لعلها نهاية المعاناة ٢

لعلها نهاية المعاناة ٢

36 0

٧٣ يدخل مصطفى منزله بعد انتهائه من صلاة الظهر، وبدا على وجهه العبوس والهم الخفيف؛ فمع معرفته بأخبار الميلشيات التي سيطرت تقريبًا على ثلثين مصر، حيث صعيدها من محافظاتها وقراها، وكل شيء مع سكوت غريب من الجيش والحكومة. لقد تجبر رفعت حقًا، وجعل ميلشياته لا تتوقف عن احتلال المحافظات بطرق وحشية ليست كما كانت في بدايتها أبدًا، لا يعلم مصطفى أن من يحركهم الآن وأصبح قائدهم هو نور الديب، أما رفعت فمكث في القصر الجمهوري في العاصمة الإدارية الجديدة منتظرًا إعلان انتصاره ليصبح حاكمًا لمصر. لاحظ مصطفى وجود ريهام في المطبخ ومعها مريم تشاهدها وتحدثها بمرح واستمتاع، ليتبسم ضاحكًا بشكل لا إرادي من رؤيتهما معًا في مشهد دافئ ولطيف. أتى إليهما وسلم عليهما، وأول سؤال خطر في بال مريم فور رؤيتها لأبيها: _هنروح لدكتور عمر إمتى؟ ضحك مصطفى وهو يقول: _يادي دكتور عمر اللي مجننك، هنروحله بعد بكرة يا حبيبتي. ابتسمت بتلهف وهي تحرك جسدها بحركة طفولية تدل على انشراحها بهذا الخبر، وأثناء ذلك لاحظت والدته ملامحه الباهتة، فسألته قلقة: _مالك يا حبيبي؟ في حاجة ضايقتك؟ _الحمد لله يا أمي، كل حاجة في الحياة تضايق، اللهم لا اعتراض. عرفت أن خلاص الميلشيات احتلت الفيوم كلها معلنة أنها كده احتلت صعيد مصر كله: الفيوم، بني سويف، أسيوط، المنيا، سوهاج، قنا، الأقصر، أسوان، كلهم، كلهم بدون استثناء. الميلشيات احتلوها وهم الآن بينتشرون في البحيرة وبقية محافظات الريف عشان يحتلوها. الشهداء وصلوا لعشرة آلاف نفر وكل دا وإحنا قاعدين مبنعملش حاجة. _حسبي الله ونعم الوكيل، هو الجيش فين من كل دا؟ بيقولوا إنه بيهاجمهم وبيعمل اللي عليه. _الجيش مبيعملش حاجة يا أمي، متصدقيش الإعلام. سكت مصطفى قليلًا وهو يفكر ويخطط لأمر معين، ثم قال: _هي هاجر حطت الأسلحة فين اللي قلتوا لي عليها؟ _في مكتبتك في بيتي. كان لمصطفى غرفة كاملة مليئة بالكتب الشرعية والتاريخية التي درس مصطفى منها وحفظها ونمى تثقيفه كله منها. وحين علمت هاجر بوجودها، قررت أن تخبئ الأسلحة فيها. أضافت ريهام بسؤاله: _بتسأل ليه يا مصطفى؟ بقولك إيه، إنت لسة طالع من سجنهم يا بني، أرجوك متعملش حاجة توديك في داهية أكتر. لم يرغب مصطفى في إكمال هذا الحديث مع أمه لكي لا يزيد همها، فقال لها بعدما لاحظ وجودها المستمر بعد عودته: _والله يا ماما إنتِ منورانا، عارف إنك فرحانة برجوعي بس مش لدرجة إنك تنزلي كل يوم تطبخين لنا. إنتِ تعبتي جامد في فترة غيابي وأنا عايزك ترتاحي. ابتسمت ريهام ابتسامة الأم المبهجة تلك، وهي تقول: _لا يا بني مينفعش، لازم أطبخ وأخدم نجلاء عشان نجلاء ترتاح والنونو يرتاح وييجي بالسلامة. اختفت الابتسامة في تعجب شديد، وهو يقول بتهيج: _نونو؟ نظرت ريهام لمصطفى وهي ترمقه بنظرة استغراب شديدة وتقول: _هي مقالتلكش؟ أجابها مصطفى بانفعال وصوت عالٍ بدون قصد منه: _مقالتليش إيه يا ماما؟ نونو إيه؟ مش فاهم، قولي! قالت مريم هنا: _ماما حامل يا بابا، في نونو في بطنها. التفت مصطفى لمريم وقد اتسعت عيناه من شدة المفاجأة، وقد تحولت نظرات حيرته لنظرات صادمة لتقول ريهام متعجبة من تصرف نجلاء: _يادي النصيبة؟ هي مقالتلكش خالص؟ حتى نوح مقالكش لما شوفتوا بعض؟ استشاط مصطفى من شدة غيرته وصدمته: _هو نوح يعرف كمان؟ يعني هو يعرف وأنا لا؟ هو في إيه؟ قالت ريهام محاولة تهدئته: _يا حبيبي اهدى، نجلاء أغشي عليها مرة وهاجر أخدتها للمستشفى فنوح جه بمراته عشان يتطمنوا عليها، ووقتها هما عرفوا بس مش أكتر. قال مصطفى بنبرة غاضبة بتهكم: _ما شاء الله!! يعني كله عارف إن نجلاء حامل إلا أنا! خرج مصطفى من المطبخ دون أن يعطي فرصة لريهام أن تجيب، ثم دخل غرفته ليجد نجلاء ما زالت نائمة. بالفعل، إنها حامل. فدائمًا في بداية حملها كانت تنام بكثرة ولبعد الظهر. شعر مصطفى أنه يريد أن يعاتب نفسه، فكيف له ألا يلاحظ هذا الأمر ويتنبأه قبل الجميع؟ التلك الدرجة كان يائسها في الحصول على طفل منه؟ استغفر مصطفى ربه بعد استيعابه أنه أساء الظن به، ثم أتى بجانب نجلاء وجلس، وبدأ يوقظها: _قومي يا نجلاء، الساعة اتنين، قومي عشان تلحقي الظهر. حين سمعته نجلاء تقول الساعة، فتحت جفونها ونهضت بسرعة وهي تحاول أن تستفيق وتقول منزعجة: _برضو؟ ليه تسيبوني أنام لحد الوقت دا بس؟ _فوقي الأول وصلي الظهر بعدين نتكلم. سرعان ما نهضت نجلاء وتوضأت وصَلت، ومصطفى جالس على السرير في انتظارها، وحين انتهت قالت له: _هقوم أحضر لك الأكل، أهوا يا حبيبي، معلش. _اقعدي يا نجلاء جنبي، عايز أتكلم معك. أتت نجلاء وجلست بجانبه، ولاحظت أنه يرمقها بنظرات عتاب لينة لتسأله: _في حاجة يا حبيبي؟ قال مصطفى بنبرة عتاب تظهر امتعاضه الشديد رغم لينها: _معقول أكون أنا آخر واحد يعرف؟ دا ينفع؟ علمت نجلاء عن ما يتحدث عنه، الذي سبب في عبوسه وامتعاضه، ولكن رغم ذلك لم تستطع أن تجيبه، ليردف: _لا، ونوح يكون عارف كمان، وميقوليش برضو؟ من إمتى بتشاركوا أسرار؟ نظرت نجلاء إليه وهي تشعر بالإحراج والتعجب: _نوح يعرف؟ م... معرفش والله إنه يعرف، تلاقي هاجر قالت له. صمت مصطفى حين أيقن أنها لم تكن تعلم بحضور نوح للمستشفى حين كانت فاقدة للوعي، ولكنه قال بنبرة الامتعاض والعتاب نفسها: _نجلاء، أنا مش فاهم سلوكك دا. بتخبي عني حاجة زي دي ليه؟ إنتِ عمرك ما خبيتي عني أتفه حاجة في حياتك، تقومي تخبي عني إنك حامل؟ ظهر على ملامحها الاضطراب والتوتر الشديد، وهي تقول: _أ... أنا بس كنت بفكر أقولك في الوقت المناسب. _وقت مناسب إيه يا نجلاء؟ عدى يومين ولا تلاتة من بعد ما طلعت، مستنية إيه؟ إيه هو الوقت المناسب؟ لما تخلفي فجأة؟ لم تعد تطيق نجلاء كتمان وساوسها، فقرقرت عيناها وبدأت تفرك في أصابعها من شدة بلبلة مشاعرها، تتذكر أطفالها الثلاثة الذين أجهضتهم بعدما نفخ الروح فيهم، تتذكر تلك الأيام المشؤومة القاسية، وقالت برجفة في صوتها وهي تجهش باكية: _أنا خايفة أوي يا مصطفى، من ساعة ما عرفت وأنا خايفة، خايفة أقول لحد وخايفة أفكر في اللي في بطني وخايفة أفكر في الاسم وخايفة أفكر في هدومه وخايفة أفكر في الحقن اللي هاخدها وخايفة أفكر في أي حاجة تخص الموضوع دا كله، مش قادرة أتحكم في خوفي، كل لما أجي أفكر كل ما بفتكر عيالنا اللي ماتوا في بطني، اللي ماتوا بعد ما كملوا خمس وست شهور في بطني، كل مرة بعد ما نتعشم بيموتوا، خايفة أوي يا مصطفى. ذرفت دموعها ونشجت نجلاء، وقد تبدلت نظرات العتاب في عيني مصطفى لنظرة شفقة، وأردف: _أنا أول ما عرفت مفرحتش يا مصطفى، وزعلت أوي إني مفرحتش برزق ربنا ليا، بحاول أتفائل والله، بس خوفي بيسيطر على عقلي وعلى إيماني. أنا متضايقة أوي يا مصطفى والله، مش عايزة أظن في ربنا ظن سوء، هو أرحم من كده وأكيد هيعوضني، وخوفي اللي خلاني مقولكش، مكنتش عايزة أقولك عشان لما يموت قلبك ميتقطعش زي ما اتقطع في عيالنا اللي فاتوا. أجابها مصطفى بنبرته الهينة رغم صدمته من حديثها: _لما يموت؟ أعوذ بالله يا نجلاء، متقوليش كده! إنتِ عاملة حسابك إنه هيموت يعني؟ أحسني الظن بالله يا حبيبتي، أرجوكِ. _من غير قصدي يا مصطفى، مش قادرة أتحكم في نفسي، مش قادرة. لم تستطع نجلاء استكمال كلامها من شدة بكائها، ولم يستطع أن يقسو مصطفى عليها بالكلام أكثر، فهو لا يتحمل أن يراها منكسرة لهذا الحد. اقترب منها أكثر ووضعها في حضنه، وظل يتحسس شعرها ويهدئها، محاولًا زرع السرور والأمل في قلبها: _أنا عارف إن الأفكار دي بتجيلك من غير قصدك، ومش عايزك تخافي، ربنا مش هيحاسبك عليها، بس إنتِ لازم تقاومي، لازم تفرحي وتظهري دا لربنا، حتى لو قلبك مش مطاوعك، لأن نفس الإنسان ضعيفة وبتتأثر بالتشاؤم أكتر. افرحي يا حبيبتي، ربنا أنعم علينا ورزقنا تاني، امتناعك عن إنك تقولي لي دا مينفعش خالص {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}. من تمام شكر النعم إنك تظهري سعادتك بيها وتقولي للي بتحبيهم عنها، يا حبيبتي. جعلها تنظر إليه وبدأ يحدق بهيام في عينيها العسليتين اللامعتين من كثرة الدموع، مسح دموعها بأنامله، وهو يقول: _ثقي في ربنا يا حبيبتي، ثقي في ربنا.                          *********** يقود نوح بسيارته مع غادة في الطريق الصحراوي، متجهًا إلى الإسكندرية. جلست غادة ما يقارب الساعة والنصف تبكي دون توقف، كانت تشعر بأسى عظيم بسبب عدم نجاح هروبها من ماضيها وخطاياها التي مر عليهم الزمن. تشبث خطايا ماضي المرء بعد توبته لهو أمر قد يؤدي إلى القهر العظيم والجنون في آن واحد. _الموضوع مُهلك أوي لما تستوعبي إنك متعرفيش تتخلصي من ماضيكِ، مش كده؟ سكتت غادة دون إجابة ليردف نوح: _موضوع مهلك جدًا، بس لو ماضيكِ متعلق بأشخاص.. فأمرهم سهل تقدري تتخلصي منهم بسهولة. أما لو ماضيكِ متعلق بدماغك... مستحيل تقدري تتخلصي منه. زعلان أوي من نفسك وإنتِ متجوزة واحد كان شمام درجة أولى. التفتت غادة وهي تنظر إليه بصمت، متفاجئة مما قاله، ولاحظت عينيه الثابتتين على الطريق، والتي كان يفصح منهما ندم وحسرة مكبوتة. _كل ما بحاول أتخطى، كل ما بحاول أنسى، عقلي ميخلينيش... عقلي يرجعني لأكتر من عشر سنين لورا، يرجعني أعيش كل لحظة أنا بحاول أهرب منها، يرجعني لحظة ما كنت في مستشفى المجانين، يرجعني لحظة ما كنت بزعق لأمي وبضربها وبهينها، يرجعني للمكان اللي كنت بشم فيه وأخرب الدنيا فيه. قالت غادة وهي مصدومة رغم صوتها الواهن ونظراتها الناعسة المتعبة: _إنت كنت بتعمل كده فعلاً؟ أجابها بصمت وهو يومئ برأسه ثم قال: _حسيت إنّي لازم أعرفك ده، أولًا عشان أعرفك إني مش متجوز حد من الأشراف ولا الأولياء عشان دي تكون رد فعلكِ، وثانيًا عشان... في حاجات لازم ننهيها سوا وأعرفك أنا إيه بالضبط عشان تقتنعي بالنهاية دي. سكتت غادة قليلًا وشعرت أن رئتيها قد فك قيدهما، وأنفها بدأ يستشعر الهواء وبدأ يستنشقه حين شعرت من حديث نوح أنه متصالح مع هذا الأمر، فسألته: _ي.. يعني عادي بالنسبة لك؟ _أنا عن نفسي، حرقت كل الأجهزة بتاعته، صورك ما عادش لها أي مصدر، حتى لما سهد ورتهملي أنا هزقتها ومسحتهم بنفسي واتأكدت إنها متقدرش تجيبهم تاني وخلاص الصور اختفت من العالم دايمًا وأبدًا، حتى اللي شافهم هو كمان اختفى، أظن دا هو المطلوب. _طب وعادي تكمل معايا بعد ما عملت كده؟ _لو عادي معاكي تكملي مع واحد شمام، يبقى عادي أكمل معاكي، رغم إني عملت مصايب أكتر منكِ. _إنت مش شمام... إنت كنت شمام. نظر إليها وهو يقول: _وإنتِ كمان كنتِ في مرة حاجة إنتِ مش عليها دلوقتي، كنتِ طفلة. اتسعت عيناها في ذهول من رد فعله التي لم تتوقعه أبدًا. حديثه أزاح غصة عظيمة بحجم حجارة عملاقة حملتها غادة في صدرها لأكثر من ثمان سنوات ليأتي نوح ليزيحها.. لا بل ليدمرها ويدكها تمامًا وتتحول لفتات. محمد مات، لم يعد لصورها أي مكان، ومحيت خطيئتها من الدنيا أخيرًا كما محاها الله بعد توبتها منذ ثمان سنوات، ونوح عفى عنها. كل تلك الأمور لم تأتِ في أحلام غادة أبدًا، وأخيرًا تحررت من قيود ماضيها، أخيرًا تحررت من مخاوفها الدائمة عنه. شعر نوح بانشراح صدرها من أنفاسها النقية المسموعة، ووجهها الذي شعّ بالحبور. لم تطيق غادة مقاومة سرورها العارم ففتحت نافذة السيارة وأخرجت بنصف جسدها العلوي كله ليضحك نوح ويقرر أن يُبطئ من سرعة السيارة لتستمتع غادة برياح الخريف وهي تنسل بين شعيراتها المتطايرة ومسام وجهها، باسطة ذراعيها كما لو كانت تريد احتضان العالم والرياح والطبيعة من اتساع صدرها وانشراحه العظيم. مغمضة جفونها في سلام وسكينة كبيرة، تستشعر مرور الرياح بين أناملها وشعرها المتراقص وملامح وجهها المطمئنة، رغم برودة ذلك النسيم إلا أنه كان منعشًا ومفعمًا بالحبور تمامًا كقلبها. كانت تمامًا كالطفلة المسرورة والتي ترغب بالمرح مع الرياح أثناء قيادة السيارة. حين شعر نوح أنها أطالت الطريق على ساقها وهو يقول: _خلاص يا حبيبتي كفاية عشان متقعيش. أطاعته غادة وعادت وجلست بداخل السيارة وأغلقت النافذة ثم أمسك رأسه بكفيها وأعطته قبلة عميقة ثم عادت للجلوس والابتسامة عريضة على وجهها وهي تقول له: _أنا هكرس حياتي كلها عشان أحاول أسعدك السعادة اللي أنا حاسة بيها دي دلوقتي. نظر نوح إليها ثم عاد ونظر إلى الطريق وهو لا يستطيع كبح ابتسامته وسعادته بسعادتها تلك، ولكن ما قالته له جعل عينيه تلمع من الدموع الطفيفة التي بدأت بالظهور الغير ملحوظة، دموع مجهولة مصدرها ولكنه يعلم سببها. بعد ساعة تقريبًا وصلا إلى الإسكندرية، وفور أن وصلت ازداد ابتهاج غادة أكثر بسبب شوقها لرؤية البحر بعد فراق دام أكثر من خمس عشرة سنة. وصل بها إلى مكان بعيد عن تجمهر الناس، شاطئ فارغ تمامًا حيث لا يوجد سواهما. فور رأت غادة البحر وصل حماسها إلى عنان السماء. البحر حقًا مريح، اتساعه العظيم ولونه الأزرق وتلاطم أمواجه الكبيرة أثر الرياح كلها كانت زينة فاتنة ورائعة للناظرين، بجانب صوت السكون والارتياح التام المتمثل في صوت الرياح الثابت وصوت تضارب الأمواج، كلاهما كان كإيقاع موسيقي جذاب، يجذب العقول ويريح القلوب، ما يزيد من الأجواء سكينة وجمال هي الشمس التي تقدم على الغروب وانقسام السماء للون القرمزي والأرجواني والأزرق مع سحب الخريف الثقال والكثيفة الداكنة. من تلهف غادة الشديد وسرورها بوجودها خلعت نعليها وتقدمت إليه بسرعة لتلامس المياه قدميها وهي تقهقه بمرح وبهجة كالأطفال. بعدها أتى نوح بجانبها بخطواته البطيئة وابتسامته البسيطة مع عينيه الناعستين المنهكتين. وقفا كلاهما وهما يتأملان البحر المهيب والسماء الواسعة. كلاهما في حالتهما كما لو كانا وحدهما فقط في هذا العالم. _أنا حبيت أجيبك هنا عشان أوريكي المكان المناسب للسباحة، مكان جميل زيك، تستحقي تشوفيه وتغوضي فيه، مش النيل. نظرت غادة إليه وأردف نوح وهو يناظرها بحنية ويحدثها بلين رغم نبرة الإعياء في صوته: _إنتِ رميتي بنفسك في النيل عشان تنقذيني، وشيلتيني بحجمي كله على ضهرك عشان تنقذيني، تعبتي معايا كتير وفي الآخر رد الجميل يكون إني أخنقك... الموضوع مش هين ومينفعش يعدي كده، غلطي كبير وأنا ظلمتك بشكل أكبر. كادت أن تتحدث غادة ولكنه أشار لها أن تسكت لأنه يريد أن يتحدث دون مقاطعة، بعدها أردف قائلاً: _الحمد لله إني لسة قادر أعرف غلطي وأعترف بيه، أظن دي حاجة تدل إني لسة متجننتش بشكل كامل، لأن في الغالب المجانين هما اللي مبيعترفوش بغلطهم. لاحظ نوح باهتزاز طفيف في جسد غادة أثر الرياح المالحة الباردة التي كانت تجعل شعرهما يتطاير بانسيابية وهدوء. خلع قميصه الذي كان يرتدي تحته قميص صيفي قصير الكم وجعلها ترتديه فارتدته وهي تنصت إليه بثبوت عينيها له ومشاهدته. _اللي عملته فيكِ ده... مش أول مرة أعمله في حد بحبه. أنا حاولت أخنق أمي قبل كده زمان لما كنت عايز منها فلوس عشان القرف اللي كنت بشمه، وقالت لي وقتها وهي بتخنقني: "إنت كنت صغير، إنت لسه صغير... إنت لسه صغير." _دي الجملة اللي إنت قولتهالي. أومأ نوح برأسه ثم أردف: _رغم حبي العظيم ليكي ولماما، فأنا آذيتكم بشكل وحش. كل ما أحاول أبقى إنسان أحسن معرفش إيه اللي بيحصل ويخليني بالقساوة دي. زمان كنت بشتكي من الوحدة بس... دلوقتي بدأت أحس إن دي أنسب حاجة ليا. كل اللي بيعاشرني بيتأذى، وأظن لو آمنت بالفكرة دي هحب الوحدة وهتقبلها أكتر. _لا يا نوح، إنت مش وحش والوحدة متناسبكش، إنت بس محتاج أسلوب حياة يناسبك ويراعي حالتك النفسية. أنت إنسان حساس ودي مش حاجة عيب، بالعكس دي حاجة تخليينا نحترمك ونبقى مجبورين نهيئ ليك جو عام يناسب حساسيتك دي، الموضوع غصب عنك. حرك نوح رأسه نافياً بإستياء ثم أخرج من جيبه علبة صغيرة أنيقة خاصة بالمجوهرات، ومن ثم أخرج منها عقد الماس مزين بفصوص خضراء كلون نيران تلك التجربة العلمية. فور أن رأت غادة العقد فتحت فمها من شدة ذهولها بجمال ذلك العقد الفاخر وبرقت عيناها من إعجابها الكبير، وقال لها وهو مبتسمًا: _رقبتك الجميلة زي تناسب عقد بالجمال ده، وطبعا اختارت اللون بتاعنا. من جمال العقد وكبر حجم المفاجأة التي هبطت عليها، لم تعرف كيف تبدِ رد فعلها على هذه الهدية العظيمة الرائعة، وقالت بنبرة مرتجفة من عظمة سعادتها: _ن... نوح أنا... ده كتير أوي... د.. ده سوليتير؟ أومأ نوح برأسه لتصيح في صدمة وبهجة عارمة فضحك نوح وهو يقول: _لفي عشان البسهولك. استدارت غادة بتلهف وهي تزيح شعرها، بعدها وضع العقد حول عنقها وجعلها ترتديه. ثم التفتت إليه وعانقته بقوة وقبلته ثم قالت: _إنتِ ازاي حولت أسوأ يوم في حياتي لأحلى يوم في حياتي، ازاي حولتني من واحدة كانت شايفة الدنيا سودة لأسعد واحدة في الكون وشايفة الدنيا وردي. _واضح إنك سامحتيني. _سامحتك بس؟ ده أنا مستعدة أعمل أي حاجة عشانك، والله أنا بتمنى تحس بسعادتي حاليًا. مستعدة أعملك أي حاجة عشان تفرح فرحتي دي وتنسي همومك كلها. استنشق نوح نفسًا يحاول أن يهيأ نفسيته لما سيقوله غير مستعد أن يرى غادة حزينة مجددًا ولكنه مجبور، فقال لها بابتسامة حزينة: _الهدية دي هدية صلح وفراق. اختفت ابتسامته في لمحة من تلك الكلمة التي قالها، وسألته في تهيع: _فراق؟ سكت نوح برهة مستمرًا في ابتلاع لعابه كما لو كان يحاول ابتلاع الحروف والكلمات لمحاولة نطقها، فمن عسر ما سيقوله كان لسانه يرفض التفوه به، يحاول فتح فمه بتعثر لقولها ولكنه شعر أن هناك غراء بين شفتيه يمنعه من ذلك. _أنا قررت أنتحر يا غادة. تلك الجملة كانت كضغطة زر لتعطيل حواسها. فور أن سمعتها لم تعد تسمع صوت الأمواج، لم تعد تشعر بالرياح، لم تعد تشعر بالابتهاج، لم تعد ترى جمال البحر والشاطئ والسماء، لم تعد ترى سوى زوجها وحبيبها بأعينه المنكسرة المنهكة وهو يردف: _مايا قالي إن الموت هو أصلي، ودي حقيقة. أنا لا أصلح للعيش يا غادة، كل اللي بحبهم بآذيهم من غير قصد، كل حاجة بتدمر بسببي، كل ما عشت كل ما بتجن أكتر وعقلي بيخليني أشوف حاجات غريبة وقاتلة لنفسيتي، لازم أموت. احتمال الموت هو اللي يصلحني. قالت غادة له وهي منفعلة غير راضية أبدًا عن حديثه: _الموت أصلنا كلنا يا نوح، كلنا اتخلقنا عشان نموت. قال نوح وهو يحاول أن يكبح دموعه، والقهر والأسى يفيضان من عينيه: _أنا موتي هيبقى مختلف، مش عايزك تخافي، أنا هرجع، أكيد هرجع أحسن من اللي أنا عليه دلوقتي. أنا حالتي حاليًا حالة مسخ، جنوني مبيتعالجش ومبيروحش، وكنت هقتلك، مرتين، مرتين أنا حطيتك على حافة الموت. الموضوع مش طبيعي ومش هسمح إنه يتكرر تاني. أغرورقت عينيها وهي تتوسل إليه بتحسر على كلام نوح القاسي: _نوح، أرجوك، سيبك من الكلام ده عشان خاطري. أنت قوتك كده حلوة، مش محتاج تموت. أنت مش متأكد من كلام مايا ده، وبعدين هترجع إزاي ومنين؟ نوح، أرجوك، طلع من دماغك الفكرة دي، أنا مش هقدر عليها صدقني. حرك نوح رأسه نافيًا: _مش هقدر أكمل معاكي يا غادة. لازم أحميكي من نفسي. لو مكنتش هموت، فأنا هبعد عنك. هكتب الشقة بإسمك وهروح أقعد لوحدي في حتة تانية وهكلمك بإنتظام. _أنا راضية يا نوح، راضية تقتلني وتبهدلني بس متسيبنيش. أبوس إيدك يا نوح، مش هستحمل فراقك حتى لو مش هتموت. انحنى نوح برأسه لينظر ليده، بسط كفه وانامله وأمسك بخاتم الزواج ليثتلته ويعطيه لغادة، ولكن فجأة، تبدلت نظرته تمامًا. اختفت عقدة حاجبيه واتسعت عينيه وهو يحدق في كفه كما لو كان تذكر شيئًا. ذلك العنوان، ذلك العنوان الذي كتبته آنية حين حلم بماضيه كان عنوان بيت في الإسكندرية التي هم فيها حاليًا. أطال التحديق في كفه محاولًا تذكر ذلك العنوان، حتى لاحظت غادة ثبوته العجيب فجأة. _ن..نوح؟ رفع رأسه ونظر لها وهو يقول: _تعالي معايا يا غادة، في مشوار لازم أعمله هنا.                            *********** في زاويةٍ دافئة من منزل مصطفى، اجتمع كل من هاجر وسليم وعلا مع مصطفى وعائلته في جوٍ يغمره البهجة والمودة. بعد لقاء وعناق عميق بين مصطفى وعلا وسليم، عناق مليء بالشوق العظيم الدال على حبهم الكبير لأخيهم، كان الهواء محملاً برائحة الطعام الطازج الخاص بريهام، والتي ساعدت فيه نجلاء أيضًا. الابتسامات تنير وجوههم، وكأن الزمن توقف ليحظوا بلحظاتٍ من السكينة والفرح، تلك اللحظات التي كانت تراها هاجر في الأحلام والمسلسلات فقط، أخيرًا تعيشها في الواقع. لحظات مستعدة أن تموت لأجل الاحتفاظ بها وبأصحابها. وعلى الطاولة، احتشدت الأطباق الشهية التي تضعها كل من هاجر ومريم وعلا. فقد جعلت هاجر نجلاء وريهام يرتاحان وأخذت مسؤولية توزيع الطعام. أثناء ذلك، سأل مصطفى علا: _هو نوح مش جاي ولا إيه؟ _والله هاجر قالت لي إنه جاي، بس كل ما أتصل بيه ما بيردش، حتى غادة ما بترجعش، ربنا يستر. ظل مصطفى ينظر لأخته ويتأملها، كم لاحظ وجهها الباهت عكس آخر مرة رآها فيها. فأمسك يدها وهو يقول: _علا، ضحكتك غالية علينا، ياريت ما تحرمينا منها. لا إراديًا، ظهرت ابتسامة علا من نبرة مصطفى وصوته الرؤوف، ثم قالت: _والله رجوعك يا مصطفى خلاني أحسن مليون مرة. عرض مصطفى ابتسامته أيضًا، ثم قبل رأسها وظلوا جالسين على المائدة حتى وزعوا الطعام كله وبدأوا في الأكل. وكان الجميع يتناوبون الأحاديث والمداعبات والمزاح، يعبق المكان بضحكاتٍ هادئة تملأ الأرجاء. كانت الأعين تلمع بالحب، وقلوبهم تتناغم مع تلك اللحظات الثمينة التي تجمعهم. لحظات هونت على قلب علا المنهك وعلى روحها الباكية. لحظات أشعرتها بالسرور لأول مرة منذ تلك الحادثة المفجعة المشؤومة. إن وجود مصطفى بينهم كالسحر، والداء لكل غم. _معايا ليك مفاجأة بقى يا مصطفى. قال سليم هذه الجملة بنبرة متلهفة، ليقول مصطفى بفضول: _مفاجأة إيه يا سليم؟ أنا بخاف من مفاجأتك. _معايا مادة صانعها البروفيسور يوسف، بتداول الجراح والكسور في دقايق، جبتها معايا عشان أعالجلك رجلك دي، بس هتتوجع مرتين، تلاتة، عشرة، عشرين، خمسين، مية، مثلاً كده. اندهش الجالسين الذين كانوا يجهلون هذا الأمر، كـ نجلاء وريهام ومصطفى أيضًا، لتقول نجلاء له: _ما بلاش، خايفة يحصل مضاعفات أو أي أثر جانبي وحش. قال سليم لها: _ولا تشيلي هم يا دكتور، صدقيني أنا شاهد على عظمة المادة دي، الفكرة في الألم الحاد بس. أومأ مصطفى برأسه وهو يقول: _ماشي، نتوكل على الله ونجربها. بعد انتهائهم من طعامهم، كعادة التقاليد المصرية، يوضع بعده أكواب الشاي في الحال. وجلسة شرب الشاي قد تكون أفضل جلسة في التجمعات العائلية، حيث يمتزج دفء المشروب مع دفء مشاعرهم. الأحاديث تتنقل بينهم في راحة بال ونسيان للهموم، والضحكات تتناثر بينهم، تملأ الأجواء بعبيرٍ من الفرح. الجو كان يفيض بالطمأنينة، والكل يتبادل الذكريات القديمة بحب، بينما تتراقص الأكواب على شفتيهم في كل كلمة يردفونها وكل رشفة من الشاي. ذلك المشروب المقدس المصري يزيد من اغمرار الجلسة بالدفء والمودة. ولكن ما جعل الجلسة يحوم حولها مشاعر الاضطراب هو ذكر مصطفى لعصام، فقد ذكره لقلقه الأخوي عليه من رقة قلبه: _محدش يعرف أي أخبار عن عصام؟ سكت الجالسون في نغص فور سماعهم لاسمه، وظهر ذلك التكدر على علا وعلى أنفاسها المتثاقلة، ليقول سليم: _محدش جرب يعرف عنه حاجة غيري بصراحة، عرفت إنه لسة في المستشفى ومعاه رفيق بيعتني بيه، أظن واحدة جارته اسمها يمنى. بس عرفت إنه أول حاجة عملها لما صحى، شال الشريحة من موبايله، وشكله هيبدأ حياة جديدة من غيرنا. شعر مصطفى بإستياء فور سماعه لذلك الخبر، على عكس علا وهاجر اللتين فرحتا بالطبع. وحين لاحظ سليم الهدوء والتوتر الذي غمر الأجواء، قال بحماس لأخيه: _يلا يا بطل بقى عشان أنا ميرضينيش تفضل قاعد بالمنظر دا طول حياتك. ضحك مصطفى وهو يقول: _ماشي يا حبيبي بس هتعمل الموضوع دا فين؟ _في الحمام، يلا. قاما كلاهما وأخذ سليم حقيبته ودخلا الحمام. أخذ مصطفى كرسيًا وجلس عليه، ثم أخرج سليم حقنة وقنينة بها تلك المادة وأداة لكسر الجبس. فور أن أبصر مصطفى تلك المادة، عقد حاجبيه في ارتباك، فقد كانت مألوفة على عينيه بشدة، لونها وقوامها. لن ينساه أبدًا، فتلك المادة تشبه المادة التي كان الزهير يحقنها في جسد نور في ماضيه. تزاحم الارتباك في قلبه حين فكر للحظة أن يوسف قد يكون له يد في أي شيء يخص نور الديب. _المادة دي بقى اجتمع البروفيسور يوسف وسردار والبروفيسور ليلى عشان يعملوها، أنت متخيل؟ أخذ مصطفى أنفاسه مطمئنًا حين قال سليم ذلك له، وأيقن بوجود سردار شريك في صنع هذه المادة. بالطبع، سردار ذلك الشيطان صاحب منظمة بيع الناس، وقاتل أمهاتهم، مسبب كل المشاكل، وحبيب نور الديب ورفعت. أثناء تجهيز سليم للمادة، قالت علا هنا وهي تقول لنجلاء: _أنا مضطرة أستأذن بقى يا نجلاء. نهضت نجلاء وهي تقول: _ليه كده يا حبيبتي؟ ما تقعدي. _معلش والله يا حبيبتي، ورايا شغل. سلمت علا عليهن، ثم ذهبت لمصطفى وسلمت عليه، بعدها خرجت، لتقودها قدميها لحبيبها الغائب عن أنظارها، ولكن من المستحيل أن يغيب عن بالها وقلبها. لم تراه في شارعه، فقررت أن تذهب لمتجر العطارة الخاص بوالد إسماعيل وتسأل عنه. لا تعلم أن في تلك اللحظة كان إسماعيل ووالده في منزل هالة ليقومان بعمل مفاجأة لوالديها بخصوص عقد القرآن. لذلك كان المستأمن على المتجر في حين عودتهم هو جمال. دخلت علا لكي تسأل عن جمال، لتتفاجأ بوجود جمال نفسه. فاشتد ارتباكها فور رؤيته. أما هو، فحين سمعت بقدوم أحدهم، التفت بشكل بديهي لينقض الارتباك إلى قلبه أيضًا، وشيح ببصره بسرعة. اقتربت علا منه ووقفا كلاهما أمام بعضهما البعض، وعلا تسلم: _أ.. إزيك يا جمال؟ _الحمد لله، اتفضلي. سكتت علا برهة ثم قالت بابتسامة حزينة: _كنت في زيارة لمصطفى، قولت أما أشوفك وأقولك على موضوع... مش هيعجبك. _اتفضلي. عادت علا لسكوتها، وقد عبس وجهها في ضيق وغم، ثم قالت: _بابا رفض أني أتجوزك، رفض تام. ظهر التكدر على ملامح جمال بشكل طفيف، ولكنه كبح مشاعره تلك ليقول الحق: _مع احترامي لحضرتك ولحضرتك، بس هو مش ولي عليك. _يعني إيه؟ _قولتي حضرتك إنه متبنيكي، وفي الدين مفيش حاجة اسمها تبني. فيه كفالة، اللي ممنوع فيها نسب الطفل للي بيرعاه. وفكرة إنه نسب اسمه ليكي لا تدل على إنه والدك ووليك. فلو والدك الحقيقي ميت أو كافر، وعندك إخوات أولاد مؤمنين راشدين، فالولي عليك في الزواج بيكون أكبرهم أو أرشدهم. بالتالي، رأي والد حضرتك اللي متبنيكي، أنا مش هأخده بعين الاعتبار. هأخد رأي أخوكي الأكبر. أنا آسف. سكتت علا في ذهول خفيف وقد أفحمها جوابه حقًا. طال سكوتها برهة، ثم قالت: _أكيد معاك حق، بس خايفة عليه. لو تماديت وأجبرته على حاجة هو مش عايزها، خايفة يحصل له حاجة. عادت علا لسكوتها وهي تتذكر حال معتز قبل تلك الحادثة، حيث كان رجل مسن طيب صاحب وجه بشوش وروح مبهجة لطيفة لا يظهر عليه كبر السن. ولكن الآن، بعد تلك الحادثة، ظهر كهله، تزاحمت التجاعيد في وجهه أكثر، وانغمرت الشعيرات البيضاء في رأسه بشكل أسرع وأقوى، أصبحت روحه باهتة، والبسمة لم تقترب إلى شفتيه قط، ونقص وزنه إلى حد كبير. كلما تتذكر علا ذلك، يتآكل قلبها قهرًا. _كان راجل جميل أوي يا جمال، بيضحك وبيطبخلنا وبيدلعنا دايمًا، حتى بعد ما كبرنا. كان بيحب كل حاجة ورحيم بكل المخلوقات، وعنده صحة. دلوقتي، أمراض الدنيا كلها في جسمه ومبقاش قادر يعمل حاجة، وبقى حزين دايمًا وخلقه ضيق. بقيت خايفة عليه أوي، مش عارفة أعمل إيه. أشفق جمال على معتز وقال: _ربنا يصبره ويربط على قلبه المكلوم، يارب. لا بأس عليه والله، هدعيلك في صلاتي. ما تشيليش هم. لاحظ في صوت علا تهدج قد يدل على اقتراب بكائها، فرفع بصره لها ليتأكد إن كانت تبكي أم لا، فلاحظ بالفعل دموعًا تنسدل على وجنتيها بشكل بسيط، فأشاح ببصره وأخرج منديلًا لها وهو يقول: _متزعليش نفسك، إن شاء الله تكون فترة ويرجع كويس، ووقتها ممكن يوافق. ما تقلقيش، مهما طال الزمن، أنا مش هرغب إلا بيكي... ب.. بحضرتك، قصدي. لم تستطع علا مقاومة ابتسامتها من حديثه وسلوكه. أخذت علا منه المنديل ومسحت دموعها وهي تقول: _دا اعتراف بالحب؟ ارتبك جمال ولم يجيب، وحين لاحظت ارتباكه، قررت أن تنهي هذا اللقاء بتعسر: _تمام... استأذنك عشان همشي، سلام. أومأ جمال برأسه، بعدها التفتت وخرجت وهي ممسكة بالمنديل الخاص به، وقررت أن تشمه، لتكتشف أنه يفوح منه رائحة المسك التي تفوح من جمال في العادة، ومن مصطفى أيضًا.                            ********** وصل نوح إلى شارع محدد أمام منزل مكون من طابقين، ذلك المنزل الذي تذكّر أن آنية كتبته في يده في ماضيه، رغم أن رؤيته لتلك الذكرى ضبابية إلى حد ما، لكنه اجتهد في تذكرها. _مايا... هو دا البيت؟ سأل نوح مايا ليحاول التأكد، فأجابه مايا: ~والله ما أعرفش، مكنتش معاك وقتها، بس عندي إحساس إن هو دا البيت المقصود. تشجع نوح واقترب من الباب ومعه غادة المترقبة للأمر، كبس نوح الجرس عدة مرات تتخطى الستة، ولكن لم يفتح له أحد، لتقول غادة متعجبة من إصرار نوح: _خلاص يا نوح، تلاقي مفيش حد في البيت. _مهو إحنا مش هنيجي إسكندرية كل يوم، لازم أعرف فيه إيه في البيت دا. ~طب ما تجرب تفتح الباب كده؟ قال مايا لنوح ذلك الخيار، ليستوعب ان ابباب مفتوح بشكل جزئي وغريب، ولم يتردد وقام بفتحه. نظر نوح لغادة وتبادلا النظرات، بدا على نظرات غادة رفضها للأمر، فقال لها: _معلش.. مضطر. فتح نوح الباب ودخل المنزل واضطرت غادة أن تدخل خلفه. كان المنزل رغم كونه بطابقين صغير الحجم وبسيطًا، ومن النظرات السريعة والسطحية للطابق الأرضي بدا أنه لا يوجد أي شيء شاذ أو مثير للشكوك، فقرر نوح أن يصعد للطابق الأول والأخير. لا يوجد به الكثير من الغرف، فقط ثلاث غرف وحمّامان تقريبًا. عند أول غرفة دخلوها هبطت عليهم الكثير من الحيرة والشكوك من تلك الأمتعة الغريبة. كانت الغرفة أشبه بمكتب، بها أمتعة تخص المعامل والمختبرات على إحدى الطاولات، وفي طاولة أخرى يوجد شيء تذكرته غادة جيدًا. كان الطوق الآلي العجيب الذي رأته نور الصاوي يضعه حول عنقه، موصلًا بجهاز بدا عليه أنه يُستخدم لتوصيل الطاقة به، وفي الطوق ذاته، في موضع الحلق، كان يوجد دبوس متعرج غريب الشكل. استنتجت غادة أن ذلك الدبوس يدخل في حلق نور الصاوي ليساعده في الكلام بطريقة ما، كما قال لها. _إيه البتاع دا؟ _مشوفتش نور أخوك وهو لابسُه؟ _لأ... هو دا بقى اللي بيخليه يخبي رقبته؟ دا بتاع إيه دا؟ _كنت شوفته مرة بالصدفة، قالي إنه جتله إصابة في زوره خلته يفقد النطق، والجهاز دا اللي بيساعده يتكلم. سكت نوح قليلًا وهو يفكر ويستوعب منطقية هذا الأمر وقال: _صحيح، أنا بحس ساعات صوته بيتغير كده وبيبقى عامل زي صوت الـ AI، كنت بتخض منه بس لو الموضوع كده، فأه منطقي. سكت مجددًا وأردف: _إيه دا؟ يعني دا بيت نور؟ _تقريبًا. خرجا كلاهما من تلك الغرفة واتجها لغرفة أخرى، وظهر من سريرها أنها غرفة النوم. أمام السرير مكتب، به حاسوب لوحي شاشته مفتوحة بالفعل، مما جعلهما يستنتجان أن نور كان هنا منذ فترة زمنية قريبة جدًا. ولا يعلم نوح أن هذا الحاسوب خاص بسردار، الذي أخذه نور من تركيا بصحبة ديميت. اقترب نوح من الحاسوب ولمس فارته لتنير شاشته، ويظهر ما كان مفتوحًا في حالته تلك. كان الملف المفتوح يحتوي على ملايين الصور لمن ذهبوا إلى سجن روسيا، من يشتري الناس كسجن دارين. كل صورة تتكون من هوية فرد واحد. حين استوعب نوح وغادة هذا الأمر، قالت غادة بلهفة: _ن... نوح، شوف ملف تاني كده يخص دارين جاب، شوف كده لو إبراهيم موجود. أغلق نوح هذا الملف ليرى مجموعة ملفات أخرى، ورأى أحدها باسم (Darién Gap)، ففتحه على الفور ليرى ملايين من الهويات والصور، فقال نوح: _إحنا هندور على أخوكي وسط كل دول؟! لاحظت غادة أن الصورة مسمّاة بالكود الموشوم تحت أعينهم. أغمضت عينيها بقوة لتحاول تذكر الكود الخاص بإبراهيم حين حلمت بما مر به في غيبوبتها، وبتعسر شديد تذكرت وقالت: _اعمل سيرش كده على EG-4201. قام نوح بالبحث عن ذلك، ولم يظهر إبراهيم، فقالت: _طب EG-4210. فور أن بحث عنه وفتح الصورة، انتفضا كلاهما حين رأيا صورته وهويته. لقد كان إبراهيم. إن حرارة شوق غادة كادت أن يشعر بها نوح بالفعل وهي بجانبه. حين التقطت عيناها صورته، اغرورقت من شدة لوعتها. كم اشتاقت لأخيها الذي كان ذات يوم يشاطرها ضحكات الحياة وهمومها. اخترق شوقٌ وقهر مرير في قلبها كخنجر منصهر. فُتق جرح شوقها له، وشعرت بألمه كأول مرة اختفى عنها فجأة. شعرت كما لو أن الزمن قد توقف وهي تتمعن في ملامحه وسرحت في كل ذكرياتهما سويًا وحياتها السابقة معه، وتتذكر كيف كان يعاملها معاملة مميزة تثبت حبه الكبير لها. حين ذرفت دموعها، قام نوح بمسحها لتستفيق غادة من عالمها مع أخيها، وهي تقول: _إحنا لازم ناخد اللابتوب دا، أكيد فيه معلومات. _معنديش مانع، ناخده ونبقى نعتذر لنور بعدين لما نشوفه. نهض نوح وأغلق الحاسوب وأخذه، ونزلا إلى الطابق الأرضي. ولكن فور أن نزلا، لمحت غادة بابًا غريب الشكل لم ينتبها إليه في البداية. لاحظ نوح توقف غادة وانتباهها، فالتفت إليها ليبصر ما كانت تنظر إليه. _إحنا دخلنا الأوضة دي؟ _لأ، إزاي مخدناش بالنا منها؟ كان الباب يظهر أنه قديم وهالك على عكس بقية الأبواب ومظهر المنزل العام الذي كان حديثًا ومرتبًا. اقترب نوح من هذا الباب وفتحه ليكتشف أنه قبو. مظهر الأقبية في العموم يقبض القلب، وهذا ما حدث لغادة على عكس نوح الذي لم يتأثر بالطبع. وحين لاحظ نفورها وخوفها فور أن رأت تلك السلالم المؤدية إلى تحت الأرض، قال لها: _ممكن تخليكي هنا لحد ما أطلعلك؟ قالت غادة بانفعال وهي ترفض رفضًا قاطعًا: _لا طبعًا، هنزل معاك، مش هقف هنا لوحدي، لا طبعًا. ابتسم نوح وقال: _طب امسكي إيدي. أمسكت غادة بيده، ونزلا كلاهما إلى داخل القبو بخطوات بطيئة حذرة. وحين وصلا لنهاية الدرج، كان يتسلل ضوء الطابق الأرضي لينير القبو بضوء خافت باهت. مكان عتيق مسكون بأصداء السكون القاتل. الهواء ثقيل، ملوث برائحة عفن مخلوطة بالتراب لا يكاد يُحتمل، متسللًا من زوايا الجدران المتصدعة التي تشهد على سنوات من الإهمال. ذرات التراب تتطاير وتحوم حولهما كدوران الكواكب. الرؤية ضبابية، ولكنهما لمحا إلى أقصى الزاوية ما لم يتوقعاه نهائيًا. فما رأياه كانت جثة مضى عليها الزمن في وحشة شديدة؛ هيكل عظمي محتفظ بملامحه المهترئة الغارقة في برك من التراب. جحظت أعين غادة وكتمت فمها بكفها لتكبح نفسها عن الصياح، أما نوح فكان يتمعن الجثة بفضول وحيرة وهو يتساءل: _جثة مين دي؟ _نوح، يلا نمشي. لو عايز تعرف إيه دا، خد جزء من عظمه ونحلله بعدين، ويلا نمشي بسرعة. أومأ نوح برأسه واقترب من ذلك الهيكل، وفك عقلة إصبع وأخذه. ومن بعدها هرعت غادة صاعدة إلى الطابق الأرضي، وهرع نوح خلفها متفاجئًا من ركضها السريع. صعدا كلاهما وخرجا من المنزل بشكل كامل. استنشقت غادة أنفاسها في اطمئنان وهي تقول: _الحمد لله، الموضوع عدى على خي... توقف لسان غادة حين أتت عيناها على إحدى نوافذ هذا المنزل. تحجرت عيناها وهي تحدق في نافذة محددة، وحين لاحظ نوح ذلك التفت ليجد نور الصاوي واقفًا يشاهدهما في هدوء وبرود تام. وما لم يتوقعاه أبدًا هو رد فعله، حيث أشار لهما بأن يذهبا وكأن شيئًا لم يحدث. رغم اندهاشهما من ظهوره المفاجئ ورد فعله، ولكن على أي حال، ركبا السيارة وانطلق نوح بأقصى سرعة، بينما كان نور ممسكًا بالفلاشة وهو يبتسم ابتسامة ساخرة.                           ********** في تلك الليلة، يدخل قادة من إحدى قادات الميليشيات على نور الديب في غرفته. كان إيرانيَّ الأصل، ولكنه يجيد التحدث بالعربية الفصحى. _استطعنا شراء عشرة مُسيّرات بفضل المال الذي يُجنى من وراء كتابك المقدس، ونحن متشوقون جدًا لتجربتهم. ابتسم نور ابتسامة عريضة تشع خبثًا وضلالًا، وقال له: _جيتلي عشان اختارلك المكان اللي تجربوهم فيه؟ _طبعًا، نحن تحت أمرك. سكت نور سكونًا طويلًا وهو يميل برأسه ويفكر، إلى أن قال بابتسامته الشيطانية: _جرّبوها على القرية اللي فيها مصطفى في حالة لو إسماعيل اتجوز هالة، عشان نخلص من كله مرة واحدة. ------------ *ستنشر (لعلها نهاية المعاناة ٣) قريبًا*

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة