٧٢ . . _تمام يا رشا... على كده مش هعرف أتواصل معاكي تاني؟ _احتمال لا، وموبايلك ارميه في أي حتة، لأنهم لو لاحظوا غيابك هيجيبوكي بيه، تمام؟ _تمام. _مع السلامة يا رحمة، هتوحشيني. . . ذلك كان آخر حوار دار بين رشا ورحمة، لم تظن رشا أبدًا أن يكون الأخير، كانت تأمل أن تعود وتحدثها مجددًا بعد أن تنجو من عجلة الموت تلك، بعد أن تنجو من الوحوش الذين يستهدفون حياتها، ولكنها لم تنجُ. وفي ليلة مقتل رحمة، قبل الفجر، تستيقظ رشا على صوت هاتفها إذ كان المتصل أشرف يطلب منها القدوم إلى إحدى المشارح لرؤية جثة رحمة. لرؤية جثة رحمة؟ تلك الجملة جعلت عقل وقلب رشا في حالة قيد وشلل عظيم، لم يفك قيدهما سوى بعدما أنكرت الأمر وحاولت إقناع نفسها بأنها قد تكون جثة لفتاة تشبه رحمة أو ما شابه. وثبت من سريرها وارتدت ملابسها وخرجت من منزلها، وأنفاسها لا تتباطأ ودقات قلبها لا تهدأ، طيلة الطريق وهي تدعو أن يكون الأمر كابوسًا، وأنها ما زالت نائمة، أو أن أشرف يقوم بمزاحها، أو أنها جثة تشبه رحمة، تدعو بأي شيء فقط لإبقاء صديقتها على قيد الحياة. فور أن وصلت رشا إلى المشرحة، مع وجود والدي رحمة خارج المشرحة وملامح السكينة والاطمئنان على وجوههم، أخذت رشا أنفاسها في ارتياح؛ فقد استنتجت راحة والديها بأنها دليل على أن الجثة لم تكن لرحمة. رأت بعدها أشرف وعلاء فتقدمت إليهم بسرعة وهي تقول: _مطلعتش رحمة صح؟ قال أشرف لها ووجهه عابس: _مين قالك؟ ترددت مشاعر رشا وملامحها وهي تقول: _واضح إن أهلها مبسوطين يعني.. قال علاء بتهكم وبرود: _حبيبتي، كون إن أهلها مبسوطين دا معناه إنها جثة رحمة فعلًا، خشي شوفيها لأن رفعت بلغنا ناخدها وندفنها في أي حتة، خصوصًا بعد ما أهلها رفضوا يدفنوها في مقابرهم. احتدت الرجفة في عيني رشا المغرورقتين، وبسرعة دخلت المشرحة قبل أن يذهبوا بها لغرفة التغسيل. دخلت رشا ورأت صديقتها التي لطالما قاومت بقلبها النقي وروحها الرقيقة، صديقتها التي لطالما بحثت عن الانتماء والاستقرار والحب. تكثر الطعنات في صدرها ووجهها الجميل، كان نصف وجهها مشوهًا تمامًا، كما لو كان القاتل قصد تشويه جمالها المميز بكل حقد وغيظ. بكت رشا بدمع حثيث وهي تتحسس شعرها المجعد الملطخ بدمائها المتجلطة. نحبت رشا بشدة فور أن أيقنت خسارة رحمة في هروبها من عجلة الموت وسحقتها العجلة بالفعل. ماتت من كانت تواسي نوح دائمًا، ماتت من كانت تحاول حماية طهارتها من رجس عصام ورفعت، ماتت المعلمة اللطيفة التي أُوذيت من قبل طلابها، ماتت الجارة الخفيفة التي أُوذيت من قبل جيرانها، ماتت الابنة البارة التي أُوذيت من قبل والديها. قُتلت رحمة بسبب ظلم كل من حولها لها. اشتد نحيب رشا على صديقتها حتى تعجب أشرف وعلاء من ذلك؛ فما كان يميز رشا دائمًا هو برود مشاعرها وجحود قلبها، ولكن يبدو أن رحمة كانت نقطة ضعفها بشكل ما؛ فلم يرَ أحد جانب رشا اللين وهي تتحدث عن مصطفى ذلك اليوم سوى رحمة. والراجح أن دموع رشا لم تكن فقط من قهرها على موت صديقتها، بل من احتدامها على شدة الظلم الذي تعرضت له والذي أدى لمقتلها. ما أسكت بكاءها هو دخول أحد الرجال من يرتدون ذلك الزي الأبيض التابع لمنظمة بيع الناس. فور أن دخلوا، حمل أحدهم جثة رحمة، ورشا تحملق فيهم بصدمة وبدأت تصرخ: _إنتوا بتعملوا إيه؟؟!! سيبوها!! بتاخدوها ليه؟! دي ماتت خلاص سيبوها!!! خرجوا من المشرحة، ورشا تراهم حاملين جثة رحمة ويضعونها في عربتهم البيضاء الملعونة تلك، وبجانبها ترى موظفًا منهم وهو يعطي حقيبة قماشية كبيرة لوالد رحمة. وبالطبع بدون أي تفكير، علمت أن بها مالًا. قالت رشا وهي تتقدم عليهم، وبملامح مكفهرة ونبرة تقزز ونفور قالت: _إنتوا بعتوا جثتها؟ نظر والداها، وأجابتها الأم وهي ترفع كفها مفترشة أصابعها الخمس: _آه بعناها، الله أكبر في عينك. اتسعت عينا رشا في ذهول وحنق وهي تقول: _الله أكبر في عيني؟! وهما اللي زيكوا يعرفوا ربنا يا ولاد الـ... تقدم علاء وأمسك بذراع رشا وأبعدها عنهما وهو يقول: _خلاص بقا يا رشا، في إيه؟ مالك النهاردة؟! نظرت رشا إليه وهي تسحب ذراعها عن يده وتقول مصدومة: _مالي النهاردة؟! رحمة اتقتلت يا علاء، إنت اللي مالك؟ _وهي أول مرة حد من زمايلنا يتقتل يا رشا؟ ما إحنا بقالنا سنين مع رفعت وشوفنا جثث ياما ومعملتيش اللي بتعمليه دا؟ رحمة مبقالهاش سنتين معانا، حبيتيها أوي ليه كده؟ خلاص ماتت زيها زي أي حد بيموت، هتعملي قصة؟! ظلت رشا تحدق في علاء بأعين لا تطرف من عظمة احتدامها وقهرها ولا تستطيع أن تجيبه. ليردف علاء وهو ينظر لأشرف: _أنا رايح أبلغ رفعت، ومش هقوله على اللي رشا عملته، خليك إنت معاها لحد ما هي تهدى وترجع لعقلها. ذهب علاء تاركًا إياهما، فنظر أشرف لرشا، والذي كان على ملامحه عبوس ورأفة على عكس علاء، وأتى إليها وهو يقول: _تعالي يا رشا نروح، تعالي نروح ونبقى نتكلم في الموضوع دا. استسلمت رشا نظرًا لوهن طاقتها من شدة الغم الذي أصابها، طالبة منه أن تذهب لمنزله وليس منزلها؛ فمنزلها سيذكرها برحمة وسيزيد من فتق جرحها أكثر. وصلا كلاهما إلى منزل أشرف، تدخله رشا بخطوات شاردة وواهنة، وتجلس على أقرب أريكة تراها عينها. أما أشرف فيغلق الباب ويتجه لمطبخه، يضع كأسين ويصب في كل منهما قدرًا من الجعة ثم يعود لرشا وهو يقدم إليها كأسها. فتلتقطه وتشرب، ثم يجلس بجانبها في سكوت تام. يظهر على أشرف الحزن الخفيف لتقول له رشا: _إنت برضو زعلان على رحمة مش كده؟ سكت أشرف قليلًا ثم قال: _مش فكرة زعلان عليها بس... نهايتها متليقش بيها الحقيقة... _على الأقل كانوا يسيبونا ندفنها... بس هم حتى استخسروا القبر فيها وباعوا جثتها. انهمرت الدموع من عينيها مجددًا وهي ملتزمة الصمت، ليردف أشرف: _بس بصراحة إنتِ فاجئتيني، لأننا عارفين إنك أكتر واحدة قلبها حجر في العصابة... محتاج أعرف سبب زعلك الشديد دا عليها. ظلت رشا صامتة لا تجيب، فمد يده وأمسك بهاتفها وفتحه ثم فتح سجل المشاهدات على تطبيق اليوتيوب ليبتسم وهو يقول: _كنت عارف. نظرت رشا لأشرف، وأردف وهو يقول: _عشقك الشديد لمصطفى خلاكي تدمني فيديوهاته وتستمعي لكلامه. سحبت رشا هاتفها من يد أشرف وهي تقول: _مش مصطفى اللي خلاني أحب رحمة وأزعل عليها. _بس هو اللي رجعلك ضميرك تاني بكلامه الساحر. زفرت رشا في ضيق، وأرادت أن تغير مضمون حديثه لتقول: _أشرف، أنا محتاجة أعرف مين قتل رحمة. سكت أشرف قليلًا ثم شرب رشفة من الجعة وأجابها: _لو حد مننا وتبع رفعت اللي قتلها، كنت هعرف. بس محدش فينا اللي قتلها، دا معناه إن ابن عمها هو اللي قتلها بس بمساعدة حد برضه، لأن في حد من الجهات العليا منعوا الشرطة من إنهم يحققوا في الجريمة دي، فواضح إن ابن عمها مكانش لوحده. _أكيد حد تابع سردار اللي ساعده مش رفعت، لو رفعت اللي ساعده كنا هنعرف برضه. سكتت رشا برهة وهي تشرب الجعة، ثم عادت وقالت: _أنا عايزة ابن عمها دا، تجيبهولي يا أشرف، وهندم على اليوم اللي فكرت فيه في رحمة، ماشي؟ _ورفعت؟ _ماليش دعوة بيه، هو أصلاً مهتم بسلطته في البلد ومشغول بنور الديب والميلشيات بتاعته، سيبك منه دلوقتي وخلينا مع نفسنا. *********** يمسك نوح بعنق غادة ويعصره عازمًا على خنقها وقتلها، تنهمر الدموع من عينيها وتترجاه بنظراتها أن يتوقف، فهمعت عيناه هو أيضًا من القهر العظيم الذي يشعر به، مقهورًا على عجزه تجاه نفسه غير المفهومة. _إنتِ كنتِ صغيرة، إنتِ لسه صغيرة... إنتِ لسه صغيرة. تلك الكلمات قالها لغادة في هذه اللحظة، لا يعلم أن تلك لم تكن كلماته، فجأة يتبدل المشهد ويعود بالزمن حين كان في العشرين من عمره وتتبدل غادة ليرى أمه أمامه وهو من يخنقها ويسمع صوته وهو يصيح في وجهها: _هتجيبلي الفلوس ولا أقتلك يا ست إنتِ؟! قالت ليلى وعينها مغرورقة وبتصوت مكتوم، مشدة ضغط يد ابنها على عنقها وحلقها: _إنت كنت صغير، إنت لسه صغير... إنت لسه صغير. فجأة فتح نوح جفونه ونهض من نومه بانتصاب قوي وهو يشهق بعدما حلم بتلك الذكرى المشئومة من ماضيه، ويعود في تذكر ما كان يفعله بأمه مجددًا ليبدأ في البكاء والنحيب القوي وهو يضرب وجهه ويشد شعيرات رأسه بجزع وارتياع عظيم. مما لا ريب فيه أن ما يختبئ من ماضي نوح خلف ستار النسيان فور أن يُكشف عنه ويعي نوح ما فيه جيدًا قد يتحول بسببه لوحش هائج فور أن يعلم ما يجهله من حقائق وصدمات. ففي كل مرة يتذكر ما كان يفعله بأمه يشعر أن جزءًا من روحه يتم بتره مرة بعد مرة، كلما يتذكر كلما تبتر روحه إلى حد الموت، فقط يتمنى نوح أن يتذكر الذكريات الجميلة ليضمد روحه ولو بشكل بسيط، ولكن تلك الذكريات من المستحيل تذكرها. وضع نوح يده بجانبه ليمسك بغادة ولكنه لم يشعر بها، وبحركة سريعة منتفضة نظر بجانبه وهو يتأمل النظر ليتأكد أنها ليست بجانبه. _غادة!! غادة!! وثب من فراشه وخرج بسرعة من الغرفة وهو يصيح باسمها ويبحث عنها في كل غرفة حتى وصل إلى غرفة هاجر وفتحها بعنف ليجد كل من هاجر وغادة ينهضان من السرير في قلق. نهضت غادة من نومها ناعسة وهي تقول: _أنا هنا يا نوح، أنا هنا، اهدأ. صرخت هاجر في سخط: _إيه يا بني بتدور عليها كده ليه؟ أكنها أمك؟! ليه تصحينا من النوم عشان جنانك ده؟! تجاهل نوح صياح أخته المحتدم ونظر لغادة وهو يسألها ممتعضًا: _إنتِ مش نايمة جنبي ليه؟ نظرت غادة إليه نظرة عابسة بها عتاب أو المخاصمة وهي صامتة لا ترغب في الإجابة لتجيب هاجر بدلًا عنها. _واضح يا نوح مش عايزة تنام جنبك ليه! عشان هي تعبت من جنانك وعايزة ترتاح منك شوية، يلا اطلع برا بقى ومتتكرهاش تاني لحسن والله أنا وهي هنسيبلك البيت وابقى ارجع عيط زي العيال عشان بقيت لوحدك تاني. دفعته هاجر خارج الغرفة وضربت الباب بعنف في وجهه لتغلقه بعدها، نظرت غادة لها وهي تقول بنبرة عتاب هادئة: _حرام يا هاجر... تلاقيه صحي من كابوس ولا حاجة. حملقت هاجر فيها وقالت بتهكم ممزوج بغضبها: _لسه بتقولي حرام؟ حتى بعد ما حاول ينخقك ويموتك؟! _مش قصده يا هاجر!! أنا غلطانة إني حكيتلك. _مفيش حاجة اسمها مس قصده، افضلي قولي كده لحد ما يموتك بجد وبعدين نبقى نقول مش قصده، أنا معرفش أصلاً طلع من مستشفى المجانين على أساس إيه. عادت هاجر لسريرها لتحاول النوم مجددًا، ثم أتت غادة بجانبها وهي تقول: _أنا عارفة إن كلامك ده مش قصداه، إنتِ بس متعصبة عشان صحاكي من النوم. قالت هاجر وهي مستاءة وتضع رأسها على الوسادة: _والله صحاني من أحلى نومه، ربنا يسامحه بس. ظل نوح واقفًا في الصالة منتظرًا خروج غادة لتطمئنه وتواسيه، ولكن هذا لم يحدث، ولم يتعجب فهو يعلم أن من الطبيعي أن تبتعد عنه وتخاصمه بعد ما فعله بها، وهذا ظهر من تصرفاتها معه قبل نومهم. دخل نوح غرفته وجلس على مكتبه وأخرج رزمة ورقٍ وأخذ منها مجموعة ثم بدأ في كتابة المعادلات كعادته لمحاولة تهدئة اضطرابه واهتياجه. بعد مرور ساعة تقريبًا، وقد اقترب أذان الفجر، رأى هاتفه يرن برقم غير مسجل ففتح الخط ليعلم هنا أنها رشا: _نوح، كويس إنك صاحي. _رشا؟ _أيوة، عايزاك في خدمة. سكت نوح برهة في تردد واستغراب ثم قال: _خدمة الساعة دي؟ _شكلك لسة متعرفش. _معرفش إيه بالظبط؟ _رحمة اتقتلت يا نوح، وأنا وأشرف مسكنا اللي قتلها، ومحتاجينك بخصوص الموضوع ده. هبعتلك اللوكيشن وتجيلنا دلوقتي حالًا. كانت رشا تتحدث بسرعة وانفعال قوي، وأنهت حديثها بإغلاق الخط إذ لم تعطي فرصة لنوح أن يبدِ رد فعل. ولكن مشاعر السخط والصدمة والأسى ظهرت على نظراته واتساع عينيه وعقد حاجبيه القوية. أميتت رحمة حقًا؟ وثب نوح قائمًا بعنف وسرعة جعلت كرسيه يرتطم بالأرض، ثم ارتدى ملابسه. رغم أن علاقته برحمة كانت سطحية، إلا أنها كانت صديقة رؤوفة صاحبة ابتسامة جميلة وشخصية نقية. ما زال يتذكر حرقته واحتدامه العظيم حين كان طلاب المدرسة يقذفونها، يتذكر كيف دافع عنها بصدق. إن استطاع أن يدافع عن شرفها، فكيف تفلت منه روحها بتلك السهولة؟ كيف لم يستطع أن يدافع عن روحها وتموت بتلك السهولة والسرعة؟ لا يعلم نوح أن فاجعة الموت أصلها في سرعتها وعدم توقعها. صعقة قوية ضربت قلبه، ظل نوح يلوم نفسه بقسوة بينما كان يرتدي ملابسه. عيناه لامعتان من انفعاله وكتمان صدمته وجزعه على صديقته، فكان يؤجل انفجار مشاعره إلى حين لقائه بقاتلها وينفرد به. *********** في إحدى البيوت المهجورة أو بالمعنى الأدق الأراضي المهجورة التابعة لرفعت، يوجد في أحد المنازل إياد، ابن عم رحمة، جالسًا على كرسي، مقيّد اليدين والقدمين، عاري الجسد، يظهر على وجهه أنه تم إبراحه ضربًا عنيفًا. _خلاص انتقمتوا لرحمة، سيبوني بقى عشان خاطري. قال إياد تلك الجملة بتهدج، وجسده ينتفض من البرد والألم والهلع المكتوم، ليقول أشرف، الذي كان جالسًا معه في الغرفة ذاتها: _خلاص إيه يا عم؟ إحنا لسه مبدأناش، استنى بس لما الوحش ييجي ونشوف هنعمل فيك إيه. بعد قليل، يسمع إياد وقع أقدام تقترب منه، ثم تدخل رشا وخلفها نوح. يدخل نوح الغرفة وهو يحملق في إياد ثم ينظر إلى أشرف، وأول ما قاله: _واضح إنكم مطلعتوش مدرسين عاديين زي ما قالت الحجة ولاء. رفع أشرف كتفيه بلا مبالاة، ثم قالت رشا: _ده الوسخ اللي قتلها، بس أنا مش جايباك عشان كده. نظر نوح لها وهو يسألها: _أومال جايباني عشان إيه؟ أنا خلاص مجهز في دماغي خطوات التعذيب اللي هعمله فيه. حين سمع إياد ذلك، تقفّقت أسنانه وبدأ بالنحيب من الفزع العظيم الذي يشعر به دون أن ينطق بأي حديث، فقالت رشا: _عيلة رحمة باعوا جثتها بعد ما ماتت و... قاطَعها إياد بأعين جاحظة من هول الصدمة وهو يقول: _باعوها؟؟؟ باعوها؟؟؟؟ صاح أشرف فيه بصرامة: _يا عم اسكت، مش كل شوية تعمل تعليق. أردفت رشا بقولها: _عايزة أنتقم من عيلتها، عايزة أنتقم من كل اللي في شارعها، عايزة أحرق كل اللي فيهم، عايزة أعيشهم في جحيم زي ما عيشوا رحمة فيه، وإحنا عارفين قوتك وإنك تقدر تعمل ده من بعد ما تموت. سكت نوح قليلًا وكان يتأمل إياد، ثم حدّثها وهو ينظر إليه بنظرات غريبة، مختلفة عن نظرات السخط التي دخل بها: _مش محتاجة تقتليني، أقدر أعمل كده لما أنام نوم عميق شوية. تقدم نوح إلى إياد ووقف أمامه، ليرفع إياد رأسه وتحدث الرجفة في جسده، وظل يذرف الدموع. وقد لاحظ بسرواله المبلل، يبدو أنه قد بال على نفسه من قبل، وأول سؤال سأله نوح له: _إنت عندك كام سنة؟ _ت..تمن..تاشر. "إنت كنت صغير، إنت لسه صغير...إنت لسه صغير" ترددت جملة والدته ليلى في عقله، فقطّب نوح وجهه وقال ونظرات الندم والاستياء العظيمة تفيض من عينيه لإياد: _إنت صغير، ليه تقتل وإنت في السن ده؟ أجابه إياد وهو يصيح باكيًا: _أنا مكنتش عايز، والله ما كنت عايز، بس عمي ومراته ضغطوا عليّ، وأبويا أجبرني على ده لدرجة متتخيلهاش. كانوا كل يوم يسألوني ويقولوا لي على قتلها كأنه واجب عليّ، كأني اتخلقت عشان أقتلها. قعدوا يقولوا لي شرفنا وعرضنا وأنا مش مهتم بالهبل بتاعهم ده... بس وصل الموضوع لدرجة إنهم بقوا يضربوني، يطردوني من البيت، ويبتزوني عاطفيًا. قعدت أسبوع في الشارع بترجاهم يرجعوني، بس اشترطوا إني مرجعش إلا بعد ما آخد روح رحمة. كان نوح عازمًا على سلخ وتعذيب إياد حتى الموت، كان عازمًا على أن يواجه عذابًا في الدنيا كعذاب جهنم من شدة حسرته على صديقته رحمة، ولكن بعدما رأى نوح حالة القاتل، ظهرت الشفقة والاستياء والقهر في عينيه. _قتلتها إزاي؟ وصلتلها إزاي؟ ابتلع إياد لعابه الجاف، ثم أجاب بنبرته الممزوجة بالنحيب: _في واحد ساعدني، قالي إنه تبع بروفيسور، مقاليش اسمه بس شكله كان في سني او أصغر وعيونه ملونة وشعره اسود. إداني مفتاح البيت اللي هي فيه وعنوانها، وهو جه معايا. ط..طلعت ودخلت عندها، كانت خايفة... وأنا كنت مرعوب أكتر منها، كنت بعيط وبعتذر لها، وأول ما أخدت سكينة كانت بتحاول تهرب، بس من أول طعنة في صدرها لقيتها ماتت، بس قعدت أطعَنها أكتر عشان أتأكد من موتها... حسيت إنها بتبصلي وأنا بعمل كده... فطعنت وشها من كتر خوفي منها. عمري ما حسيت بالرعب ده في حياتي... كانت من شوية بتتحرك وبتتكلم... بس في ثواني سكتت ومبقتش بتقاوم كأنها عروسة مثلًا... بعدها صورت لها صورة ومعرفتش أرجع بيتي إلا بعد ما وريتهم الصورة. قال نوح بنبرته الهادئة المزدحمة بالقهر: _قتلت روح عشان ترجع لأوضتك وسريرك... للدرجة دي الموضوع بسيط في نظرك؟ لم يجيبه إياد سوى بالعويل وبدموعه الحثيثة التي يحرقها الندم والتحسر العظيم. فقرر نوح ألا يفعل في ذلك الفتى شيئًا سوى القصاص. نظر نوح لأشرف وهو يقول: _معاك مسدس؟ أخرج أشرف مسدسه وهو يقول: _مش هتعمله حاجة؟ _لا مش هعمله حاجة. صوّب نوح المسدس على رأس إياد، الذي بدأ يصيح ويرتجف كما لو أُصيب بصاعقة كهربائية، وهو يردد الشهادة. ثم في ثانية، أطلق نوح رصاصة في رأسه ليسكت صوت إياد إلى الأبد، وتسكن رجفة جسده تمامًا. بعدها أعطى نوح لأشرف المسدس وهو يقول: _انتقامنا مش هيكون في الطفل دا، هيكون في أهلهم. قالت رشا: _طب وهتعمل إيه بقى؟ سكت نوح قليلًا وهو يفكر، ثم قال: _مفيش سرير أو كنبة؟ _فيه في الأوضة اللي هناك دي. _طيب أنا هدخل فيها وأنام، وهبقى أشغل صوت مستمر وثابت زي التشويش كده على تلفوني عشان متستغربوش. وكل اللي عليكم إنكوا تستنوا مش أكتر، ماشي؟ اتجه نوح للغرفة، بينما قال أشرف لرشا وهو يحمل الكثير من الحيرة والتعجب تجاه نوح: _أنا ليه حاسس بقى شخص تاني؟ ده قتل الواد كده من غير ما يتهز، ده كان بيعيط لما يشوف الحجة ولاء واقفة لوحدها. سكتت رشا قليلًا ونظراتها تحمل حيرة أشرف ذاتها، لتجيب: _أظن إنه لسه محتفظ برحمته وحساسيته، بس بدأ يستخدمهم في القتل والتعذيب. _ده إزاي يعني؟ _مش عارفة، الموضوع معقد. دخل نوح الغرفة ولاحظ أنها لم تكن مُبددة ومهجورة إلى هذا الحد. بدا أن هذا المنزل هو مقر لقاء أو مكوث لأتباع رفعت أو ما شابه. على كلٍ، نام نوح على السرير وبدأ بتشغيل الصوت المستقر، وبدأ يُهيئ عقله وقدرته وقوته على رغباته كلها. تمدد نوح ليغوص في سبات عميق، ليس كأي سبات؛ رقود هادئ مستقر أشبه بالعوم في فضاء لا ملامح له، وخلفه مصير مرعب أو إنجاز إعجازي. بعد نجاحه، فتح نوح جفونه وهو مستعد لرؤية غرفة الألعاب تلك، ولكنه رأى أمامه مايا في ذلك المكان الدامس الداكن. تعجب نوح وهو يقول: _مايا؟ في إيه؟ قال له مايا بنبرة ثابتة وملامح جادة: ~حبيت أحذرك إن النومة دي مش زي أي نومة، مش عشان تدافع عن غادة، ومش عشان تحرر نفسك من العربية أنت وفرح، ومش عشان توصل فريدة للطريق المقصود. النومة دي نيمتها عشان تنتقم من مجموعة كبيرة من الناس. نمت وأنت محدد إنك تقتل أكتر من ١٠٠ فرد، واللي فيه منهم ممكن يكون بريء. فلو عندك ذرة تردد خفيفة، عندك القدرة إنك ترجع في كلامك. _لا يا مايا، شكرًا على التحذير، أنا مش متردد، ولو خايف على الأبرياء، فإحنا نقدر نحميهم وما نقتلهمش. ~وإيه هو البريء في نظرك يا نوح عشان نحميه من اللي هتعمله؟ سكت نوح قليلًا ليحاول تعريف مصطلح "البريء" ليتماشى مع نظام تفكيره الحالي، وبعد صمتٍ منه طال برهة، أجاب مايا: _البريء هو اللي ما بيستغلش سلطته للفساد، اللي ما بيستخدمش لسانه، إيده، عينه أو أي عضو من أعضاء جسمه للأذى. البريء هو المستضعف اللي بيحاول ينجو بشرف، ومش المستضعف المتقبّل لحاله وسعيد بيه. هو ده البريء من وجهة نظري. سكت مايا قليلًا بعدما استمع لحديث نوح، ثم قال: ~الموضوع مش هيبقى لمصلحتك، هياخد مجهود وطاقة كبيرة، خصوصًا إن دي أول مرة تعملها. _أنا واثق إنك هتساعدني يا مايا وهتحميني من أي خطر هيجيلي من الموضوع ده. سكتت مايا مستسلمة، بعدها ابتعدت من أمام نوح ليظهر من بعدها باب يؤدي إلى غرفة الألعاب تلك. دخلها ليجد منضدة كبيرة بها مجسمات مكونة من قطع صغيرة مركبة ببعضها البعض لمبانٍ وسيارات وشوارع. مجسمات صغيرة تجسد حيًّا مصريًّا محددًا، وتنبأ نوح أن ذلك الحي هو الخاص برحمة، حيث يمكث الناس الذين خاضوا في عرضها وأشعلوا نار الفتنة التي أدت لحرقها وحدها وقتلها، ليقسم نوح أن تلك النيران لن تحرق رحمة فقط، بل ستحرقهم هم أيضًا. وعلى منضدة أخرى كان هناك مجسم لمبنى واحد فقط، لم يعلم نوح ما هذا، فسمع مايا تقول له: ~العمارة دي اللي فيها أبو وأم إياد، اللي أجبرواه يقتل رحمة. تمعن نوح في مجسم الحي الكامل بنظرات ثاقبة، نظرات هادئة ثابتة مستشيطة، يبطن بداخلها سخطًا عظيمًا. رغم ذلك، توجد في عينيه لمحة من الفخر التي تمتزج بطاقة انتقامه الباثقة. نظرات تدل على أنه حدد كيف سيقوم بالانتقام. وما فعله هو أنه أمسك بالمنضدة وبدأ يزعزعها ويخضخضها بعنف وقوة، أدت إلى دك وتفكك قطع المجسمات الصغيرة ثم سقوط جميع المجسمات والمباني واختلاط القطع ببعضها إلى أن استوت بأرضية المنضدة المستقيمة. فور أن فعل ذلك، ارتسمت بسمة عريضة على شفتيه معلنة عن نجاح انتقامه وإخماد نيران احتدامه وقهره تجاه موت صديقته. أزاح بأنامله شعيراته الساقطة على جبينه إثر اهتزازه ورجه القوي لتلك المنضدة العملاقة، ثم اتجه إلى مجسم العمارة. وبعدما أعلمه مايا عن الطابق الذي يمكث فيه والدا إياد، أخرج قداحة من جيبه وأضرم نارها على ذلك الطابق، ثم ابتعد ليرى بوضوح ذلك الطابق وهو يحترق بنيران ملتهبة، تعبر عن حرارة نيران صدره التي أُخمدت بالفعل، وأصبح لا يطيق العودة من سباته ليرى نتائج قوته. ونتائج قوته هي ليلة ظن الناس فيها أنها بداية يوم الفزع الأكبر. زلزال بدرجة ثمانية ريختر ضرب ذلك الحي بأكمله، أدى إلى دك كل المباني فيه ودفن ساكنيها تحت أنقاضها وهرس أجسادهم. دُكّت المنازل، المتاجر، المقاهي، المراكز العلاجية والدراسية. كل شيء تم تدميره بالكامل. كل رمز من رموز الحياة في هذا الحي تم محوه. والمعجزة تكمن في شعور بقية الأحياء ومصر ككل وما حولها بشدة ذلك الزلزال، ولم يُصب أحد منه، ولم تسقط حجرة واحدة سوى في ذلك الحي تحديدًا. مات الآلاف جراء هذا الحادث، منهم والدا رحمة اللذان لم يجدا فرصة للاستمتاع بمال جسد ابنتهما، ونجا الآلاف الآخرون في المقابل. ويبدو أن مايا قام بمجهود كافٍ لنجاة الأبرياء حسب وصف نوح لهم. وفي اللحظة ذاتها، شقة والدي إياد أضرمت فيها نيران عنيفة وخارقة لم يستطع رجال الإطفاء إخمادها. وكما أُضرمت وحدها، فخمدت وحدها بعد تفحم الوالدين إلى حد الرماد. كانت ليلة مفزعة تحوم في سمائها بين الغيوم صيحات هلع المواطنين. وبعد أن علما كل من أشرف ورشا بهذا الأمر، أصبحا يهابان نوحًا بشكل عظيم. بعد الآن، سيحذر الجميع من طرفة عين نوح. الكل سيهاب قيلولته، سيحذر الجميع من احتدامه وسخطه، من حزنه وحسرته، من غمه وهمه؛ فنومه بعد مواجهته لتلك المشاعر سيؤدي إلى هلاك الجميع بدون استثناء. إن أغمض عيناه وهو عازم على شيء، سيحدث حتمًا. لهذا يبتغي مايا أشد الابتغاء في موت نوح. إن كانت هذه قوته عند الموت الأصغر، فكيف ستكون قوته عند الموت الأكبر؟ *********** صباح ذلك اليوم، كان قد تعافى معظم الشعب من فجعته من الزلزال ما عدا الحي الخاص برحمة. الأخبار عنه كانت مفجعة ومقبضة، ولكن بجانب حدث الزلزال، ظهرت نيران مجهولة فجأة في إحدى الشقق واختفاؤها فجأة. ويوجد خبر مفجع ثالث عن وجود جثة لشاب في الثلاثين من عمره داخل إحدى استوديوهات التسجيل. بالطبع كان محمد حبيب غادة السابق. كانت جثته مشوهة إلى حد عظيم؛ عيناه ولسانه منزوعان، وأطراف جثته كذلك تم قطعها بنظام الشد وفك المفاصل، بجانب أن معظم جلده تم سلخه، والكسور والحروق في جسده. وقيل من الطب الشرعي إن محمد واجه كل هذا التعذيب وهو على قيد الحياة. يبدو أنه واجه جحيمًا لا وصف له. حين كان يتم الإعلان عن خبر محمد، كان كل من نوح وغادة وهاجر جالسين في الصالة بعد أن تناولوا وجبة الفطور. فور أن رأت غادة هذا الخبر، اقشعر بدنها لحد الألم حتى شعرت بأشواك تعرز في مسام جلدها. بردت دماؤها وشعرت أن قلبها يضخ دماء مثلجة، ولا إراديًا وضعت غادة يدها على قلبها من الألم الذي شعرت به. نظر نوح لها وهو يقول لها بنظرة ونبرة يعتليهما المكر: _مالك يا حبيبتي، في حاجة؟ نظرت إليه وقد شحب وجهها بشدة وقالت له: _لا مفيش... بس الوصف خلاني أضايقت شوية، معرفش مين ممكن يعمل كده. أومأ نوح برأسه وأمسك بجهاز التحكم وغيّر القناة، لتقول هاجر وهي تحملق في أخيها بشك: _أظن نوح ممكن يعمل كده. التفتت غادة لهاجر بعينين متسعتين من شدة ذعرها، ثم ضربتها في كتفها لكي لا تجعل نوح يشك. المسكينة لم تكن تعلم أن نوح يعلم كل شيء. نظر نوح لغادة وقال: _بتضربيها ليه كده؟ في إيه؟ _ا.. أصل ليه تقول حاجة زي كده يعني؟ أنت مبتعملش الحاجات دي يعني... م.. ممكن يكون أدهم أو حاجة... قال نوح بتهكم: _أدهم آه. بعدها نهض نوح واتجه لغرفته ليغيّر من ملابسه ويذهب لعمله. وبعدها قالت غادة بنبرة خافتة تود أن تصيح في وجه هاجر: _ليه قولتي كده يا هاجر؟ أنا قلبي كان هيقع بين رجلي. أقسم بالله لو نوح عرف بعلاقتي مع محمد زمان مش بعيد يعمل فيّا اللي حصل في محمد ده. قالت هاجر ببرودها واستخفافها المعتاد: _غادة، إنتِ بتبالغي. لو نوح عرف مش هيعمل حاجة، وبعدين أنا كنت بهزر لأن نوح امبارح الفجر نزل فجأة من غير ما يقول لنا. _ما أكيد هينزل يا هاجر، تلاقيه اتخنق من البيت ومن نفسه لما شاف إن محدش فينا حب يقعد معاه. الحمد لله إنه رجع سليم من غير ما يعمل في نفسه حاجة. في تلك اللحظة خرج نوح إليهم بحقيبته وهو يقول: _أنا خارج، حد عايز حاجة؟ قالت هاجر: _متنساش هنزور مصطفى النهارده بعد العصر. _متقلقيش، مش ناسي. كانت غادة تنظر إلى نوح وإلى شعره تحديدًا، فالتفت لها لتشيح بنظرها. نعم، فما زالت غادة تمتنع عن التقرب من نوح وتستمر في مخاصمته منذ الليلة الماضية، وهو يعلم ذلك. _مش عايزة حاجة؟ عادت ونظرت إليه ولم تَطِق كبح الأمر وقالت: _شعرك. _شعري؟ _أنت مش مسرّح شعرك، روح سرّحه، شكلك وحش. ابتسم نوح بابتسامة خفيفة بها تحدٍ: _ماليش خلق، لو عايزة تسرّحيه إنتِ زي ما بتعملي دايمًا اتفضلي، مش همنعك. كان يأمل نوح أن تفعلها لتثبت له أنها سامحته، ولكن بصعوبة قالت له: _لا، مش هعملك حاجة، خلاص، أنت حر. اختفت ابتسامته ثم أومأ برأسه حين أيقن أنها لن تسامحه بتلك السهولة. بعدها سلّم عليهما وخرج. وبعد مدة، قررت هاجر أن تخرج هي أيضًا وتذهب لمصطفى، فهي تستمر في زيارتهم ومساعدتهم حتى بعد عودته. ثم دخلت غادة غرفتها وبدأت في المذاكرة والدراسة. وأثناء ذلك، يقود نوح سيارته وهو يشعر بإعياء ودوار شديد يحاول مقاومته. منذ أن قام بفعلته تلك واستيقظ من سباته، والصداع يطرق في عقله كالإزميل القوي، والإعياء متشبث بمعدته. ضربات الصداع في عقله تساعد على اشتداد الدوار أكثر، مما يزداد معه ثقل أنفاسه. ~قولتلك هتتعب. أنصحك تلغي دروسك النهارده لأنك مش هتستحمل تكمل لبقية اليوم. قال مايا تلك الجملة بنبرة بها تشفٍ طفيف. مسح نوح على وجهه وهو يحك عينيه وقال بصوت مرهق: _إزاي أخلي الإحساس ده يروح؟ أنا فطرت كويس ونمت كويس. ~الموضوع مالوش علاقة بصحتك، ليه علاقة بروحك بشكل عام. لو مت مكنتش هتحس بكده. _ده أنت لو عدوي مش هتتمنى موتي بالشكل ده. أثناء قيادته لمح متجرًا للمجوهرات الأصلية الفاخرة. فور أن أبصره، لم يتردد في أن يتوقف بسيارته ويتجه إليه، عازمًا على أن يُرضي غادة ويجعلها تسامحه بأي طريقة. وفي الأثناء ذاتها، بينما تقوم غادة بعمل واجباتها والمذاكرة بجد، سمعت رنين جرس الباب. لم ترَ ريبة بخصوص هوية الطارق، فنهضت بتلقائية معتقدة أنه هاجر أو أحد الجيران أو حارس العمارة. ولكن حين أبصرت من عين الباب، اكتشفت أنها شهد. تنغصت غادة وأقلقت الريبة قلبها، لكنها اضطرت أن تفتح الباب. وبعد أن فتحته، استقبلتها شهد بابتسامة عريضة: _إزيك يا حبيبتي، عاملة إيه؟ _الحمد لله يا شهد... سكتت شهد وسكتت غادة، ودار بينهما صمت لمدة قصيرة وتبادلتا نظرات حذرة، لتقول شهد: _مش هتدخليني ولا إيه؟ سألتها غادة بتكدر، غير راغبة بدخولها: _إنتِ عايزة تخشي؟ ضروري يعني؟ _آه طبعًا، أومال جايالك ليه؟ أومأت غادة برأسها في استسلام ويأس وأدخلتها. وبعدما دخلت شهد وأُغلق الباب وجلستا سويًا، بدأت شهد تسألها عن حالها، وخصوصًا عن علاقتها بنوح وكيف يعاملها أو ما شابه. _الحمد لله يا شهد، بتسألي ليه في الحاجات دي؟ مش عيب برضه؟ _يا بنتي مش قصدي حاجة، أصل اللي حصل لمحمد برضه صعب أوي، الله يرحمه. قولت أجي أتطمن عليكي، الحمد لله إنك كويسة ومعملكيش حاجة لسه. تبدلت ملامح التبرم والغم في وجه غادة إلى ملامح الهلع والذعر تدريجيًا، لتسألها غادة بنبرة مرتجفة: _مش فاهمة، إيه دخل نوح بمحمد وبإني كويسة؟ إنتِ بتقولي إيه على الصبح؟! قالت شهد وهي تدّعي الذهول والخبث يطفح من عينيها ولسانها: _إيه ده؟ هو مقالكيش؟ قالت غادة وقد ارتفع صوتها فور أن ازداد هلعها: _مقالكيش إيه يا شهد؟؟!! قالت شهد بأعين لامعتين من شدة حماسها: _أصل أنا عرّفته بعلاقتك بمحمد زمان، ووريتله صورك اللي كنتِ بعتاهاله، ووريتله رسايلكم القديمة معاه. على فكرة أنا معملتش كده من نفسي، أنا بس عرفت إن محمد كان مهدد يفضحك، فقولت أقول لنوح بقى وخلاص ما دام إنتِ كده كده مفضوحة. كان حديث شهد كالصاعقة التي ضربت عقلها وجعلتها مشلولة. لم يكن كخناجر منصهرة تطعن في صدرها وقلبها، ولم يكن كالنيران الملتهبة التي أحرقت روحها رمادًا؛ كان حديثها أبشع وأكثر ألمًا من كل هذا. لم تشعر غادة بذلك الشعور قط في حياتها. وقفت غادة وهي تحملق في شهد، ولم تعد تشعر بالدماء في جسدها أبدًا، لم تعد تشعر بنفسها من الأساس. ظلت تردد غادة بأعين جاحظتين وبصوت فهي تهدج: _إنتِ بتهزري صح؟ إنتِ بتهزري، إنتِ بتهزري، إنتِ بتهزري!! وقفت شهد وهي تقول بكل ثقة: _لا يا بنتي والله، أهزر ليه؟ متترعبيش أوي كده، هبقى أكلمه عشان أخليه ميعملش فيكي حاجة، ويكفيه يطلقك بس. في هذه اللحظة، لم تعد غادة تطيق كظم غيظها. لطالما كانت كظيمة منذ نعومة أظافرها؛ تحملها لمعاملة أمها، محاولة التأقلم مع اختفاء أخيها، الصبر على أذى عمتها وابنتها شهد، الهروب من ذلك المجنون محمد وتجاهل تهديداته المستمرة، الصبر على بغض أبيها لها وكبح حنقها كل مرة تراه يعتني ببناته في ترف، تحمل جنون نوح وانفجاره فيها في كل مرة. ضاقت بالأمر ذرعًا، ولم تعد تتحمل تلك التراكمات أبدًا، وحديث شهد الأخير هو القشة التي قصمت ظهر البعير. تبدل لون بشرة غادة البيضاء إلى الأحمر من عظمة احتدامها، ولمعت عيناها الجاحظتان المستشيطتان، وبكل قوتها، بيديها الاثنتين أمسكت غادة بعنق شهد وهي تعصره وتصيح في وجهها بسخط عظيم: _أنا تعبت منكم، أنا تعبت منكم، أنا تعبت! سيبوني في حالي!!! سيبوني أعيش، حرام عليكم سيبوني أعيش! سيبيني أعيش يا ***** يا بنت الـ *****! أقسم بالله لأقتلك يا *****! أقسم بالله لأقتلك وأفصل راسك عن جسمك يا *****! إنتِ دمرتي حياتي أكتر ما هي متدمرة يا وسخة! وربنا ما أسيبك إلا لما روحك تطلع من جسمك! أنا تعبت منكم!!!! من قوة خنق غادة لشهد وغضبة كفيها على عنقها، فقدت شهد الإحساس بقدميها لتسقط على ركبتيها وهي تحاول أن تنجو وتبعد يدي غادة المتشبثتين بعنقها حتى كادت أن تغرز أصابعها داخل حلقها. ازرق وجه شهد وبدأ جسدها في التراخي، لتردد غادة بشكل هيستيري: _موتي، موتي، موتي، موتي، موتي! خلصيني منك وموتي!!!! ما لا تعلمه غادة أن نوح قام بإلغاء درسه وقرر العودة للمنزل، ليرى هذا المشهد أمامه. فتح نوح الباب دون أن تلاحظ غادة، حيث كان خلفها، وظل يشاهد هذا المشهد بابتسامة خفيفة على شفتيه، كما لو كانت ابتسامة فخر وشماتة: ~متسيبهاش تقتلها، غادة مش هتستحمل تشيل ذنب زي ده والموضوع هيبقى تقيل عليها. وافق نوح مايا، وحين لاحظ أن روح شهد على أعتاب الخروج، قرر أن يتدخل. وفور أن أقدم عليه ورأته غادة، ابتعدت في الحال وهي تحدق فيه بذعر، ولكن رغم ذلك قال لها بهدوء: _اهدي يا غادة، مش عايزك تخافي. هرعت غادة إلى داخل غرفتها دون الإنصات إليه، أما شهد فكانت تسعل بقوة شديدة. وحين انتهت من سعالها، وقفت وكادت أن تتحدث وتشتكي له، ليمسك نوح بذراعها وهو يقول: _إنتِ تحمدي ربنا إني سيبتك تعيشي، ولو مش عايزة نهايتك تبقى زي محمد، متوريناش وشك ولا تسمعينا صوتك ده أبدًا. يلا اطلعي برا! جذبها إلى عند الباب وفتحه ودفعها خارج البيت وطردها بشكل مهين، ثم أغلق الباب في وجهها. وهنا سمع صوت نحيب غادة الشديد، فاتجه إلى غرفتهما ووجدها قد ارتدت ملابسها بالفعل وبدأت تلملم أمتعتها في حقيبة سفر بسرعة أثناء بكائها. _بتعملي إيه؟ لم تجبه غادة واستمرت في البكاء، ليردف بقوله: _هتهربي؟ ماشي، أنا هساعدك بس مش محتاجة تلمي هدومك كلها. يلا تعالي. اقترب منها ليمسك بيدها، فابتعدت عنه في ذعر وهي تقول: _ابعد عني! هتوديني فين؟ _مش إنتِ عايزة تهربي؟ تعالي هوصلك. _هتوديني فين؟! _هخليها مفاجأة ليكي. شعرت غادة أن حياتها قد انتهت بالفعل، ولم يعد يوجد شيء لتكافح من أجله. انتهى كل شيء، حتى علاقتها بنوح التي كانت تجعلها متمسكة بالحياة. استسلمت غادة لنوح، ثم أمسك بساعدها برفق وجعلها تمشي معه إلى أن خرجا من البناية. اتجه إلى سيارته وفتح لها بابها وأشار لها بأن تركب، فركبت، ومن بعدها ركب هو أيضًا وانطلق. لم تتوقف غادة عن البكاء بحرقة وهي جالسة، متحسرة على حياتها وعلاقتها بنوح، متحسرة على ما سيحدث لها من نوح. لا تعلم إلى أين هو يأخذها. وحين مر الوقت ولاحظت أنه يبتعد عن القاهرة تمامًا، قالت له بصوت واهن باكٍ: _إنت موديني فين؟ على الأقل عرفني. _هنبعد عن الناس والعالم.
ROMISAA