة، تعرض بيانات متسارعة: نبضات قلب تتغير إيقاعاتها في لحظات، ضغط دم غير ثابت، إشارات دماغية تتذبذب بقوة، كما لو أن داخله صراع لا ينتهي، وفي زاوية أخرى، تراكمت اصفاد معدنية، بعضها مفتوح، وبعضها الآخر ما زال يحمل آثار عنف. وقف ماثيو بوردو أمام الزجاج، عيناه تلمعان بفخر، ثم قال بابتسامة عريضة وفي فخر عارم: _دا... أدهم داغر، أعظم إنجازاتي. على الجانب الآخر، ظل أدهم الفتى جالسًا بلا حراك، يحدّق فيهم بالنظرة الخاوية ذاتها. لم يكن هناك تساؤل في عينيه، لم يكن هناك رجاء، ولا حتى استسلام. فقط صمت كائن لم يعد يرى العالم كما يراه البشر. ضربت الصدمة ليلى كصاعقة قوية أوقفت قلبها لثوانٍ ثم سقط في هوة سحيقة. عيناها معلقتان بالفتى في الداخل، شعرت بأن أنفاسها تثقل، كما لو أن الهواء نفسه قد صار أكثر لزوجة، أكثر كثافة، يضغط على صدرها، ويدفعها إلى مواجهة حقيقة لم تكن مستعدة لها. لم يكن هذا مجرد فتى، لم يكن مجرد تجربة علمية... كان إنسانًا، كان طفلًا، كان شيئًا كان يجب أن يعيش، أن يركض تحت ضوء الشمس، أن يضحك، أن يبكي، أن يكون له اسم لا رقم، حياة لا معادلة، روح لا بيانات على شاشة. كانت ليلى تعيش معركة داخلية على عكس يوسف وسردار، اللذين كان لديهما فضول حيال أدهم، بينما كان ماثيو يشرح لهم: _ذلك الفتى كان واحدًا من بين مئتي يتيم مصري أخذناهم من عدة ملاجئ في مصر. أخضعناه للتجارب منذ أن كان في عامه الأول، ليتأقلم جسده وأعصابه على القوة والتحمل. لم يتحمل معظم الأطفال تلك التجارب، إلا هو... مات مئة وتسعة وتسعون طفلًا، وبقي وحده. معظم التجارب نجحت عليه، أما التي فشلت، فقد تكيف جسده مع الألم والمعاناة حتى تلاشت تمامًا. أثناء ما كانت ليلى تسمع ذلك، شعرت بحرقة في حلقها، وبرودة قارصة تسري في أطرافها، جسدها كله يرفض استيعاب ما تراه. هي عالمة، نعم، لكنها قبل ذلك إنسانة... وأمام هذا المشهد، أمام هذا الانتهاك السافر للإنسانية، أدركت أنها كانت تظن نفسها دائمًا على الجانب الصحيح من المعرفة، لكنها الآن لم تعد متأكدة من شيء. العلم... ما الذي يمكنه أن يفعل بالبشر؟ إلى أي مدى يمكن أن يحوّل اللحم والدم إلى شيء آخر، إلى مشروع قيد التنفيذ؟ لطالما سمعت عن الجانب السوداوي للعلم، وأنه منذ أن يطئ العالِم اول خطوة له في هذا الجانب من المستحيل ان ينزع خطوته ويعود ابدًا، طريق لا عودة منه، يحول العالِم من شخص إنساني يأمل بأن ينير العالم بعلمٍ سديد مفيد، الى شخص ينتهك الإنسانية وحرمات اجساد الناس لأهدافه المجنونة. هل كانت ليلى، دون أن تدرك، تسير نحو هذا الطريق طوال حياتها؟ هل كان هذا المصير مرسومًا لها منذ اللحظة التي قررت فيها أن تبحث عن الحقيقة دون أن تسأل عن الثمن؟ شعرت بوخزة في معدتها، من شدة إشمئزازها وشجبها، لكنه ليس من المختبر وحده... بل منها أيضًا. أردف ماثيو قائلًا: _ثم جاء يوم كان بمثابة العيد بالنسبة لي... اكتشفنا كائنًا مجهولًا في إحدى غابات جنوب إفريقيا، كان تكوينه الذري وهيئته الفيزيائية غريبين، لا مثيل لهما على كوكب الأرض. حتى التواصل معه كان مستحيلًا. لكن فور أن علمتُ أنه يمتلك ثلاثة قلوب وعقلين، خطرت لي فكرة مذهلة: ماذا لو أن طاقته وروحه تنتقل إلى جسد آخر عند موته، بحيث يستمر في العيش بالقلبين المتبقيين في جسد دون جسده؟ ومن هنا وقع اختياري على أدهم، الحامل الأول لقوة جبّارة. هو لا يعلم ذلك... لكننا نعلم. إنه قادر على التحكم في إرادة من حوله وإدراكهم. لا يمكن بأي حال أن نخبره بهذا، وإلا فسيهلكنا جميعًا ويهرب منا. قال يوسف بفضول باللغة الاجنبية: _وكيف علمتم أنه يتحكم في الإرادة والإدراك؟ _عندما زرعنا الكائن داخله، أصبح التواصل معه أسهل. أخبرنا عن كوكبه وعن بقية الملوك من بني جنسه، الذين يمتلكون قدرات خارقة، وكانت قدرته هو تحديدًا السيطرة على الإرادة والإدراك. وبعد سلسلة من التجارب، تأكدنا أن أدهم يستخدم هذه القدرة دون وعي منه. وهذا ما جعل استكمال التجارب عليه شيء بالغ الصعوبة، فهو يمنعنا من المضي قدمًا، لأن رغبته في إنهائها تفرض نفسها علينا دون أن يدرك. التفت ماثيو إليهم وهو يقول: _ستمكثون الليلة هنا، وسأعطيكم مهمة التواصل معه، ومراجعة ملفاته، والمشاركة في تطوير حالته. أنتم علماء عبقريون، وواثق من أنكم ستطورون هذا الفتى، وستساعدون في انضمام المتبقي من بني جنس ذلك الكائن الذي بداخله، وذلك بمقابل مادي خارق. بعدها وجههم لغرفتهم، وفور أن دخلوا وأصبحوا وحدهم، نظرت ليلى إليهم وهي تترقب رد فعلهم، والذي كان باردًا جدًا، لتقول ممتعضة ومعترضة: _هو إنتوا موافقين على اللي بيحصل دا؟ نظر يوسف لها وهو يقول: _بصي يا حبيبتي، أنا عارف إن إنسانيتك كبيرة، وإن الموضوع دا مش مقبول، بس من وراه هيبقى فيه إفادة كبيرة للبشرية. نظر يوسف إلى سردار وهو يقول له: _مش كده يا سردار؟ سكت سردار برهة، ثم قال بصراحته الصادمة المعتادة: _لا، مش كده، إنت بتقنع نفسك بحاجات مش منطقية. نظر يوسف إليه بضيق، لتأتي ليلى إليه وهي تقول: _طب يا سردار، لو إنت معترض على كده، تعالى نكلم ماثيو... نحاول نقنعه إن دا مش إنساني ومش هيفيد بحاجة. نظر سردار لها، واكتفى حقًا بتلك النظرة التي تدل على سخافة ما تقوله، فسكتت ليلى في يأس، لكنه لم يكن اليأس الذي يجعلها عاجزة، بل يأس يحفزها على عدم التمسك بأي شيء سوى مبادئها، وألا تثق سوى في نفسها. وعند منتصف الليل، اتجهت ليلى إلى غرفة أدهم، وسمح لها الحراس بذلك، بما أن ماثيو صرّح لهم بحرية التنقل في المختبر. فتحوا لها غرفة أدهم، فدخلتها. كان مستلقيًا على الأرض، مغمض العينين، ولكن فور أن اقتربت منه، فتح جفونه في حركة سريعة باردة، ورفع بؤبؤ عينيه لها. نظرت له، ابتسمت، وجلست على ركبتيها أمامه. _إزيك يا أدهم؟ جلس أدهم بحركة بطيئة، وهو يرمقها بترقب وحيرة، لتقول له: _ينفع أتكلم معاك شوية؟ أنا لوحدي، معاييش حد، مش هعملك حاجة. ظل أدهم صامتًا، منتظرًا منها أي فعل مؤذٍ. مدت يدها في حقيبتها، وأخرجت قطعة حلوى الشوكولاتة، وهي تعطيها له: _خد، دي ليك. ظل أدهم يحدق في الشوكولاتة وهو يقول: _إيه دي؟ _دي شوكولاتة، بتاكلها، طعمها حلو، جربها. مد يده بحركة مترددة، وأمسك بالقطعة، ووضعها في فمه دون نزع غلافها، لتبتسم وتقول له بلين ولطف: _لا، لازم تفتحها الأول، هات، أفتحهالك. أعادها إلى ليلى، فامسكت الغلاف ونزعته ثم أعطته له مجددًا. أدخل الحلوى في فمه وبدأ يمضغها، لكن على عكس ما توقعت، لم يظهر أي رد فعل. أكل القطعة وابتلعها وملامحه بقيت كما هي، خالية من أي تعبير. _حلوة؟ رفع أدهم منكبيه بلا مبالاة. تصرفه لم يمحُ الابتسامة عن وجهها، فعادت تسأله: _أنت حاسس بإيه دلوقتي؟ في حاجة بتوجعك؟ سكت أدهم برهة، ثم قال: _كنت بحس بوجع زمان، بس دلوقتي...لا، سؤال غريب بصراحة لانهم اكيد عرفوكي إني مش إنسان عادي عشان أحس بوجع، أنا غريب... مسخ. لم تتحمل ليلى أن ترى هذا الانكسار في فتى صغير مثله؛ ففتاة مثلها لديها أخ في الثامنة عشرة، وهذا الذي أمامها مراهق لا حول له ولا قوة، يصغره بأربعة اعوام. حين تخيلت وائل مكانه، لم تتحمل الفكرة أبدًا. بحركة أخوية عفوية رؤوفة، تحسست شعر أدهم وقالت بصوت دافئ: _أنت بالنسبالي إنسان عادي. سكنت ملامح أدهم للحظة، وكأن عقله يحاول استيعاب الكلمات التي سمعها، كأنها لغة جديدة لم يألفها من قبل. اتسعت عيناه، واهتز جفناه في ارتباك مكبوت، لو كانت قالت له إنه قوي، أو مختلف، أو حتى مسخ كما اعتاد أن يُنعَت، لما اهتزت نفسه بهذا الشكل. لكنه الآن، لأول مرة، يسمع من شخص آخر نقيض كل ما قيل له طيلة حياته. _دكتورة ليلى... جاء صوت من خلفها، نبرته هادئة لكنها تحمل سخطًا مكبوتًا. التفتت بسرعة، لتجد ماثيو واقفًا عند مدخل الباب. _هل يمكن أن تأتي من فضلك؟ نهضت ليلى واقتربت منه بحذر، لم تكن خائفة، لكن القلق تسلل إليها. خرجا معًا إلى الممر، وحين استدار نحوها، قال بصوت منخفض واضح عليه الحدة: _سمعت عن إنسانيتك العارمة وانجذابك الشديد لتحرير هذا الفتى. قطب جبينها بدهشة، وقالت: _سمعت من مين يعني؟ _ليس هذا ما يهمك، ما يهمك أنني حددت لكِ مهمة ستكونين مجبرة على القيام بها، ولن يكون لديكِ حرية الرفض... *********** . . . «كما رأيتم، أخرجنا من قبو لقصر واحد فقط من قصور ذلك الشيطان المدعو نور الديب مئاتٍ من الأسرى، نساءً وأطفالًا مستضعفين من دمي ودمكم يا شعب مصر. قام نور باستعبادهم وتعذيبهم واغتصابهم من قِبَل الميليشيات، وأخذ دماءهم ليقوم بشعوذته وسحره. وكما سمعتم من أقوالهم، البعض منهم لم يُؤسروا في الحرب، بل تم إعطاؤهم لنور من قِبَل أهلهم بكل إرادتهم! أهذا معقول؟ أهذا تصرف عاقل لكم؟ أن يُعطي الزوج زوجته، والأب ابنه وابنته لأجل هذا الشيطان؟ لأجل ماذا؟ بعد هذه الأدلة التي تدين نور الديب بأنه مجرم طاغٍ وقائد للميليشيات، إن لم تعودوا لله وتقفوا ضد هذا الرجل، فهذا يدل على أنكم غارقون في فتنةٍ صماء، بكماء، عمياء، لن يخرجكم منها سوى الله عز وجل، ونحن مستمرون في مواجهتهم ومواجهة هذا الشيطان إلى آخر نفسٍ في صدورنا.» سنة ٢٠٤٣ في الوقت الحاضر، كان هذا الخطاب الذي ألقاه مصطفى بعد إذاعة مقاطع الفيديو للأسرى وشهاداتهم ضد نور الديب. ومن كان يشاهد هذا الخطاب هو نور نفسه، في قصره الآخر، بعيدًا عن أصداء الحرب، عيناه تحدقان في وجه مصطفى الذي أراد أن يعتصره بكفّه. كان واقفًا أمام التلفاز الكبير، فعقله لا يتحمل الجلوس والسكون من شدة البلبلة داخله. وخلفه اثنان من قادة الميليشيات الذين هم تحت إمرته، أحدهما إيراني والآخر هندي، لكنهما يجيدان العربية. ظلّا صامتين من هول تلك المصائب التي تنهال عليهم كمطرٍ من حجارةٍ من سجيل. اقتحموا قصره، سقطت أسواره، وتمزقت أسراره أمام أعين الأعداء كستارٍ مهترئ لم يعد يحجب شيئًا. أصبحت أسراره نهبًا للكاميرات، فُضِح المستور، وكُشِفت الجرائم، في خشية أن يتحوّل مجده إلى ركامٍ يُداس بالأقدام. لكن ذلك كله لم يكن سوى رمادٍ يُذرى في مهب الريح، مقارنةً بما جثم على صدره كالخنجر... منار. فأسرُ منار بالنسبة لنور كان أشنع ما واجهه، شعر بأن قلبه ينصهر، أسرها وحده كان كفيلًا بأن يجعله يتآكل من الداخل.... كانت ثباته، كانت الأم التي لطالما بحث عنها، كانت الشخص الوحيد الذي جعل عقله يستقر وقلبه يسكن، هي الوحيدة التي تعامل معها بحرية بعيدًا عن الالتزامات الرسمية، هي الوحيدة التي أسكتت الطفل الذي بداخله وأسكنت البلبلة التي تحدث له. كيف له أن يستمر دونها؟ كيف له أن يجد طريقه الآن وقد انطفأ النور الذي كان يهديه؟ بدأ يسير ذهابًا وإيابًا، لم يكن يتحمل حتى الوقوف. خطواته تتردد على الأرضية الرخامية، بطيئة لكنها مشحونة بسخطٍ مكبوت، كأن كل خطوة تحفر أخدودًا أعمق في عقله المشحون. _هل هذه ستكون النهاية؟ سأل القائد الهندي هذا السؤال ليُجيب الإيراني: _بالتأكيد لا، أنا واثق أن لنور خطة أعمق، وأن بروفيسور سردار لن يتركنا هكذا. _ولكن، ما إذاعه مصطفى سيقلب الرأي العام على مولانا نور. قاطعه نور بنبرةٍ صارمة وهو يرمقه بعينيه الحادتين: _محدش هيصدقه، ولو في كتير هيصدقوه، فأتباعي اللي هيكذبوه أكتر! قال الإيراني: _حسنًا، ما هي أوامرك؟ هل نستوقف القصف إلى أن نسترجع أسرانا؟ قال الهندي: _لقد أخذوا أسرى من أجود وأمهر جنودي! لن أسمح بأن يتم قتلهم، يجب أن نستوقف القصف يا مولانا. هنا، بدأ روح قوته يتحدث داخل عقله: ~وقف القصف يا نور عشان خاطري، أنا عايز ماما، مش هقدر أستحمل بجد ماما تموت وتروح مني، أنا عايزها... عشان خاطري وقف الحرب وخليها ترجعلي... عشان خاطري! همس نور وهو يجز على أسنانه من امتعاضه وحنقه الشديد من عودة ذلك الطفل للحديث: _اخرس!! سمعه القائدان فصمتا، ليعود الروح قائلًا: ~لا! مش هخرس! لازم ترجعها! لازم ترجعها! بدأ نور يتأثر من مشاعر ذلك الطفل داخله، فتسارعت أنفاسه، واغرورقت عيناه، وارتجف جسده، ليتهيأ لدخوله في مرحلة الانهيار العصبي. كان يقاومه نور لكنه لم يقدر عليه، فانفجر نور باكيًا، وجثا على ركبتيه المصطكّتين وهو يردد: _عايز ماما..! عايز ماما، ماليش دعوة!! انتفض القائدان في فزعٍ شديد، وهما يتبادلان النظرات الصادمة من تصرفه الطفولي. وازداد بكاء نور إلى حد العويل، تمامًا كالأطفال الرضّع حين يصرخون طلبًا لحضن والدتهم. اقترب القائدان منه في الحال ليهدئاه، لكنه دفعهما وهو يصيح: _اطلعوا برا!!! سيبوني لوحدي! اطلعوا برا!!! خرجا كلاهما بسرعة في حيرة، ليتركا نور وحده في صراعه مع روح قوته الذي لا يهدأ أبدًا، كما لو أن سدودًا كانت تحبس في صدر نور بحرًا هائجًا من المشاعر المتضاربة، وانفجر، فلم يعد قادرًا على كبح ما بداخله. ظل يضرب رأسه في محاولةٍ منه أن يكفّ عن هذا الجنون الذي أوصله إليه ذلك الطفل. نهض وركض بخطواتٍ متعثرة، كأن الأرض تحت قدميه تترنح كأرضِ سفينة. يشعر بأن قلبه ينقسم إلى نصفين: نصف يصرخ بالغضب والثورة، ونصف يئن بالقهر والضعف. يداه كانتا ترتجفان، وكأنهما تحاولان أن تمسكا بشيء ما لم يعد موجودًا. دخل إلى إحدى غرفه، كان يوجد بها دمية كبيرة. فور أن رآها، أمسكها بقوة، في محاولةٍ منه أن يستمد منها بعض الدفء، بعض الأمان الذي افتقده. ضمها إلى صدره وهو يتخيلها منار، تمامًا كتصرفٍ طبيعي من طفل معتاد على التخيل الدائم. أغمض عينيه، واستسلم للحظةٍ من الوهم، حيث كان يظن أن هذا الحضن الصغير يمكن أن يملأ الفراغ الهائل الذي أحدثه قلبه. وهكذا، انتهى به المطاف جاثيًا على الأرض، محتضنًا الدمية. دموعه ما زالت تسيل، لكنها كانت الآن أكثر هدوءًا، واستمر في البكاء إلى أن نام من الإنهاك النفسي الذي قام بمصارعته. ولم تمر دقائق حتى أتى إليه أحد خدامه وهو يطرق الباب قائلًا: _مولانا، بروفيسور سردار بيتصل بيك. فتح نور جفونه في حركةٍ سريعة، ووثت واقفًا، واتجه إلى باب الغرفة بسرعة، فتحه، سحب الهاتف من الخادم، وأجاب على سردار: _ألو. _واضح إنك في ورطة، شكلك محتاج مساعدة. _قولي بسرعة أعمل إيه، لازم أرجّع منار في أقرب وقت! _أول حاجة، أنا مخطط إني أقتل هدى وفلوريان وهالة من زمان بسبب اللي بيعملوه، ودا انسب وقت إنك تقتلهم ودول أول ناس هتقتلهم، بعديها هتقصف المقر بتاعهم، وبعدين هتاخد كل الجنود المتبقين للوادي الجديد عشان يهجموا عليهم بعد ما يتقصفوا ومقرهم يتدمر ومعظم جنودهم يموتوا. مفيش أسلوب عقلاني معاهم بعد كده خلاص. سكت نور برهة وقال ممتعضًا: _ومنار؟! أجابه سردار ببرود، غير مبالٍ بها: _متقلقش، هتبقى كويسة. بعدها، أغلق سردار الخط، ليحتدم نور ويضرب الهاتف بالحائط، ثم يقف ساكنًا وهو يفكر في تنفيذ أوامر سردار، مع إبقاء الرأي العام في صفه، وفي الوقت ذاته، ألا تتأذى منار وتعود إليه. ********* بعد أن تم دفن أم يمنى، ورفض عصام أن يشرح الأطباء الجثة بعدما علم أن يمنى قامت بفعلتها تلك بالإكراه، جلست يمنى على أريكة في منزل عصام، يلفّها صمت ثقيل يخنق أنفاسها ويقبض رئتيها. عيناها شاخصتان نحو الفراغ، متربعة على عرش الذنب والندم، تستعيد مشهد موتها مرة بعد مرة، كما لو أن عقلها يدور في دائرة جحيمية لا خلاص منها. لم تبكِ حين وارت أمها التراب، لم تنحب، لم تشعر بشيء سوى الفراغ... لكنه الآن، بعد أن هدأ صخب العزاء وذابت الوجوه المتجمعة حولها، صار الفراغ هاوية، صار الندم إزميلًا ينحت في روحها بلا نهاية ولا رحمة. لم تكن أمًا مثالية، لم تمنحها حنانًا، لم تواسيها يومًا، بل كانت كالسياط تلهب ظهرها في كل خطوة. ومع ذلك، كانت جزءًا من عالمها، جدارًا، سياجًا، ظلًّا... مهما كان قاسيًا، فقد كان موجودًا. والآن، لم تعد موجودة. ماتت بيديها، وإن لم تكن تقصد، فكيف لها أن تتسامح مع ذاتها بعدما صارت قاتلة دون أن تقصد القتل؟ فكرة أنها كانت السبب في رحيلها كانت أكثر مما يحتمله قلبها الواهن. أغلقت جفونها من شده انهاكها، لكن الصور كانت متحفزة خلف جفونها، وجه أمها لحظة خروج روحها، النظرة التي ألقاها عصام عليها حين أدرك الحقيقة... تلك اللحظة، تلك اللعنة، تلك المأساة التي سُجِّلت باسمها إلى الأبد. خرج عصام من غرفة رجب بعدما تأكد أنه نام بسكينة، وفور أن أتى وجلس بجانبها، قالت يمنى: _عمو أخد الدوا قبل ما ينام؟ قال عصام وهو يومئ برأسه: _أخده.. متشغليش بالك دلوقتي بحاجة، أنتِ محتاجة ترتاحي. أومأت يمنى برأسها وهي تنظر إلى الفراغ، تعبث بأطراف عباءتها بين أناملها المرتعشة، كأنها تحاول الإمساك بشيء يمنحها ثباتًا وسط العاصفة التي تجتاحها من الداخل. لاحظ عصام ذلك، فقرر أن يضع يده على يدها ليهدئ من البلبلة في عقلها، فنظرت إليه ودار بينهما صمت طويل. كان عصام جالسًا، لا يتكلم، لا يحاول فرض كلمات عزاء جوفاء. فقط وجوده كان يقول ما لا تقوله الكلمات. كظل شجرة وارف في صحراء مشتعلة، لا يطفئ الحر، لكنه يخففه. لم ينطق، لكنه أفسح لها مساحة للحزن. _مسألتنيش يعني عرفت علاء إزاي؟ كانت قد سردت له يمنى علاقتها بعلاء قبل أن يدفنوا أمها، لكنها لم تقل التفاصيل المجهولة، فقال لها عصام: _أنا مش من النوع الفضولي اللي يعوز يعرف تاريخ العلاقات. _غريب... مع إنك محقق، يعني المفروض يكون عندك فضول. _فضولي بخليه في مواضيع مناسبة... والموضوع ده أنا معنديش فضول ناحيته، إلا لو حبيتي تحكي، مش همنعك. في تلك اللحظة، أفلتت دمعة من عينيها، لم تتداركها، لم تمسحها، فقط تركتها تذوب على وجنتها، وهي تقول: _عرفته وأنا متجوزة محمد... كنا فقرا، والحياة كانت صعبة أوي... لحد ما جه علاء يكلمني على الفيس، وهو بيقولي على التسويق الشبكي وكلام عبيط كده يكسبنا فلوس كتيرة. يعني بالاختصار، قعدت أدفع له من فلوس جوزي اللي بيطلعها بطلوع الروح زي الغبية، وبصراحة علاء كان بيكلمني بطريقة... خلتني أقع في حبه... يعني حرامية وخاينة كمان. وبعد ما عرف جوزي بالحوار ده، جاتله جلطة في القلب بس الحمد لله اتلحقت وماماتش، بس بعدها طلقني بالتلاتة وخلاص بقا كل واحد راح لحاله. بس علاء مسابنيش، وقعد يكلمني ويوعدني إنه هيتجوزني وبتاع، وجت له فترة كده واختفى، ولقيته رجع وهو بيقولي إنه اشتغل في عصابة أدهم. مكنتش مصدقاه في الأول، بس جه الوقت وصدقته فيه، وبقى يستخدمني ويبتزني... وطلعلي بالجديدة بقى، بيقولي إنه بقى مع واحد اسمه سردار، ده بينافس أدهم في الجبروت. كان عصام ينصت إليها في صمت تام بينما دموعها تنهمر كلما تحدثت، بعدها أردفت قائلة: _أكيد كل اللي بيحصلي ده عشان محمد، الراجل ده غلبان وطيب، وكان بيحبني وأنا دمرته، أكيد دعا عليا هو اللي دمرني كده، نفسي يسامحني بس معرفش إزاي، ونفسي أمي تسامحني... أنا كنت هموت جوزي... وموتت أمي... كل ده عشان إيه؟ أنا إزاي غبية بالشكل ده؟ نظرت إليه وهي تقول بارتجافة قوية في جسدها وهي تنحب: _عصام، عصام، ارجع لقسم الشرطة وقولهم، قوليهم إني قتلت ماما، قولهم إني حطيت لها السم في الأكل عشان أتسجن وأتعدم وأرتاح، أنا لو فضلت عايشة كده مش هستحمل، أنا مش مستحملة نفسي، أقسم بالله مش مستحملة أسمع صوتي، مش مستحملة أشوف وشي في المراية، مش مستحملة فكرة إنك شايفني وإن الناس شايفاني، مش مستحملة فكرة وجودي، أنا لازم أموت وأختفي من الدنيا دي! انفجرت يمنى باكية وانهار جدارها من شدة الضغط والنفور من نفسها، ليضعها عصام في حضنه في صمت وهو يحاول تهدئتها. وأثناء ذلك... رآها. رأى سلمى، واقفة عند مدخل غرفته كالعادة، تحدق فيه بنظرات غامضة، ثم قالت: _خطايا يمنى وياسمين ميجوش حاجة جنب خطاياك اللي بعدد رمل الصحرا، بس على الأقل ممكن تصلحوا نفسكم سوا... مش كده؟ بعدها اختفت في طرفة عين، وهنا نظر عصام ليمنى وهو يقول لها: _رغبتك في إنك تختفي ده مش حل لراحتك، أظن اللي هيريحك بجد إنك تتغلبي على خطاياكي بالأعمال الحسنة. يعني مثلًا، لو تفتكري أنتِ أخدتي من طليقك فلوس قد إيه، إحنا ممكن نشتغل سوا ونرجعهاله بطريقة معينة، وبالنسبة لوالدتك، فإحنا ندعيلها كتير ونطلع لها صدقات جارية، ولما يبقى عندنا فلوس، إن شاء الله نعمل لها عمرة. كل ده هي هتحس بيه وهيساعدها جدًا، وهتشهد عليكي قدام ربنا إنك مسبتهاش أبدًا. _أنا معاييش الفلوس دي كلها، ومستحيل أقدر أطلعها يا عصام. _لا لا، هنقدر والله. هو أنتِ مش فنانة تشكيلية وبترسمي؟ تقدري تبيعي لوحك وتشتغلي فريلانسر جرافيك ديزاينر وتاخدي بالدولارات كمان، وأنا معايا لابتوب حديث وحلو هيساعدك. سكتت يمنى قليلًا وهي متحيرة، وبعدها قالت: _عصام، أنت ليه بتقول هنقدر وهنعمل وكده؟ أنت هتساعدني في ده ليه؟ _لإني هتجوزك، يعدي بس كام شهر على وفاة والدتك، وهتجوزك، وفي المدة دي أنا مش هسيبك، وهساعدك برضو. بينما كانت يمنى غارقة في ظلمات الذنب، ممزقة بين الندم والرغبة في الفناء، كان عصام يرى شيئًا آخر، شيئًا لم تره هي بعد، فرصة للخلاص، لا بالعقاب، بل بالتكفير. لم يكن قراره نابعًا من شفقة أو اندفاع عابر، بل كان امتدادًا لطريق طويل من المحاولات لإعادة تشكيل ذاته، رجل يحمل على كاهله خطايا لا تحصى، لكنه أدرك أن حملها وحده لن يمحوها، بل لا بد أن يكون نورًا لمن تعثّروا في ذات العتمة. لم يكن ينوي أن يكون منقذها، بل رفيق رحلتها إلى النجاة، يضع يدًا ثابتة على كتفها المرتجف، لا ليجرّها نحو الخلاص، بل ليمنحها القوة كي تسير إليه بنفسها. كان يؤمن أن أولى خطوات التكفير عن الذنوب ليست في جلد الذات، بل في بناء جسور للآخرين لعبورها، ولو كانت تلك الجسور مبنية من أنقاض روحه المحطمة. وهكذا، اتخذ قراره... لن يتركها للهاوية، كما لم يترك نفسه تسقط فيها من قبل. ********** في الوادي الجديد، حيث معسكرات ذود، كان أحمد، القناص الماهر، جالسًا مع أخته سعدية. ذلك الفتى الذي يجيد لغة الإشارة التي تعلمها خلال الأشهر الخمسة الماضية، لأنه كان يعلم أن سعدية التي يبحث عنها صماء. في تلك المدة التي انضم فيها إلى عصابة سردار لينتقم من والده، تعلّم الكثير عنها. ها هما جالسان يتناقشان بلغة الإشارة، ويبدو على حركاتهما المنفعلة وتعابير وجهيهما الممتعضة أنهما يتشاجران. ┐يعني إيه عايزة ترجعي لعصام وتعيشي معاه؟ انتِ اتجننتي؟! أجابته وهي تشير ممتعضة: ┐وفيها إيه؟ أنا فرحت إن ليا أخ زيك وأب حقيقي، وعايزة أعيش معاكوا انتوا الاتنين كعيلة. ┐لا طبعًا! لما تخلص الحرب، مش هرجع أعيش مع الراجل ده! إحنا هنعيش في شقة لوحدنا، ولو احتاجنا حاجة، عمو مصطفى أو نوح هيساعدونا. انتِ متعرفيش! عصام ده شيطان، ومستحيل أسيبك تعيشي معاه. ┐عيب تقول كده على أبونا. ┐يابنتي، انتِ عايشة في مية البطيخ، متعرفيش حاجة! في تلك اللحظة، دخلت علا، فنظر إليها أحمد وكذلك سعدية، وحين لاحظت تعابير وجهيهما قالت: _كنتوا بتتخانقوا ولا إيه؟ قال أحمد حانقًا: _شوفي بنت أخوكي! عايزة ترجعله! عايزة لما الحرب تخلص تعيش مع عصام! ومش عايزة تقتنع إنه راجل وحش ومينفعش يتعاش معاه! سكتت علا برهة، وبدأ على ملامحها التشتت، ثم جلست بجانبهما، ويظهر خلف عينيها تفكير شديد، إلى أن قالت: _وانت إيش عرفك إنه لسه راجل وحش؟ _نعم؟! انتِ أكتر واحدة جربتي جبروته! عادت علا لسكوتها الطويل، إلى أن قالت: _بص يا أحمد، الحرب دي غيرت فينا كتير أوي، وأكيد فيك انت كمان. الواحد لما بينجو من الحرب، بيرجع وهو عامل حسابه يغير حاجات كتير من نفسه وفي حياته، فلما الحرب تخلص، إن شاء الله مفيهاش مشكلة لو رجعتله بشكل تدريجي، وهي برضو تشوف أبوها... أنا واثقة إن عصام نفسه يشوفها. لو حسيت إنه متغيرش، خدها وابعدوا عنه. _يعني إيه بقى الكلام ده؟! انتِ سامحتيه؟! _معرفش يا أحمد، بس عدى وقت طويل أوي. وانت أخدت حقك وحق والدتك منه، ونوح أخد حق سلمى وأبوها وأمها منه، وبشوفه منزِّل أكتر من عشرين بوست بيدور عليك، يعني باين إنه عايز يصلح اللي دمره. مفيهاش مشكلة لو اديناله فرصة، الدنيا مش هتقف يعني. _اديله انتِ فرصة! أنا مش مديله حاجة. _خلاص، بس سيب سعدية تشوف أبوها. كاد أحمد أن يتحدث ويعترض، فقاطعته علا غاضبة وهي تأمره: _خلاص يا أحمد، الموضوع اتقفل! مش هنقعد طول اليوم! أنا همشي دلوقتي ومفيش وقت أقعد أتناقش فيه. بعد أن كشفت علا أمر الجواسيس، تولّى ياسر القبض عليهم، فقتل عددًا كبيرًا منهم، بينما أبقى على البقية لاستغلالهم في كشف المزيد. وبفضل الكلاب التي دربها هيثم بأسلوب احترافي وصارم، أصبح بإمكانها التعرف على الجواسيس عبر رائحتهم، سواء من خلال التغيرات الكيميائية المرتبطة بمشاعرهم، كإفراز الأدرينالين والكورتيزول، أو بوسائل أخرى. وبعد أن حفظت الكلاب رائحة الجواسيس الأوائل، استطاعت تعقّب الآخرين، فكشفت عن وجود جواسيس لم يشر إليهم من تم القبض عليهم في البداية، لجهلهم بوجودهم. وخرج من كل جيش ذود ألفان وثلاثمائة خائن من أصل عشرة آلاف جندي، فقام ياسر بحبسهم مع تحديد موعد إعدامهم القريب. كان هيثم الآن في مكتب ياسر، يقف معه، وياسر يقول بنبرة مفعمة بالسرور: _عشان أكون صريح معاك يا هيثم، أنا مكنتش مقتنع بفكرة إن يكون فيه مدرب للكلاب في الجيش هنا، وحسيت الموضوع... مالوش لازمة. بس اعذرني، أنا كنت فعلًا جاهل بمهمتهم. بفضل ربنا، بعدين علا وانت، نضفنا الجيش ده من الأوساخ دول، وده تقدم مهم أوي وعظيم. انت تستحق اجازة، لأنها مش أول مرة تساعدنا وتفيدنا كده. كان هيثم ايضًا من مهارته في الحواسيب، يستطيع تعطيل أي إشارات لاسلكية تسمح للعدو بتتبعهم، أو يضيف بعض البرمجيات التي تساعد في تجسسهم على الميليشيات. قال هيثم مبتسمًا بامتنان: _ده شرف كبير أوي أوي ليا يا فندم، أنا برضو متفاجئ من التقدم اللي الكلاب عملوه. أنا تطوعت للجهاد وأنا مش عارف دوري هيبقى إزاي، بس الحمد لله، ربنا قدر لي إن يكون ليا فايدة. ربّت ياسر على كتف هيثم وهو يقول: _يلا، لمّ حاجتك وروح مع علا وهالة وارتاح لك أسبوع كده وارجع تاني، بس خد اللابتوب معاك، لأنك هتبعتلنا أي خبر وهتشتغل بيه برضو. الراحة الكاملة هتبقى بعد انتصارنا في الحرب إن شاء الله. بينما كان إسماعيل واقفًا في ساحة التدريب يُدرِّب جنوده، جاءه خبر استعداد هالة وعلا للعودة إلى القاهرة، فذهب مسرعًا إلى غرفته. دخل ليجدها تقوم بتجهيز حقيبتها وتلملم أمتعتها، فأتى إليها وهو يقول: _هتمشي خلاص؟ إزاي ياسر ما قاليش؟ نظرت إليه وهي تقول: _معرفش بصراحة، لما سألتهم إنت هو اللي هيوصلنا ولا لا، قالولي لا، لأن وراك شغل كتير، ولازم يكون فيه قائدين في المعسكر. امتعض إسماعيل بشكل طفيف، لكنه أزاح امتعاضه وابتسم وهو يقول: _أنا هبقى أتكلم معاه، ما تقلقيش. المهم، تكوني جمعتي حاجتك وجهزتي. _آه، لسه بلمّهم أهو. بدأ إسماعيل في مساعدتها ومراجعة أمتعتها كي لا تنسى شيئًا، وحين انتهت قالت فجأة، كأنها كادت أن تنسى أمرًا مهمًا: _آه صحيح، إديني إيدك كده. تعجب إسماعيل وقال وهو يعطيها كفه: _خير، هتبوسيها ولا إيه؟ ضحكت هالة وقالت: _هبقى أبوسهالك، بس بعد الحرب. أخرجت من حقيبتها عقدة من خيط صوف أحمر ملتف بشكل دائري في حجم الخاتم. تذكَّر تلك العقدة التي كانت ترتديها في ساعدها، والتي جعلتها دلالة على حبهم وعلاقتهم. قررت ان تضعه حول اصبعه، وبينما كانت تفعل ذلك، كان هو يراقبها بصمت، مستسلِمًا لسحر تلك اللحظة، وعيناه تبحران في ملامحها ووجهها الأسمر الجميل، كل رمشة، كل ارتجافة خفيفة في أناملها. أصبح الهواء بينهما مشبعًا بمشاعر لا تحتاج إلى كلمات، بل تبرز في النظرات، في نبضات القلب التي تتسارع، في ذلك الخيط الأحمر الذي لم يكن مجرد قطعة صوف، بل رابطًا بين قلبين. فور أن رفعت رأسها لتنظر إليه، شعر أنها تنظر إلى روحه ذاتها، تحاول طمأنته بأنها ستكون معه، حتى لو فرّقتهما المسافات. وفي نظراته، كان العشق يتجلَّى في صورته الأعمق، كان عشقه لا يحتاج إلى صخب، بل يكفيه أن يثبت وجوده في أبسط الإيماءات. لم يكن بحاجة إلى أن يقول أي شيء، فالطريقة التي تأمل بها وجهها، كانت أبلغ من ألف اعتراف. وفي عينيها، كان الشوق يتراقص على حافة الحنين، مزيج من حبٍّ متأجج وخوفٍ خفي من المجهول، تخشى أن تطول الأيام قبل أن يجتمعا مرة أخرى. أما هو، فكانت نظرته ممتلئة بيقينٍ صامت، كأنه يطمئنها دون أن يتحدث، يخبرها أن المسافات لا تعني شيئًا أمام ما يربط بينهما. _ما تشيلهاش بقى إلا بعد ما نشوف بعض تاني بعد الحرب، تمام؟ قال إسماعيل بصوت مفعم بالحنان: _ومش هشيلها خالص بعد ما الحرب تخلص، هربطها بالدبلة وهخليها في إيدي. عرضت ابتسامتها في ابتهاج، بينما كانت عيناه تتأملانها برقة عميقة، كانا يطيلان النظر، كأنما يحاولان سرقة لحظة من الزمن، لحظة تظل محفورة داخلهما حتى حين يفرقهما الواقع. ولكنها زوجته على أي حال، فلم يستطع أن يكون سلامهما هذا بالنظرات فقط، فقرر الاقتراب منها ليودعها الوداع الكامل. في الوقت ذاته، عند عيادة المعسكر حيث مهجع المرضى والمصابين، كان هيثم وعلا يقفان عند سرير يامن، الذي ما زال فاقدًا للوعي منذ حادثة الكهف تلك. كانا ينظران إليه نظرةً أخيرة ليسلما عليه، فقالت علا لهيثم: _لو هيبعتولك أي خبر وأنت في الإجازة، ابقى قولي لو طمنوك عليه. قال هيثم وهو يومئ برأسه: _ما تقلقيش، هبقى أسأل عليه وأطمنك. ********* الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، حين اختفت أضواء مصر من على الخريطة، وآثرت الانزواء خشيةً من عزرائيل الإنس. الجميع محاصر في داره، يلوذ بأحضان ذويه، يتمتم بأدعية مرتعشة، تائهًا بين الرجاء والرعب. في تلك العتمة المعسعسة، كان عمر يسير بجواره، يرافقه بين ظلمات الليل المكفهر، بين شوارع خامدة، موحشة، لا يميزها عن القبور سوى أن أجساد ساكنيها ما زالت تنبض بالحياة حتى الآن. أدهم يمضي بخطوات ثابتة، لا تباطؤ فيها ولا تردد، فيما يتبعه عمر في صمت، مُكرهًا، مستسلمًا لذلك المصير القاتم، حتى نفد صبره وقال بضجر: _وبعدين؟ إحنا بقالنا ٣ ساعات بنمشي. أجابه أدهم بتهكم: _إيه، تعبت؟ تحب أشيلك زي ما الأمير بيشيل أميرته؟ زفر عمر بضيق وقال بنفاد صبر: _طب خلّص ووريني العقاب اللي هتعمله فيا. ابتسم أدهم بمكر وقال: _أنا مش هعمل فيك حاجة، أنت اللي هتعمل في نفسك. وبعدين، أنا قلولتلك هنتفسح، ولسه الفسحة مبدأتش حتى. في تلك اللحظة، رنّ هاتف أدهم، كانت تريسا المتصلة. أجاب بعدما فتح المكبر: _أيوة يا تريسا. تحدثت بلهجة مصرية ضعيفة: _المسيرة فوق بيت شيماء، ومستعدة للقصف عند أمرك. جحظت عينا عمر في صدمة وهلع، بينما قال أدهم في سرور: _تمام، أول ما أشوف عمر بيعمل أي حاجة مش عجباني، هدّيكِ أمر القصف. أغلق الخط والتفت إلى عمر وهو يقول بخبث: _أنا آه بعرف أتحكم في الإرادة، بس الموضوع بالنسبالي ممل. أنا أقدر أتحكم في إرادتك من غير ما أستخدم قوتي، وده ممتع أكتر. تحجرت عينا عمر بحجوظها على ادهم، ليس فقط من الصدمة، بل من الإحساس القاتل والمخزي بالعجز. لم يكن أدهم بحاجة إلى رفع سلاح أو إطلاق تهديد مباشر؛ كان صوته وحده قيدًا فولاذيًا شائكًا، وكانت كلماته سكاكين تنغرز في عقله وقلبه، تحفر داخله جوف اسود من الرعب والقهر. كيف تحولت حياته إلى هذا؟ متى صار مجرد بيدق في لعبة لم يختر حتى أن يلعبها؟ واصل الاثنان السير حتى وصلا إلى أحد الأحياء المصرية المتواضعة، بعيدًا عن العاصمة الإدارية وما شابه. في هذا الحي، شارع هادئ، وفي هذا الشارع، عمارة سكنية، وبين شققها، طفلة تبلغ من العمر خمس سنوات لم تنم بعد، رغم أن أمها، التي تحرسها بجانبها على السرير، قد غطت في النوم. نهضت الصغيرة، وضعت قدميها الصغيرتين على الأرض، وتقدمت نحو نافذة غرفتها. كان الشارع ساكنًا إلى حد مرعب، جعلها تسمع بوضوح خطوات أدهم وعمر. أزاحت الستار قليلًا لتطل عليهم، لكن فجأة، توقف أدهم عن السير والتفت إليها، رافعًا رأسه ليرمقها بأعين ثابته مهيبة. في اللحظة التي التقت عيناها بعينيه، شهقت شهقة قصيرة، ثم تراجعت إلى الخلف وهي تجهش بالبكاء. استيقظت أمها على صوتها المذعور، فسألتها بقلق: _مالك يا حبيبتي، مالك؟ قالت الطفلة بتلعثم وتهدج قوي: _ا...ا...البعبع يا ماما... هو تحت... وشافني... شافني! ضمتها أمها وهي تقول: _لا يا حبيبتي، أكيد مش هو، متقلقيش... نامي، نامي يا حبيبتي. لكن في تلك اللحظة، دوى صوت طرق على باب المنزل. كان الطرق بطيئًا، ثابتًا، مستمرًا، حتى شعر كلاهما وكأن تلك الطَرقات تُطرق في جمجمتيهما، ويتوقف نبض قلبيهما مع كل طرقة. استيقظ الأب مفزوعًا، دخل غرفة ابنته بسرعة وهو يمسك بسكين، لتسأله زوجته بلهفة مرتعبة: _مين يا محمد... مين؟! نظر إليها بعينين شاخصتين، وجهه شاحب من شناعة ما رآه من عين الباب، ودموعه متحجرة في مقلتيه، بينما جسده يرتجف من شدة ذعره المكتوم. ثم همس بصوت مبحوح، بالكاد يخرج من حنجرته: _هو... ه...هو... بعد تلك الكلمة، ركل أدهم الباب ركلة قوية دمرت عشرات الأقفال وأسقطت الباب أرضًا. بعدها دخل وأدهم يقول: _بما أنك بقا يا عمر بتسمّعني دروس دينية، وحاببهم، فأنا قررت أديك درس ديني دلوقتي، وهتستفاد منه أوي. في تلك اللحظة، خرج الأب وهو يصرخ وانقض على أدهم بالسكين، وخلفه امرأته تحمل طفلتها متجهة إلى الباب لتفر. فأمر أدهم عمر: _اقفل الباب وامنعهم!! اتجه عمر إلى الباب بسرعة وأغلقه، وعيناه تفيضان بالقهر والندم العظيم. بسهولة، قام أدهم بتعذيب الرجل بكسر قدميه ويديه وألقاه أرضًا لعدم رغبته في قتله حاليًا. بعدها، اتجه إلى الأم وجذبها من شعرها بقوة، فأسقطت طفلتها من بين يديها ليلتقطها عمر بسرعة ويضمعها في حضنه، محاولًا حجب عينيها عن هذا الجحيم. لكن أدهم أمره مجددًا: _لو غميت عيون البت، هتندم!! وبيد مرتجفة، أزاح عمر يده عن عيني الطفلة. كان الرجل يصرخ مستنجدًا بأحد، لكن لا أحد يسمع صراخهم، كعادة جرائم أدهم. كذلك الأم، كانت تصرخ صرخات تزلزل الأرض وتشقق السماء، بينما أدهم ينزع ملابسها. أما الطفلة، فكانت مستمرة في البكاء والصراخ بهلع عظيم، وعمر يراقب كل ما يحدث بجسد مرتجف وعينين شاخصتين، مشلولًا من العجز والقهر العارم. بعدما جرد أدهم المرأة من ملابسها، أمسك بالسكين التي كانت مع الأب، وبدأ يسلخ جلدها وهي على قيد الحياة. شعر عمر وكأنه هوى في أحد كهوف جهنم، حيث تعالت الصرخات المدوية بين عذاب لا ينتهي، وضوء خافت وشلل تام اجتاح جسده. كانت الطفلة والرجل يحدقان في المشهد المروع، يشاهدان المرأة تُسلخ أمام أعينهما. أي كائن حي يمكنه تحمل هذه الشناعة؟ لم يعد عمر يشعر بقلبه أو بروحه، وعقله راح يستميت في ترجمة ما يراه بأي طريقة، عدا أن يقبل بأنه واقع حقيقي. سكتت صرخات الأم بعد أن ماتت، وبعد دقائق، استطاع أدهم سلخ جلدها كله بشكل منمق، أشبه بالرداء. التفت إلى عمر وهو يقول: _نبدأ بقا الدرس الديني، مهو مش مصطفى بس اللي بيدي دروس دينية. أنا هلبّس دلوقتي جلدها لجوزها، وأنت تلقائيًا هتعرف أنا قصدي إيه بالحركة دي في الدين. تمام؟ قام أدهم بطريقة جنونية لم تخطر على بال أبشع مخلوق خلق على وجه البسيطة، بجعل الرجل يرتدي جلد زوجته، وأدهم يقول بصرامة: _هاااا؟؟ قولي بقا، اللي بعمله دا فين في القرآن!!، دي آية مشهورة جدًا بتبين الترابط الجميل بين الزوجين، اكيد عرفتها صح؟! علم عمر ما يقصده أدهم فحرك رأسه وهو ينفي بحسرة عظيمة، رافضًا أن يقرأ ما يريده أدهم، لأنه يحترم القرآن ويخشى الله، وأدهم طاغية كافر يفعل ذلك ازدراءًا به وبالدين. لكن أدهم صرخ في وجهه قائلًا: _قول!!!! قول!!!! انتفض عمر ولم يتحمل أكثر، وبدأ في نطق الآية التي أرادها أدهم. وفور أن قالها، ضحك أدهم بسرور، بينما استمر عمر في الاستغفار والدعاء بأن يسامحه الله. بعدها، شق أدهم صدر المرأة ونزع قلبها، ثم شق صدر الرجل ووضع قلبها بجانبه في رغبة منه أن يجعلهم جسد واحد، وهو يقول مستمرًا في تهكمه: _في برضو آية في الإنجيل، بتقول: "لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكونان جسدًا واحدًا". وقف أدهم، استقام ظهره، واستنشق نفسًا عميقًا وهو مستمتع بدخول الهواء المصحوب برائحة الدماء، مبتسمًا برضا. التفت إلى عمر وقال بعينين متسعتين من شدة جنونه وهو يريه جثة الرجل المرتدية جلد زوجته ويحمل قلبها بجانب قلبه وهو فخور كما لو أنه يريه لوحة فنية: _ها؟ إيه رأيك في الدرس دا؟ بذمتك مش أحسن من مصطفى؟ أهو آيات من كتب دينية مع التنفيذ بتاعهم عملي، إيه رأيك؟ نظر أدهم إلى الطفلة هنا ليأتي دورها، اقترب منها وسحبها من حضن عمر وألقاها على الأرض. وفور أن وضع يده على حزامه، أمسك عمر يد أدهم وهو يقول: _انت هتعمل إيه؟! نظر أدهم إليه ببرود وهو يقول: _أنت عارف أنا هعمل إيه. _بلاش، بلاش عشان خاطري، أبوس إيدك كفاية، كفاية عشان خاطري، كفاية! شعر أدهم بضعف، وبدأ يحدق في عمر بتشتت طفيف، ولكن سرعان ما تدارك نفسه وهو يقول: _تمام، لو مش عايز، فهاخدها للريد مونكي، ها... اختار، يا دا... يا دا... حين كان عمر يضع يده على حزام أدهم، لمحت عيناه مسدسًا قريبًا من يده، وفي لحظة فارقة قرر اختيار خيار ثالث، خيارًا لم يخطر على بال أدهم. بلا أدنى تردد، قبض عمر على المسدس وسحبه بسرعة من حزام ادهم، ثم وجهه مباشرة نحو الطفلة وأطلق عليها رصاصة أنهت حياتها فورًا كقتل رحيم. لم يمهل عمر أدهم لحظة للرد، إذ استدار نحوه وانقض عليه بوابل من الرصاص، يفرغ كل ما في السلاح بجنون لم يعهده في نفسه من قبل. ظل عمر يضغط على الزناد بجنون وسرعة، يطلق رصاصة تلو الأخرى حتى نفدت الذخائر، لكنه لم يتوقف إلا حين ساد الصمت. لم يجرؤ على النظر مطولًا، إذ لم يتحرك جسد أدهم قيد أنملة، وكأنه لم يتأثر بكل ما أصابه. ألقى عمر بالمسدس أرضًا كمن يرمي جمرة حارقة، ثم اندفع بجنون نحو باب الشقة، فتحه بعنف، وانطلق هاربًا، يهرع فارًّا من عزرائيل الإنس ذاك. إنطلق عمر راكضًا في الشارع كالسهم المنفلت من قوسه، في محاولة منه أن يسبق الموت نفسه قبل أن يُطبق عليه. خطواته سريعة، بعيدة، كانت قدماه تلامسان الأرض لجزء من الثانية قبل أن تنتزعهما الرغبة العارمة في النجاة. كانت خطواته اندفاعة يائسة، جموحًا محمومًا، وأصبح جسده كله كتلة من الحركة العنيفة السريعة لا تعرف التوقف. كان يقطع المسافة أمامه، مخترقًا الفراغ بسرعة جنونية. أنفاسه كانت تتقطع لكنها لم تعقه، الألم يشتعل في عضلاته لكنه لم يهتم. الهواء يتفجر حوله وهو يشقه بجسده، صوت خطواته على الإسفلت يتلاحق كقرع الطبول في معركة، نبضه يدوي في رأسه، لم يعد يرى سوى الأمام، لم يعد يسمع سوى صدى رعبه في صدره، لم يعد يشعر بشيء سوى الرغبة العارمة في الفرار والنجاة. ولكن للأسف، كل هذا المجهود العظيم في فراره من السعير لم يجدِ نفعًا، حيث رأى أدهم أمامه فجأة، واقفًا كالتمثال بشكل مهيب جعل القشعريرة في جسد عمر توخزه بقوة. توقف عمر فجأة وهو يحدق بصدمة عارمة، بينما أدهم كان ثابتًا يتأمله بعينيه الباردتين. قال عمر وهو يجهش بالبكاء ويبتعد بخطوات إلى الخلف: _أبوس إيدك سيبني، أبوس إيدك متقتلش شيماء، خلاص بقى، خلاص، انت عملت كل اللي انت عايزه، خلاص، أنا آسف، أنا غلطت، مكنش قصدي استفزك ولا أعمل نفسي ليلى، خلاص بقى، سيبني، خلاص!! فجأة، انقضّ أدهم عليه، فصاح عمر والتفت ليركض في محاولة يائسة للهرب، ولكن أمسكه أدهم ليستمر عمر بالصراخ: _سيبني! سيبني! عايز أروح لشيماء، خليني أروح لها! متقتلهاش، متقتلهاش! أرجوك، سيبني، متقتلهاش! احتضنه أدهم من الخلف وهو يحاول كبح حركته، وقال محاولًا تهدئته: _خلاص، مش هقتلها، مش هقتلها، اهدي يا عمر، مش هقتلها. استمر عمر في الصياح، كما لو أنه دخل في انهيار عصبي قوي، وأدهم يحاول كبح حركته، إلى أن وضع رأسه على صدره وهو يحسس على شعره ويردد: _اهدى يا عمر، خلاص، خلاص، اهدى، خلاص. رويدًا رويدًا، أثّرت رغبة أدهم على إرادة عمر، وبدأ عمر في السكون وهو يلهث بقوة، يردد اسم شيماء. جسده يهدأ عن الحركة، ويجلس كلاهما على الأرض، ويستقر رأسه على صدر أدهم، وهو يحدق في الفراغ، بعينين شاخصتين وجسد يرتجف بقوة، إلى أن سكن تمامًا وأغمض عينيه وفقد الوعي. وحين تأكد أدهم أن عمر قد غاب عن العالم، نهض وحمله بين ذراعيه، وسار عائدًا إلى منزله. ********* _غادة... غادة... غادة حبيبتي... صوت نوح الرخيم الهادئ يتسلل إلى أذن غادة برقة، كشعور ملامسة جلدها للحرير. تفتح جفونها برفق لتجد نفسها في الغرفة ذاتها، ولكن أمامها كوب حليب وخبز. كانت نائمة على الأرض، جسدها يؤلمها، فنهضت ببطء ووهن، وهي تحدق فيهما بتشتت وحيرة شديدة، ليردف صوت نوح قائلًا: _أنا مش هسيبك يا غادة، اللي أقدر عليه حاليًا إني أجيبلك عيش ولبن، وأهزم كل اللي حابسك. أنا عارف إن ممكن أخسر نفسي أكتر ما أنا خاسرها، بس مفيش حاجة أبدًا تخليني أخسرك. ممكن أنسى نفسي ولا أنساكي يا غادة... عايزك تصبري، وأنا بين الفترة والتانية هكلمك عشان أطمنك. أنا عمري ما هسيبك، وعمري ما هكرر غلطتي اللي خلت نور تضيع مني. ما قاله نوح هو بداية حربه مع الكائنات الحارسة لسجنها ليحررها منه. صوت نوح وحضوره كانا لها كالمطر الذي يحيي الأرض القاحلة. شعرت بأنفاسها تهدأ، وأن قلبها، الذي اعتاد الخفقان بذعر في كل لحظة تمر عليها في هذا الأسر، بدأ ينبض بإيقاع الطمأنينة. لم تكن وحدها. حتى وإن كانت الجدران من حولها لا ترى، وحتى وإن كانت تحرسها كائنات لا يدركها أحد، فإن نوح بجوارها، بصوته، وحضوره الذي اخترق عزلتها، بوعوده التي تشبثت بها كما يتشبث الغريق بخشبة نجاة وسط بحر هائج. تأملت كوب الحليب وقطعة الخبز أمامها بعينين مثقلتين بالإنهاك، كانا أكثر من مجرد طعام يسد جوعها، بل دليلًا على أن هناك من يراها، من يقاتل لأجلها، من لن يخذلها مهما كان الثمن. أمسكت بالكوب بيد مرتجفة، وارتشفت منه ببطء، وكأنها تتذوق الأمل ذاته، تملأ به جوفها الفارغ. لم تكن تعرف كيف سينتهي هذا الكابوس، لكن ما قاله نوح كان كافيًا ليمنحها شجاعة طفيفة. ووسط كل الشكوك والمخاوف التي تثقل كاهلها، قررت أن تصبر. -------------------------- •*عطلة شهر رمضان*•

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة