٧١ قرابة المغرب، وبعد انتهاء يامن من عمله، اكتشف وجود سليم تحت منزله وهو يطلب منه أن يجلب جميع أشقائه ليريهم مفاجأة شديدة البهجة. أطاعه يامن بشك وحذر، وهو لا يعلم مضمون تلك المفاجأة، فقد أصبح لا يأمن لأي أحد كان. _طب قولنا تلميح طيب. _بس بقى يا يامن، ما قولنا هنعمل لكم مفاجأة، إنت خايف من إيه؟ _ومخافش ليه؟ ما كل حاجة بقت تخوّف في الدنيا دي. هم الآن في طريقهم إلى فيلا يوسف في العاصمة الإدارية الجديدة، وفور أن دخلوها قال يامن بقلق: _أنا مبحبش المكان ده، إنت مدخلنا هنا ليه؟ _اسكت شوية يا يامن لو سمحت، صدقني مش هتندم. زفر يامن بضيق والتزم الصمت هو وإخوته إلى أن وصلوا لمنزل يوسف ودخلوه. بجانب اندهاش إخوته بحجم المنزل وانشغالهم بتأمل كل شبر فيه، كان يامن يترقب سليم بشك وحذر. لينقطع شكه بصوتها وهي تقول: _يا ترى جبتوا بيت زي ده ولا لسه قاعدين في المرج؟ صوت جعل أجسادهم تصعق وكأن صاعقة من السماء ضربتهم، أوقفت قلوبهم من شدة الصدمة والمفاجأة. وفور أن التفتوا جميعًا، برقت أعينهم الجاحظة التي همعت من شدة سعادتهم، وفُتح فمهم في دهشة عارمة لا توصف، ثم دوّت صرخاتهم العالية. بالطبع كانت فريدة هي القائلة، وكانت فريدة هي التي أبصروها بتلك البهجة العارمة. صرخاتهم العظيمة لم تكن كالصرخات التي لطالما سمعتها؛ كانت صرخات ابتهاج وحبور لم تتوقع أبدًا أن تسمعها في حياتها. لم تتوقع أساسًا أن تصبح سعيدة بصوت صرخات كسعادتها بصوت صرخات إخوتها فور أن رأوها. هرعوا إليها جميعًا بدون استثناء، وألقوا بأجسادهم في حضنها، ليسقطوا جميعهم فوق أجساد بعضهم ويرتطموا بالأرض. انفجر سليم ضاحكًا من ذلك المشهد، وكذلك هم. كل منهم كان يريد احتضان أمهم وشم رائحتها. نعم، فغياب فريدة عنهم أجبرهم على اليقين بأنها أم بالمعنى الحرفي لهم. غيابها كان شديد الألم وأدى إلى جزع عظيم، وعودتها كانت شديدة البهجة، كأن روحهم هي التي عادت وليست فريدة. كانوا يعانقونها ويقبلونها وهم لا يكفون عن البكاء من شدة شوقهم وحنينهم لها. كان المشهد يرهق القلب بضحكاتهم وأصواتهم المليئة بالبهجة. وبعد أن شبع كل منهم من عناق فريدة وترحيبها بهم، قال سليم: _يلا جهزوا نفسكم بقى عشان الأكل جاهز، اتكلموا وإنتوا بتاكلوا عشان الأكل ميبردش. تجمعوا جميعًا على السفرة ووزعوا الطعام. وحين جلسوا، قال محمد، أخيها المراهق: _احكي بقى يا فريدة عملتِ إيه هناك؟ قال يامن بحزم لمحمد ولإخوته: _لا بصوا بقى، إنتوا هتقعدوا معاها من غير ما تسألوها عن أي حاجة من اللي هناك أو تجيبوا سيرة أي حاجة تخص المكان ده، تمام؟ خلي فضولكم لنفسكم، أو على الأقل لما تيجي لنا وتهرب من المكان ده خالص، ابقوا اسألوها وقتها. ابتسمت فريدة ابتسامة شكر ليامن. كان زياد، أخوهم الأصغر، في حضنها، فقبلته وهي تسأل: _أخبار صحته إيه؟ قالت رضوى: _الحمد لله في تحسن كبير، الحمد لله. شوفتي بقى تضحيتك عملت نتيجة. بعدها قالت أختها الصغرى بنبرة تفيض بالسرور: _وبقى لينا بيت حلو قوي في مصر الجديدة، والحمد لله ما عدناش بنروح شغل، هما رضوى ويامن بس. حتى رضوى بقت تشتغل من البيت. قال محمد بالنبرة ذاتها: _وبقينا بناكل لحمة كل أسبوع وفراخ كل تلات أيام تقريبًا. قال أخ أصغر لها آخر بنبرة حماسية: _وروحنا الملاهي الخميس اللي فات، أول مرة في حياتي أجربها، بجد كانت جامدة قوي. شع وجه فريدة حبورًا، ولم تستطع أن تكف عن الابتسام والضحك وهي تستمع لأصوات إخوتها المليئة بالبهجة وملامحهم المرتاحة المنشرحة. لم ترَهم بهذه الحالة أبدًا طيلة عمرها كله. شعرت أنها في الجنة للحظة من جمال ضحكاتهم وسعادتهم بالأرزاق التي رزقهم الله بها. وأخيرًا رأتهم وهم يجربون السعادة في الدنيا ولو لمرة واحدة. رأتهم يعيشون سنهم ويعيشون حياة تليق بالإنسان العاقل. ترقرقت عيناها، وقبل أن تنهمر الدموع، مسحتهما لكي لا تجعل الأمر كئيبًا مجددًا. حال إخوتها هو نقطة ضعفها وأشد الأمور حساسية في حياتها. لذلك لم تتحمل مشاعرها التي فاضت على هيئة دموع فرحة بتحقيق أعظم إنجاز قد حققته فريدة في حياتها. سرعان ما بدأت ابتسامتها في الاختفاء تدريجيًا فور أن تذكرت والدها، المسكين الماكث في الزنزانة المظلمة الضيقة، والذي تُجرى عليه تجارب مجهولة موجعة. ليته هنا، ليته يرى أولاده سعداء كما تمنى طيلة عمره. حاولت فريدة أن تصبر قلبها المتحمس حاليًا، فهي تعلم أن الأمر مسألة وقت، وستخرج هي ووالدها ليجتمعوا سويًا، إنها لقريبة. نظرت فريدة إلى يامن بينما كان يشرب العصير، وقالت: _وأنت يا يامن، متجوزتش علا لسه؟ انهمر العصير من أنفه، وبدأ يسعل. انتبه سليم من سؤالها ليقول ضاحكًا: _الله؟ إنت كمان عايز تتجوزها؟ ارتبك يامن ارتباكًا شديدًا، حتى إنه لم يستطع الرد، فضحكوا عليه. لكنه ابتسم وقال لفريدة: _ل... لا يا فريدة. علا مش حباني، ملهاش لازمة أتقدم لها. ربنا يكتب لها اللي فيه الخير. قالت رضوى له: _ولا يهمك يا حبيبي، هجيب لك بنت أحلى منها بمليون مرة. هي يعني البنات خلصوا؟ ابتسم يامن ابتسامة تدل على مجاملته لأخته، فهو يوقن أن لا أحد أجمل من علا في نظره. أثناء جلوسهم وتبادلهم الأحاديث، سمع سليم رنين هاتفه. نهض واتجه إلى منضدة غرفة المعيشة، والتقطه وأجاب على نوح: _أيوة يا نوح. _ألو، أيوة يا سليم. هبعت لك لوكيشن، تعالى عنده بسرعة... أنا هستناك هناك. ************ أمام منزل ومعتز والد علا، يقف عصام بسيارته وهو بداخلها، قد مضت ساعتان بالفعل ولم يستطع الخروج بعد. يحاول حشد قواه لمواجهتهم بما يوجد في تلك الحقائب. لا يتوقع أن يسامحوه مطلقًا، ولكن لكي يطفئ نيران ضميره التي تضرم كل ثانية وتحرق عظامه وقلبه، قرر أن يفعل تلك الخطوة. هو حقًا يبتغي أشد الابتغاء أن تسامحه علا، وهو يأمل بذلك. فعلا صاحبة قلب رقيق ونية صافية، وبالتأكيد إن أظهر ندمه وأعطاهم ما بتلك الحقائب ستعفو عنه، وهذا هو المأمول. استنشق عصام نفسًا عميقًا، ثم خرج والتقط الحقيبتين ودخل المنزل. لحسن الحظ كانت البوابة مفتوحة، وبدخوله الساحة تنجح أول خطوة. تقدم بخطوات مثقلة متحاملة، تثقلها حجم ندمه وإحراجه العظيم، ومن عظم العبء المستقر على كاهليه. كلما تقدم أكثر نحو الباب، ازدادت ضربات قلبه العالية التي كانت تضرب طبلة أذنيه من قوتها. ابتلع لعابه بعسر على أمل أن تزول الغصة، ولكن بابتلاعه ازدادت حجمها أكثر. وقف أمام الباب وبيد مرتجفة رفعها ليضغط على زر الجرس. _انت جيت هنا تاني ليه؟ انتفض عصام متشنجًا والتفت بسرعة لمصدر الصوت ليرى معتز. ازدادت نحافته، وعيناه أصبحتا معتمتين سوداوتين، وازداد الشعر الأبيض في يديه ولحيته، فقط في عشرة أيام من قسوة الجزع العظيم الذي مر به على ابنه وحفيدته. حين رآه عصام بتلك الحالة عجز عن التحدث وثقل لسانه كالأخرس، ليردف معتز بنبرة باردة ثابتة: _كنت بحسبك مت، بس واضح إن ربنا مش رايد موتك دلوقتي. فكرة إن رصاصة تدخل دماغك وربنا ينجدك بعدها دي حاجة كبيرة شوية... أنا بؤمن بإشارات ربنا اللي زي دي. رفع عصام منكبيه وهو لا يعلم كيف يجيبه. فنظر معتز للحقيبتين القماشيتين، فقال عصام بتهدج كبير في صوته: _د... دول... أاا... يعني... لما... لما دورت على حكم ال... الموت والحاجات دي لقيت إني.... بص هو... دول ديّتين... ديّة ل... ل... خالد، وديّة ل...س أغمض عينيه ليحاول أن يضبط لسانه أكثر، ولكنه وجد صعوبة قاسية في نطق اسم سلمى، ليردف: _وديّة لبنته. ف... يعني دول... ستة مليون. لما حسبتها شفت إن دا المبلغ تقريبًا. ظل معتز يتأمل أسلوب عصام المذبذب غير المتزن ورعش جسده ونبرته الغريبة، ثم قال بنبرة باردة كنظرات عينيه: _واضح إن الموضوع مرّ عليك بصعوبة زينا، مش كدة؟ هز عصام رأسه وهو يقول: _مش عارف... أنا بس... قاطعه معتز وهو يقول بينما يتقدم لباب المنزل ويفتحه: _خش يا عصام، خش. دخل معتز، ودخل عصام خلفه. ليتفاجأ كل من علا وهيثم الجالسين في الصالة بدخول ذلك الملعون، فينهضان بصدمة واحتدام، وقال هيثم حانقًا: _إيه دا؟! إيه اللي جابه تاني؟ دا هو مش مات؟! قال معتز بنبرة جافة باردة: _هقعد أتكلم معاه شوية، اللي مش عايز يشارك القاعدة يتفضل. نظر عصام لعلا بأعين واهنة حنونة تظهر شوقه الكبير لها، ولكنها لم تبادله تلك النظرات. بل كانت ترمقه بنظرات كانت تصلي قلبه وروحه، ولكنه قال على أمل أن يلين قلبها: _ا... إزيك يا ع... تركته علا بخطوات سريعة فور أن تفوّه بكلمة، نظرًا لعدم تحملها لسماع صوته ونفورها الكبير منه. وهيثم بدوره تبعها وخرجا كلاهما لحديقة المنزل. اغرورقت عينا عصام، ولكنه تمسك، وقال معتز له: _اقعد يا عصام... اقعد. جلس عصام، وفور أن جلس أخرج مسدسه ووضعه بجانب الحقيبتين على المنضدة. _بص حضرتك، انت ليك كامل الحرية: يا إما القصاص، أو الديّة. وأنا مش همشي إلا لما تاخد واحد منهم. نظر معتز للمسدس وحقيبتَيْ المال بأعينٍ لا مبالية، ثم عاد ونظر لعصام، وبعد صمت طويل قال معتز: _فكرة إن التلاتة يروحوا مني في ليلة واحدة دي فكرة... تقتل الواحد وهو حي، ودا اللي حصلي، بسببك إنت مسحت عيلة بحالها، عيلة كان المفروض يبقى ليها مستقبل، كل واحد فيهم. من بعد ما هما ماتوا وأنا مبقتش حاسس بالحياة زمان.. ومبقاش عندي طاقة حب من بتاعت زمان، مبقاش عندي أي طاقة في العموم، وضحكة علا الجميلة اختفت... وهيثم بقى حساس أكتر ما هو حساس. سكت معتز برهة ليرتاح من ثقل الكلمات على لسانه، ثم أردف: _وكل دا بسببك، إنت السبب، إنت السبب في كل دا، بس لو نيجي للحق، هل دا معناه إنك القاتل؟ لأ. قال عصام متعجبًا في حيرة: _يعني إيه؟ استنشق معتز نفسًا ليحاول شحن طاقته الواهنة، ثم قال: _إنت مغتصب مش قاتل، وأنا من نظري شوفت إنك أخدت عقابك الكافي من الجريمة اللي عملتها؛ لأن منظرك لما أخوك جابك هنا كأنه مطلعك من تحت دبابة. أنا بشوف إن المغتصب يستحق القتل، بس علا نشنت كويس، وشوفنا بعينينا الطلقة وهي بتخش دماغك، بس رغم كده إنت مامتش، أظن دي رسالة صريحة قوية من ربنا فيها إنه مش كاتبلك تموت دلوقتي، فأنا مش هموتك يا عصام؛ لأني كده بعترض على قضاء الله، هو أنقذك أول مرة لحكمة منه. انسدلت بهدوء الدموع المتحجرة في جفونه، وعصام يحدق في معتز بصمت تام وهو يستمع له، ليردف معتز: _اللي حصل برضو مش قتل عمد، إنت محرضتش على انتحارها ولا حرضت على خالد إنه يقتل نفسه ومراته، حتى لو مفكر إنه قتل غير عمد، فهو مش كده برضو. خد فلوسك يا عصام، وأنصحك بعد ما ربنا اداك عمر جديد تعيد حساباتك في حياتك، وتقرر تعيش حياة طبيعية زي الرجالة، حياة ترضي ربنا اللي اداك عمر جديد. اتكسف من نفسك قدامه، بعد كل اللي عملته دا وادالك فرصة تانية للحياة على أمل إنك تتعدل وتصحح من أغلاطك. امشي يا عصام وخد فلوسك، بس متفكرش أبدًا إن حد فينا سامحك، وأتمنى متجيش هنا تاني. كان حديث معتز يزيد من انهمار دموع عصام، لا يعلم على ماذا يبكي، على حديثه الرشيد الذي لا عاطفة له، أم لأنه أطلق سراحه وهو لا يستحق ذلك. لم يعد يفهم عصام موقفه الآن، نيران ضميره أضرمت أكثر من بعد حديث معتز، كما لو كان حديثه كالوقود في قلبه. ورد عصام على هذا الحديث بأنه نهض وتركه، تاركًا المسدس وتاركًا المال وكل شيء. خرج عصام ووجد علا جالسة في حديقة المنزل بصحبة هيثم، فتقدم عصام لها ليطلب العفو منها، ولكنها نهضت وبجفاء وصرامة وأعين مستشيطة قالت له: _امشي يا عصام، متورينيش وشك تاني، مش عايزة أشوفك في أي مكان أنا فيه، ولو هتفضل واقف أنا همشي وأسيبك! لم يقدر عصام على أن يتفوه بحرف، وكل ما فعله أنه ابتعد بضع خطوات للوراء وهو يحدق في وجهها الذي اشتاق إليه بلوعة، ثم التفت وخرج مسرعًا متجهًا لسيارته، ومن ثم ركبها وانطلق وهو يقودها باكيًا بنحيب قوي على اشتياقه لأخته. اشتاق لابتسامته لها، اشتاق لتحدثهم سويًا عن القضايا وماضيهم، اشتاق لتمسكها به ليكون إنسانًا أفضل، اشتاق لصوتها وابتسامتها وشخصيتها المبهجة التي كانت تنير حياته المكفهرة. إن عصام كالحبل الشائك السميك، كانت تتمسك به علا بمثابرة وعزم إلى أن بلغت مداها وطفح كيلها من طغيان عصام وشره، وقررت أن تترك حبله وانتوت ألا تعود لإمساكه مجددًا، حتى وإن تحول إلى حبل من حرير. لن تسامح علا عصام أبدًا، ولن تعود علاقتهما كما في السابق مطلقًا. هنا عادت علا لمعتز وقالت له: _أتمنى ميكونش قالك كلام يضايقك. حرك معتز رأسه نافيًا وهو يقول: _لا، منطقش أصلاً من أول ما قعد، ياريت تتصرفي في الفلوس دي وترجعيهمله بأي طريقة. نهض معتز وكاد أن يصعد لغرفته، ولكنه توقف والتفت لعلا وهو يقول: _كنتي قولتيلي عن جمال صاحب أخوكي التاني اللي متقدملك، لسة عايزاه؟ _ا..آه، هنحدد معاد؟ قال معتز بنبرة فيها أمر وصرامة: _لا، مش هخليكي تتجوزيه، مش هخليكي تتجوزي أي حد ليه علاقة بأخواتك كلهم. قطب وجهها وقالت غاضبة: _ومصطفى ذنبه إيه؟ ده صاحب مصطفى مش صاحب عصام. _أنا قولت كلمتي يا علا! أنا مش موافق عليه، ومش هخليكي تقربي من إخواتك أكتر من الزيارات بينكم وبس، ومش هتتجوزي من ناحيتهم أبدًا. اديني قولت! وذهب وتركها لتذرف دموعها مصدومة ومقهورة، فنظرت لهيثم وهي تستنجد به: _هيثم مينفعش اللي بيقوله دا، مينفعش! أنا عايزة جمال ومش هتجوز حد غيره، أرجوك اقنعه أرجوك. أومأ هيثم برأسه وهو غير راضٍ بحال علا ومشفقًا عليها، وهو يقول: _حاضر حاضر، مش عايزك تقلقي، أنا هحاول أقنعه متقلقيش. تلاقيه بس مزاجه وحش ولسة مش قادر يتخطى، تعدي الفترة دي ويبقى مزاجه أحسن، وهبقى أقنعه متقلقيش. ************ بعد صلاة العشاء، ومن عادة مصطفى أن يجلس في المسجد لفترة زمنية معينة بعد انتهائها. أثناء جلوسه وحده، تقدم إسماعيل إليه وسلم عليه. نظر مصطفى إليه بوجهه البشوش ورد السلام ثم قال: _كنت مستنيك طول اليوم. جلس إسماعيل أمامه على الأرض بينما كان مصطفى جالسًا على كرسي، فرفض مصطفى وقال وهو يشير إلى كرسي آخر: _متقعدش قدامي عالأرض، روح خد الكرسي اللي هناك دا واقعد جنبي. أومأ إسماعيل برأسه ونهض وعاد بالكرسي وجلس بجانب مصطفى، فقال مصطفى: _كنت متضايق أوي النهارده الفجر لما كنتوا كلكوا قاعدين عالأرض وأنا قاعد على كرسي أعلى منكم. _عادي، الموضوع كان من غير قصدك، انت ياما قعدت مع الأرض بيننا. سكت إسماعيل قليلًا وكأنه تذكر شيئًا محددًا ثم أردف: _كنت حكيتلنا قبل كده عن حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في البخاري، لما دخل بين الصحابة وهو بيقول: "أيكم محمد؟" وركزت أوي عالحتة دي اللي بتظهر تواضع الرسول ﷺ اللي بيخليه يقعد بين صحابه بشكل طبيعي لدرجة إن اللي ميعرفوش ميأخدش باله منه. أومأ مصطفى برأسه وهو يقول: _أيوة فعلًا، متتخيلش أنا ببغض قد إيه منظر الشيوخ وهما بيقعدوا على كراسي كبيرة مذهبة وطلابه قاعدين قدامه كده. ولكني برجع أعذرهم لأن ساعات جلوسهم في المكان الأعلى دا بيبقى لغرض تعليمي مش أكتر. المهم، أكيد جايلي عشان هالة خطيبتك، صح؟ سمت إسماعيل سكوتًا يدل على إجابته بالإيجاب، ليتنهد مصطفى وهو ممتعض دون التخلي عن ابتسامته، وقال: _غصب عنك كلام الناس هيأثر فيك، بس أنا عارف إنك عاقل وتقدر تفرق بين الحق والباطل. قال إسماعيل بتهدج في صوته من امتعاضه الشديد: _عشان كده جايلك، لو سيبتها أو اتمسكت بيها حاسس إن الاختيارين عاطفيين جدًا. مش عارف أحدد يا مصطفى، ومش عارف ليه كل ده حصل من الأساس. _فعلا، انتشار الفكرة السيئة عن اللي كانوا هيتباعوا دي غريبة خصوصًا على هالة تحديدًا. الموضوع مثير للشك كأنه مقصود. ولكني هقولك حاجة، الحق ممكن يبقى مع مين يا إسماعيل؟ مع اللي استخدم قوته في بيع عياله؟ ولا اللي معندوش قوة يدافع عن نفسه؟ سكت إسماعيل قليلًا وهو يفكر ثم أجاب: _مع اللي معندوش قوة يدافع عن نفسه؟ _قوة الحق تكمن في الضعاف اللي متمسكين بيه في زمن الفتن. قوة الحق بتبقى في محاولة الظالمين الأقوياء في إخفاءه بشكل مكثف. فهم إسماعيل ما يقصده مصطفى، ليردف مصطفى بقوله: _أما بالنسبة لشكوكك ناحيتها، فهقولك حديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه في الصحيحين: "أنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، وإنِّي أَنْكَرْتُهُ، فَقالَ له النَّبِيُّ: هلْ لكَ مِن إبِلٍ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ما أَلْوَانُهَا؟ قالَ: حُمْرٌ، قالَ: فَهلْ فِيهَا مِن أَوْرَقَ؟" يعني لون غامق مايل للسواد. "قالَ: نَعَمْ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فأنَّى هُوَ؟ قالَ: لَعَلَّهُ يا رَسُولَ اللَّهِ، يَكونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ له. فَقالَ له النَّبِيُّ: فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ له". سكت مصطفى قليلًا ليعطي لإسماعيل فرصة لتفهم الحديث ثم أردف: _شوفت الرسول ﷺ إزاي كان بيتعامل مع الشك قبل تحاليل الـDNA اللي جننت الناس اليومين دول؟ شوفت إزاي الرسول اتعامل مع راجل شك في مراته وأقنعه إن ابنه لونه كده من عوامل وراثية؟ مش شرط تكون مراتك خانتك، لأن في الدين يا إسماعيل مفيش شك، بل ممنوع إنك تشك وممنوع إنك تسيء الظن. وعشان تثبت إنك قوي الإيمان والشخصية مش جاهل، لازم تمنع الأفكار دي تخش دماغك. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْم وَلا تَجَسَّسُوا}، الشك وسوء الظن وإن كنت مش قادر تتحكم فيهم إلا إنك مجبور تقاومهم. افتكر حادثة الإفك، افتكر إزاي الرسول ﷺ اتصرف. متخليش كلام الناس يأثر فيك، فحتى أم المؤمنين رضي الله عنها أفديها بأبي وأمي وروحي الناس خاضوا في عرضها ولسه بيخوضوا في عرضها لحد دلوقتي. كان حديث مصطفى يفتح في عقل إسماعيل أبوابًا كثيرة للتفكير السديد والرشيد كانت مغلقة بأقفال الشك والتردد حقًا، فقال إسماعيل هنا: _طب معلش لو هسألك السؤال دا بس... انت واجهت مشاكل من النوع ده مع الدكتورة؟ _ياااه كتير. نور مكانش بيسيبنا نتهنى يا إسماعيل. وفترة حملها كان بيبعتلي شياطين الإنس اللي كانوا بيقولوا كلام زي السم عشان يخلوني أشك فيها وفي بنتي مريم. بس على مين؟ حاول تتعود لأن طول ما انت معاك بنت في حياتك مش هتسلم من كلام الناس. وده مش غلط البنت، بل دي هواية بيحبوها شياطين الإنس يا إسماعيل. ************ وصل سليم إلى شارع لا يعلمه، لكنه أطاع نوح مُكرهًا لرهبته منه. اضطر إلى أن يترك فريدة وعائلتها مع بعضهم، ويأتي، وها هو واقف لا يعلم ماذا بعد، إلى أن سمع صوت نوح يناديه، فالتفت وقبض قلبه بعض الشيء حين رأى نوح يقدم عليه. شعر نوح برهبة سليم ونظرات الخوف في عينيه ليقول ساخرًا: _مالك ياض، وشك إصفرّ أول ما شوفتني كده ليه؟ انت خايف مني؟ _لا يعني... مش أوي، جايبني هنا ليه بقى؟ _هتعرف، تعالى ورايا. مر بعض الوقت ووصل محمد، حبيب غادة السابق، إلى مقر الاستوديو الذي يقوم فيه بتسجيل وتصوير البث الصوتي الخاص به وبصديقه، بعد أن طلبه صديقه بالقدوم في أسرع وقت ممكن. دخل محمد مقر الاستوديو، ثم دخل غرفة التصوير العازلة للصوت. فتح بابها ليلمح بين ظلامها الحالك شخصًا جالسًا في هدوء، فقال محمد ظنًا أنه يحدث صديقه: _مالك يا عم، قاعد في الضلمة ليه كده؟ دخل محمد الغرفة وأضاءها، ليظهر أن الجالس كان نوح. من جلسته المهيبة ونظرته الثاقبة التي كانت كالرصاصة في قلب محمد، اقشعر جسده وانتصب شعره من فزعته العارمة بوجود نوح هنا. التفت بسرعة لكي يهرب، فرأى سليم يظهر أمامه فجأة ويدفعه داخل الغرفة، ليرتطم محمد بالأرض، ثم يدخل سليم الغرفة ويغلق الباب. وقف نوح هنا وهو يقول بنبرته الباردة: _خد يا سليم مفتاح شقته وموبايله، وأول ما تروح شقته خلِّي كل الأجهزة اللي فيها، كومبيوتر، لاب توب، تابلت، أي حاجة، خدهم واحرقهم! تقدم سليم لمحمد، صاحب الجسد المشلول هلعًا، ومد يده له وهو يقول بنبرة خافتة تحمل تهديدًا: _هتجيبلي المفاتيح والموبايل بمزاجك ولا لا؟ لم يجرؤ محمد على المقاومة والرفض، فأخرج مفاتيحه وجواله وأعطاهما لسليم بيديه المرتعشتين. التقطهما سليم وأشار نوح له أن يذهب. بعدها خرج سليم من الغرفة، ليتقدم نوح للباب بهدوء ويغلقه بالمفتاح، وينفرد بمحمد وحدهما في تلك الغرفة العازلة للصوت. التفت نوح، يحدق في محمد بنظراتٍ رغم برودها، إلا أنها كانت مفزعة. أفزعت محمد وجعلت جسده يرتعد كما لو أُصيب بصعقة كهربائية. قال نوح بنبرة هادئة مخيفة تحمل عظيم السخط: _مراتي، تستغلها وهي عندها أربعتاشر سنة، وتفضل متمسك بيها بعد جوازها، وتبعت حد يقتلها، بعدين تحاول بنفسك تقتلها، وبعدين كمان بتهددني وتبتزها بصورها، ومفكرني هسيبك؟ تسارعت أنفاس محمد، فسجد وهو يقبل قدم نوح باكيًا: _أنا آسف، أنا آسف والله، مش هقرب منها تاني، والله العظيم، بس سيب لي فرصة، أبوس رجلك. ركله نوح على وجهه ركلةً قوية، ثم قال بابتسامة عريضة كابتسامة أدهم، وبصوته الهادئ الثابت: _متقلقش، أنا مش هقتلك، أنا بس هخليك أنت إللي تتمنى الموت، ووقتها أنا هقتلك، لأني مبحبش أجبر حد على حاجة. ********** في الوقت نفسه، يعود عصام للمنزل، والهم والغم من ثقلِهما وحملهِما قد يكسِران كاهليه ويسحقانه حقًا، حتى إنه متردد في التحدث مع رحمة للتنفيس دون أن يطرق للأمر نفسه خشية أن تنزعج منه أو تنفر منه. أصبح عصام يتجنب الناس من حوله خشية أن يرى نظرات النفور والاحتقار في أعينهم له، فقد أصبحت شخصيته هشّة إلى أبعد حد ممكن، مما سيجعله من المستحيل أن يتلاءم مع المجتمع كما كان يتلاءم فيه بطغيانه وتكبره وشره. دخل عصام المنزل قاصدًا غرفته مباشرة لكي لا تراه رحمة وتنزعج من حضوره معها، ولكن استوقفه شيء يخرج من غرفة المعيشة. توقف عصام وتحجر جسده ونظراته على هذا الشيء في الأرض. كان خيط من الدماء يجري خارج غرفة المعيشة، ومصدره مجهول حتى الآن بالنسبة لنظر عصام. تقدم عصام بخطوات بطيئة وهو ينادي: _رحمة؟ رحمة، أنتِ اتعورتي ولا ليه؟ دخل عصام غرفة المعيشة. اكفهر وجهه فور رؤيته لتلك الفاجعة، تسارعت أنفاسه، ضرب قلبه بضلوعه بضربات سريعة وموجعة، جحظت عيناه حتى كادت تسقط من مكانها، تزاحم العرق في وجهه، احتد الارتجاف في جميع أنحاء جسده، حتى من شدة اصطكاك ركبتيه سقط جاثيًا على الأرض. فما رآه لم يتوقعه أبدًا، فما رآه أضرم قلبه لرماد وشعر بألم ذلك الحريق الملتهم في صدره ودموعه المضطرمة. فما رآه كانت جثة رحمة. رحمة كانت مقتولة بطعنات سكين عديدة في جسدها ووجهها. _ رحمة... رحمة... استنكر عصام ما رآه وحبا إليها وحاول إيقاظها وقياس نبضها، رغم وجهها المشوه من اثار الطعنات وبرودة جسدها وشحوب جلدها وعدم وجود نبض في جسدها، إلا انه استنكر وحاول إيقاظها وهو يصيح باكيًا، بارتجافة عظيمة في جسده. ولكن سرعان ما خرس وتوقف عن الصياح والبكاء فور أن سمع صوت خطوات خلفه، وأحدهم يقول: _مكانتش تستحقك، مكانش ينفع تستمر معاك. التفت عصام بحركة مرتجفة متثاقلة، ليزداد جحوظ عينيه ورجفة صوته وهو يقول: _أ.. أحمد... كان أحمد ابنه، يقف باستقامة وشموخ، وأعين باردتان كلونهما الأزرق، وبيده مسدس. قال أحمد بنبرة باردة كأعينه: _كنت شوفت عقاب الزناة في جهنم، كان مثير للاهتمام بصراحة. سمعت إن فيه هناك وادي للزناة مخصوص، والنار هناك بتحرق مكان متعك الزنا في جسمهم. أنا اتحمست أوي بصراحة، بس لما دورت على الموضوع دا ملقيتش أي تأكيد منه أو كلام موثوق، فإتضايقت وزعلت. وقف عصام على سيقانه المتقفقفة وهو يقول بتهدج وحسرة عارمة ودموعه لا تتوقف عن الانهمار: _ليه؟ قتلتها ليه؟ ملهاش ذنب في حاجة، ملهاش ذنب في حاجة. أردف أحمد حديثه متجاهلًا عصام: _بس أنا قولت لازم أعمل وادي الزناة دي فيك، أصل إيش عرفني هتتعاقب كده في النار ولا لا؟ خصوصًا إني مش عايز أقتلك. أنا انتقامي مش هيبقى قتل، انتقامي هيكون أسوأ من القتل بكتير... لأجل سلمى... لأجل أمي! وبدون أي تردد، وبسرعة، صوب أحمد مسدسه على عصام وأطلق رصاصات متتالية دون توقف على جسد عصام، في مكان محدد في جسده ومنطقة معينة تحديدًا. أفرغ أحمد رصاصات مسدسه الثمانية، ومن عظمة الألم الذي شعر به عصام لم يصرخ ولم يفعل أي رد فعل، سوى أنه فقد الوعي غارقًا في دمائه. فإن لم يمت من تلك الإصابة البشعة القاسية، فسيموت من غزارة الدماء التي تنهمر منه. ليأخذ أحمد أنفاسه ويستنشق رائحة دماء والده، الذي لطالما تمنى أن يشمها. وأخيرًا، تغلغل الرضا والراحة في قلبه، وخمدت نيران رئتيه الملتهبة بماء الانتقام البارد. أخيرًا، بعد عشر سنوات من الغم والضيق والقهر الناتجة عن وجود هذا الشيطان المدعو عصام، حقق أحمد انتقامه وانتقام أمه، وهو يرحب بالسنوات القادمة من الراحة واليسر والطمأنينة. بعد صبر دام عشر سنوات أخذ أحمد ثأر كل من ظلمهم عصام، وذلك الثأر سيدوم في جسده عاهة طيلة حياته. *********** قرابة منتصف الليل، بعدما نامت مريم وعادت ريهام إلى منزلها، كذلك هاجر إلى منزل نوح، دخلت نجلاء بتألقها إلى غرفة مصطفى وبيدها صحنان من سلطة الفواكه. أثناء ما كان جالسًا على سريره يقرأ كتابًا، نظر إليها وانشرح صدره ورحب بها بإبتهاج وهو يقول: _تعالي يا نوجة، تعالي. اندهشت نجلاء وهي تقول: _نوجة! من زمان أوي مدلعتنيش الدلع ده. قال مصطفى مداعبًا: _وانتِ من زمان معملتيش سلطة فواكه ضحكت نجلاء، فضحك مصطفى وهو يمسح بإصبعه على وجنتها بحركة مداعبة، ثم قال: _أنا فعلاً من زمان مبقيتش بدلعك من سنتين تقريبًا، وزعلان من نفسي أوي عشان كده، بس حلوة المفاجأة دي برضو. _هاجر كانت عايزة تحتفل برجوعك وتجيب حلويات، قولتلها إنك مبتحبش الحلويات وبتحب الفواكه، فجابت كل أنواع الفواكه حرفيًا. قولت أعملك سلطة الفواكه اللي بتحبها. بدأ مصطفى في الأكل وهو مسرورًا مستأنسًا، ثم قال: _مريم أكلت؟ _أه أكلت. _إن شاء الله هكلم دكتور عمر ونحجز جلسة عشان نكمل علاجها. _إن شاء الله. بدأا يتحدثان وهما يأكلان في مشهد مريح مليء بالمودة والسكينة. كانا لا يملان ولا يكلان من بعضهما أبدًا، وفترة غياب مصطفى وعودته ازدادت من قوة ترابطهما ببعضهما في كل شيء، من صبرهما سويًا، ومقاومتهما للمحن سويًا، ومحاولة مواساة بعضهما سويًا، وهنا قالت نجلاء بنبرتها الشغوفة: _صحيح هالة اتكلمت معايا في مشروع أو مناهضة كده ممكن نعملها لما يبقى في إيدينا فلوس. سألها مصطفى باهتمام: _إيه هي؟ _قالت لي نعمل مناهضة لتزويج الشباب المتأثرين باختفاء البنات في مصر ببنات بيفكروا أهاليهم يبيعوهم، زي ما حصل معاها ومع إسماعيل كده. هتبقى فكرة حلوة أوي لو انتشرت بحيث نساعد الشباب يتجوزوا وننقذ البنات من البيع. ينفع الموضوع ده يحصل؟ اندهش مصطفى من تلك الفكرة السديدة، وأيقن في تلك اللحظة لماذا يحدث هذا مع هالة حاليًا، وفهم أن تلك خطة من نور للقضاء على هالة كما يريد القضاء على نجلاء. تبسم وهو يقول: _فكرة جميلة جدًا، هحكيها لياسر صلاح الدين. ده رجل أعمال وبيحبني جدًا. ممكن هو وزوجته يساعدوها في الحوار ده. تحمست نجلاء للغاية وظلت تدعو أن ينجح الأمر، وأثناء ذلك نظرت إلى قدميه واختفت ابتسامتها وعبس وجهها وبحسرة وقالت: _عايزين نشوف دكتور يكشفلك على رجليك ويجبسهالك بشكل أحسن من كده. _آه، بكرة إن شاء الله هكشف عليها لأنها وجعاني أوي. هنا دق هاتفه من رقم عصام، فابتسم مصطفى وأمسك الهاتف متشوقًا لسماع صوت أخيه، وفور أن فتح الخط: _ألو، حضرتك مصطفى؟ كان صوت فتاة ليجيب بحيرة: _أيوة، مين حضرتك؟ _عصام في المستشفى ومتْصاب إصابة خطيرة جدًا ومحتاجين حد من معارفه. قعدنا نتصل على كل اللي عنده، محدش كان عايز يرد. إنت الوحيد اللي رديت. أتمنى حضرتك تيجي وتشوف حالته. اختفت ابتسامته وعقد حاجبيه في قلق عارم وقال: _خير يا رب، حاضر حاضر هاجي هُو. أغلق مصطفى معها وحاول النهوض، فتقول نجلاء قلقة: _خير يا مصطفى، في إيه؟ _عصام في المستشفى ومحتاج حد معاه ضروري. ********** يدخل نوح بنايته بخلسة بعيدًا عن أعين الناس بطريقته الخاصة حيث جسده وملابسه مغموران بدماء محمد ثم صعد إلى باب منزله، ووجد هاجر جالسة أمام الباب، وحين رأت نوح بهذه الهيئة، لم تندهش وقالت ببرود: _واضح إنك كنت مشغول أوي. _قاعدة كده ليه؟ أجابت هاجر بتهكم: _عشان في واحد أخد كل المفاتيح عشان يحبس غادة جوه. كانت هاجر تقصد نوح بحديثها الساخر هذا، فابتسم نوح وأخرج مفتاحه وفتح الباب، ودخلا كلاهما. فور أن دخلا، نهضت غادة وهي تحدق فيه بهلع: _نوح!!! عملت إيه؟؟! إيه منظرك ده؟؟! قال نوح ببرود: _متقلقيش، ده مش دمي. _أومال دم مين؟ تجاهلها نوح واتجه مسرعًا لغرفته ولحمامه الخاص ليستحم، فنظرت غادة لهاجر وهي تسألها في حيرة وصدمة شديدة: _إيه ده يا هاجر؟ هو عامل كده ليه؟ _والله أنا زيي زيك معرفش، بس متقلقيش أوي كده، عادي يعني. هنا سمعوا رنين هاتف نوح الذي وضعه على المنضدة، فاتجهت غادة إليه وحين رأت المتصل، التقطت الهاتف وأعطته لهاجر وهي تقول: _ده الشيخ مصطفى. أخذت هاجر الهاتف، وحين فتحت الخط، سمعت صوت مصطفى المقلق: _السلام عليكم، نوح عايزك ضروري. _خير يا مصطفى؟ _هاجر... نوح فين؟ _بيستحمى. _طب خليه يوقف اللي بيعمله ويجيلي على المستشفى. أنا بعت له اللوكيشن بتاعها. قلقت هاجر وقالت: _ليه؟ خير حصلك إيه؟ _محصليش، ده عصام حصلت له حادثة وحشة، بيقولوا. عايز نوح عشان يشوفه معايا. ارتاحي أنتِ وخليه ييجي هو، أنا عايزه هو. _حاضر، ماشي، هقوله. كان نوح يستحم باسترخاء وسكينة وراحة عظيمة، حالته الآن أفضل من حالته منذ بداية اليوم بأضعاف الأضعاف. يبدو أن تعطشه لسفك الدماء سيصبح عادة عنده، وسيضطر لاختيار ضحية من بعد عصام ومحمد ليقوم بالتنفيس ومعالجة هلاوسه وجنونه وإسكات عقله بدلًا من كتابة المعادلات الرياضية. كان مبتسمًا مرتاحًا، ليس لأنه انتقم لغادة، بل لأنه قام بتعذيب أحد مستخدمي السلطة الفاسدة كمحمد وكعصام. يشعر بفخر عظيم متوعدًا أن يكرر هذا الأمر مجددًا، متوعدًا أن يقضي على أمثالهم في المستقبل القريب. هنا طرق باب الحمام من قبل غادة وهي تقول: _نوح، مصطفى عايزك تروح معاه المستشفى عشان عصام حصلت له حادثة. *********** وصل كل من نوح ومصطفى إلى العناية المشددة في المستشفى التي وُضع فيها عصام، وحين علم الطبيب بقدومهم، أتى إليهم ليقول مصطفى بقلق عارم: _خير يا دكتور؟ إيه هي إصابة عصام؟ سكت الطبيب سكوتًا طويلًا، وعيناه تفيض بالحيرة والتوتر، وقال: _أنا طول عمري في شغلي ما شوفتش إصابة كده في حياتي... إصابة مش هيعرف يعيش بشكل طبيعي من بعدها إلا لو استغنى عن أهم حاجة. _مش فاهم يا دكتور، فهمنا لو سمحت. استنشق الطبيب نفسًا ثم بدأ يشرح لهما عن مكان إصابة عصام، وكيف كانت الإصابة، وكلما يتفوه الطبيب بكلمة، كلما إكفهر وجه مصطفى وتجحظت أعينه من صدمة تلك الفاجعة، ويزداد صدمة ودهشة نوح الممزوجة بالشماتة. أنهى الطبيب حديثه بقوله: _إحنا سيطرنا على النزيف، بس إحنا مضطرين بعد ما نطلع له الرصاص من جسمه... نعمل العملية. قال مصطفى وهو يحاول التحكم في نبرته المرتجفة من شدة حسرته على أخيه: _ط.. طب يا دكتور، متأكد إن مفيش حل تاني غير ده؟ _صدقني والله مفيش، لازم العملية دي تتعمل ونحاول نعالجه كويس عشان عملياته الحيوية تشتغل بشكل سليم وما يتعذبش بسببها. سكت مصطفى قليلًا وهو يفكر، ثم قال: _طب أنا كنت قرأت إن فيه نوعين من العمليات دي، فحضرتك هتعمله أي عملية؟ النوع الأول الأصغر ولا النوع التاني الأكبر؟ _للأسف... هنعمله النوع التاني. لم يتمالك نوح شماتته في عصام، وفور أن سمع ذلك ابتسم ابتسامة خفيفة في صمت، على عكس مصطفى الذي لم يستطع مواجهة تلك الفاجعة والبلاء القاتل الذي حل على عصام سوى بالدعاء وهو يردد بتهدج: _إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون. ولأجل صحة عصام، ولأجل عمليات جسده الحيوية، وافق مصطفى وقرر نوح أن يدفع هو حق العملية بكل رضا وسرور، وبعدها أخذوا الممرضين عصام إلى غرفة العمليات ليقوموا بهذا الأمر بعد إخراج الرصاص من جسده. بعدما دخل عصام غرفة العمليات، ومصطفى ساكت تمامًا لا يكف عقله عن التفكير فيما حدث لعصام، يفكر في رد فعله بعدما يصحو من العملية وكيف سيكمل حياته بهذه الهيئة؟ كيف سيتأقلم؟ كيف سيتقبل؟ كيف سيصبر؟ هنا قال نوح لمصطفى: _محتاجين بقى نبقى معاه عشان ما ينتحرش من كتر الحسرة اللي هتجيله على نفسه. شعر مصطفى بنبرة تهكم خفيفة في صوت أخيه، فنظر إليه وبدأ يتأمل تعابير وجه نوح التي بدت مسرورة بشكل طفيف، ليسأله مصطفى بتعجب وغضب: _هو أنت فرحان في اللي حصل لعصام ولا إيه؟ نظر نوح ببرود لأخيه ورفع منكبيه وهو يجيبه بلا مبالاة: _أصلي يعني دي أنسب عقوبة لأي مغتصب يعني، معرفش إزاي مفكرتش في كده من الأول. اتسعت أعين مصطفى في صدمة عارمة وهو يقول: _مغتصب؟! هو عصام اغتصب واحدة؟؟!! أومأ نوح برأسه ثم قال: _وبسبب اللي عمله ده هي انتحرت، وبسبب انتحارها أبوها كمان انتحر بعد ما قتل أمها. شوفت تكبر عصام أدى لإيه؟ أدى إنه يكذب في البث بتاعك ويعمل نفسه ملاك، بس إبليس مينفعش يرجع ملاك زي الأول. ده عقاب ربنا لعصام يا مصطفى، متجزعش، هو يستحق ده. نظر مصطفى لباب غرفة العمليات بنظرات قهر وحسرة على ما فعله عصام بنفسه طيلة عمره من شهوات وظلم، وكل ما قاله في هذه اللحظة متقبل قدر الله وعقابه لعصام: _أسأل الله إن عقابك في الدنيا يكفر عن ذنوبك ويزيحك من عقاب الآخرة يا عصام ولو بشكل بسيط، الله يسامحك، الله يهديك ويهدينا اجمعين، وإنا لله وإنا اليه راجعون. ********** أتى اليوم التالي، وأتى موعد قدوم إسماعيل لمنزل هالة لينهي ذلك الأمر تمامًا. هالة المسكينة لم تكف عن البكاء حين رأت أن الكل تركها وحيدة. إن كان والديها لا يملكان الرأفة تجاهها، إذًا لن يوجد أحد ليرأف بها. هذا ما كانت تقنع به نفسها. انتهت حياتها وانتهى مستقبلها بسبب جشع والديها وسرقتهما للناس. سمعت صوت طرق الباب المعلن عن قدوم إسماعيل ووالده. ها هو إسماعيل يدخل المنزل بصحبة والده ويسلمان على والدي هالة. بعد جلوسهم، قال إسماعيل: _واضح أنكم عارفين اللي حصل لهالة والكلام اللي دار عليها، وأنا جيت عشان أنهي الموضوع ده، بس محتاج هالة تكون معانا. قالت الأم: _أه طبعًا، طبعًا هي جاية أهي. نادَت الأم عليه، وبعد برهة خرجت هالة بجلباب الصلاة دون الاهتمام بارتداء أي ملابس أو وضع أي زينة. أقدمت عليهم بوجه عابس وجلست بينهم دون أن تنطق. نظر إسماعيل إليها نظرة لم تفهمها هالة، ثم عاد ونظر لوالدها وهو يقول بصوته الواضح المغمور بالثقة والثبات: _أنا جيت النهاردة يا أستاذ عشان ننهي الموضوع ده، وأنا عارف أنك هتوافقني. أومأ الأب برأسه وهو يقول: _أكيد طبعًا يا بني، هوافقك. ابتسم إسماعيل ثم قال: _تمام، أنا قررت أن أنا وهالة نكتب كتابنا بكرة إن شاء الله حالًا عشان تكون أقرب مني أكتر وأقدر أحميها بنفسي بدون أي حدود بيننا. وبعدين أول ما هيبقى عندي القدرة المالية في الفرح والإشهار، هبلغ حضراتكم. ومتقلقوش، مش هتبقى مدة طويلة. حديث إسماعيل بدَّل ملامح الجالسين تمامًا، فنظرت هالة إليه بعينيها الضاحكتين وبدهشة عارمة، وقد أُنير وجهها من شدة ابتهاجها بتلك المفاجأة الجميلة. بادَلها إسماعيل نظرات السرور بطرف عينيه وبابتسامته الثابتة. بعدها عاد ونظر لوالديها الذين عبس وجههما في لحظة. ولكنهم اضطرا أن يوافقا بعد أن اشترطا على إسماعيل الكثير من الشروط، وقد وافق إسماعيل عليها كلها. وافق والديها حاليًا لكي تسنح لهما الفرصة في التفكير في طريقة أخرى لإفساد هذا الزواج. ولكن حاليًا، سيتم عقد القرآن على إسماعيل وهالة، ليثبت إسماعيل أنه لا يتأثر بالإفك ولن يسمح بترك هالة تعيش في سجون وعذاب وإذلال طوال عمرها.
ROMISAA