جحيم المجتمع ٣

جحيم المجتمع ٣

36 0

٣٣ عاد مصطفى إلى منزله وهو خَنيق يشعر بضيق في صدره وعقله لا يتوقف عن التفكير في اخيه عصام. دخل إلى غرفته ووجد نجلاء لم تنم بعد، جالسة تقرأ القرآن. _لسة منمتيش يا حبيبتي؟ _مبحبش أنام وإنت برا، وأنا كده كده مش جايلي نوم. جلس بجانبها وقال لها: _كملي قراءة، عَلّي صوتك عايز أسمعك بتقرأي. ابتسمت نجلاء وبدأت تقرأ، ومصطفى ينصت لقراءتها وصوتها، وإن وجد خطأ في النطق، صحح لها وهي تعيد بالطريقة الصحيحة. ظل يصحح لها كثيراً حتى توقفت وسكتت وهي مبتسمة بحرج، فقال لها بإبتسامتة اللطيفة ونبرته اللينة: _إيه يا حبيبتي، قراءتك ما كانتش كده، شكلك أهملتي القرآن. _لا والله يا حبيبي، بس إنت اللي ما عدتش بتراجع معايا زي زمان، فبقيت بنسى وبتلخبط. ظل ينظر إليها ثم قال: _أنا فعلاً في حاجات كتير زمان كنت بعملها معاكي ما عدتش بعملها دلوقتي، أنا متضايق من نفسي أوي. _مفيش مشكلة يا حبيبي، أنا برضو بقصر معاك في مرات كتيرة. _إنتِ عمرك ما قصرتي معايا في حاجة، أنا اللي دايمًا بقصر. صمتت نجلاء ولم ترد، ثم قال: _قومي البسي، هنتمشى على النيل دلوقتي لحد ما وقت الفجر ييجي. _دلوقتي؟ _أه، فيها إيه؟ ما دام أنا معاكي يبقى أي وقت ليكي للنزول مسموح. يلا البسي. _طب ومريم؟ _ما هي نايمة هنا، يلا يا حبيبتي. صمتت نجلاء قليلاً وهي مترددة، ليقول لها: _يا بت، هنشم شوية هوا ونخفف عن نفسنا الضغط اللي علينا. _ماشي. قامت وبدأت في ارتداء ملابسها، وحين انتهت قاما كلاهما وخرجا، وتأكد مصطفى من غلق الباب جيدًا. هما الآن يسيران بقرب النيل، مصطفى ممسك بيدها، المكان هادئ والنسيم جميل يواسيهم برقته، يتحدثان في أي شيء. كان مصطفى يعشق أن يسمع ضحكات نجلاء الهادئة في كل مرة يقول نكتة أو يداعبها بأقوال مضحكة. ظلا يسيران لفترة طويلة من الوقت وحين شعرا بالتعب جلسا بالقرب من النيل وظلا يتأملان القمر وضوءه الذي ينعكس على مياه النيل السوداء، ويستمعان لصوت المياة المندمج مع الرياح الرقيقة، ويتأملان ضوء القمر الساطع المريح للعين. _بقولك يا مصطفى، هو زمن المعجزات انتهى؟ نظر مصطفى إليها مبتسمًا ثم قال: _هي المعجزات ليها زمن محدد؟ _أكيد ربنا قادر يعمل معجزة في أي وقت، بس... حاسة إن ده أكتر زمن محتاجين فيه معجزاته، بس رغم كده... مفيش معجزات. صمت مصطفى قليلاً ثم قال: _بصي يا حبيبتي، الدنيا دي لها بداية ونهاية. إنتِ لما بتعملي حاجة محددالها بداية ومحددالها نهاية بتبقي مستعدة تعملي أي حاجة عشان الحاجة دي تنجح في بدايتها صح؟ _صح. _وبعد ما تنجح وتوصلي لنهايتها، هل هتعملي نفس المجهود اللي كنتي بتعمليها في البداية وإنتِ في النهاية؟ صمتت قليلاً ثم قالت: _لو احتاجت أن ميبقاش لها نهاية هعمل. _ولو عايزة تنهيها؟ _مش هعمل. _بالظبط، ولله المثل الأعلى، الأنبياء صلوات الله عليهم ومعجزات ربنا عز وجل هما كانوا وسائل لنشر التوحيد في الدنيا... الدنيا اللي ليها نهاية بالفعل. في بداية الدنيا حصل كل ده، بس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وخاتم رسالة التوحيد، من بعده هي دي بداية النهاية. العالم مبقاش محتاج معجزات عشان يقتنع بالتوحيد بل بالعكس... ربنا ممكن يعمل معجزات ولكن بشكل عكسي. _يعني إيه بشكل عكسي؟ _في البداية ربنا عز وجل كان بيعمل معجزات لإقناع عباده أنهم يؤمنوا به، بس في النهاية... ربنا عز وجل هيعمل معجزات عشان يختبر فيه إيمانهم... زي المسيح الدجال مثلاً. ده هيعمل معجزات بفضل من ربنا بس عشان ربنا يختبر بيه قوة إيمان عباده. _زي نور والزهير... _بالظبط. ربنا رزق نور ده بقدرات غريبة أكيد ليها سبب علمي من الحقن اللي كنت بشوفها بياخدها... ولكن حقن إيه اللي تخليه يتحكم في الجاذبية؟ سبحان الله. صمتا قليلاً ثم قال: _الكام يوم دول حاسك مش متطمنة. _أكيد... بعد ما عرفت إن نور رجع هتطمن إزاي. _تطمني عشان ربنا معانا. _ونعم بالله... بس معرفش... بقالي كام يوم مش طايقة نفسي وخايفة من المستقبل. حاسة إن في غصة في زوري مش عايزة تروح. أنا مبحبش أكون كده بس... ده من غير قصدي. وضع يده على كتفها ووضعت رأسها في حضنه، وبدأ يتذكر حالهما قبل اسبوع فقط، قبل ان بكتشف ان له إخوه وتنقلب حياته بهذا الشكل، وقال: _سبحان الله مغير الأحوال... عمري ما كنت أتخيل أني أكون ابن الراجل ده ويكون عندي منهم ست إخوات... بصراحة ليكي حق مزاجك يتغير. الحال دلوقتي غريب أوي أوي، وكأننا عايشين في حلم. ********** قرابة الفجر استيقظ عصام ليذهب إلى الحمام، بعدما قضى حاجته وخرج لاحظ باب غرفة ابنه مفتوحًا. اتجه ووجد علا جالسة على السرير، تحدق في الفراغ بملامح باردة باهتة. _لسة منمتيش؟ لم ترد عليه ولم تنظر إليه حتى، فإقترب وجلس بجانبها. _مالك؟ حلمتي بكابوس؟ نظرت علا إلى عصام وقالت: _أنا مقتلتش ابني يا عصام. أنت ممكن تصدق أني ممكن أقتل ابني؟ ظل عصام يحدق بها وهو لا يفهم شيء. _هو إنتِ كنتي مخلفة؟ _أه... ومات... بس أنا مقتلتوش زي ما هي اتهمتني. مستحيل أم تقتل ابنها. أنا مقتلتوش يا عصام، أنا مقتلتوش، أنا مقتلتوش. قلق عصام قليلاً وقال وهو يهدئها ويربت على ظهرها: _خلاص خلاص، إنتِ مقتلتيهوش. مقتلتيهوش. صمتت علا قليلاً ثم قالت: _معقول أكون قتلته؟ ما هو أنا لو قتلته هقتله ليه؟ أنا ممكن أكون قتلته فعلاً؟ صمت عصام قليلاً ثم قال: _مفيش أم بتقتل ابنها إلا لو كانت مريصة نفسيًا واقتنعت إنه ابن شيطان مثلا، او بتحاول تنتقم من جوزها اللي طلقها او اتجوز عليها. أنا ياما قابلت قضايا زي كده... ظلت علا صامتة تمامًا وكأن تفكيرها المفرط قضى على قدرتها على التحدث، ثم قال: _طب... إنتِ إيه اللي صحاكي؟ حاولي تنامي واهدي كده... لو عايزاني أبقى معاكي أنا معنديش مانع. _أنا مش بنام يا عصام. _أيوة يا بنتي، كلنا كده. هو الواحد من إمتى بيتهنى بالنوم. _لا يا عصام، أنا مش بنام بجد. أنا بقالي سنين مانمتش ساعة واحدة. ما نمتش دقيقة واحدة. أنا مش بنعس ولا بتعب. بابا واخواتي ميعرفوش ده وكنت بمثل عليهم كتير اني بنام، بس... أنا فعلاً مش بنام. أنا نفسي أنام بس انا معنديش القدرة دي خالص. _مستحيل تكوني مانمتش بقالك سنين. إنتِ لو كده فعلاً كنتي مجنونة دلوقتي وعندك هلاوس وبتشدي في شعرك. _صدقني دي الحقيقة... أنا مبنامش خالص. مش بنام نهائي ولا عقلي بيغيب. عقلي عمره ما بيغيب. ظل عصام يحدق فيها وهو متعجب ومستغرب بشدة. _ارجع نام. متشغلش بالك بيا. _الصبح نبقى نتكلم. تمام؟ _تمام... كده كده مش فارقة بالنسبالي. ********* _إنتِ بتعملي إيه؟ بعد أذان قيام صلاة الفجر، نرى مريم كادت أن تقفز من شرفتها، ومن أوقفتها بذلك السؤال هي أنوبيس التي دخلت البيت بمهارة كاللصوص. التفتت مريم ونظرت إلى أنوبيس التي كانت واقفة خلفها. _إنتِ مين؟ ودخلتي هنا إزاي؟ _أنا عمتك... أبوكي إداني مفتاح البيت. _لا والله؟ _عايزة تنطي ليه؟ إنتِ صغيرة على الانتحار. _المسافة دي مش هتخليني أموت. أنا بس حبيت أتمشى شوية بما أنهم مش حواليا... تحبي تتفسحي معايا؟ _لا... أنا زهقت من الفسح بقالي كتير بتفسح. :طب ينفع تسيبيني أتفسح لوحدي على الأقل؟ _في هالة غريبة طالعة منك... إنتِ مش عادية رغم ان شكلك عادية. ابتسمت مريم ابتسامة غريبة بأعين ونظرات لا تليق بنظرات طفلة. _تحبي أوريكي سر؟ _وريني. هنا رأت أنوبيس بعض الأمتعة والأشياء تطوف وتطير في الهواء واصبحوا ضد الجاذبية تمامًا. كانت نظرات أنوبيس باردة ولم تندهش، ثم قالت: _إزاي ورثتي حاجة زي كده؟ _بعد ما اللي كنت جواها ماتت، أنا روحت لأقرب طفلة مشتركة معاها في الجينات. _هي مين؟ مين اللي ماتت ومشتركة معاكي في الجينات؟ ومشتركة معاكي من ناحية نجلاء ولا مصطفى؟ صمتت مريم قليلاً ثم قالت متجاهلة اسئلتها: _إنتِ هنا ليه؟ "عشان أوصل لأخويا الصغير نور. ضحكت مريم وظلت تقهقه بشكل هستيري، واحتارت أنوبيس في أمرها فكان ضحكها مبالغ فيه وكأنها تسخر منها، ولكن فجأة اختفت ضحكة مريم واختلفت تعابير وجهها تماماً وتحولت ملامحها إلى ملامح الاستعجاب والقلق. تقدمت نحو أنوبيس وقالت: _إنتِ عمتي فعلاً؟ إنتِ بجد عمتي؟ قالت انوبيس وهي تنظر لمريم بحيرة شديد: _هو في إيه؟ فجأة سمعا صوت نجلاء تقول: _مريم، إنتِ لسة صاحية؟ فتحت نجلاء الباب، وهنا ركضت أنوبيس بسرعة نحو الشرفة وقفزت منها، فصرخت نجلاء بذعر وصدمة وأخذت مريم لحضنها ودخل مصطفى بسرعة. _في واحد كان هنا ونط من الشباك! بعدما قالت نجلاء هذا، ركض مصطفى وقفز من النافذة أيضاً ورأى أنوبيس وهي تركض بسرعة خارقة مبتعده عنهم، وبدأ مصطفى بالركض هو أيضاً. ظل مصطفى يركض بسرعة قد تتساوى بسرعة أنوبيس، فكلاهما يتشاركان تلك الجينات الخارقة بالطبع، ولكن لسبب ما كانت أنوبيس أسرع منه بنسبة بسيطة. أصبح خلفها، وازداد من سرعته، ومد يده محاولاً الإمساك بها. وبالفعل لمس ملابسها وأوقفها، ومع قوة دفعهم وركضهم السريع سقطا كلاهما على بعضهما. وحين أصبح فوقها واكتشف أنها فتاة، ابتعد وهو ينهض بسرعة قائلًا: _استغفر الله، استغفر الله... إنتِ مين؟ ظلت أنوبيس تلهث وهي على الأرض، ومصطفى يحدق فيها بإستغراب شديد، كلاهما في زقاق هادئ مظلم لا ضوء فيه سوى ضوء عامود اصفر باهت. جلست أنوبيس وهي تقول: _هتسيبني ولا لا؟ _إنتِ مين؟ وليه في الشارع لحد دلوقتي دا؟ وكنتي بتعملي إيه في بيتي؟ ظلت صامتة وهي تلهث، ثم قالت: _أنا جاية عشان أشوف نور... تعرف هو فين؟ _لا، معرفش... وبعدين إنتِ لما تدوري على النجس دا تدخلي بيتي؟ في الساعة دي؟ أنا مش هسيبك قبل ما أفهم إنتِ مين؟ وتبع مين؟ _أنا بومة... بس بومة تبعكوا... تبع عيال داغر. ظل مصطفى يحدق في وجهها وعينيها المألوفتان، ثم قال بعدما استوعب: _إنتِ أختي مش كده؟ أظهرت أنوبيس ملامح اليأس بسبب علمه واغمضت عينيها بتبرم، فلم تكن تريده أن يعلم. وقفت وهي تقول: _هتشوفني تاني صدقني... بس سيبني دلوقتي. كادت أن تذهب، ولكنه أمسك يدها. _مستحيل أسيبك تتمشي في الشوارع وإنتِ ليكي ست بيوت. _أنا ماليش بيت. _إزاي مالكيش بيت؟ كل بيت ساكن فيه حد من أخواتك هو بيتك... تعالي يا بنتي ربنا يهديكي... إنتِ ليه بتعملي في نفسك كده؟ كلنا قابلنا بعض، إنتِ ليه عايزة تهربي منا؟ _عشان أنا مش مستعدة أقابل نوح. _نوح؟ اشمعنى؟ _مش لازم تعرف... سيبني لو سمحت. _لا، مش هسيبك... تعالي ومش هقول لنوح. ظلت أنوبيس تنظر لمصطفى، فإبتسم لها ابتسامته الساحرة التي جعلتها تطمئن وتطيعه وتذهب معه. نجلاء الأن جالسة قلقة بشدة منتظرة عودة مصطفى بخير، وجدته هنا يدخل ومعه أنوبيس، فنهضت نجلاء وهي مستغربة. _فاكرة الاخت المشردة اللي نوح حكالي عنها؟ نظرت نجلاء لأنوبيس وقالت: _هي دي؟ قالت انوبيس: _أنا آسف إني دخلت بيتكم من غير استئذان... أنا مكنتش عايزة كلكم تشوفوني بصراحة. نظرت أنوبيس لمريم التي قامت ودخلت غرفتها، فقالت نجلاء: _إنتِ عملتيلها إيه؟ _ماعملتلهاش حاجة... هي قالتلك إني عملت إيه؟ _مقالتليش حاجة غير أنها قالت إنك عمتها. _آه، ما انا قولتلها. جلست أنوبيس وجلس مصطفى ونجلاء معها، خلعت سترتها ليندهشا من عضلاتها، وقالت نجلاء: _ما شاء الله... دي عضلاتك بجد؟ ابتسمت أنوبيس وهي تقول: _ايوة، للأسف... قال مصطفى: _شكلك مش مبسوطة بيهم. _وأنا هبقى مبسوطة ليه؟ أبويا حولني لمسخ. إنتبه مصطفى من جملتها واعتدل في جلسته كحركة تلقائية منه تدل على الاهتمام الشديد وقال: _إنتِ شوفتيه؟ صمتت أنوبيس وسكتت فترة طويلة ثم قالت: _أنا تربيت معاه يا مصطفى... أنا عيشت معاه وشاركت في جرايمه ورباني على أبشع الحاجات. _شاركتي في جرايمه؟ إنتِ قتلتي؟ صمتت أنوبيس ولم ترد، ثم قالت: _عايزة أنام... قالت نجلاء: _هقوم أخلي مريم تنام معانا، وإنتِ خدي أوضتها ونامي فيها براحتك. _تمام... شكراً. قامت نجلاء، وهنا اقترب مصطفى وهو يقول بنبرة لطيفة لكي يجعلها تطمئن: _مقولتيليش على اسمك، سليم قالنا عليه بس نسيته. _أنا مالياش اسم. _أدهم مسماكيش؟ _سماني بس... أنا مش بمشي تحت رغبات الراجل دا بعد كده. ابتسم مصطفى ثم قال: _تحبي نسميكي إحنا؟ _لا، متتعبش نفسك. _حاسس إنك مش مرتاحة وإنتِ معايا. _مش حوار كده... بس أنا مش حاسة مينفعش اقعد في بيت زي دا، حاسة إن بيتك هيتنجس بوجودي. _ليه يعني؟ إنتِ دخلتي الكعبة؟ استغفر الله. أتت نجلاء هنا وهي تقول: _خلاص يا حبيبتي، تقدري تخشي ترتاحي في الأوضة دي. قامت أنوبيس، فقال مصطفى لها: _أنا لسه عايز أقعد أتكلم معاكي شوية. _أنا مش عايزة. وتركته ودخلت الغرفة. وقف مصطفى وهو حائر ومشفق عليها بشدة، فوضعت نجلاء يدها على كتفه وهي تقول بنبرة لينة: _يلا يا مصطفى عشان تنام وترتاح شوية. _لا، خشي إنتِ نامي، أنا مش عايز أنام. _مينفعش يا حبيبي... ناملك شوية عشان خاطري. نظر لها وضعف من نظرتها له فإبتسم واطاعها قائلًا: _عشان خاطري دي بتخليني أضعف. ابتسمت نجلاء ودخلا كلاهما وناما معاً في سرير واحد في مشهد دافئ وجميل بين الأب والأم وابنتهما. أما أنوبيس، فهي جالسة الآن لا تعرف ماذا تفعل... جلست ربع ساعة في صمت تام وهي تفكر في مريم وتفكر في تلك الفتاة التي تحدثت عنها، من تلك الفتاة التي تشارك جينات مريم وكيف ماتت وما هي هويتها؟، ضجرت انوبيس فخرجت إلى الصالة واتجهت للتلفاز. فتحته واكتشفت أن به إنترنت، فجلست ارضًا وبحثت في محرك البحث عن مسلسل عائلي معين قد شاهدته من قبل في منزل سليم وبدأت تشاهد الحلقات التي لم تشاهدها. إقتربت من التلفاز وهي تشاهد بتأمل شديد، مبتسمة ابتسامة عريضة وعيناها تلمع وتضوي كلما يأتي مشهد عائلي، أو مشهد بين أب وابنته، أو مشهد بين أخ وأخته، أو مشهد بين الابن ووالدته. كانت تتخيل حالها بينهم او تتخيل نفسها مكان شخصية من الشخصيات، تعيش أحداثهم وتشارك تجمعهم وضحكاتهم. كانت تندمج بينهم بشدة لدرجة أنها تجيب على ما يقولونه وتضحك على ضحكهم وتقوم بردود فعل وكأنهم يوجهون لها الحديث. وما يحزن أنها تفعل ذلك كردود فعل تلقائية لا إرادية منها. مشاهدتها لتلك المشاهد تعطي بداخلها سعادة مزيفة كمدمني المخدرات. فور انتهاء المشهد تختفي ابتسامتها فتبحث عن أي مشهد مماثل، غير مهتمة بالمسلسل من الأساس. ظلت تشاهد ما تشاهده حتى غفت ونامت على الأرض. ********** في الوقت نفسه، قام يامن من نومه في حين كان كل إخوانه وأخواته نائمين إلا فريدة. وجدها جالسة في الصالة بصمت وكأنها تستمتع بقليل من السكون والهدوء، رغم أن عقلها لا يوجد به سكون ولا هدوء. أتى إليها وقال: _منمتيش ليه؟ لسة متضايقة من كلام الراجل الوسخ ده؟ _لا، أنا سمعت الكلام ده كتير خلاص، جتتي نحست. _طب يلا بقى، خشي نامي عشان ما تتعبيش في الصحيان بكرة. كاد أن يذهب إلى غرفته ولكنه توقف متجمدا فور ان سمع منها: _يامن، أنا بفكر أبيع نفسي. توقف يامن والتفت إليها وهو مصدوم، وأتى إليها قائلاً: _إيه اللي بتقوليه ده يا فريدة؟ وقفت أمامه وهي تقول: _صدقني ده الحل. أبيع نفسي وتاخد إنت الفلوس وتشوفلك مكان أحسن والعيال يرتاحوا. صدقني كل حاجة هتتحل لو بعت نفسي. _إنتِ مجنونة؟ إنتِ مبتشوفيش كلام الشيخ مصطفى ولا الدكتورة نجلاء عالموضوع؟ _وإنت مصدقهم؟ حبيبي، دول وبيرعبوا الناس عالفاضي. أرجوك يا يامن وافق والله مشاكلنا مش هتتحل غير بكده. _مش موافق يا فريدة... وحتى لو كلامهم غلط، إنتِ رايحة لمكان مجهول ومش هنعرف عنك حاجة ولا هترجعي تاني. إنتِ هتعملي نفس اللي عمله ابونا تاني؟ ما احنا متبهدلين كدة بسبب انه باع نفسه عشاننا. گماشي، بس عمنا هو اللي أخذ الفلوس هو السبب في كدة. بس المرة دي محدش هياخذ الفلوس منك يا يامن، أنت اللي هتاخذ الفلوس. _فريدة، الموضوع انتهى... وشيلي الفكرة دي من دماغك خالص. ********** بعد ثلاث ساعات تقريباً، استيقظ مصطفى وأيقظ مريم لكي تذهب إلى مدرستها. قام وخرج من غرفته ولاحظ أن التلفاز يعمل، ويوجد ساقاً ممددة على الأرض في الصالة. ذُعر وإتجه مسرعاً إلى أنوبيس، واقترب منها، وحين تأكد أنها نائمة فقط تنهد بإرتياح وحمد الله، أمسك بجهاز التحكم لكي يغلق التلفاز. وأثناء تحرك يده على الشاشة، مر على محرك البحث ورأى ما بحثت عنه أُنوبيس: •مشاهد عائلية جميلة •عائلة تمزح مع أبنائهم •مشهد لطيف بين أب وابنته أشفق مصطفى عليها بشدة وأغلق التلفاز، وحملها وأدخلها غرفة مريم ووضعها على السرير برفق، كساها باللحاف وظل ينظر إليها ويتأملها، كم هي مسكينة رغم قوتها الجبارة وبرودها التي تظهره للناس، شعر حقًا انها مميزة ليست كعلا وليست كنجلاء. لم يرَ فتاة في حياته مثلها. اقترب وقبل جبهتها قبلة عميقة، ثم التفت لكي يذهب. _انت بوست راسي دلوقتي؟ التفت مصطفى قائلاً: _أنا آسف، صحيتك. _صحيت من أول ما إنت صحيت وفتحت باب أوضتك. إبتسم مصطفى وكاد أن يخرج، فتوقفت حين قالت: _مجاوبتش على سؤالي... أنت بوست راسي ولا إيه؟ _آه يا حبيبتي، فيها إيه؟ _حبيبتي؟ أنت بتعمل كده ليه؟ _بعمل كده عشان إنتِ أختي... أنا مبقولش حبيبتي لأي واحدة عشان حرام. ظلت تحدق فيه وهي مستغربة من تصرفه الذي كان غريبًا في نظرها وهو مبتسم لها بلطف، ثم سمعت مريم تناديه ليستأذنها وخرج. ظلت أنوبيس جالسة وهي تحاول أن تقنع نفسها ان ما فعله مصطفى شيئاً طبيعياً. هو بالفعل شيء طبيعي، ولكن بالنسبة لأنوبيس فهذا أغرب ما حدث لها في حياتها. بعد قليل، قامت وخرجت ووقعت عيناها على المطبخ وكانت نجلاء تقوم بعمل الفطور. ظلت واقفة تشاهدها وشعرت بشعور لافت وبهيج لم تشعر به من قبل، من منا حين كان طفلًا يشعر بإستمتاع شديد حين كان يشاهد أمه وهي تطبخ، ويصبح متحمسًا بشدة فور أن تطلب منه المساعدات البسيطة، شعرت انوبيس بذلك الشعور الدافيء لأول مرة في حياتها واكنت تلك اللحظة، نظرت نجلاء إليها وابتسمت: _صباح الخير يا حبيبتي، نمتي كويس؟ _شوية. هنا سمعت ضحكات مريم تخرج من غرفة مصطفى، فالتفتت واتجهت إلى غرفته ووجدته يسرح شعر ابنته ويداعبها ويضحكها. قام بعمل ضفيرتها، وحين انتهى قال لها: _إيه رأيك؟ حلوة؟ _حلوة أوي يا بابا. قبّل مصطفى خدها واحتضنها بقوة وهو يدغدغها ومريم تصرخ ضاحكة. بعدها قال لها: _يلا بقى، روحي، زمان ماما خلصت الفطار. التفتا كلاهما وتفاجئا بوقوف أنوبيس وهي تتأملهما وكأنها تشاهد مشهد نادر وغريب عليها حقا. قالت مريم لها: _صباح الخير يا عمتو. لم ترد أُنوبيس عليها، ثم خرجت مريم وظلت أنوبيس واقفة. أتى مصطفى إليها، وهنا قالت: _إنت... بتسرح شعرها كل يوم؟ _آه، قبل ما تروح المدرسة، بس في الأيام العادية مش دايماً. _شكلها حلو... _ما تيجي. _أجي فين؟ _أجرب أعملك التسريحة دي... هتبقى جميلة عليكِ، خصوصاً أن البنات السمر بيبقوا حلوين أوي في تسريحة الضفاير. _لا، أنا شعري أكرت، مينفعش الحاجات دي. _شعرك مش أكرت، وبعدين التسريحة دي تنفع لأي نوع شعر. _روح افطر عشان تلحق شغلك. _طب تعالي... ما إنتِ هتفطري معانا. وضع يده على كتفها وسارا سوياً إلى المائدة وجلسوا جميعاً لتناول الطعام. وأثناء الأكل، قالت نجلاء: _بعد ما ينزلوا، نقعد ندردش، بقى إيه رأيك؟ أومأت أنوبيس برأسها ثم قالت مريم: _هو إنتِ اسمك إيه؟ نظرت أنوبيس لمريم وابتسمت وهي تقول: _خمني. صمتت مريم قليلاً وهي تفكر، ثم قالت: _هاجر. _اشمعنى؟ _معرفش، شكلك هاجر. قال مصطفى: _ الله، بحب اسم هاجر اسم مصري جميل، واسم زوجة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأم إسماعيل عليه الصلاة والسلام، السيدة هاجر عليها السلام اللي لفّت حوالين جبلين الصفا والمروة سبع مرات عشان تشرب ابنها إسماعيل وربنا جزاها بماء زمزم. اسم جميل يليق بالمرأة القوية الصبورة. _مش عايزة أبقى قوية ولا صبورة. قالت نجلاء: _طب ما تقوليلنا يا حبيبتي اسمك. صمتت أُنوبيس قليلاً ونظرت لمريم التي يفيض من وجهها البراءة واللطافة، عرضت ابتسامة انوبيس تلقائيًا بمجرد ان نظرت لمريم ثم قالت: _هاجر... اسمي هاجر. ابتسم مصطفى وسعدت مريم وهي مندهشة: _يعني أنا صح؟ ابتسمت هاجر وهي تقول: _أيوة، صح. ومن هنا تغير اسم أنوبيس أخيراً واصبحت هاجر رسميًا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة