الأسر المعنوي ١

الأسر المعنوي ١

38 0

٨٤ في خنادق الحرب التي حُفرت بقوة قائد ثابت الجنان، كان وليد يقود دراجته بأقصى سرعة ممكنة، متجهًا إلى مقر "ذود". كان أشبه بطلقةٍ مندفعة في مهب الريح، لا يعرف التباطؤ، ولا يكترث للإرهاق الذي ينهش جسده الذي يئن من وطأة الطريق الطويل، لكن عزيمته ظلت مستعرة كنارٍ لا تخمد. عروقه تضخ الأدرينالين، وعيناه متسعتان كأنهما تطاردان الزمن نفسه. بعد ساعات، وصل وليد إلى المنفذ، وضع دراجته وصعد السلم، كانت أنفاسه لهاثًا متسارعًا، وعرقه يسيل على جبينه، يختلط بالغبار الذي التصق بملامحه. فتح الباب العلوي، الذي كان بداخل حافلة مهجورة اتخذها "ذود" كبوابة للدخول إلى الخندق. خرج وليد واتجه إلى باب الحافلة، فتحه وهرع راكضًا إلى إحدى الدراجات الخاصة بهم، وانطلق بأقصى سرعته مجددًا. لم يكن لديه متسع من الوقت للترويح أو التقاط الأنفاس، فكل خلية في جسده تصرخ به ليكمل طريقه. لم يركن لدراجته إلا ليعتلي أخرى؛ فالسرعة وحدها هي طوق النجاة من ثقل الأخبار التي يحملها. انطلق وليد من الواحات الخارجة إلى معسكر "ذود"، ولم يستغرق الأمر منه سوى ساعاتٍ قليلة. كان يقود الدراجة على مطلع الشمس، لذلك بدا أنه وصل بعد صلاة الفجر. عند وصوله إلى المقر، بدأت كلاب الحراسة في شمه وتفتيشه، وبعدها وضع دراجته وركض مباشرة إلى مكتب مصطفى. وقف أمام الباب، يطرق عليه مرارًا وتكرارًا في استعجالٍ شديد: _مصطفى باشا! مصطفى باشا! افتح، ضروري! أرجوك، افتح! كان اندفاعه أعمى، لا يرى سوى وجهةٍ واحدة، ولا يسمع سوى ضربات قلبه التي تصخب في صدره. لم يكن ارتطام قبضته بالباب طرقًا فحسب، بل كان إعلانًا عن اضطرابٍ لا يُحتمل، عن كلماتٍ تتزاحم خلف شفتيه، تنتظر أن تخرج قبل أن يفوت الأوان. ازدادت طرقاته، ولم يُجب أحد، فقرر أن يفتح الباب، فالأمر لا يستدعي الانتظار. لكنه لم يكن يعلم أن من بداخل المكتب لم يكن مصطفى، بل سعدية، التي لم تسمع الطرقات بسبب مشكلة الصمم لديها. وفور أن فتح الباب، وجد أمامه فتاة في سنه تقريبًا، ذات شعر بني داكن، لم يرَ سوى ظهرها، حيث كانت واقفة تمسك كتابًا من مكتبة مصطفى وتقرأه بشغف. تحجر وليد تمامًا وهو يحدق في الفتاة، وقد نسي ما أتى لأجله من عِظم دهشته بوجود فتاة مجهولة هنا من الأساس. وبحركةٍ تلقائية، التفتت سعدية لتُصدم بوجود فتى واقف أمامها يحدق إليها. كانت عيناها الزرقاوان كما لو أنهما أطلقتا شعاعًا قام بتجميده أكثر. فُتن وليد بجمالها وبريق عينيها المرهقتين، لم يطرف خشية أن تختفي، فقد أيقن أنها جنية جميلة ظهرت لتربت على قلبه المنهك. ولكنها لم تربت أو تفعل شيئًا، بل اتسعت عيناها في صدمة، وأسقطت الكتاب، وهرعت في ذعر وسرعة إلى داخل الغرفة الداخلية، وأغلقت الباب بالمفتاح، وصدرها يعلو ويهبط بفزعٍ شديد، وكأنها هربت من عزرائيل مثلًا. كانت تلك المسكينة تحمل في قلبها ذعرًا من أي رجلٍ عدا أخيها وعمها. أما وليد، فمن شدة حيرته وصدمته، لم يفعل شيئًا سوى أنه خرج وأغلق الباب واتجه مسرعًا إلى مطعم المعسكر. عند وصوله، وجد الجنود يأكلون وجبة الافطار، فاتجه إلى مجموعةٍ عشوائية، قائلًا: _عايز الشيخ مصطفى ضروري، روحت لمكتبه ملقيتهوش، ولقيت فيه واحدة غريبة كده! ما إن نطق بذلك حتى وثب كل من سمعه من الشباب واتجهوا إليه في تلهف، ينهالون عليه بوابلٍ من الأسئلة: _إنت شوفتها؟ جميلة؟ _هي سبيّة فعلًا ولا إيه؟ _اوصفهالنا! شكلها عامل إزاي؟ _كلمتها؟ سمعت صوتها؟ _عرفت هي عنده ليه؟ بتعمل إيه؟ _الدكتور حمدي الوحيد اللي شافها، ومن ساعتها مش بتفارق خياله! _عايزين نعرف هي سبية ولا لا عشان نتمتع بيها بقى! _يا عم مش سبية، عيب اللي بتقوله ده! خلاص بقى، مينفعش كده! _آه يا عم، شيل الفكرة دي من دماغك واتقِ الله! من تزاحم الأسئلة والشباب حول وليد، ظل يحدق فيهم مشتتًا ومضطربًا، لا يستطيع التقاط سؤال واحد ليجيبه. وفي تلك اللحظة، دخل ياسر وهو يصيح آمرًا إياهم بالسكوت والجلوس في أماكنهم. وبعدما أطاعوه وتركوا وليد وشأنه، أتى ياسر إليه متعجبًا: _وليد! إزاي تيجي هنا؟ _كان الحل الوحيد يا باشا، لازم أشوف مصطفى... في حاجات كتير قوي حصلت وهتحصل. _مصطفى مشغول دلوقتي مع الكشف على الجواسيس، تعالى مكتبي وقولي كل حاجة. أخذه ياسر إلى مكتبه، وحين جلسا قال وليد: _كاجويا... واحدة من نواب أدهم، قتلت أبويا، وبعد ما قتلته، أخدتني لأدهم، بس أنا عرفت أهرب منه. وقبل ما تاخدني، عرفت إن نور قرر خلاص يقصف القاهرة والجيزة، بس ملحقتش أعرف إمتى، لأن الملعونة دي أخدتني وقتها. هيستخدموا الأسلوب ده... وقتها هتعملوا إيه؟ ناس أبرياء كتير هيموتوا في أي لحظة! اشتد القلق في عيني ياسر، وعقد حاجبيه قائلًا: _يعني خلاص... نور بقى القائد الوحيد للميليشيات، ويقدر يتحكم فيهم وقت ما يحب؟ أومأ وليد برأسه في استياء، فنهض ياسر مسرعًا ليبلغ مصطفى بهذا الخبر. وفي غرفة المراقبة التابعة للغرفة التي تحقق علا فيها مع الجنود... وقف كل من مصطفى، وإسماعيل، وجمال، بصحبة علا، التي كانت تحدثهم عن الجواسيس الذين أخرجتهم من إحدى الكتائب التابعة لجنود جمال. أنهت علا التحقيق في تلك الكتيبة، فقامت بتجميع أسمائهم لتعرضهم عليهم. كانوا خمسين جاسوسًا، قامت علا بكتابة أسمائهم، وبينما كان مصطفى واقفًا يقرأ الأسماء، كانوا يتناقشون في العقوبة المحددة لهم. قال إسماعيل: _أظن القتل هيبقى أنسب ليهم. قال جمال: _ممكن نقتل جزء ونسيب جزء، ونشغلهم عندنا جواسيس من غير ما الطرف التاني يعرف. قالت علا متعجبة: _هو حلال إنهم يتقتلوا ولا إيه؟ رد جمال ببرود، وبنبرة توحي بكبح غضبه، دون أن ينظر إليها: _دول مرتدّين!.. حلال فيهم أي حاجة. حاول إسماعيل تهدئته قائلًا: _مش أوي برضو... وحين انتهى مصطفى من قراءة الأسماء، قال: _لازم نفكر بطريقة تخلي بقية الجواسيس في الكتائب التانية ييجوا لحد عندنا برجليهم، لأني مش هقعد علا كل المدة دي تحقق في كل كتيبة وكتيبة. همس جمال لمصطفى: _صحيح يا شيخ... أنا عمري ما شوفتها بتنام! أربع وعشرين ساعة بتحقق، المفروض ترتاح بصراحة. نظر إليه مصطفى متعجبًا من اهتمامه بها، فارتبك جمال وأشاح ببصره معتذرًا، قبل أن يردف مصطفى قائلًا: _إحنا ممكن نعمل الخطة بتاعت جمال... نقتل مثلًا تلاتين، ونسيب عشرين بشرط إنهم يطلعوا الجواسيس التانيين، أو يتجسسوا لينا. قالت علا باندهاش، وقد بدا على ملامحها ونبرتها عدم الرضا: _هتقتلهم يا مصطفى بجد؟ نظر إليها مصطفى بجمود: _إحنا في حرب يا علا، الناس بتموت عادي... خصوصًا الخاين منهم، اللي بيخدم واحد كافر، بيساعد في قتل واغتصاب الأبرياء. في تلك اللحظة، دخل ياسر إليهم بخطوات سريعة ونظرات عازمة على قول مصيبة. قال مصطفى مستعدًا لأي شيء: _خير يا أستاذ ياسر. _وليد جه لهنا وهو هربان، وبيقول إن نور هيقصف القاهرة والجيزة قريب. شعر مصطفى للحظة أن الزمن توقف حوله، وانحبست أنفاسه في صدره كما لو أن تقلصت رئتين. القاهرة التي بها كل احبابه، خطر داهم يلوح كأيادٍ جبارة تمتد لتدكّ عالمه. شعر بجسده يتيبس، لكن عقله انطلق بسرعة، يحلل، يحسب، يحاول السيطرة على طوفان الذعر الذي يهدد بابتلاعه. لا مجال للانهيار الآن. عليه أن يتحرك، أن يفكر، أن يجد طريقًا للنجاة قبل أن تتحول المخاوف إلى كابوس متجسد. رغم وطأة الخبر، فقد تماسك مصطفى بقوة اليقين الراسخ في قلبه. لم يكن خوفه أقل من أي أب يخشى على أسرته، لكن إيمانه بأن الأمر كله بيد الله كان درعه الحصين. صوت الايمان في عقله يذكره بأن الفزع لن يغير القدر، بل السعي والتدبير مع التوكل. تنفس بعمق ليطرد عن صدره ثقل الذعر، وعاد عقله للعمل بصفاء، يبحث عن السبيل لإنقاذ من يحب، مستعينًا بالقوة التي يمنحها الإيمان لمن يثق في رحمة الله وعدله. ثم قال لجمال: _جمال، النهاردة هنسافر القاهرة، انا هسافر الأول لوحدي وبعدين اول ما تشوف خبر القصف الحقني وجيب كتيبة من عندك. وقفت علا وهي تقول بقلق: _مصطفى، إيه الخطة اللي في دماغك؟ _مش عارف... نروح الأول، بعدين نخطط. قال جمال محاولًا لم شتات عقل مصطفى: _أنا تحت أمرك، بس الأحسن إننا نروح عشان هدف قوي يكون لصالحنا في الحرب. ظل مصطفى صامتًا، يعمل النظر، يتدبر، يتفكر بعمق، إلى أن قال: _هنبدأ ناخد أسرى.                         ************ تجلس شيماء في صالة منزلها التي اتخذتها غرفة لها، على الأريكة التي لامسها عمر لآخر مرة، يحوطها صمت ثقيل يدل على امتداد لغيابه. عيناها معلقتان بباب مغلق. الأيام تمضي متثاقلة، تفعمها ظنون لا تهدأ، وساعات الليل تطول بلا إجابة. فجأة، انقطع سكونها على صوت رنين قصير لهاتفها يدل على وصول رسالة. ارتجفت أناملها وهي تفتحها، وقلبها يخفق بين خوفٍ ورجاء. رأت ما كانت تخشاه بطريقة غير مباشرة؛ فقد كان رقم مجهول قد أرسل لها صورة لعمر وهو في غرفة أدهم، مكبلة قدمه، نائم على السرير. تليها رسالة: <تجيبي مريم عند العنوان اللي هنبعتهولك، هنرجعلك عمر.> بدأت شيماء تلطم وجهها وتضرب فخذها من شدة الذعر وهول الورطة التي كبكبت على رأسها فيه، ليصلها من المجهول رسالة جعلتها تتجمد حتى كادت عظامها تتحول إلى جليد: <بطلي لطم وضرب على فخادك.> ظلت تلتفت حولها بأعين جاحظة في ذعر عظيم، ليتم إرسال رسالة أخرى بعنوان محدد، ثم رسالة أخرى تقول: <لو عدى يومين ومجيبتيش مريم المكان دا، مش هتشوفي عمر تاني... ولا اللي في بطنك هينزل حي.> حدقت في هاتفها بعيون شاخصة، وكأنها تنتظر أن يعود الزمن للوراء، حيث لا وجود لهذه الرسالة بعد، أن تتلاشى الكلمات كأنها لم تكن. لكنها بقيت هناك، جامدة، صارخة بقدر ما هي صامتة، تحمل في طياتها حكماً قاسياً لا فكاك منه. لو تأخرت، فستفقد عمر إلى الأبد، وستزهق روح لم ترَ النور بعد. ولو استجابت، فسترسل مريم إلى حتفها، بيديها. كان القرار قد حُسم، ومع ذلك، شعرت كأن روحها تنسلخ عنها ببطء. لم يكن الألم جسدياً، بل كان أعمق، تمزّقًا داخليًا كمن يُجبر على اقتلاع جزء من ذاته، فهذه ليست طبيعة شيماء الحساسة الساذجة، يجب عليها الآن اقتلاع حساسيتها لتنقذ عائلتها. لم تعرف كيف ستمسك بيد مريم الصغيرة وتسير بها، كيف ستنظر إلى عينيها، كيف لن ترتجف يداها وهي تقودها إلى الهلاك. لكنها ستمضي، ليس لأنها تريد، بل لأنهم أجبروها، لأن العالم قد ضاق حتى لم يعد لها مهرب. وعزمت شيماء الأمر في ضعفٍ واستسلام... ستأتي بمريم اليوم.                            *********** كانت نجلاء تمضي أيام حملها في خليط من الترقب والتعب، تعيش بين قداسة الأمومة التي تتجذر في أحشائها ووطأة الشوق لمصطفى، الرجلِ الذي غاب في لجج الحرب منذ خمسة أشهر. حملها لم يكن مجرد تجربة جسدية، بل رحلة إيمانية تتقلب بين الصبر والاحتساب. امرأة بسيطة تحتفظ بروح داخل رحمها، وسرٍّ عظيمٍ بداخل عقلها، سرّ يكمن في ابنتها مريم، التي كانت تتنقل حولها كفراشة، تسأل عن المولود القادم، تضع يدها الصغيرة على بطن أمها، وتبتسم كلما شعرت بركلة صغيرة. كان الإعياء يتغلغل إلى جسدها كظلٍّ ثقيل لا يفارقها؛ فالحمل يرهقها، يسرق من قوتها شيئًا فشيئًا، يثقل خطواتها، ويرهق ظهرها الذي بات يأبى احتمال هذا العبء المتزايد. كانت تستيقظ كل صباح بجسدٍ مُثقَل، تشعر بأن النوم لم يكن كافيًا بل كان حربًا أكثر من كونه ملاذ للراحة. الغثيان لم يعد مقتصرًا على الصباح، بل صار ضيفًا ثقيلًا يلازمها في لحظاتٍ غير متوقعة، تحديدًا ان النهم العصبي الذي هي مصابة به يجعلها تجبر على التقيؤ المستمر. أما التغيرات المزاجية، فكانت معركتها الصامتة. هي تدرك أن غياب مصطفى هو ما يجعلها أكثر هشاشة، فلو كان بجوارها، لكان حضوره سدًّا يحميها من لحظات الانهيار، يربت على كتفها حين تثقلها الوحدة، ويستمع إلى شكواها حين تخشى أن تعترف بها لنفسها. لكنها كانت وحدها، بين شوقٍ يتعاظم كل يوم، وخوفٍ يزحف إلى قلبها دون استئذان. كانت هاجر وغادة وعلا يحيطن بها بعنايةٍ لا تخلو من الحب، يحرصن على ألا تبذل جهدًا فوق طاقتها، يجهزن لها الطعام الذي تشتهيه، ويساعدنها في أعمال المنزل، وتذهب إلى العيادة بصحبة هاجر، تتابع مرضاها، تقدم لهن المشورة، وتستقبل حالات الولادة رغم تعبها؛ فمهنة الطب جزءًا لا يتجزأ من روحها، إنها الوسيلة التي تستشعر من خلالها عظمة الخلق، وتزداد يقينًا أن الحياة تستمر رغم الحروب. ورغم أن بطنها يزداد ثقلًا يومًا بعد يوم، لم تتراجع نجلاء عن أداء رسالتها في مداواة النساء، بل كانت تجد في عملها امتدادًا لمعنى الأمومة الذي تعيشه. لم تكن طبيبةً فحسب، بل ملاذًا لكل امرأةٍ تستعد لاستقبال طفلها، ولم يكن بطنها المنتفخ عائقًا، بل كان رابطًا خفيًّا بين قلبها وقلوب من تخدمهن، كأنهن جميعًا يسرن معًا على طريق الأمومة. كان بعضهن ينظر إليها بإعجاب: كيف لطبيبةٍ حاملٍ أن تمنح الطمأنينة بهذا اليقين، وهي التي تعاني ذات الأوجاع؟ لكنها لم تكن تراها معاناة، بل امتدادًا لقدرٍ جميل، قدرٍ يجعلها تشعر بكل نبضةِ ألمٍ لدى مريضاتها وكأنها نبضتها. أيام نجلاء تمضي في نسقٍ رتيب لكنه مثقل بالمشاعر، تصحو مع الفجر، تُصلِّي بخشوع، تقرأ صفحاتٍ من القرآن، تدرس العلم الشرعي، ثم تبدأ يومها بين ابنتها ومرضاها، تتكئ بجسدها حين يرهقها الثقل، وتستجمع صبرها حين يغمرها الحنين. لياليها كانت طويلة، مزيجًا من السهر على راحة ابنتها، وتقلبات الجنين في أحشائها، والرسائل التي لم تصل من زوجها البعيد. وفي عيادتها، بينما كانت هاجر جالسةً عند الاستقبال، دخلت فلوريان، صاحبة الشعر المجعد والعيون اللطيفة، مرَّت بين النساء المنهكات، وحديثي الزواج المتحمسين لمولودهم الأول، والمراهقات مع أمهاتهن، ليكشفن على صحتهن الخاصة. وصلت إلى الاستقبال حيث هاجر، وسلَّمت عليها، ثم قالت بعجالة: _إزيك يا هاجر؟ إيه الضفاير الحلوة دي؟ المهم، أنا محتاجة أتكلم مع نجلاء ضروري، الموضوع مش هيأخد خمس دقايق، ممكن؟ _ده بخصوص اللقاء بتاع النهاردة؟ _لا، مش اوي... بس أنا مش عارفة هي ليه اشتغلت النهارده؟ المفروض تجهز من دلوقتي. _آه، أنا وقفت الحجز اليوم، ده كل اللي قاعدين دول حاجزين من امبارح، وهي هتخلصهم على السريع وتبدأ تجهز. بصي، أول ما اللي جوه تخلص، ادخلي انتِ، بس ياريت ما تطوليش. _حاضر، متقلقيش. جلست فلوريان في انتظار نجلاء، إلى أن انتهت المريضة بالداخل، فوثبت فلوريان بسرعة ودخلت إلى نجلاء. اندهشت نجلاء بقدومها، ورحَّبت بها وأجلستها، بينما قالت فلوريان: _بصي، أنا مش هطول عليكي، بصراحة، أنا جِيت أسألك عن حاجة موريس مقدرش يسألها لمصطفى. قالت نجلاء بقلق: _خير؟ في حاجة تخص اللقاء؟ _لا... لا... حاجة تخص نور... اللي هو نور الديب ده، هو ده أخو مصطفى فعلًا؟ ظهر الارتباك الخفيف في عيني نجلاء، وهي تقول لها: _لا... أكيد لا... _ طب متعرفيش مين هو نور ده؟ لأن أكيد الابن الأخير لأدهم يكون أخويا برضو، والاحتمال الأكبر تكون بنت كمان. _ليه بتقولي كده؟ _ عشان أنا شوفت أدهم بعيني وهو بيتهجم على أمي، وشوفت أمي وهي بتحمل منه وبتخلف منه كمان. بس المشكلة إن أول ما خلفت، أنا ما شوفتش أختي، وحتى محددوش لنا هي بنت ولا ولد، المعظم قال بنت، وفيه اللي قال ولد. ماما ماتت بعد الولادة دي، وموريس من وقتها مش عايز حاجة غير إنه ينتقم، بس أنا برضو عايزة أعرف مصير أختي. ظلت نجلاء تحدق في فلوريان بشدة، من صدمتها وذهولها الشديد، ومن شدة أفكارها المشتتة قالت بثقة: _مستحيل تكون هي أمها! تعجبت فلوريان، وهي تقول: _مستحيل ليه؟ يبقى تعرفي حاجة؟ ازدادت الربكة في عيني نجلاء، ثم أمسكت بهاتفها وأرسلت لها عنوان المركز الذي يعمل فيه نوح، وهي تقول لها: _بصي، نوح، أخوهم الكبير، بيشتغل هنا... روحي وكلميه عن كل اللي انتِ عايزاه. _طب وانتِ متعرفيش؟ لم تُجبها نجلاء، فقررت فلوريان ألا تُطيل الأمر، وسلَّمت عليها ونهضت.                            *********** رضوى تلك الفتاة التي ذاقت من الكأس ذاته التي ذاقت منه فريدة طيلة عشرون سنة، كأس المسؤولية المبدد للروح. لم تكن تدرك حجم الثقل الذي كانت تحمله فريدة على كتفيها حتى وجدت نفسها فجأة واقفة مكانها، تحاول جاهدًة أن تُسيّر حياة لم تكن مستعدة لها. الورقة التي تركتها فريدة كانت مرتبة بعناية، كأنها محاولة يائسة للحفاظ على نظام هشّ، نظام صاغته طيلة سنواتٍ من التضحية بصمت، بينما كانت تتلاشى شيئًا فشيئًا تحت وطأة المسؤولية. نعم، ففريدة لم تكن كالأم، بل كانت أمًا بالمعنى الحرفي. ففي زيارتها الأخيرة بواسطة يوسف، كتبت لرضوى كل ما يخص أشقاءها في ورقة لتسهيل طرق الاعتناء بهم، وفي كل مرة كانت رضوى تراجع الورقة لتستمر في مستواها في هذا الامتحان العصيب. في البداية، بدا الأمر وكأنه مجرد التزام روتيني: محمد يكره الرياضيات لكنه يعشق الفيزياء، ووجبته المفضلة هي المعكرونة بالبشاميل، ولديه حساسية من الفول السوداني. كريم، يهوى كرة القدم لكنه يعاني في هشاشة في المفاصل، يعاني مع القواعد النحوية، ويحب الدجاج المشوي، ويكره جميع أنواع الألبان. كريم ومحمد يتشاجران سويًا نظرًا لتقارب سنّ مراهقتهما، لذا يجب أن تحافظ على المساواة بينهما. منة، ابنة الثانية عشرة، متفوقة في كل شيء عدا الإنجليزية، وتهوى الرسم، وتحب البطاطا المقلية، وتعاني من نقص فيتامين دال. بسنت، الطفلة ذات العشر سنوات، لديها مشاكل في اسنانها واللثة، تحتاج إلى من يقرأ لها قصة قبل النوم، وتعشق الشكولاتة البيضاء. أما زياد، الطفل الصغير ذو السنوات الثلاث، المصاب بسرطان العظام، فقد كان العالم كله يدور حوله، نظام دواء صارم، زيارات متكررة إلى المستشفى، ونوبات ألم لا تنتهي. محمد وكريم ومنة وبسنت كانوا يعملون يومًا، ولكن بعدما باعت فريدة نفسها، بدأوا يستمتعون بطفولتهم ومراهقتهم. وهذا ما كان يستشري الهم والغم على روح رضوى من كثرة طلباتهم واهتماماتهم وتقلباتهم المزاجية ومشاكلهم الدراسية والاجتماعية. كل صباح، كانت رضوى تستيقظ لتواجه معركة جديدة، تجري في متاهة لا نهاية لها. محمد يحتاج إلى مراجعة دروسه، كريم تأخر عن موعد تمارينه، منة تبكي لأن الرسم لم يخرج كما أرادت، بسنت تصر على ارتداء فستان غير مكوي، وزياد يبكي بحرقة من الألم. وفي خضم ذلك كله، لم يكن لديها لحظة واحدة لتفكر في نفسها، في حياتها، في أحلامها التي لم تعد تملك رفاهية السعي وراءها. كانت رضوى تحاول استيعاب حجم ما كانت على فريدة مواجهته طيلة أكثر من عشرين سنة. كيف استطاعت؟ كيف احتملت أن تكون لهم أمًا وأختًا، معيلةً وسندًا، دون أن تشتكي؟ وتنظر إلى سرير فريدة الخالي، وكأنه بقايا حياة أُطفئت فجأة، تتساءل: أكان الأمر يستحق؟ هل كان عليهم جميعًا أن يكونوا أثقالًا على قلبها حتى دفعوها للتضحية بنفسها؟ لكن لا إجابة. فقط الصمت، والوحدة، ومسؤولية لم تخترها، لكنها الآن قد أصبحت قدرها. وبرجوع يامن في إجازته، ساندها في بعض هذه المسؤوليات، وحمل عنها جزءًا لا بأس به من الهموم، خصوصًا في أمر زياد الذي في طريقه إلى الشفاء. ولكن للأسف، الإجازة لم تكن أبدية، فسيأتي اليوم الذي سيعود فيه يامن للمعسكر. _أنت راجع؟! سألته رضوى بنبرة انفعالية صادمة حين رأته يحزم حقيبته بهدوء، كأنما لا شيء يحدث. التفت إليها وهو يقول: _راجع للمعسكر. قالت رضوى معترضة: _راجع ليه؟ مش خلاص؟ خلاص، أنت قعدت خمس شهور، كفاية، أنت أخدت حق رباب خلاص. نظر يامن إليها بضيق وهو يقول: _أنا مش هرجع إلا لما الحرب تخلص. _يامن، أبوس إيدك، اقعد معايا شوية، أنا مبقتش طايقة العيشة دي، أقسم بالله مبقتش طايقة البيت، وجودك خلاني أخد نفسي شوية، حرام كده، كل حاجة عليا كده، حراام!!! _اصبري يا رضوى، فريدة هترجع، والحرب هتنتهي، وهنرجع كلنا سوا، محتاجك تصبري. صاحت رضوى في احتدام وقد ضاقت بالأمر ذرعًا: _أصبر إيه؟؟!! فريدة مش هترجع يا يامن، فريدة خلاص راحت ومش هترجع!!! فريدة عملت فينا مقلب ومش هترجع، وأنا أقسم بالله ما هقدر أكمل عالحال ده سنة، أنا خطوبتي اتفسخت، وشغلي اللي بحلم بيه راح، بسبب عيال أنا مخلفتهمش، أنا كان ذنبي إيه من كل ده؟؟!! ظل يامن يحدق فيها بأعين باردة طيلة حديثها، وحين انتهت قال بنبرة هادئة: _أنا هاعتبر اللي قولتيه ده مجرد انفجار لمشاعرك المكبوتة طول الشهور دي، ومش هاخده على محمل الجد، يلا سلام بقى عشان ألحق أوصل للمقر. شعرت بغصة ملتهبة في حلقها، بحرقة تجتاح صدرها، لكنها لم تبكِ. كانت قد تجاوزت مرحلة البكاء منذ زمن. حدّقت في الباب الذي خرج منه يامن للتو، حدّقت للحظة طويلة منتظرة أن تظهر فريدة منه فجأة، أن تعود لتعيد ترتيب هذا الخراب، لتأخذ هذا العبء عنها. لكن الباب ظلّ مغلقًا، وفريدة لم تعد. أغمضت عينيها وأخذت نفسًا مرتعشًا، ثم استدارت لتواجه الفوضى وحدها من جديد.                           *********** _أنا بقولك، أنا متأكدة إن سَلفتي هي إللي سرقت مني الخاتم. _وعندك دليل؟ قال عصام هذا السؤال بينما كان يتكئ برأسه على كفه بضجر، يستمع لحديث الزبونة في مكتب تحقيقاته، لتردف المرأة: _ايوة عندي!، بعد ما سرقت الخاتم بتاعي بيومين لقيتها جابت موبايل جديد لبنتها، اكيد دا من فلوس الخاتم الدهب بتاعي. استنشق عصام نفسًا عميقًا من شدة تبرمه ثم قال بعدما صمت برهة: _بصي يا مدام، الحاجات اللي زي دي مبحققش فيها، انا بحقق في خطف او قتل، او قضية نصب كبيرة، انا اسف مش هقدر اساعدك. _كدة؟ هو مفيش حد بيساعد في البلد دي؟ والله انا بقعد ادعي الراجل البنفسجي يطلعلها، هو الوحيد اللي بينصفنا في البلد دي. نهضت وبخطوات مستشيطة اتجهت للباب وفتحته، لتجد امامها نوح الذي كاد ان يطرقه، مرت من امامه وهو بدوره دخل، وحين دخل وقف عصام في دهشة وسرور طفيف ومكبوح: _نوح...ازيك، انت كويس دلوقتي؟ دخل نوح بخطوات بطيئة يداه مدسوستين في جيوبه، وكأنه يحاول من خلالهم دس واخفاء مشاعره الفياضة تجاه اخيه، وهو يقول بصوت هادئ يفيض بالهم: _الحمدلله يا عصام...انا كويس، الحمدلله. اومأ عصام برأسه مبتسمًا في ارتياح وارتباك في الوقت ذاته، بعدها وقف نوح امام المكتب ووقفا كلاهما في مواجهة بعضهما، فذلك كان اللقاء الاول بينهما بعدما قام نوح بتعذيبه قصاصًا لما فعله بسلمى. عينا عصام تائهتان بين الحيرة والرجاء، كأنه يبحث عن أثر للغفران في ملامح أخيه الباردة الميتة. قلبه يضج بمشاعر متشابكة، مزيج من الخوف والترقب والأمل الخافت. وبينهما امتدت لحظة صامتة، طويلة كأنها امتداد للأشهر الخمسة التي فرقتهما. ولم يكن في نظراتهما سوى قصة غير مكتملة، فصولها كتبت بالخطايا والتوبة، بالعقاب والإنقاذ. لم يكن الغفران سهلًا، لكنه كان هناك، يتشكل على مهل، كوميض بعيد في عاصفة لا تزال تتخبط في داخلهما. نظرة نوح إلى عصام، تحمل أكثر مما يمكن للكلمات قوله. لم يكن التسامح حاضرًا بعد، ولم يكن الجرح قد اندمل، لكن بين كل ذلك، كان هناك امتنان عميق لا يمكن إنكاره. لو لم يكن عصام هناك في تلك اللحظة حيث كاد يقتله ادهم، لو لم يمد يده لينقذه، لما كان نوح هنا الآن، واقفًا أمامه، قادرًا على الشعور بأي شيء على الإطلاق. زفر بهدوء، بعدها قال بنبرة لينة: _فاضي؟ _فاضي. _طب تعالى. _على فين؟ _متخافش، هاخدك مكان طبيعي ونتكلم شوية. خرج كل منهما متجهين إلى سيارة نوح، وبينهما يدور صمت طويل، لم يكن هذا الصمت صمت قطيعة، بل كان أشبه بالهدوء الذي يسبق انبعاث الحديث مجددًا. _وانت اخبارك ايه؟ سأله نوح بينما كانا يسيران، ليجيب عصام: _الحمدلله. _لسة متصاب...الاصابة اياها؟ ابتسم عصام في استسلام وحسرة: _الحمدلله. قال نوح محاولًا تسلل القليل من اجواء الدعابة بينهما: _وهل دا غير حاجة فيك؟ يعني لسة بتحب الستات وكدة؟ ضحك عصام ثم قال: _طبعا لسة بحب الستات، هفضل احبهم واحب كل صنف منهم لحد ما اموت. تبسم ضاحكًا، بعدها وصلا للسيارة وركباها، وانطلقا إلى المنزل الذي اصبح يمكث نوح فيه بين الحين والاخر، منزل علا. يتأمل عصام الطريق أمامه بنظرات هادئة، وإن كان في داخله بقايا تردد خافت. قلبه لم يعد يثقل كالسابق، بل خفّ قليلًا، كأن وجوده هنا، إلى جانب أخيه، يطمئنه بأن كل شيء يسير نحو الأفضل، ولو ببطء. أما نوح، فلم يكن مشتت الذهن كما اعتاد أن يكون في الأشهر الماضية. رغم انه لم يكن مستعدًا لنسيان كل شيء دفعة واحدة، الا انه قرر ان يمدّ خيطًا من الأمل، بأن يفتح بابًا، ولو صغيرًا، لعودة لم يكن يظنها ممكنة من قبل. كانت هناك مودة صامتة متبادلة بينهما، مودة لم تكن بحاجة إلى كلمات كثيرة، فقط إلى هذه اللحظة التي تجمعهما من جديد دون حواجز. نظر نوح سريعًا إلى عصام، ثم أعاد بصره إلى الطريق، وبينهما امتدت تلك المسافة التي لم تعد مخيفة كما كانت، بل صارت طريقًا يعودان عبره إلى ما كان بينهما من أخوّة لم تُكسر، بل فقط تعرّضت لاختبار قاسٍ. حين رأى عصام الطريق الذي يأخذه إليه، قال في قلق وربكة: _نوح، متعملش فيا كدة. أجابه نوح بنبرة لينة مطمئنة: _علا عند مصطفى عشان محتاجين يستخدموا قوتها، وانا بخش بيتها ساعات عشان اهتم بقططها وبقعد فيه شوية، قولت اخدك ونقعد سوا هناك متقلقش. _مظنش انها هتحب دا... صمت نوح ولم يجب إلى أن وصلا إلى المنزل، وارتجلا من السيارة، ودخل نوح من البوابة، اما عصام فتضخمت الغصة في صدره من شدة الهم ووقف عند عتبة البوابة، وقد تجمد في مكانه للحظة، كما لو أن قدميه التصقتا بالأرض. لم يكن مجرد منزل أمامه، بل مرآة تعكس ما فعله، ما دمّره، وما خسره. ظل يسير بخطى متثاقلة خلف اخيه الى ان دخلا المنزل. نظر إلى الجدران والنوافذ التي لم تعد تنبض بالحياة، وكأنها ترفض حتى أن تعاتبه. عادت إلى ذهنه صورة علا، وجهها الذي كان يفيض بالحياة، وميض عيناها الذى انطفأ حين خانها، حين سلب اعز ما تملك منها، الصرامة الذي واجهته به حين طلب منها الغفران، والدموع التي تكتوي خلف جفونها. شعر يوخزٍ موجع متتالي في قلبه، وكأن الذنب الذي ظن أنه حمله بما يكفي عاد ليغرس أنيابه في ضميره من جديد. دخلا كلاهما غرفة المعيشة، ليتفاجأ عصام بوجود سليم جالسًا يداعب ليزا القطة. حين دخل، وقف سليم ورحب بعصام بأشتياق كبير، ثم جلسوا ثلاثتهم ليتناقشوا سويًا في الوضع الحالي. ليبدي سليم استياءه العظيم في كون أن نور الصاوي كان مجرد شخصية مزيفة، فقد أحبه ، واقتنع بكونه أخيه المقرب له في السن والاهتمامات والميول، لكنه كان طيلة الوقت ادهم للأسف. _دورت كفاية عن مكان عمر؟ سأل نوح سليم هذا السؤال، ليظهر أن نوح وكلّ سليم بالبحث عن عمر بواسطة اماكن ادهم ويوسف، فقال سليم: _لا للأسف، اكتشفت ان ادهم عنده ٥٠٠ فيلا تمليك، انا دورت في خمسين واحدة حاليًا، ملقيتش أي دليل ان فيه حد عايش هنا. سكت نوح وهو يعمل النظر، إلى أن قال عصام: _طب.. مدورتش على فيلا تمليك بإسم عمر نفسه؟ سأله سليم مستغربًا: _وليه عمر يبقى عنده فيلا هناك؟ دا كحيان زينا يعني. قال عصام بنبرة واثقة تظهر نبوغه: _مفيش حد بيقع تحت إيد أدهم أسبوع ويكون لسة عايش، أنا سمعت صوت عمر بنفسه لما اتصل بيا واستنجد عشان أروح لنوح، وقتها كان عدى أسبوع على اختفاء عمر، يعني عمر قعد مع أدهم كل المدة دي من غير ما أدهم يقتله. قال نوح متحيرًا: _مش فاهم برضو إيه دخل دا بإن يكون لعمر فيلا باسمه؟ سكت عصام في تردد ثم قال: _أقول بس متضحكوش عليا؟ قال سليم بفضول: _قول يا عم. _احتمال أدهم يكون..... صمت عصام، واتضح الشجب في ملامحه، كأن لسانه لا يسعه التفوه بتلك الكلمات، بعدها أردف: _احتمال أدهم يكون اتعلق بعمر بطريقة معينة... خليته ميقدرش يقتله، وفي المقابل بقى... إداله هدية بيت أو حاجة... أو حتى خلاه الجناح الجديد لعصابته، لأن وقت قتل أدهم كان متوافق جدًا مع خطف عمر. حملقا كلاهما إليه في تقزز ونفور شديد من حديث عصام الغريب، حتى كاد سليم أن يضحك متهكمًا، ليقول عصام بإندفاعية: _على فكرة، محدش يعرف أدهم أكتر مني، وأنا واثق إن حاجة من اللي قولتها صح، لو أدهم قتله كنا هنعرف من زمان، الراجل دا مبيخبيش الجثث بتاعته. قال نوح في قلق وخوف على صديقه: _يعني معقول أدهم يكون عمل في عمر أي حاجة تانية غير القتل؟ _أكيد طبعًا، وهو هيسيبه كده يعني؟ مسح نوح على رأسه بهمّ، مزحزحًا الشعيرات التي سقطت على جبينه، كما لو أن خشية نوح العظيمة تجاه صديقه أثرت على تمسكم، بعدها نظر نوح لسليم وهو يسأله: _متعرفش أي معلومات عن فريدة؟ بهتت نظرات سليم من شدة همه على زوجته، وهو يقول بنبرة متحسرة: _لا، لسة زي ما هي، بتابع جهاز التتبع اللي عمله نور... قصدي أدهم، ومكانها ما تغيرش. هنا لمح عصام بحد بصره آلة الكمان موضوعة على إحدى الأرائك، فقال بفضول: _هي علا كانت بتعزف؟ نظر نوح إلى الكمانجا، لتلين نظراته في حنية وندم، وهو يقول: _لا، دا أنا.. أصل غادة لقيتها مرجعالي الكمان عند العربية.... قال سليم له، وظهر في نبرته الاعتراض والغضب: _هو انت مش هترجعلها بقى يا نوح؟ _الموضوع مش بالسهولة دي. قال سليم، وهو يقترب من أخيه بصرامة: _البنت مستواها الدراسي بقى وحش، ونفسيّتها بقت وحشة، وبقت كأنها عفريت ماشي، بالله عليك يا نوح، ارجعلها بقى. ظل نوح صامتًا، دون أن يبدِ أي رد فعل، فقد اكتفى بالسكوت الذي يفيض بصراخ ندمه وهمه، إلى أن قال عصام له: _هي غادة بتفكرك بحد معين؟ نظر نوح إليه وقال مستفسرًا: _يعني إيه؟ _يعني... بتفكرك بحد كان في حياتك زمان، كنت مسؤول عنه أو كده؟ قال سليم مستمرًا في نبرة تهكمه المخلوطة بالضيق: _يا عم دا ناسي نفسه شخصيًا، هيفتكر حد من حياته زمان إزاي؟ نظر نوح إلى الكمانجا في تمعن، وهو يفكر في جهة أخرى من حديث عصام، الذي فتح في عقله ليس بابًا، بل نافذة بسيطة، ليتسرب خيط من ضوء فكرة ما. نهض نوح وهو يقول لهما: _تحبوا تسمعوا عزفي؟ وافقا بكل سرور على سماع عزف نوح. التقط نوح الكمانجا، ووضعها تحت ذقنه، أمسك بالقوس، وفي اللحظة التي احتك فيها شعيرات قوس الكمان بأوتاره، اندفعت معزوفة رائعة مريحة، تأخذ طابعًا حزينًا ممزوجًا بالرضا، تتغلغل في قلوب كل من يستمع لها. كان نوح يشعر بذبذبات أوتار الكمانجا تتسلل إلى عقله، كدغدغة غريبة تسير بين تجاعيد مخه، لتنعش ذكرى باتت باهتة لسنين. بعدها، شعر بدوار خفيف جعله يغمض جفونه لثوانٍ أثناء عزفه، ثم فتح جفونه على صوت فتاة تقول: _أخيرًا نامت. كانت القائلة نجلاء، صاحبة الاثني عشر عامًا، جالسة بجانب طفلة تبلغ من العمر ثلاث سنوات تقريبًا، تمسح على شعرها برقة. تلك الطفلة... _دي غادة دي ولا مين؟ سأل نوح هذا السؤال فجأة، لتلتفت نجلاء في استغراب، قاطبة حاجبيها، وهي تقول: _غادة مين يا نوح؟ كان وجه نجلاء الطفولي يجعله يلتفت لأقرب مرآة ليرى نفسه فيها، وكما توقع، حين وقف أمام المرآة في الغرفة، وجد نفسه عاد بالزمن مجددًا حين كان في الثامنة عشرة من عمره. بعدها التفت إلى الطفلة النائمة، وظل يتأملها ويتأمل براءتها الخارقة، كما لو أنها تفرز مخدرًا لمن يناظرها، كانت قطعة من النقاء مجسدة في جسد صغير، بتسريحة شعرها اللطيفة، غرة على جبينها وشعرها القصير مربوط من الجهتين، ووجنتيها الممتلئتين المتورّدتين كزهرتي خوخ تفتحتا في الربيع. قالت نجلاء هنا: _خد، شيلها نزلها بقى، أنا لو شيلتها هتعيط، هي بتحب تكون في حضنك. اقترب نوح من الطفلة، وقام بحملها، وفور أن شعرت الطفلة بأن جسدها يرتفع بواسطة أحدهم، بدأت تئن معلنة عن بداية لنوبة من البكاء، فقال نوح بصوت لين هادئ: _ششش بس بس يا حبيبتي، أنا هنا. بدا على صوت نوح أنه مهدئ أقوى من دقات قلب أم تلك الطفلة، ففور أن سمعت صوته الرخيم، سكتت فورًا وتشبثت بقبضتها الصغيرة وأصابعها القصيرة بملابسه، وأراحت رأسها على منكبه في ارتياح ورضا شديد، كما لو كانت لم تعرف أمانًا قبله، فقد أدركت بقلبها الصغير أنه ليس غريبًا، بل جزء منها، وأن ذراعيه كالوطن الذي تلوذ إليه دائمًا. أما هو، ففور أن حملها، رفرف قلبه في انتعاش عظيم لطالما فقده سنين. فهو حاليًا يلامس جزءًا من ماضٍ كان يظنه قد تلاشى تحت عقله المضطرب والالتهابات التي نهشت روحه قبل أن تنهش عقله. رغم خفة جسدها، إلا أن وزنها في ذاكرته كان أثقل من الجبال. فور أن وضعها في حضنه، شعر أنه تجرع كل دواء قد ابتغاه طيلة سنين عمره. هذه هي... هذه هي التي لطالما نسيها رغم حضورها في قلبه. هذه هي الشخص المجهول الذي حاول أن يعبئ غيابها بالمخدرات، بالدواء، بالزواج الفاشل، بالانتحار. غياب تلك الطفلة في حياته هو بداية طريقه للجنون، اختفاؤها كانهيار أول حجر من جدار وعيه السليم، فلم يلبث أن تهشم البناء بأكمله فوق رأسه. _يلا بقى يا نوح، هتفضل حاضنها كتير؟ حين لاحظت نجلاء أن نوح أطال في احتضانها، كما لو أنه تشبث بروحه التي سُحبت من جسده، نظر لها وقال: _إنتِ عايزاني أوديها فين؟ _في الشقة اللي تحت، يلا بقى. سارت نجلاء، فسار نوح خلفها، وحين نزلت ووقفت أمام باب شقة سردار، كادت أن تطرق، ليمسك نوح بساعدها ويمنعها، وهو يقول وقد قبض قلبه قبضة قوية كحبل به أشواك توخز قلبه: _إنتِ ليه هتوديها للراجل دا؟! _في إيه يا نوح؟ ماله الراجل دا؟ _طب قوليلي هو مين اللي في الشقة؟ _ما أنت عارف هو مين. صاح نوح محتدمًا: _لا، معرفش يا نجلاء هو مين! قولي بقا اخلصي!!!! صاحت نجلاء لتدافع عن نفسها من انفعال نوح كالأخوان المتنازعان: _متزعقليش كده!!! في تلك اللحظة، انفتح المصعد، وخرج منه وائل، والد نجلاء، وهو يرمقهما بنظرة غاضبة مصدومة، فركضت نجلاء إليه وهي تقول مستنجدة بوالدها: _بابا، متخليش نوح يزعقلي تاني! لانت نظراته وربّت وائل على رأس ابنته، وهو يقول لها: _طب، اطلعي لعمتك دلوقتي، وأنا هتكلم معاه، يلا. صعدت نجلاء، ثم نظر وائل لنوح، وهو يقول: _خبطتوا عالباب؟ _لا... _كويس.. هاتها. مد وائل يديه ليحمل الطفلة، ليتشبث نوح بها أكثر، وهو يبتعد ويقول ناهرًا خاله: _لا، مش هجيبها! هجيبها ليه؟! ابعد! اتضح من نظرات وائل المتبرمة المعتادة أن نوح كرر هذا الأمر عدة مرات، ليظهر أن نوح متمسك بتلك الطفلة بطريقة جنونية. _نوح، أنا عارف إنك خايف عليها، بس متقلقش، أنا هاخدها للدكتور مش أكتر. _خلاص، هاجي معاك. _مينفعش، هاتها يا نوح لو سمحت، يلا يا حبيبي، هاتها، وهتشوفها تاني، مالك في إيه؟ مش أول مرة يعني آخدها للدكتور. شعر نوح أنه لا يملك إرادة كاملة، لذلك أعطاها له. بعدها عاد وائل للمصعد ونزل به. التفت هنا نوح لباب شقة سردار، كان يحدق فيه ويناظره، كما لو كان الباب حيًا، يترقبه فقط أن يطرقه ليفتح على مصراعيه، ليكون مدخلًا إلى الجحيم بعينه. اقترب نوح من الباب، ورفع قبضته، ولكن مجددًا استوقفه طرق الباب، فور أن سمع صوت أمه في الطابق العلوي بعد صوت فتح باب المصعد. بخطوات خفيفة سريعة، صعد إلى الطابق العلوي حيث منزله، وهو يرهف السمع لما تقوله: _أيوة يا تغريد،...... أيوة خلاص، وائل جايلك، وهي معاه خلاص...... خلي بالك منها، أبوس إيدك، حطيها في عينيكي بالله عليكي....... وأنا هاجي أزورها لما الأوضاع تهدى شوية... هنا، دخلت ليلى الشقة، فصعد نوح بسرعة وطرق الباب بطرقات سريعة عاجلة، لتفتح نجلاء بوجه عابس، وقالت له: _ماما فين؟ _في الحمام. زفر بضيق، ودخل المنزل، ولكن عينه لمحت هاتفها عند المنضدة. انقض عليه بسرعة، وفتحه، وفتح سجل المكالمات الأخيرة، ليجد ما كانت تحدثها في المكالمة الأخيرة مسجلًا باسم: <تغريد عكرمة> صوت جرس الباب دق بقوة وبصوت عالٍ، كما لو أن الجرس بداخل عقله، جعله ينتفض انتفاضة قوية، جعلت روحه تتقفقف، ويفتح جفونه في شهقة قصيرة، ليرى عصام أمامه، وهو يقول بعدما تنهد بارتياح وقلق: _الحمد لله يا شيخ، انت حصلك إيه يخرببيتك؟ نهض نوح جالسًا، وهو يلتفت حوله بحركة عنيفة سريعة، وهو يردد دون أن يأخذ أنفاسه: _هي فين؟ هي فين؟ فين البت؟ فين البت؟! _بت مين يا نوح؟ اهدى يالا، اهدى. هنا دخل سليم بعدما فتح الباب الذي دق جرسه، بصحبة... فلوريان.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة