٤٨ قبيل فجر اليوم التالي، يصحو عصام من نومه مقلقًا، وقرر أن يقوم إلى الحمام ثم يعود ليكمل نومه. فور ان خرج من الحمام، قرر أن يذهب إلى غرفة أحمد ابنه، التي تبيت فيها علا، فقط ليطمئن عليها. ولكنه وجدها جالسة على المائدة، وحولها كل بيانات وأوراق أولاده التي أعطاها له نور. قال عصام بضيق: _مش هتبطلي تفتشي في مكتبي بقى؟ _لا، مش هبطل. تبسم عصام وجلس بجانبها وهو يقول: _ماشي يا ستّي براحتك. _إزاي ماتقوليش على الملف ده؟ _عشان ماكنتش عايز. _إنت شوفته؟ _لا، مفتحتهوش من ساعة ما أخدته. _طب ياريت تشوفه معايا. التقط عصام ورقة وكانت لابن من أبنائه، بها بياناته كلها وصوره صغيرة له، وعقد ما بين حاجبيه بنفور شديد فور أن رأى سبب الوفاة: سبب الوفاة: تجربة زرع قلبين. ابتلع لعابه والتقط بسرعة الورقة التالية، وكانت لفتاة ابنته وسبب الوفاة فيها: سبب الوفاة: عسر ولادة وإجهاض. قال عصام، ونبرته تهتز من شدة غضبه: _هو إيه ده؟ هم كانوا فين وحصلهم إيه؟ قالت علا في همّ: _معرفش بجد، شوف الوشم اللي تحت عينيهم، وشم مشترك... أكنهم كانوا في عصابة مثلاً. ظل عصام يتنقل بين الورقة والأخرى وهو يقرأ أسباب الوفاة بأسى وحسرة شديدة، إلى أن توقف وضرب الورق بالطاولة وهو يبعد أنظاره. لتضع علا يدها على منكبه، وهي تربت عليه، وتقول: _مكنتش تعرف إنهم كلهم ميتين؟ _كنت أعرف... بس مش بالطريقة دي. _هما ٤٤ بس مش ٤٥، فأظن في واحد منهم لسه موجود في مصر، غير ابنك أحمد طبعًا. _طب وده هلاقيه إزاي؟ صمتت علا في حيرة وهي تفكر: _الموضوع هيبقى صعب... بس مش مستحيل. لملم عصام الأوراق ودسّهم في الملف وهو يقول: _ياريت ما تشوفيش الملف ده تاني. دار صمت بينهما برهة، ثم قالت لكي تغير من حدة مشاعره: _مش أنا متقدملي تلات عرسان؟ نظر إليها وقد ابتسم وهو يقول: _بس؟ _شايفهم قليلين؟ _جدًّا، يعني واحدة في جمالك أقل حاجة تلاتين راجل اللي يتقدملك. ضحكت علا ثم أضافت: _عجبك حد فيهم؟ صمتت علا وقد طال سكوتها، ثم قالت: _معرفش يا عصام، مش حاسة إني مستعدة للخطوة دي تاني. _شوفيهم بس، اتعرفي عليهم، ممكن يعجبك حد منهم. _حتى دي ما عنديش طاقة ليها والله، بس هحاول أديلهم فرصة وأشوف. ********** في الصباح، بعدما أوصل مصطفى ابنته إلى مدرستها، سار باحثًا عن وسيلة مواصلات توصله إلى عمله الجديد. مرتديًا سترة أنيقة، ممسكًا بحقيبته الجلدية السوداء الخاصة به، كانت هيئته أنيقة ومهندمة في شعره ولحيته، واضعًا الكحل الأثمد، وتفوح رائحة المسك منه. ركب مصطفى الباص، وكانت تلك المرة الأولى له بعد ما يقارب العشر سنوات. لم يعترض على قضاء الله، فحمد الله بكل رضا، وقرر استخراج كل ما هو إيجابي من ذلك. وما هو إيجابي أكثر هو أن الله رزقه بعمل آخر، رغم أنه عمل مؤقت بسبب ذلك المدعو رفعت، ولكنه رزق عظيم من الله، وكل ذلك نتيجة لدعائه المستمر واستمراره في السعي. وأثناء جلوسه، لاحظ فتاة تقف وحولها مجموعة رجال. فنهض وجعلها تجلس مكانه، لتشكره وتجلس مكانه وهي تحدق فيه كما لو كانت تتحقق من ملامحه المألوفة على عينيها. هنا نظر إليه أحد الشباب الذي وقف بجانبهم، فقال له: _حضرتك أستاذ مصطفى عبدالباقي؟ _أيوة أنا. _أنا بحب حضرتك أوي. _أحبك الله يا حبيبي. _بس سقطت في نظري في آخر حاجة قولتها يا شيخ؟ _سقطت في نظرك؟ _أه. _وليه بقى سقطت في نظرك؟ _يعني حضرتك أذكى من كده، اللي قولته في خطبتك ما يخش العقل بصراحة. أنت عرفت منين كل اللي قلته دا؟ يعني الشخص بيتأكد أوي من كلامه كده لما يكون فيه دليل... ممكن أعرف دليلك؟ صمت مصطفى قليلاً ثم قال: _واحدة كانت هناك، جات وقالتلي كل حاجة، حتى في حاجات كتير أنا مقولتهاش، ومش هقولها. صمت الشاب برهة في قلق على وشك تصديقه ثم قال: _ط...طب هي عرفتك الطريقة اللي خرجت بيها؟ أصل أختي هناك، ومش عارفين نوصلها يعني في طريقة تقدر تخرج من المكان دا؟ _البنت اللي جاتلي كانت هربانة... _يعني إيه؟ _يعني اللي بيروح هناك مستحيل يطلع... اللي بيروح ما بيرجعش. _ما هي رجعت أهي. _هي أختك عندها كم سنة؟ _عشر سنين. حَرِدَ مصطفى بعد أن ذكر الشاب سنها الصغير. وحين لاحظ الشاب تقطيب وجه مصطفى، قال بقلق: _شيخ مصطفى طمّني، أرجوك... سكتت ليه؟ _إنت عارف أنا قلت إيه في الخطبة؟ _أيوة... هما بيعملوا كده للناس الكبيرة أكيد مش الصغيرين، صح؟ _لو كده ليه الصغيرين سعرهم أغلى من الكبار؟ شعر الشاب بورطة شديدة أدت لزيادة أنفاسه هلعًا، لتلحقه امرأة في منتصف العمر أمامه بقولها: _يا بني، إنت مصدقه؟ دا كلامه زي السم، بيقول كده عشان يقطع رزقنا ويرعبنا، أختك يا بني في أمان، محصلهاش حاجة، ولو هتحب تطلع هتطلع والله يا بني. قال رجل آخر: _أيوة يا بني، سيبك من كلام الراجل دا، تلاقيه إخواني بدقنه الكبيرة دي، وهم كده غاويين ينكدوا علينا بإسم الدين. قال شاب آخر: _أيوة يا عم، دا كذاب وشكله بيصدق نظريات المؤامرة والماسونية والجو العبيط دا، فكك منه. ظل كل من في الحافلة يسخرون من مصطفى لإدخال الطمأنينة في قلب الشاب وللدفاع عن أنفسهم أيضًا، نظرًا لأن كلهم قد باعوا من أهلهم شخصًا. ومصطفى متجاهلهم تمامًا، ممتعضًا بشكل خفيف، ثم قال للشاب: _إنت مش زيهم، كل دول باعوا عيالهم ومرتاحين من عدم وجودهم، وبالفلوس اللي أخدوها من وراهم. كلهم حتى مش محتاجين يتطمنوا عليهم، كلهم كانوا نفسهم يقتلوا عيالهم بسبب الظروف... بس اللي عملوه إنهم استغنوا عنهم مقابل فلوس، عشان كده هما مرتاحين وضميرهم مرتاح. اسأل أي واحد فيهم دلوقتي، هما بيتواصلوا مع عيالهم إزاي... ولو بيتواصلوا، خليهم يقولوا لك الطريقة، ووقتها أطلع أنا غلطان وكذبني وافضحني في كل حاجة. نظر الشاب إلى المرأة التي تحدثت المرة الأولى، وهو يسألها: _حضرتك بعتي حد؟ _أه يا خويا، بعت بنتي من عشر سنين كده. _وأخبارها إيه؟ _كويسة طبعًا. _آخر مرة كلمتيها إمتى؟ لم تجب المرأة، فكرر سؤاله لها لتقول: _أنا مبكلمهاش يا بني... بس أنا لما بتصل بيهم كل مرة يقولولي إن فلانة بخير وبأحسن حال ويقفلوا في وشي. صمت الشاب في حيرة، ونظر لمصطفى، ثم عاد ونظر للذهب الذي ترتديه المرأة... بالطبع هذا جزء من مال ابنتها. هنا قال مصطفى: _ينفع أسألك سؤال أنا بقى؟ _اتفضل. _أنتوا ليه لسة بتركبوا أوتوبيسات؟ _هو أنا رايح أزور واحد صاحبي وراكب الأوتوبيس بس عشان معاييش فلوس أركب أوبر، كل اللي معايا فكة، أنا بنزل بكريديت دايمًا. وكده كده أبويا مش عايز يصرف كل الفلوس بسرعة، لأن ماليش غيرة... لو خلصت الفلوس... مش هيعرف يبيع حد تاني، هو مخطط يجيبلي عربية بس لما أنجح في الثانوية العامة. _باع أختك عشان عربية، أنا لله وأنا إليه راجعون. شعر مصطفى بضيق شديد من وضعه في هذا الباص، فطلب أن يتوقف السائق لأنه لن يجلس في مكان تمّت إهانته فيه ومليء بالمغيبين الأغبياء. نزل مصطفى وتوقف منتظرًا حافلة أخرى، وهنا سمع صوت فتاة تنادي عليه: _لو سمحت... لو سمحت. التفت مصطفى، وكانت الفتاة ذاتها التي أجلسها بمقعده. _أيوة، اتفضلي. _ه... هو حضرتك قولت إيه في الخطبة يخص حوار بيع الناس دا؟ _تقدري حضرتك تشوفيها، أنا بعتذر جدًا، أنا ورايا شغل. _أ... أصل أهلي هيبيعوني... تحرك مصطفى بحركة تدل على انتباهه بما قالت لتردف: _وهما أقنعوني إن المكان اللي هروح فيه جميل، حاجة زي الهجرة كده وهخش حياة جديدة... هو مش دا اللي هيحصل؟ _لا، مش دا اللي هيحصل. _أومال هيحصلي إيه؟ صمت مصطفى قليلاً ثم قال: _اسمك إيه؟ _هالة. أخرج ورقة وكتب فيها رقم نجلاء وعنوان منزلهما، وهو يقول لها: _دا رقم مراتي، اتصلي بيها واحكي لها مشكلتك، وروحي لها عشان تشرح لك بالضبط إيه ممكن تشوفيه هناك، وبعدها ارجعي لأبوك واقنعي بأي طريقة إنك رافضة. ********** قرر نوح الذهاب إلى المدرسة في صباح ذلك اليوم بعدما جاءت هاجر لتكون المرافقة لغادة فقط للتحدث مع رفعت والتحقق منه أكثر. دخل نوح المدرسة، وكانت تلك المرة الأولى بعد ضربه لرفعت. اتجه إلى مكتب الأخصائي الاجتماعي ليحدث رشا، ولكنه لم يجدها، فقرر أن يتجه إلى غرفة المدرسين مباشرةً. وحين دخل، وجد كل المدرسين جالسين ما عدا نور الصاوي. نهض أشرف وعلاء له يسلمان عليه بحفاوة اشتياق. ثم قال له أشرف: _رفعت مستنيك في مكتبه... عشان خاطري متعملش مشاكل يا نوح بالله عليك. أومأ نوح برأسه ثم إتجه إلى مكتب رفعت، وقف أمام الباب وهو ممسك بالمقبض، يشعر بالهم الشديد لعدم رغبته في رؤية هذا الشخص، ولكنه أجبر نفسه ثم فتح الباب دون أن يطرق ودخل. نظر رفعت إليه ببرود، كذلك نوح، ودار بينهما صمت حتى قال نوح: _أشرف قال إنك مستنيني، اتفضل، عايز إيه؟ أوعى تكون مستني مني اعتذار ولا حاجة؟ _لا يا نوح، مش مستني اعتذار، بس أنا محتاج أتكلم معاك، أنا من حقي أعرف سبب ضربك لي. _بطل تمثيل، أنا عارف إنك قتلت أمك. _وفيها إيه؟ مش أنت كمان قتلت أمك؟ أجابه نوح بنبرة صارمة وقال: _لا... أنا مقتلتهاش. _مش إنت كنت بتاخد الفلوس اللي كانت بتسيبهم لعلاجها؟ مهي ماتت بسبب التعب، إنت متعرفش؟ يعتبر قتلتها. ظل نوح يحدق في رفعت بأعين متحجرة، محاولًا كتم صدمته وحسرته، فنوح يصدق أنها قد تموت بسببه بالفعل لأنه حتى الآن لا يعلم أنه تم إعدامها. تنهد رفعت وهو يقول: _كان أبوك بيحبها أوي، كانت أذكى وأجمل أنثى الواحد ممكن يشوفها في حياته، مكانش أدهم بس اللي بيحبها، يوسف كمان كان بيعشقها. تعتبر العداوة اللي بين يوسف وأدهم سبب كبير منها هي والدتك، بس عشان أكون صريح... هي مكانتش بتعبر أي حد منهم... سكت رفعت ليقول نوح: _رفعت، إنت مين بالضبط؟ _أنا اللي بحكم مصر، أنا رئيس مصر المخفي... عارف إزاي؟ _إزاي؟ _أدهم بيحكم العالم بينا، بيهدد كل رئيس دولة بملفاته وبسلطته، وبيشترط عليهم إن كل جناح من عصابته يحكم الدولة دي معاه بمليشياته. _يعني... إنت قائد الميليشيات اللي ظهرت آخر عشرين سنة؟ _أيوة... هو في غيرها؟ _إنت حاولت تقتل مصطفى... إنت عارف دا معناه إيه؟ _بس هو ماماتش... لو عايز تنتقم اتفضل أنا قدامك. _هعمل فيك إيه أكتر من العلقة اللي أديتهالك؟ أنا عايز تمن العربية بتاعته اللي فجرتهاله. عقد حاجبي رفعت متعجبًا وهو يقول: _أنا؟ وهتصدقني لو قولتلك إني ماليش علاقة بالموضوع دا؟ _لا. _خلاص.. هبقى أنا أديه عربية هدية يا سيدي... بس أحسنله يعرف مين عمل كدة بالضبط عشان متتكررش تاني. _وهو مين غيرك هيحاول يقتل مصطفى؟ _الحكومة كلها نفسها تقتل مصطفى يا نوح... لولا إنه متوصى عليه من يوسف إمام كان اتقتل من سنين. _متوصى عليه من يوسف إمام ليه؟ _ابقى روح اسأله. _مصطفى دلوقتي بقى بيشتغل في شركتك، دا معناه إنه وقع تحت فخك وهتقدر تقتله بأسهل طريقة؟ _لا خلاص كدة مش هجرب أقتله تاني، هو إنت مفكر لما بحاول أقتله بكون عايز أقتله؟ كلها بتبقى أوامر من أدهم عشان نشوف عياله بقوا عاملين إزاي، وفي نفس الوقت بنسكت الريس اللي بيزن علينا عشان نقتله... نحاول إحنا نقتله أحسن حد من غريب يحاول يقتله. ادعي على ابني واكره اللي يقول آمين. على العموم، تقدر ترجع دلوقتي متقلقش على أخوك. صمت نوح قليلًا ثم قال: _أنا هكمل في شغلي هنا. ابتسم رفعت ابتسامة عريضة وهو يقول: _ومكانك لسه زي ما هو. فور أن خرج نوح من مكتبه، التفت نظر رفعت لحاسوبه، وأثناء تنقله بين الأخبار، لاحظ خبرًا أنار وجهه بالسرور: <المعالج الروحاني نور الديب سيقوم بأكبر تجمع بالمسرح الكبير بدار الأوبرا، حيث سيتواصل مع الشعب من خلاله وسيساعدهم بشكل مباشر، وميعاد اللقاء هو الثالثة عصرًا.> عرضت ابتسامة رفعت والتقط هاتفه ليتصل به: _أيوة يا رفعت. _إيه حوار التجمع دا؟ _عادي هكلم الناس كدة والعب بدماغهم شوية. _وبعدين؟ _مستني الفلوس صح؟ _أي طبعًا، الميلشيات محتاجين أسلحة أكتر وأكل أكتر ومرتبات أعلى، وأنا معنديش المقدرة المادية لكل دا. _متقلقش، أنا عندي مفاجأة هتعجبك أوي هتجيب لنا فلوس بالملايين في أيام قليلة. بعدما خرج نوح من مكتب رفعت، ظل يسير بخطوات بطيئة تتباطأ من شدة تفكير نوح المفرط على حالهم في الوقت الراهن، تتزاحم الأفكار والتساؤلات في عقله بخصوص وضعهم مع رفعت وكيف سيصدونه هو وأدهم عنهم؟ دخل نوح حمام المدرسين وأثناء ما كان يغسل يده: ~مش عايزك تقلق، أمك ماماتتش بالطريقة اللي رفعت قالك عليها، اسأل نجلاء هي تعرف هي ماتت إزاي. رفع نظره للمرآة ليرى مايا في انعكاسه ليقول نوح: _أرجوك، متخلينيش أسمع صوتك ولا أشوف وشك في مكان تاني بره البيت، ممكن؟ ~مش هتتعود بقى؟ أظن المفروض تردلي جميل إني أنقذت غادة. _أيوة، وشكرًا جدًا على دا، بس لو سمحت متظهرليش قدام الناس عشان بتوترني. لم يرد مايا عليه، فرفع نظره مجددًا للمرآة ليرى خلفه نور الصاوي لينتفض نوح ملتفتًا إليه وقهقه نور وهو يقول: _إيه يا عم مالك، خوفت مني؟ _ل.. لا بس محسيتش إنك دخلت يعني. _آه عشان أنت بتكلم بنفسك وعايش في عالم تاني. سكت نوح ليضحك نور وهو يربت على كتف نوح ويخرجان كلاهما من الحمام، ونور يقول له: _عامل إيه؟ واحشني والله، أخبار غادة إيه؟ _كويسة الحمد لله. _هزورها النهاردة، هتكون موجود؟ _آه طبعًا، تنورنا يا حبيبي، هما كمان هيكونوا موجودين النهاردة. _حلو أوي، من زمان نفسي أقابلكم كلكم سوا. ********* وصل مصطفى إلى الشركة حيث مقر عمله الجديد. كانت الشركة ضخمة وفسيحة من الداخل وراقية حقًا، بدت عليها الاهتمام الشديد في التصميم المعماري والنظافة. سار إلى المصعد ودخله ليكتشف أن بداخله موظفًا وموظفة. دخل وهو يسلم عليهم ثم ضغط على رقم الدور المراد به، فقالت الموظفة له: _حضرتك جديد هنا؟ _أيوة... أنا المستشار القانوني الجديد. _إنت سعودي؟ _لا، حضرتك أنا مصري. وصل للطابق واتجه لمكتبه، كان يعلم بمكانه كما وصفه له رفعت. حين دخله، بدأ يذكر الله من شدة جمال المكان. حقًا، كان واسعًا وجميلًا وراقيًا جدًا. وحين اقترب، وجد اسمه على المكتب منحوتًا. ابتسم مصطفى ابتسامة بسيطة بتلقائية، وهنا سمع طرقًا على باب من باب داخل المكتب، وفتحه شاب طيب الوجه حسن الهيئة، وهو يسلم: _إزي حضرتك يا أستاذ مصطفى؟ _الحمد لله. _أنا موريس صبحي.. سكرتير حضرتك، ودي أوضتي اللي متوصله بمكتب حضرتك. ابتسم مصطفى وصافحه وهو يقول متعجبًا: _أنا ليا سكرتير؟ _آه.. أصل الشغل هنا هيطلع عين حضرتك، فلازم يكون معاك سكرتير عشان عينه هي كمان تطلع مع عينيك، فيكون فاضلنا عين وعين وإحنا الاتنين نشوف بعيون بعض والجو دا. لاحظ مصطفى أن موريس كثير الكلام وهو ممسك بيده يصافحها باستمرار طيلة حديثه. وحين لاحظ موريس أنه بالغ في حركته وتحدثه، ترك يده وهو يضحك معتذرًا. مصطفى وهو يربت على منكب موريس: _إنت جديد في الشغلة برضو زيي؟ _يعني شوية، بس معرفش ليه أول ما شوفتك... اتوترت.. يعني ليك هيبة كدة... وأطول مني... أنا بتوتر من الناس اللي أطول مني شوية. تبسم مصطفى ضاحكًا، وبدا على موريس أنه يمتلك روح داعبة لطيفة. وهنا طُرق الباب ودخلت رشا عليهم وهي تقول بابتسامة عريضة: _إزيك يا حضرة المستشار، إيه الجمال دا؟ قال مصطفى دون أن ينظر إليها: _الحمد لله. قال موريس: _إزيك يا رشا، إيه هتشتغلي هنا إنتِ كمان؟ _لا يا موريس مش دايمًا، هاجي بس لما يحتاجني رفعت. هو قالي روحي لمصطفى واطمئني عليه وشوفي لو محتاج حاجة. قال مصطفى: _لا شكرًا، أنا جاهز للشغل الوقت. كان بيدها ملف به بعض العقود والمستندات وأعطته له وهي تقول: _تمام، اتفضل تقدر تبدأ دلوقتي... أه صحيح، أستاذ رفعت بيقولك ياريت تقصر دقنك شوية عشان شكلك يكون مناسب لموظفين الشركة. اغتاظ مصطفى من ذلك الطلب بشكل طفيف مما جعل نظره يخترق عينيها لأول مرة، وكانت نظرة صارمة. قال بنبرة هادئة بها تحدي: _قوليله مش هيقصرها. ارتبكت رشا للغاية وشعرت أن ضربات قلبها تتسارع من جمال عينيه، واحمر وجهها بالكامل وازدادت أنفاسها كما لو كانت رئتاها تتقلص أكثر فأكثر. رغم أنها كانت نظرة سريعة، تركها وذهب لمكتبه بعدها فورًا، لكنها تأثرت بشدة وكأن نظرته كانت رصاصة في قلبها. تمالكَت نفسها ولم تقل شيئًا، فقط سلمت عليهما وخرجت ليضحك موريس ويجلس أمام مصطفى وهو يقول: _أنا أول مرة أشوف رشا العقربة دي وشها بيقلب ألوان كدة... إنت عملت إيه؟ _معملتش حاجة. _أصلك متعرفش، دي محدش يقدر عليها، كل لما تيجي الشركة الموظفين يشيلوا الهم منها من كتر جبروتها واستفزازها. _ربنا يهديها. حين لاحظ موريس أن مصطفى لا يريد الاطالة في الحديث، استأذنه ليعود لمكتبه. ليوقفه مصطفى بقوله: _ موريس. توقف موريس والتفت لمصطفى ثم قال: _أنا مش هتعامل معاك كأنك سكرتيري، إنت هتبقا صاحبي. اتمنى لو رفعت قالك أي حاجة... ما تعملهاش إلا لما تقولي، ماشي؟ _أ... أكيد طبعًا. ابتسم مصطفى وسمح له بالذهاب، وعاد يقرأ تلك العقود. ********** في الوقت نفسه، كانت نجلاء جالسة تقرأ ما كتبته هاجر لها في الدفتر. كانت قد أنهت الصفحات الأولى فقط، ولكن رغم أنهن صفحات قلائل، إلا أن ما ذكرته هاجر يشيب الرأس من هول الرعب في حروف كلماتها. دق جرس الباب لتنهض نجلاء وتنظر من عين الباب، وحين تأكدت أنها هالة، أدخلتها. _تعالي يا هالة، خشي يا حبيبتي. دخلت هالة في إحراج، لتطمئنها نجلاء بالحديث الحسن، وبعدما جلستا، قالت هالة: _ما شاء الله، طلعتي جميلة أوي. ضحكت نجلاء وشكرتها، ثم قالت: _قوليلي يا هالة... اتفقتي إنتِ وأهلك إنك تتباعي؟ _أيوة، وعلى ما جيتلك، شوفت خطبة الشيخ مصطفى... هو فهمت من كلامه مثلًا أن هيتم إجبارنا على الشغل مثلًا؟ زي المصانع وكده؟ دا اللي كان قصده ولا إيه؟ _للأسف يا هالة، الموضوع أبشع من كده بمليون مرة. هما متفقين يبيعوكي إمتى؟ _أول ما أتخرج... يعني آخر السنة دي. _إنتِ لازم تقنعيهم يشيلوا الفكرة دي من دماغهم وترفضي. _ب.. بس... هما قالولي يا تتباعي يا تتجوزي... وأنا مش عايزة أتجوز. _يعني تروحي لمكان يعذبوكي فيه وممكن يستخدموكي للدعارة ولتجارة المخدرات، أهون من أنك تتجوزي؟ قالت هالة بنبرة مرتجفة من الصدمة: _هما هيعملوا فيا كده؟ _أيوة والله العظيم... بصي أنا هدورلك على عريس كويس ويتقي الله فيكي ويكون مصطفى عارفه عشان يكون ثقة... وياريت، ياريت لو تعرفي بنات زيك قوليلي عليهم عشان أجوزهم. يا ما أكتر الشباب اللي نفسي يتجوزوا بس مش لاقيين بنات. _فيه كتير... معظم صحابي اللي بيتباعوا عشان مش عارفين يجوزوهم بسرعة. _والله تلاقي دي بتبقى حجة وهما عايزين يبيعوهم عشان الفلوس وخلاص. بس لو الموضوع دا شائع فعلاً، أنا هحاول اتصرف فيه.. وهبدأ بيكي. ********** بعدما انتهى مصطفى من عمله، اتجه لمدرسة ابنته لكي يعودا للمنزل سويًا. وحالما وصل اكتشف أنه تبقى ساعة على موعد انتهائهم، فاستأذنهم لكي يدخل ويرتاح قليلاً، فسمحوا له. دخل مصطفى المدرسة وبدأ يتجول فيها وهو يشاهدها ويتخيل ابنته وهي تقضي وقتها في كل مكان تقع اعينه عليها، إلى أن وصل لجزء من حديقة المدرسة كان خلف إحدى المباني. لاحظ وجود رائحة كريهة بشعة في هذا المكان، وبدا أن هناك جثة لقطة أو لفأر. استوقفه اتصال أمه ليخرج الهاتف ويرد عليها: _السلام عليكم، إزايك يا حبيبتي؟ _وعليكم السلام، أنا الحمد لله يا بني، أخبار الشغل الجديد إيه؟ _الحمد لله كويس، ربنا يديم نعمته عليا يا رب. _طب يا بني، منار بقالها كام يوم بسمع عياطها، وكل لما أسألها مالها، مبتردش... تعالى يا بني شوف مشكلتها، البنت صعبت عليا. _كلمي نجلاء خليها تشوف مشكلتها، أكيد مش هتحكيلي أنا يعني. _لا يا بني هتحكيلك، هي بصراحة بتخاف من نجلاء. _يعني إيه بتخاف من نجلاء؟ دي أنظف وأجمل منها بمليون مرة، هي اتجننت؟ _يا بني، مش قصدها تخاف من شكلها.... قصدها أنها مبترتاحش معاها... يعني عشان.... _عشان إيه؟ في تلك اللحظة، أثناء ما كان يتجول في الحديقة، لاحظ شيئًا غريبًا خارجًا من التربة، جعله يثبت مكانه ويتفكر بإفراط. _بصراحة يا بني، منار بتحبك ومش عارف هي بتعيط على الموضوع ده ولا إيه، هي قالتلي أخلي ده سر، بس لو الموضوع ده السبب، فإتجورها يا بني وخليها تهدى، لأن صعبانة عليا أوي. ظل مصطفى يحدق في ذلك الشيء في الأرض، وكان يتأمله ويدقق نظره فيه بشدة وهو يفكر ما يكون ذلك، ومن كثرة تفكيره وتركيزه لم يسمع ما تقوله أمه بالضبط. ظل صامتًا مدة وهو يتمعن في ذلك الشيء، إلى أن قالت أمه: _مصطفى، إنت سامعني؟ استفاق وقال: _أ.. أيوة يا ماما، معلش... كنتي بتقولي إيه؟ _إنت مسمعتش اللي قلته؟ _لا والله يا أمي، معلش... انشغلت في حاجة كده. _ولا يهمك يا بني... المهم لما تيجي ياريت تعدي عليا الأول تشوف مشكلتها. _ماشي يا حبيبتي... عايزة حاجة وأنا جاي؟ _لا يا بني، كتر خيرك، شكرًا. سلم عليها وأغلقت معه، وجلس مقرفصًا لكي يلقي نظرة أوضح على هذا الشيء في الأرض، وفي عقله يدور استنتاج واحد فقط ولكنه يحاول تكذيبه. كان ما يراه أشبه بأطراف أصابع تخرج من الأرض، كانت غير واضحة لأنها كانت أطرافًا بسيطة حتى لم تكتمل العقلة الواحدة منهن. أمسك مصطفى هاتفه واتصل بعصام، وحين رد عليه وسلم عليه، قال عصام: _خير يا مصطفى، في حاجة؟ _عايزك تيجي مدرسة بنتي... هبعتلك اللوكيشن. _عارفها، عارفها، ليه؟، عايزني أروّح بنتكوا للبيت ولا إيه؟ _عايزك بس تيجي تشوف حاجة في الجنينة... شكلها غريب... ابقى اتأكد أنت أحسن ما أتأكد أنا. _شكلها غريب من ناحية إيه يعني؟ _حاجة شبه... الأصابع. صمت عصام قليلًا ثم قال: _تمام... هبقى أجي أول ما أفضى. في تلك اللحظة سمع مصطفى الجرس وأغلق مع عصام وخرج للساحة لكي يستقبل ابنته. ********** بعد ساعة تقريبًا، عادت رحمة من المدرسة. كانت تسير في شارعها تحاول مقاومة أنظار أهل الحي عليها. لم تختلف نظراتهم البذيئة تلك أبدًا منذ المشكلة الأولى. صعدت ودخلت المنزل وسلمت على أمها. _ازيك يا ماما؟ لم ترد أمها عليها، فدخلت رحمة غرفتها. وهنا وقفت أمها على الباب وهي تقول: _كنتي فين يا ****ة امبارح؟ _نعم؟؟ _بقولك كنتي فين؟ _ما إنتِ عارفة... هي مش رشا قالتلك؟ _وأنا هصدق رشا؟ أوعى تكوني فاكرة يا بت إنّي مصدقة شغلك مع الراجل الوسخ دا... دا انتِ طلعتي ****! _هو إحنا مش خلصنا من الموضوع دا؟ هنا سمعت وقع أقدام قوية عنيفة تبين سخط صاحبها، ثم سمعت والدها يقول باغتياظ شديد: _البت جت؟؟ قالت الأم: _أيوة، تعالى خلينا نخلص منها بقى. انتفض قلب رحمة من تواصلهما الغريب. وقفت وهي مستغربة ماذا يريدان أن يفعلا. دخل والدها وسرعان ما تهجم عليها وصفعها بقوة وفور سقوطها ارضًا انهال عليها بالضرب المبرح بقوة وسخط عظيم، يجذب شعرها بشدة وهي تصرخ وتحاول ان تبعده عنها، وأثناء ضربها كان يقول: _كنتي مع عصام يا ***** يا *****، كدبتي علينا عشان تبقي معاه يا *****، شافوكي امبارح وانتِ بتخرجي من عربييتتهه يا *****ة، اقسم بالله لابيعك يا وسخة اقسم بالله لابيعك. وحين أفرغ ضغينته عليها بقوته الجسدية وسبابه البذيء تركها بعدما ركلها في بطنها ثم خرجا من غرفتها تاركان إياها وهي تتململ من شدة الألم وتئن أنين مصحلب ببكاء منهك، حتى من شدة الضرب لا تستطيع أن تتحرك، ومن ألم جسدها الخارق وصدمتها النفسية قرر عقلها أن يستريح بفقدانها الوعي. ********* يدخل مصطفى منزل ريهام، وحين رآها قبل رأسها وسلم عليها وهو يقول لها: _قولتي لمنار إني هاجي؟ _آه، لابسة كويس متقلقش، هي في المطبخ دلوقتي. _اندهيلها، أنا مش هقف أتكلم معاها لوحدي. _يا بني، ما أنا قاعدة اهو، روح اتكلم معاها، هي مش هتعوز تتكلم وأنا موجودة. تنهد مصطفى بضيق وذهب إلى المطبخ، وتنحنح قبل أن يدخل. التفتت منار وابتسمت إليه وهي تقول: _ازي حضرتك يا شيخ مصطفى... والله واحشني. _إيه المشكلة بقى؟ أمي قلقانة عليكي وبتسمع صوت عياطك كتير الفترة دي. الموضوع له علاقة بأهلك؟ تحولت ملامحها واصفر وجهها، اختفت ابتسامتها، وبدا عليها أنها ستبكي مجددًا. وحين طال صمتها محاولة تجميع شتات مشاعرها المتضاربة، قالت بصوت خافت: _ل..لا... أنا بس اكتشفت حاجة... _وهي؟ _يعني مش حاجة مهمة... متشغلش بالك. _أنا الحقيقة مش شاغل بالي، بس أمي اللي شاغل بالها، وانتِ مش عايزة تتكلمي معاها. _مهو الموضوع يخص حاجة مفيش غيرك يعرفها. تحولت نظرته إليها واتسعت عيناه من صدمته مما قالته، ليقول لها بصوت خافت صارم: _أقسم بالله لو عملتي حاجة من ورايا.... _والله العظيم ما عملت حاجة... أنا تايبه والله العظيم. _أومال في إيه؟ خرجت الدموع من عينيها، ولكن تمالكت نفسها. قالت بصوت خافت للغاية همسًا بأقل ما عندها، لم يسمعها مصطفى ولكنه قرأ شفتيها وفهم ما قالته: _أ.. أنا حامل. ********** في المسرح الكبير بدار الأوبرا، والحاضرين مكتملين لا يوجد كرسي واحد فارغ. جميع الحاضرين من جميع طبقات المجتمع، في المقدمة الطبقة الغنية حتى وزراء ورجال أعمال، ومع التوغل للخلف وللأعلى تقل الطبقات المجتمعة أكثر. كلهم جالسون منتظرين قدوتهم، منتظرين ما يزعمون أنه نبي ومولى ومن أولياء الله الصالحين، منتظرين قديسهم ومحبوبهم. هنا خلف الكواليس كان نور الديب يتجهز بسترته الأنيقة لكي يلقي خطابًا وحوارًا بينه وبين أتباعه. ~أنا جعان. زفر نور بضيق وهو يحدث الطفل الذي بداخله: _احنا لسة آكلين. ~لا، أنا مش عايز الأكل دا، أنا جعان. تنهد نور ونظر لإحدى مساعديه وهو يسأل: _جيبتوا اللبن؟ _آه يا مولانا، اتفضل. التقط نور زجاجة حليب خالية من اللاكتوز وتجرعها كلها ثم استعد وخرج لجمهوره. صفّقوا له بحرارة ورحّبوا به بحفاوة وهم يرددون اسمه تبجيلاً له، وهو يبتسم لهم ابتسامة عريضة وأشار لهم أن يوقفوا. وبعد أن توقفوا وسلم عليهم قال: _من لا يشكر الناس، لا يشكر الله، وأنا جمعتكم النهاردة عشان أشكركم على إيمانكم بيا وبالهبة اللي ربنا وهبها لي، وأنكم مستسلمتوش لكلام من هم ضدي، اللي بيتهموني بالكفر، واللي بيتهموني بالزندقة، واللي بيتهموني أني ساحر ومشعوذ. سكت نور قليلاً وقد صدرت منه ضحكة خفيفة ليردف: _هو دا كان حال الأنبياء أول ما ظهروا، كانوا كتير بيقفوا ضدهم، وبيئذوهم، وبيزجروهم، وبيتهموهم إنهم سحرة ومشعوذين زي ما حصل لي بالضبط، ودا يدل على أن خلاص إيمان الناس رجع للجاهلية من أول وجديد. عشان كده ربنا بعتلي ليكوا، عشان أقوي إيمانكم، عشان أزيد البركة بينكم، عشان أساعدكم بقدر الإمكان المساعدة اللي محدش من الحكام ساعدهالك. عاد لصمته برهة ثم قال: _في الحقيقة، السبب الرئيسي اللي جمعتكم النهاردة علشانه هي معجزة، معجزة عظيمة جدًا جدًا جدًا حصلتلي. هتقولولي ما إنت بتعمل معجزات دايمًا، هقولكم آه بس دي غيرها... أنا نزل عليا الوحي، جبريل عليه السلام بدأ يجيني ويحدثني عن حالكم وعن الحلول لكل مشاكلكم، وعن كل التفاصيل اللي بتحصل لنا في العصر دا، وطبعًا أنا دوّنت كل اللي قالهولي. أخذ نور أنفاسه وهو يتدعى التأثر بأكاذيبه: _عايز أقولكم إن نزول الوحي عليا كان مش سهل، كان شديد، ومؤلم ومفزع، تمامًا زي ما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم، ودا يدل على أني بتعب عشانكم... ومستعد أعمل أي حاجة عشان أرجع إيمانكم لقوته، وعشان كده قررت من منبري دا أعلن عن المصحف الجديد اللي جبريل وصاني أنشره. هنا في الشاشة خلفه ظهرت صورة أشبه بالمصحف ولكنه مختلف، وأعطى أحد مساعديه الكتاب ذلك. وقال نور للجمهور وهو ممسك به: _الكتاب المقدس دا سميته بكتاب النور المقدس، دا اللي هينور لكم بصيرتهم، وهيدخل النور في عقولكم وقلوبكم. فيه كل ما هو يطمئن القلوب وكل الحلول لمشاكلكم ومفيش فيه أي سيرة للحروب والغزوات، لأن أنا محب للسلام وأشجع للسلام. بعد كده كل ما حد يسألكم عن ديانتكم، قولوله انا مسلم نوري، والكتاب المقدس دا هينزل في معرض الكتاب اللي هيفتح كمان كام يوم. هكون هناك وهقابلكم وهوزع عليكم البركة، أنا في انتظاركم. دبت التهاليل والتصفيق المستمر والابتهاج بين الجمهور، كان المسرح يهتز من شدة تعظيمهم له وهتافاتهم له، ونور يتأملهم بابتسامته الصفراء بكل تكبر وكبرياء. لقد تمادى نور الديب في كفره، وتمادى في استفزازه للمسلمين العقلاء، كل مرة يزيد من حديثه الباطل المقنع للكثير من المغيبين الجاهلين. إنه مسيح دجال عصره، وأتباعه فاقوا الآلاف وهم في زيادة. كيف سيتم إيقافه؟
ROMISAA