لعلها نهاية المعاناة ٣

لعلها نهاية المعاناة ٣

42 0

٧٤ مرَّ يومان، قام إسماعيل فيهما بعقد قرانه على هالة في جلسة عائلية بسيطة، ونشروها على وسائل التواصل الاجتماعي. رسميًا أصبحت شرعًا وقانونًا زوجته، ولكن ليس بشكل كامل نظرًا لعدم قيام حفل زفاف. بدت على هالة حماسها الشديدة من هذا الأمر. فقبل الظهيرة، يعود إسماعيل من عمله في الشركة وينتهي من صلاة الظهر، بينما يذهب والده إلى متجر العطارة. دخل إسماعيل منزله ليتفاجأ بوجود هالة فيه. وقف إسماعيل أمام الباب في دهشة عارمة، حيث انسابت خيوط الشمس المتسللة عبر النافذة لتلقي بريقها الذهبي على وجه هالة الأسمر. كانت تجلس بهدوء قرب باب الشرفة على كرسي أريكة مريح بجانبه. فور أن رأى إسماعيل شعرها المجعد الجذاب لأول مرة، شعر بضربة ناعمة على قلبه. والهواء المحيط به أصبح أكثر كثافة. افتتانه بها كان عظيمًا، وجاذبيتها كانت قوية جعلت جسده مشلولًا عاجزًا عن الحراك. كانت جالسة على طاولة الطعام التي بجانب باب الشرفة الزجاجي وتدرس. فور أن سمعته يدخل، رفعت عينيها نحوه ونهضت بحماس وابتسامة جذابة تظهر سرورها العارم من قدومه. عندها فقط، شعر إسماعيل بأن الأرض قد سُحبت من تحت قدميه، واعتملت مشاعره في صدره من انبهار وافتتان. نظراته الثابتة الممزوجة بالإعجاب العظيم والانبهار والحنان والافتتان جعلتها تستحي. ثم اقتربت إليه وهي تسلم عليه وتقول: _إيه رأيك؟ حمايا، اللي هو والدك يعني، قالي تعالي عند إسماعيل اليوم كله وهبقى برا ويسيبنا أنا وانت براحتنا. فلبستلك حاجة حلوة كده واختارت أكلة حلوة نطبخها ونأكلها سوا. قال إسماعيل، وهو يتأمل ملامحها النقية: _ه... هو مش أبوكي وأمك اشترطوا ما نبقاش أنا وإنتِ لوحدنا؟ _ماليش دعوة بيهم، ما دام إنت جوزي حلالي فأعمل اللي أنا عايزاه. وكلمتك فوق كلمتهم، طاعتك أحق من طاعتهم، مش دا الدين برضو؟ قال إسماعيل، وعينيه لا تطرف أبدًا، مستمرًا في تأملها بهيام قوي: _دا الدين، أيوة دا الدين. نظرت هالة إلى كتابها وهي تقول: _أنا لسالي حاجة بسيطة هخلصها ونبدأ نشوف اللي هنطبخه سوا، وطبعًا هنصلي الظهر سوا جماعة ماشي؟ _ماشي، وريني بتذاكري إيه؟ رفعت هالة الكتاب وهي تشرح له ما كانت تذاكره، وبدت عليها اهتمامها بتلك المادة وشغفها تجاه الكلية التي هي بها، هي كانت كلية إعلام. بينما كانت هالة تريه كتابها وتشرح له بشغف، كان ما زال يحدق فيها وبصره ثابت متحجر عليها كما لو أنها الوحيدة في العالم. حين لاحظت ثباته، نظرت إليه وقالت وهي تضحك: _يابني أنا بشرح لمين؟ ضحك إسماعيل وحاول أن يستفيق من غيبوبة التي أدخلها جمال هالة فيه ثم نظر للكتاب، ولكن لاحظ هنا في معصمها خيطًا من الصوف مربوطًا بعقدة واحدة في منتصفه. تعجب إسماعيل من ذلك الشيء فلم تكن أسورة أو أي شيء، فقط مجرد خيط في منتصفه عقدة. _هو إيه دا يا حبيبتي؟ نظرت هالة لذلك الخيط ثم قالت بابتسامة شغوفة وحماسية: _أصل أنا قرأت إن فيه حديث للرسول ﷺ لما كان بيصف حبه لعائشة رضي الله عنها، فقالها إن حبه ليها زي العقدة في حبل، مهما اتشد العقدة ما تتفكش. فهي بقى عشان تتأكد من حبه بتسأله عن حال العقدة، فهو يرد عليها كما هي. فحبيت الحديث دا أوي وقررت أخلي العقدة دي رمز لحبنا برضو. كان إسماعيل يستمع لها وهو مستمر في تأمل حركات ملامحها اللطيفة الجذابة ولمعان عينيها الذي يظهر شدة مشاعر الحب والارتياح والحماس في قلبها. وبعد أن أنهت، قال لها مبتسمًا بنبرة ودودة لينة: _جميل والله يا حبيبتي، بس دا حديث باطل. اختفت ابتسامتها فجأة واتسعت عيناها في صدمة وهي تقول: _إيه دا؟! بجد؟! _أه والله. عبس وجهها، ليمسح بإصبعه على خدها في حركة سريعة مداعبة وهو يقول: _متبوزيش كده. في حديث في الصحيحين بيصف فيه رسول الله ﷺ حبّه لأمنا عائشة وهو بيقولها: "كنتُ لكِ كأبي زرعٍ لأمِّ زرعٍ، إلا أنَّ أبا زرعٍ طلَّق، وأنا لا أُطلِّقُ." _أه، شوفت الحديث دا بس مفهمتوش. يعني مين أم زرع وأبو زرع؟ استنشق إسماعيل نفسًا ليستعد في شرح الحديث لها، ثم قال بابتسامته الجميلة ونبرته الشغوفة: _بصي، هو الحديث دا طويل أوي. أساسه إن في نساء اجتمعوا عشان يتكلموا عن أزواجهم. وفي واحدة منهم اسمها أم زرع، حكت عن أبو زرع جوزها. كان بيكرمها آخر كرم ويدلعها آخر دلع وبيبسطها آخر انبساط. عمره ما زعلها أبدًا وعمره ما ضايقها أبدًا. فضلت تذكر إن قد إيه كان زوجًا مثاليًا وعظيمًا، والحياة معاه كانت جنة، ولكن للأسف في نهاية جوازهم، أبو زرع طلقها. وهي اتجوزت بعده زوجًا كريمًا وجميلًا برضه، بس كانت بتقول مهما الزوج دا عمل، مش هيعمل زي اللي عمله أبو زرع. فلما عائشة رضي الله عنها حكت له عن الموضوع دا قالها: "كنتُ لكِ كأبي زرعٍ لأمِّ زرعٍ، إلا أنَّ أبا زرعٍ طلَّق، وأنا لا أُطلِّقُ." أعجبت هالة بمعنى الحديث بشدة، ثم أضاف وهو يحسس على معصمها حيث الخيط: _بس ما عنديش مانع نقتبس فكرة العقدة لعلاقتنا زي ما عملتي كده، بس ما ننسبهاش للرسول ﷺ. أومأت هالة برأسها وهي تقول: _تمام، ماشي. استمر إسماعيل بالتحديق فيها بينما كانت تنظر لكتابها، وهو يوقن الآن لماذا قد تكون النساء أكبر فتنة. ظل يتأمل ذلك البريق الذي يشع من عينيها عندما تكون غارقة في لحظة صافية من التركيز، وتلك الطريقة التي ينسدل بها خصل شعرها المجعد الداكن على جانب وجهها كزينة لملامحها النقية. حاول أن يشيح ببصره، أن يهرب من سطوة هذا الجمال الهادئ، لكنه عجز. شيء ما في هذه اللحظة ربطه بها كخيط غير مرئي، كخيط الصوف في يدها، كأنه كان يخشى أن تتحرك عيناه بعيدًا فيفلت منه هذا المشهد إلى الأبد. وبكل هدوء، أمسك إسماعيل بذقنها وجعلها ترفع رأسها له، ثم أومأ برأسه ليعطيها قبلة رقيقة. ولكن قبل أن تتلامس شفتاهما، سمعا صوت انفجار عظيم هائل أدى لهزة أرضية خفيفة جعلتهم ينتفضون ويتشنجون من هول الصدمة وعظمة الصوت. _بسم الله الرحمن الرحيم، إيه دا؟! صاحت هالة بقولها ذلك ليتجه إسماعيل مسرعًا نحو الشرفة، ويرى دخانًا بتصاعد في الأفق في أقصى الغرب حيث منزل مصطفى. قبض قلب إسماعيل، والتفت مسرعًا إلى هالة وهو يقول: _هالة، إنتِ لازم تمشي! البسي بسرعة وأنا هوصلك، يلا بسرعة!                             ********** قبل هذا بدقائق، كانت هاجر وريهام في السوق يبتاعان الطعام، تلك العادة التي أصبحت عادة مفضلة لهاجر. كل شيء يجعلها تلتئم مع المجتمع العادي البسيط؛ من جلب الطعام والذهاب إلى السوق المزدحم المكتظ بالمواطنين، حيث كل منهم منشغل بهمومه وأعبائه. أمر يجعلها في حالة من الاستقرار والراحة. _نجلاء لسه متوحمتش على حاجة؟ سألت هاجر ريهام هذا السؤال، لتضحك ريهام ضحكة الأم المبهجة وهي تقول: _لا لسه، شوية كده. تساءلت هاجر بفضول: _هو الوحم ده حاجة حقيقية ولا خرافة؟ سمعت حوامل كتير بيقولوا إنهم متوحموش. _والله يا بنتي، ما أنا عارفة. الحمل ده معجزة من ربنا، وهتلاقي كل ست نظامها يختلف عن التانية. الحمد لله، ربنا ما أردش إني أكون منهم. مر الوقت، ومع أذان إقامة صلاة الظهر بصوت مصطفى، كانوا قد أنهوا تسوقهم بالفعل. مصطفى يصلي إمامًا، خلفه ليس بعدد كبير من الناس؛ فلم يكن بينهم إسماعيل أو جمال أو هشام لانشغالهم في هذا الوقت. وصلت كل من ريهام وهاجر إلى شارع بنايتهما. أمسكت هاجر بحقائب ريهام لتضيفها إلى الحقائب التي كانت تحملها، وتسبقها إلى المنزل أثناء انشغال ريهام بالتحدث مع إحدى الباعة الجائلون. كانت الأجواء طبيعية، روتينية. يسير الناس بخطى هادئة أو سريعة تحت أشعة الشمس الذهبية. الأرصفة المزدحمة بالتراب وتزينها بالنباتات الصغيرة التي تنمو بين الحجارة التي تعطي لمسة من الحياة في وسط هذه الفوضى، وتدهسها أقدام القطط الصغيرة المبطنة. وفي الهواء، تحوم عبق من روائح متعددة؛ من الخبز الطازج الصادر من الخباز، أو الشاي المحلى، ودخان الأرجيلة الصادر من مقهى الرجال. بينما يمر الباعة الجائلون بعرباتهم الصغيرة، وهم ينادون بصوتهم الجهوري على بضاعتهم، والذي جذب ريهام إلى أحدهم. الناس يسيرون في سكينة؛ سكينة قد تدل على اطمئنانهم، وقد تدل على همومهم المهلكة المستقرة، بينما يطغى على ملامحهم الإنهاك واللامبالاة في غالب الأحيان. شارع كأي شارع مصري بسيط، مليء بالحياة والفوضى، والأصوات المتداخلة من السيارات. بينما يلعب الأطفال بالقرب من الأزقة الضيقة التي تنبعث منها رائحة المأكولات الشعبية التي تملأ الجو، يركضون وراء كرة صغيرة،  ويجتمع الناس البسطاء، يتشاركون همومهم، حيث يتبادلون الأحاديث الحارة عن السياسة أو حالتهم الاقتصادية أو مشاكلهم الشخصية. يوم كأي يوم روتيني في الشارع المصري والقرية المصرية البسيطة التي يعيش فيها مصطفى؛ قرية بها أناس مسالمون متقون، يعيشون بين أمواج الحياة المتلاطمة بين الهموم والسرور في هدوء تام. إلى أن... صاروخ مُسيّرة يهبط بسرعة عظيمة في طرفة عين من السماء فوق رأس عربة البائع التي وقفت عندها ريهام، ليُحدث صوت انفجار مدوٍ وهزة أرضية مُقبضة جعلت قلوب الناس تنكمش إثر الصدمة المهولة. وقد تركت هاجر ما بيدها وخرجت خارج العمارة لترى مشهدًا من السعير، حيث تهبط صواريخ مُسيّرة أخرى حول ذلك الحي وذلك الشارع تحديدًا. صاروخ هبط بجانب العمارة التي يسكن فيها مصطفى أدى إلى تدمير آخر ثلاثة طوابق. صاروخ يهبط فوق المواطنين المفجوعين الذين يهرعون للنجاة بحياتهم. صاروخ تلو الآخر، تلو الآخر، تلو الآخر... صيحات ذعر وهلع عظيمة تتعالى إلى السماوات وتختلط مع أصوات القصف والانفجارات. تصاعدت سحب دخانية كثيفة لتلتهم السماء الساطعة بلون قاتم. الأرض تهتز تحت وقع القذائف المتتالية، تملأ الفضاء بصوت مدوٍ يهز الأعماق، ولكن كان صوت صراخ الناس المفزع المفجع أعظم؛ فمن شدة صرخاتهم كادت السماء تنشق كما انشقت الأرض إثر قوة القذائف. سُحب من الغبار تنبثق وتعلو كلما ارتطمت القذائف بالأرض، وتُغطّي المشهد كله بظلال قاتمة. الطرق المدمرة تتكدس بالأجساد والأشلاء المتناثرة بعد كل ضربة. وأثناء ذلك، خرج مصطفى والرجال من المسجد وهم في حالة ذعر تام، يذكرون الله جهرًا من هول ما يسمعونه، حيث قُطعت صلاتهم وهرعوا مسرعين لحماية أهليهم والنجاة بهم، لتهبط قذيفة مُسيّرة أخرى فوق رؤوسهم مباشرة. في تلك الأهوال، لا يرى الإنسان أي أهمية للحياة سوى الحياة. حيث يترك الرجل متجره الذي بذل جهده العظيم بعسر طيلة حياته لإنشائه، يترك الرجل سيارته التي باع كل ما يملك ليبتاعها، تترك المرأة منزلها الذي قامت عائلتها منذ طفولتها بشراء أمتعته وممتلكاته بجهد كبير، يترك الطفل أصدقاءه باحثًا عن أهله حيث تتشبث روحه بهم وينجو معهم، يترك المرء حياته لينجو بحياته، يترك حياته لينجو بروحه. ولكن المُسيّرات كانت هائجة لا تتوقف. ذلك الهياج يبرز المكر العظيم خلف المتحكمين بها، وكانت تفتك بكل صغير وكبير دون رحمة ودون هدنة لثوانٍ. ومع آخر قذيفة، انتشرت سيارات الميليشيات بجنودهم مندفعين بهمجية قوية، حيث يقتلون كل حياة يرونها أمامهم من المواطنين والحيوانات. وبيد بعضهم سلاح صاروخي متطور يُوضع على الكتف (البازوكا)، يُطلقون صواريخه على أماكن عشوائية وعلى المواطنين المساكين العزّل. كان ما يقارب الخمسين سيارة قد انتشروا في جميع أحياء تلك القرية، ولكن ثلاثين منهم أتوا إلى شارع وحي مصطفى تحديدًا. لم يتركوا فرصة للناجين لاستنشاق أنفاسهم، لم يتركوا فرصة لهم لاستيعاب تلك الفواجع والأهوال، لم يتركوا لهم فرصة للحزن والجزع على الأموات والمباني التي تم دكّها. لم يتوقف الناس عن الهرع، أعينهم جاحظة تفيض بالذعر العظيم، وقلوبهم تضرب بضلوعهم كالمطرقة الحديدية. تطاردهم الميليشيات بذخائرهم وصواريخ البازوكا الخاصة بهم، وأقدامهم تجرّهم بسرعة غير موجهة. بعضهم يحمل طفله بين يديه ويتشبث به بقوة كما لو أن روحه متجسدة في جسد صغيره، وآخرون يجرّون أيدي كبار السن ويحملونهم على ظهورهم، وكأن الحياة تهرع بسرعة لا يمكنهم مجاراتها. الناجي هو من يلحق بها، ولكن قليلًا من نجا؛ فماتت الأم مع ابنها وروحها، ومات الابن مع أبيه المسن. كل هذا يحدث، حتى فجأة تنهال رصاصات متتالية على عربات الميليشيات وكل من فيها، والتي كانت صادرة من سلاح هاجر، التي التقطته بسرعة من مكتبة مصطفى وبدأت تحاربهم به. وفي اللحظة ذاتها، كان هشام يركض متجهًا إليها ويختبئ معها، وهو يقول صارخًا من شدة هلعه وقلقه: _دكتورة نجلاء فين؟؟!! سألت هاجر وهي تتابع الميليشيات من خلف جدار الزقاق الذي يختبئان خلفه: _إنت سيبت بيتك وأهلك وجيت؟! _أيوة، أول ما اتأكدت إنهم كويسين جيت على طول. مستحيل أسيب الشيخ والدكتورة؛ لأنهم أكيد جم عشان يقتلوهم. _على العموم نجلاء كويسة، أما مصطفى فمعرفش. أعطته سلاحًا وهي تقول: _بما إنك جيت، فلازم تشارك. أمسك هشام السلاح بيد مرتجفة وعزيمة صلبة، وبدأ كلاهما في إطلاق النار على الميليشيات. كان الأمر عسيرًا على هشام بسبب عدم خبرته بالأسلحة، ولكن توكله على الله ومساعدة هاجر له جعلاه يقتل ما يقارب خمسة أفراد، بينما قتلت هاجر خمسة وأربعين فردًا. لم يستقرّا في مكان محدد أثناء إطلاقهما للنار؛ كانت تذهب هاجر خلف الزقاق تارة وفوق الأسطح تارة، وكان هشام يتبعها في خطواتها دائمًا. ~فوق يا مصطفى، فوق!!! ضربة القذيفة بجانب جسده مباشرة لم تؤذه، ولكنها أدت إلى صدمة شديدة في رأسه جعلته يفقد الوعي لمدة قصيرة من الزمن. وحين فتح جفونه، وجد جسده ملقى بين أشلاء الرجال المصلين، الذين كان بينهم والد إسماعيل، والمباني التي دُمّر معظم طوابقها. أيقن مصطفى أن الميليشيات ستحتل قريتهم حتمًا، وسيعزمون على قتله هو ونجلاء. نهض بسرعة وهو يهرع تجاه منزله ليأخذ الأسلحة، ويتأكد من سلامة عائلته، ويبدأ الحرب معهم. أثناء ما كانا هاجر وهشام يحومان حول المربع ليفتكا بالميليشيات من جميع الاتجاهات، وصلت هاجر إلى المكان الذي كانت ريهام تقف عنده، لترى جثتها. كان جسد ريهام على الأرض، جذعها ممزق تمامًا، لا رأس، لا ذراعان، ولا أي شيء سوى بقايا لحمها وأشلائها. ما تبقى منها كان نصف جسدها السفلي وساقيها. ذلك المشهد جعل هاجر تتحجر في مكانها، اغرورقت عيناها من شدة الجزع والحسرة على فقدان تلك المرأة الجميلة بتلك الطريقة البشعة. قُتلت ريهام من قِبل مسيّرات الميليشيات. نور الديب، الإنسانة الوحيدة التي نادتها هاجر بـ"أمي"، لم يعد لها وجود. المرأة الوحيدة التي اتخذتها هاجر أمًا قُتلت واختفى وجهها وملامحها الطيبة. الأم التي لم تلدها، والتي لم تكن أمًا لهاجر فقط، بل لمصطفى، ولنجلاء، ولمريم، ولمنار، ولكل الناس، قُتلت. الجزع والسخط أحرقا قلبها وصدرها رمادًا. وصلت نيران الاحتدام إلى عقلها، فقد اغرورقت عيناها من شدة سخطها، وجزّت على أسنانها حتى كادت أن تكسرها. وكل ما فعلته أنها ألقت بالسلاح أرضًا، مما جعل هشام يحدّق فيها بصدمة وحيرة. وما زاد هلعه أنها تركته وحده وركضت بسرعة عظيمة نحو الميليشيات. وحين رأوها، بدأوا يطلقون النار عليها باستمرار، لكنها كانت كالسد المنيع؛ لا يؤثر فيها الرصاص، تمامًا كوالدها. في الحقيقة، فقد تقمّصت هاجر دور والدها في هذه الأثناء. واجهت الجنود بوحشية وقسوة عظيمة دون الاكتراث بالرصاص، الذي كان بالنسبة لها كقرصة بعوضة. كانت تمسك بأجسادهم وتقطعهم إربًا، وتحمل إحدى سياراتهم وتلقيها عليهم. وأثناء ذلك، كانت رجفة جسد هشام تزداد وهو يحاول قتل كل من يطلق النار على هاجر. إن سخط هاجر كان سخط شيطاني، واهتياجها كان عظيمًا جعلها تقتل أكثر من سبعين فردًا من جنود الميليشيات، وقضت على عشرين سيارة منهم وحدها، مما جعل العشر سيارات الباقية تنتشر وتطالب بقدوم عشرين سيارة أخرى. في تلك اللحظة، جاء مصطفى راكضًا نحو هاجر، ولكن استوقفه جسد والدته. توقف مصطفى وهو يلهث، ويحدق في ذلك الحذاء وتلك العباءة. كان عقله مشتتًا إلى حد كبير، واقفًا بين صرخات الناس وركضهم وأصوات طلقات الرصاص، يحاول استيعاب ما يراه: هل هي أمه بالفعل أم لا؟ في تلك الأثناء، جاءت سيارات أخرى، وفور أن رأى أحد الجنود مصطفى واقفًا في العراء، أخرج البازوكا ليقضي عليه، ورأى هشام هذا المشهد. _مصطفى!!!!!، وراك، وراك!!!!!!! صاح هشام بتلك الجملة وهو يلقي بسلاحه ويهرع مسرعًا إلى مصطفى. التفت مصطفى ليرى هشام ينقض عليه ويبعده عن تلك البقعة. وفي تلك اللحظة، جاء صاروخ البازوكا نحو هشام، ولكن لم يستوعب مصطفى هذا بعد. ففور أن سقط من دفعة هشام القوية، ركضت هاجر إليه، وجعلته ينهض ويختبئ خلف أقرب زقاق. قال مصطفى هنا وعيناه لا تطرفان: _دي أمي اللي هناك دي؟ دي أمي؟ نظر مصطفى لهاجر ليجدها تومئ برأسها بكل أسى وقهر. وحين عاد ونظر إلى ذلك المكان... رأى رأس هشام المفصولة عن جسده. لقد ضحى هشام بروحه من أجل مصطفى. هشام الذي قيل عنه إنه جبان، مات مضحيًا بروحه. لم يشعر مصطفى بتلك المشاعر منذ عشر سنوات. تلك الصدمة التي جعلت من جسده متحجرًا، وعقله متيبسًا، وقلبه منقبضًا. اكتوى روحه الموجعة وتضاربت الرياح الباردة مع التهاب جلده من شدة غليان دمه بسبب الجزع والحسرة. كل تلك الأشياء كانت تعظم من شلل جسده. الريح الباردة المختلطة بدخان القذائف ورائحة الدماء والبارود كانت تصفع وجهه كأنها تصرّ على إبقائه واقفًا رغم ثقل الألم الذي أحنى ظهره إلى حد الانكسار. عيناه شاخصتان نحو جثتين، أمه وهشام صديقه. كانت الرؤية ضبابية؛ ليس بفعل ضباب القذائف، بل بسبب الدموع التي تجمّعت في مقلتيه ورفضت الانهمار. كان صدره يعلو ويهبط، كأنما الهواء قد تحول إلى زجاج مكسور يجرحه مع كل شهيق وزفير. كان الألم أكبر من أن يُحتمل، وأوسع من أن يُوصف. أمه، التي تكفلت به، وأعطته حليبها وراحتها وأحضانها، وقامت بتربيته تلك التربية الحسنة، وقامت بجهد عظيم لحمايته كما لو كان ابن رحمها تمامًا. وصديقه، ذلك المسكين الذي لم يكمل الواحد والعشرين من عمره، الذي أثبت أنه أشجع رجل في العالم، وضحى بروحه من أجل روح مصطفى. القهر كان جمرًا متقدًا في صدره، يحرقه من الداخل دون أن يستطيع الصراخ. ~استخدم قوتك يا مصطفى، ده الوقت المناسب، انتقم لهم. ولكن لم يعد مصطفى في العشرين من عمره. أصبح يتحكم في قوته ليس كما كان قبل. وفي تلك اللحظة، عزم مصطفى ألا يستخدم قوته أبدًا طيلة حياته، وأن يفتك بالظالمين بيده وبيده فقط، وليس بالطبيعة التي لا يتحكم فيها سوى الله. ذلك الجزع والسخط والقهر الذي جعلوا قلبه ينصهر، وجعلت دمائه كالحمم البركانية في حرارتها وقوامها الثقيل، لن يكونوا الدافع في استخدام قوته. بل سيكونوا الدافع في بدء مقاومة كاملة، والدافع لوضع حد لهذه المهزلة. أعطته هاجر سلاحًا، وحاربا كلاهما ثلاثين سيارة وأكثر من مئة جندي من الميلشيا. كانت معركة دامية وعنيفة. لم يستخدم مصطفى فيهما سوى سلاحه ويديه. كلما يسخط، كلما يزداد جلده وعضلاته سمكًا، ولا يتأثر من مطر الرصاص الذي كان يهاجمهم هو وهاجر. تقمصا كلاهما شخصية والدهما في الوحشية والهمجية والعنف. وبعد وقت قصير، افتك كل من هاجر ومصطفى بالمليشيات وهزموهم بأشرس وأقسى هزيمة، لتكون تلك القرية الأولى التي تنجح في هزيمة المليشيات. هُزمت المليشيات بعدما دمروا كل شيء في فترة قصيرة، وأصبح الناس في حالة من محاولة عسيرة في الاستيعاب. كان الهواء ثقيلًا، ملوثًا برائحة البارود والدم، حتى الطبيعة فقدت قدرتها على التنفس. الأرض مغطاة بجروح عميقة، حفرت فيها انفجارات القذائف آبارًا من الخراب. الجثث والأشلاء كانت ملقاة هنا وهناك، البعض ملتصق بالتراب، والبعض الآخر تناثرت أطرافه في أماكن متفرقة، بينما تلاشت ملامح وجوههم تحت طبقات من الغبار والدخان. كانت الأعين، التي كانت ذات يوم مليئة بالحياة، الآن فارغة، تحدق في فراغ لا ينتهي. الناس الذين كانوا في لحظة يضحكون مع بعضهم، والحي الذي كان منذ لحظات مليئًا بالحياة والسكينة والطمأنينة، انقض عليهم الهلاك فجأة. سُلب منهم أحباءهم في غمضة عين، لتصبح أحاديثهم وكلماتهم وضحكاتهم صدى باهتًا لا يُسمع في عالم أصبح مليئًا بالخراب. موتهم لم يكن لحظة عابرة، بل كان هزة أزلية في أعماقهم، حيث كان الوداع لا يحمل من معانيه سوى الحزن والغياب، والموت لا يعدو كونه قدرًا مفروضًا لا يُرد. كان مصطفى وهاجر واقفين، ودموعهما تختلط بالدماء على وجهيهما، يحدقان في هذا الخراب من حولهما، حيث رجال ونساء يصرخون باحثين عن أحبائهم، يلملمون الأشلاء ويحاولون البحث عن ذويهم من تحت الأنقاض. رفع مصطفى رأسه نحو نافذة نجلاء لتقول له هاجر: _هي كويسة، متقلقش. قالت هاجر تلك الجملة بصوت واهن مرهق، ليرد مصطفى لها بالنبرة ذاتها: _خديها ووديها عند نوح. روحوا أنتم الاثنين هناك، لحد ما ربنا يفرجها. _وإنت؟ _مش هرجعلكم إلا لما نهزم الكفار دول. اتجه مصطفى بهدوء نحو رأس هشام، وحملها، ووجد حوله أطرافه وأشلاء جسده، فبدأ يلملمها ويضعها سويًا. أما هاجر، فتقدمت إلى جثة ريهام وظلت تحدق فيها، والدموع الحثيثة تنهال من عينيها. بعدها صعدت إلى نجلاء ليقوما بالذهاب. هنا، جاء مصطفى إلى جثة أمه، وجلس مقرفصًا على الأرض، والتقط يدها، الشيء المتبقي من نصفها العلوي. أمسك بيدها الباردة التي لطالما كان يقبلها يوميًا لمدة ثلاثين سنة. ذهبت ريهام وأصبحت بصحبة جلال الآن. ماتت أمه، وبطريقة أبشع من موت جلال. وكأن كتب على مصطفى ألا يودع أحبائه، ألا يقبل جبينهم، وألا يتأمل ملامحهم للمرة الأخيرة. ولكن على الأقل، تبقى يدها. انحنى مصطفى وقبل يدها للمرة الأخيرة، ثم وضع كفه على عينيه وانفجر باكيًا بحرقة. لم يكن وحده من يبكي، فبكاء الناس من حوله كان يتردد إلى السماوات. بكاؤهم وصياحهم وعويلهم من هول الفاجعة والصدمة، واستيعابهم لما حدث فجأة. بدأ الأهالي في إخراج مفارش لوضع الأشلاء وبقايا الجثث، وقد اتصلوا بالإسعاف ورجال الدفاع المدني لملاحقة المصابين ومن تحت الأنقاض. بدأ مصطفى المكلوم بمساعدة الناس في حمل الجثث ولملمة الأشلاء وملاحقة المصابين ومواساة المتضررين من فقدوا أحبائهم وذويهم. رغم فقدانه لأعز ما يملك، كان مع الناس، دموعه تختلط بدموعهم. إذا رأى أحدًا يصرخ ويدخل في حالة هلع، يهدئه ويذكره بالله ويدعو له. وأثناء ذلك لاحظ أن سيارته تنطلق خارج القرية ليتأكد أن هاجر أخذت نجلاء وذهبا. من انشغاله الشديد، لم يودع نجلاء حتى، فهو لا يعلم إن كان سيعود لها أم لا. بينما كان يضع جثة هشام في غطاء وجثة أمه في غطاء... _م...م.. مصطفى... ع..عندك واحد زيادة؟ كان صوت إسماعيل يحدثه بتهدج ووهن عظيم، فالتفت مصطفى له ليجد إسماعيل حاملًا جثة والده ووجهه مكتظ بالدموع حتى ابتلت لحيته. يبدو أنه بعد أن نجح في إخراج هالة من القرية بصعوبة، عاد ليجد جثة والده في الطرقات. كذلك جمال، حين عاد من عمله راكضًا ومر من عند شارعه، اكتشف أن منزله كان من نصيب إحدى قذائف المسيرات، ومر أمام عينيه مشهد جثة أخيه عبد الله حين قتلوه. احتد قهره العظيم حين رأى جثث القطط التي كان يطعمها. شعر كأن خنجرًا باردًا يخترق قلبه جعل دماءه تتجمد حين رآهم. قططه اللطاف، المساكين، لا حول لهم ولا قوة، كانت جثثهم متناثرة في الطرقات. جمال، صاحب الشخصية الحادة، لم يتحمل هذا المشهد واغرورقت عيناه دون البكاء. من بين القطط لاحظ واحدة مصابة إصابة شديدة، فسرعان ما حملها واستمر في ركضه ليطمئن على مصطفى وينقذها. وبالفعل وصل لمصطفى وإسماعيل، وبدأوا في مواساة بعضهم والجزع يفتك بروحهم. وهنا، حين لاحظ مصطفى تجمع الرجال، قرر أن ينتهز الفرصة وبدأ يحدثهم بصوت جهوري سمعه الجميع: _يا رجالة!!، ربنا عز وجل قدّر لنا أن نهزم المليشيات، وقدّر لنا أن نهايتهم تبدأ من عند قريتنا. لو هزمناهم مرة، هنقدر نهزمهم تاني وتالت بإذن الله لحد ما نبيدهم تمامًا وننهي الاحتلال ده. احنا لازم ندافع عن ديننا أولًا وعرضنا ثانيًا. كفاية سكوت على طغيان الكفار. احتلوا معظم مصر واحنا قاعدين ساكتين وبنقول إننا بعيد عن البلاء، وهاديكم شفتوا، دي نتائج سكوتنا. بداية الجهاد والمقاومة هتكون في أننا نسيب شغلنا، نسيب بيوتنا، نسيب القهوة والموبايلات والراحة والدلع اللي اتعودنا عليهم، ونسيب روحنا لله عز وجل ونحارب بدون خوف. من النهاردة هنبدأ ندافع عن ديننا وهنتضحي عشانه، وهندافع عن أهلنا وأرضنا. احنا هنواجههم وملناش دعوة بالجيش اللي وجوده زي عدمه. احنا اللي هنهزمهم زي ما هزمناهم دلوقتي. دخولهم القرية دي هي بداية لنهايتهم، وانتوا هتبقوا معايا. معانا أسلحة تكفي لثمانين فرد فوق اسلحة الميلشيات هتزيد عن مية وتمانين سلاح، وكل ما نهزمهم، كل ما نسيطر على أسلحتهم أكثر ونبقى أقوى. هنتوكل على الله عز وجل الذي لا إله إلا هو، واقسم بالله، ربنا ورب السماوات والأرض العزيز الحكيم، لهتكون نهايتهم على إيدينا بأمر الله. كلمات مصطفى لم تكن كلمات آتية من مشاعر فياضة، لم تكن كلمات عاطفية لزيادة عاطفة الرجال، لم تكن كلمات في لحظة حماس عابرة، بل كانت كلمات تخرج من لسان رجل عازم على هزيمة العدو بأي طريقة، رجل لا يخشى الموت، رجل مستعد للجهاد بكل ما يملك لأجل دينه. انتهت الأحاديث عن بر الوالدين، انتهت الأحاديث عن واجبات الزوجين، انتهت الأحاديث عن الرفق باليتيم وغيره، انتهوا كلهم وأتى وقت الجهاد، أتى وقت القيام بالجهاد نفسه. إن أكتوبر شهر النضال حقًا، وبتاريخ ثلاثين أكتوبر سنة ٢٠٤٢ تبدأ حرب المقاومة المصرية بقيادة مصطفى عبدالباقي ضد مليشيات رفعت محفوظ ونور الديب الإيرانية الهندية. ستبدأ الحرب التي ستخلد في تاريخ مصر الحديث.                          ********** في تلك الأثناء، يصل يوسف أمام لمنزله حيث فريدة وسليم ويدخل عندهم بعد الاستئذان. وجدها جالسة في غرفة المعيشة عابسة، كاد الغم أن يمزق قلبها لمئة قطعة، معها سليم يحاول مواساتها. فذلك اليوم ستعود فيه لمنطقة دارين. أتى إليهم وسلم عليهم. _هترجعي النهاردة يا فريدة؟ قالت بنبرة تظهر نغصها الشديد: _أيوة يا بروفيسور. جلس أمامهم وأخرج لها كيسًا يشبه كيس الكوكايين الذي كانت تبلعه، ولكنه كان أكبر بنسبة بسيطة وبه مادة رملية بيضاء تشبه الكوكايين أيضًا. فقال سليم بتحير: _إيه دا يا بروفيسور؟ قال يوسف: _اللي متعرفهوش يا سليم إن ياما جالي بنات للدعارة من تبع إبراهيم. أنا وإبراهيم بندور بيننا خطط خفية بواسطة بنات الدعارة اللي بيجوا لي. إبراهيم بقالي سنين بيخطط للهروب، وخطته من النوع البطيء وبعيدة المدى. ببعت بواسطة بنات الدعارة المادة اللي أنتوا شايفينها دي، دي بياخدها، وبطريقة معينة بحطها في الأكل لما كانوا بيطبخوا لهم. المادة دي سم بعيد المدى، تأثيره بيظهر بعد سنين وشهور. خليته يعرف إن مش بس ينفع تتحط في الأكل، بل ممكن تتحط في هدومهم أو أي أدوات شخصية للموظفين الأجانب أصحاب السجن، ودي كانت شغلانة ندى. ومع الوقت هيظهر تأثير السم دا فيهم كلهم مرة واحدة، ووقتها هيبقى ليكم الحرية في الهروب. كان حديث يوسف صادمًا لهما بشدة، فلم يتوقعا أن إبراهيم يمتلك تلك العقلية الفطنة والصبر العظيم. فسألت فريدة في حيرة شديدة: _طب إزاي تواصلتوا مع بعض وبدأتوا الخطة دي؟ _واحد مصري كان معتقل مع مصطفى من عشر سنين وعرف إنّي طلعت مصطفى بنفسي، ولسبب ما، راح لمنطقة دارين وحكى بشكل تلقائي عني قدام إبراهيم. وساعتها إبراهيم جات له الفكرة دي. في البداية وعلى أول واحدة طلبتها، انتهز الفرصة وقالها تقولي على كل حاجة. تعجب سليم وقال: _إ.. إيه دا؟ هو حضرتك بتطلب من هناك رغبة منك كده؟ نظر يوسف لسليم مبتسمًا ببرود وقال: _سليم، لو مفكرني طيب مية في المية فانت غلطان. سكت سليم في تهيع وهو لم يعد يفهم نية هذا الشخص، ليردف يوسف لفريدة: _إنتِ هتبلعي الكيسة دي، ومش عايزة تقلقي. دي مستحيل تتحلل ومستحيل تطلع مع فضلاتك. هي هتفصل في بطنك لمدة يومين كاملين. وأكيد أنتِ هتقدري تطلعيها خلال اليومين دول. وبعد ما تطلعيها، إديها لندى على طول. تمام؟ أومأت فريدة برأسها، والأمل بدأ يتغلغل في روحها مجددًا. _أنا ممكن أطلبك تاني عشان سليم بس بعد أسبوع، لأن ممنوع أطلبك أسبوعين ورا بعض. عرضت ابتسامتها في امتنان، وضحك سليم ورئتيه ترفرف كأجنحة الطير من عظم بهجته، ونهض منقضًا على يوسف ليقبل خده، فمنعه يوسف وهو يقول: _خلاص يا سليم، مش هنقضيها بوس. خلاص.                          ************ حديث مصطفى للرجال بعد تلك المجزرة التي حدثت في قريته، فقد قام أحدهم بتصويره مقطع فيديو ونشره، وقد أشعل مواقع التواصل الاجتماعي وجعل الكثير من الشباب والرجال ينضمون له، ومنهم ياسر صلاح الدين. الكل ترك عائلته ومنزله وعمله فقط ليدافعوا عن دينهم وأرضهم. فيما بعد، قام نوح بأخذ مريم من المدرسة إلى منزله، وأصبحت هي ونجلاء ماكثتين في منزله إلى أن تنتهي تلك الحرب ويعود مصطفى لهما. رأى عمر كل تلك الأخبار من حاسوبه بينما كان في مكتبه في عيادته. تلك الساعة كانت ساعة جلسة مريم، وأيقن عمر أنها لن تأتي على هذا المنوال. رغم ذلك، سمع عمر طرقًا على باب مكتبه، أي أن هناك مريضًا قد أتى. جلس عمر في تردد: هل يضع جلسة جديدة محل جلسة مريم أم لا؟ ولكن على أي حال، قام وقرر إدخال المريض؛ فهو لن يتركه بالطبع. اتجه عمر وفتح الباب ليرى شخصًا لم ولن يتوقع أن يراه واقفًا أمامه بتلك المسافة القريبة. فور أن رآه بأعينه شعر أنه يحلم أو يهلوس لوهلة، فمن المستحيل أن يكون هذا حقيقيًا. ولكنه كان حقيقيًا. شعر عمر وكأن رياح زمهرير تخترق مسام جلده وعضلاته وأوردته لتتجمد دماؤه من هول تلك الصدمة، رغم عظمتها إلا أنها لم تظهر على ملامحه بالطبع. _ إزيك يا دكتور عمر، تسمح لي آخذ جلسة مكان جلسة حفيدتي؟ كان القائل أدهم، دائمًا ما يكون كالأشباح يظهر فجأة ويختفي فجأة، استقبله عمر بملامح ثابتة رغم البلبلة العظيمة في مشاعره، وهو يقول بنبرة كادت أن تفضح ذعره: _اتفضل. دخل أدهم المكتب، وشعر عمر أن وجهه يتزاحم بقطرات العرق وملابسه رطبة من غزارة تعرقه رغم برودة جسده الشديدة من شدة صدمته وهلعه المكبوح من ذلك الرجل. أغلق عمر الباب وهو يتتبع أدهم بنظراته الثابتة. كان أدهم واقفًا يتأمل المكان ببرود نظراته ولغة جسده اللامبالية، وقال بنبرة باردة تلقائية: _هتتصل بالبوليس؟ قال عمر وهو متحفظ على بروده هو أيضًا: _ده هيفيد بحاجة؟ _لا. _يبقى مش هتصل. ابتسم أدهم ابتسامة تدل على إعجابه برد عمر وتصرفه. جلس عمر على كرسي وأشار لأدهم أن يجلس على الكرسي المقابل. فجلس أدهم وهو يقول له: _هتعرف تشخصني يا دكتور؟ التقط عمر دفتره وهو يقول دون النظر لأعين أدهم: _حضرتك قاعد هنا في مصر؟ _آه... هقعد فترة طويلة فيها. أنا أساسًا بقالي شهر قاعد أو أكتر ولسه مكمل. _جميل، يبقى هظبط لحضرتك جدول جلسات تستمر عليه وتجيلي، ووقتها هقدر أشخصك بإذن الله. أمسك بقلمه ليستعد للكتابة في الدفتر: _اسم حضرتك الثلاثي؟ سكت أدهم برهة وقد استوعب أنه لا يعلم اسمه الثلاثي في الأصل، فأجاب بلا مبالاة: _أدهم... حاجة... داغر. _سن حضرتك؟ قال أدهم وهو يرمق عمر بنظرات قد تثقب روحه من هيبتها: _أنت بتقول "حضرتك" كتير كده للمرضى بتوعك دايمًا ولا ليا أنا بس؟ حاول عمر الابتسام لتكون أجواء الجلسة رطبة وهو يجيب: _لا، بقولها للعملاء كلهم. أومأ أدهم برأسه، ثم أجاب: _سبعة وخمسين سنة... تقريبًا. كتب عمر السن، بعدها سأل: _المهنة؟ تعجب أدهم من ذلك السؤال وسأله بتهكم: _مهنة؟ نظر عمر إليه وهو يقول بنبرته التلقائية الثابتة: _لو شايف إن ليك مهنة حاليًا، تقدر حضرتك تقولها لي. عاد أدهم لسكوته وهو يميل برأسه ويفكر، بينما كان يتأمل ملامح عمر ويراقب لغة جسده. ثم أجاب بثقة وابتسامته المرعبة: _آه، ليا مهنة! مهنتي إني أنشر المساواة بين البشر. كتب عمر هذا، بعدها وضع الدفتر جانبًا وهو يقول: _مهنة ما توقعتهاش الحقيقة. تقدر تقولي إزاي؟ اتسعت ابتسامته، وعيناه ما زالتا لا تتزحزحان عن عمر، ثم قال: _خليني أسألك أنا سؤال الأول. اتفضل. _هو ممكن البشر كلهم من كبيرهم لصغيرهم يكونوا متساويين في حاجة في الدنيا دي؟ سكت عمر برهة ليتفكر في الإجابة، ثم قال: _البشر بينهم طبقات اجتماعية كتير، وفروق قوى جسدية ونفسية واجتماعية بينهم وبين بعضهم. البشر مخلوقين باختلافات كثيرة وعديدة، ولكن في نظري الاختلافات دي ما بتختفيش إلا لحظة الموت؛ بمعنى إنهم ما بيتساووش غير عند الموت. قال أدهم وهو يحرك رأسه نافيًا: _لا، خرافة إن البشر بيبقوا متساويين عند الموت دي خرافة قديمة وبطلت؛ لأن حتى الموت ما بيبقوش متساويين فيه. اللي بيموت من الجوع مش زي اللي بيموت من كتر السمنة والأكل اللي كبس على نفسه. _ولكن نهايتهم واحدة. _بس دي نهاية كده كده. سكت عمر قليلًا وهو يحلل حديث أدهم، ثم قال: _أفهم مقصدك إن أهمية المساواة بتظهر في الاستمرارية والحياة. _بالظبط. _وازاي حاجة زي دي ممكن تتحقق؟ زي ما قولت إنها مهنتك، دا معناه إنك حققتها بالفعل. اعتدل أدهم في جلسته وهو يرمق عمر بشكل أدق، وبنبرة هادئة خبيثة قال: _بالخوف. الخوف هي الحاجة الوحيدة اللي بتبين الإنسان على أصله، وهي الحاجة الوحيدة اللي بتكون مشتركة بين الكائنات الحية، واللي بتخليه بيفرقش عن أي حد تاني خايف زيه. وأنا بدوري خليت العالم يتشارك خوفه في حاجة واحدة، خوف العالم كله منه في نظري هي حالة من المساواة الجميلة. بذمتك مش دي حاجة عظيمة؟ قال عمر وهو يحاول بتعثر أن يحافظ على ثباته الانفعالي وهدوئه أمام عيون أدهم الثاقبة المفزعة في هدوئها: _افهم إن غرضك من الجرائم اللي بتعملها طول السنين دي هي إنك تساوي كل طبقات المجتمع؟ _دا مش غرضي بس. دا حلمي. حلمي من وقت ما كنت هناك. وأنا سعيد إنّي حققته بشكل كبير. الخوف هو اللي بيخلي الناس كلها على طريق واحد. والنجاة هو الهدف الأبدي للبشرية، الهدف اللي عند أي شخص مهما كان مين. عمرك شفت ملك وعبد بيخافوا من نفس الحاجة؟ أنا حققت دا. أنا خليت الغني والفقير، وصاحب السلطة والمهمش، والذكر والأنثى، والطفل والعجوز، كلهم، خليتهم كلهم يخافوا من حاجة واحدة. قدرت أخليهم كلهم يعملوا على روحهم بس لما يسمعوا اسمي. وأنا سعيد إني أخيرًا شُفتهم بيتشاركوا في حاجة واحدة بالشكل دا قبل ما أموت. مفيش أعظم من إنك تبين للإنسان أصله الضعيف. أمسك عمر القلم وبدأ يدون ملاحظات مما قاله أدهم ثم أردف بسؤال: _بس هل فعلاً حققت دا؟ يعني ممرش عليك في حياته حد مخافش منك؟ سكت أدهم قليلًا، وقد لانت نظراته ونظر للفراغ وهو يتذكرها. كلما تتغلغل الذكريات لعقله، كلما تفيض نظراته بالحنية والشوق. وقال بنبرة تختلف عن نبرته من قبل: _ليلى، الوحيدة اللي مخافتش مني عشان كدة عشقتها. سكت عمر قليلًا ثم سأله: _وأنت؟ أظن لو كنت حاطط جميع البشرية تحت خانة المساواة، فأظن لازم وقتها تكون من ضمنهم. هل بتخاف من نفسك ساعات؟ عادت نظراته الثاقبة الحادة والنبرة المتعالية اللا مبالية وابتسامته الخبيثة وهو يقول: _لا. أنا مش بحسب نفسي منكم. أنا مش من البشرية. مبتأثرش من الحاجات اللي بتأثروا بيها، ولا بمر باللي أنتوا بتمروا بيه. أومأ عمر برأسه وعاد لكتابة ملاحظاته في الدفتر. وهنا قام أدهم فجأة وبدأ يتجول حول الغرفة كما لو كان لم يطق الجلوس أكثر. سار أدهم إلى أن وقف أمام النافذة المطلّة على الشارع وسأل عمر هنا: _معندكش فكرة يا دكتور إزاي محدش قدر يقبض عليا لحد دلوقتي؟ أجابه عمر وهو ما زال جالسًا: _أعتقد إنك بارع في الهروب أكتر ما أنت بارع في القتل. أنت اتقنت الهروب قبل ما تتقن القتل. ابتسم أدهم بسبب إعجابه برد عمر مجددًا ثم سار ووقف تجاهه وهو يسأله: _وههرب من إيه لو أنا لسه مقتلتش؟ _ممكن يكون هروبك يكون للنجاة. وده غير الهروب من العدالة. استمر أدهم في السؤال كما لو كان يريد أن يتحدى عمر ويبصر منهجية تفكيره: _وههرب عشان أنجو من إيه؟ استمر عمر في الرد على أدهم وهو متحفظ على ثباته الانفعالي: _ممكن عشان تهرب من هناك. _هناك فين؟ _ماعرفش. أنت اللي قولتها. لما قولت "ده حلمي، حلمي من وقت ما كنت هناك"، هحب أعرف أنا كمان تقصد إيه بـ "هناك". سكت أدهم دون رد حين شعر أنه تم إفحامه من قبل عمر، وعرضت ابتسامته حين أعجب برده للمرة الثالثة. وهنا قام عمر وهو يسأل أدهم: _تحب تشرب حاجة؟ _أحب. _شاي ولا قهوة؟ _قهوة زيادة. اتجه عمر للمطبخ الصغير الموصول بمكتبه ليقوم بإعداد القهوة لهما. فتلك عادة عمر حين يشعر أن الجلسة أصبحت حادة وموترة، يقوم بإضافة مشروب أو طعام للمريض. في تلك الأثناء ابتعد أدهم عن الباب وهو يشاهده ويتأمله وقال عمر وهو ينظر إليه: _مفيش ضحية من جرايمك حسيت بتردد قبل ما تقتلها؟ قال أدهم بنبرة ثقة وتعالٍ: _أنا لو اترددت في قتل حد، ده معناه إني مينفعش أقتل تاني خالص. ووقتها أقدر أسلم نفسي. أومأ عمر برأسه ثم التفت متجهًا للموقد وظل أدهم يتمعن فيه وهو خلفه. شعر أنه اكتفى من الحديث معه وحان وقت قتله. وبرفق، مد يده لكي يمسك بإحدى السكاكين لكي يذبح عمر ويعذبه، ولكن شيئًا ما جعله يتوقف. توقف أدهم فجأة وهو لا يعلم لماذا توقف من الأساس. قطب وجهه في حيرة وظل ينظر لعمر وهو يشعر بشعور غريب. لم يأخذ السكين ودس يده في جيبه واستوعب ما حدث للتو. فقد تردد أدهم في قتله، شعر بالعجز تجاه قتله، لسبب مجهول. استوعب أدهم تلك اللعبة النفسية القذرة من عمر ليقول وهو محتدم احتدام عظيم ظهر في ابتسامته العريضة وقال بنبرة هادئة تظهر في نبرته كبح سخطه: _إنت راجل ملعون يا عمر. التفت عمر ونظر إليه وهو لا يفهم ما يقصده أدهم وقال متعجبًا: _أنا؟ بدأ أدهم في الضحك والقهقهة بشكل غريب، تلك الضحكات الدالة على حنقه العظيم. ليبتسم عمر من ضحكات أدهم وهو يحاول أن يكون حذرًا من ذلك السلوك المفاجئ الغريب. وبفهم الطبيب النفسي استطاع عمر أن يحدد أن تلك الضحكات هي ضحكات غضب، فقال له: _شكلي ضايقتك في حاجة؟ قال أدهم وهو يرمق عمر بنظراته الحادة التي قامت بتقطيع قلب عمر لقطع: _أنا محدش يختبرني يا دكتور. قرر عمر أن يلتزم الصمت بعدها، عاد للالتفات للموقد وبدأ يفرغ القهوة في الفنجان، بعدها قدمه لأدهم وهو يقول بابتسامته اللطيفة: _إنت أذكى من أن حد يختبرك. أخذ أدهم الفنجان، وبعدها خرج عمر من المطبخ وهو ممسك بالفنجان الخاص به، وهو يقول: _واضح إن كل ضحاياك اللي واجهتهم كانوا خايفين منك، وخوفهم كان واضح عليهم. وخوفهم ده هو الإشارة اللي تخليك تتحمس في قتلهم وتعذيبهم، وهو اللي بيولعك ويخليك تستمتع بكده كمان. وعشان كده أنت عمرك ما ترددت صح؟ لأن ببساطة مفيش حد في العالم مبيخافش منك. أخذ أدهم رشة وهو يستمع لعمر باستخفاف، ثم أردف عمر: _إنت اترددت في قتلي عشان أنا اديتك ضهري مش كده؟ لأني لو كنت خايف مكنتش هقدر اديك ضهري. _مين قالك إني كنت هقتلك؟ _رد فعلك التلقائي اللي طلع هو اللي خلاني استنتج ده. بس مكنتش متوقع الصراحة إنك هتفهم دماغي بالسهولة دي. يبدو أن شغف عمر لمهنته واختبار المرضى سيطر على خوفه، لم يكن يعلم أنه يجذب هلاكه بيده. وضع أدهم الفنجان على المكتب، واقترب من عمر ثم وضع يده على مؤخرة رأسه، وجذبه بقوة إليه، وجعله يقترب أكثر، كحركة تدل على التهديد. ثم نظرا كلاهما إلى عيني بعضهما، وما زال عمر يحاول الحفاظ على بروده إلى آخر لحظة، وقال أدهم بنبرة خافتة مهيبة: _متعرفش برضو أكتر حاجة بتخليني عاوز اقتل هي الاستفزاز؟ لم يترك أدهم فرصة لعمر بأن ينطق، فقد أخرج خنجرًا من حزامه بسرعة خاطفة، وطعن بطن عمر بقوة جعلت عمر يئن بعلو وهو يجز على أسنانه بشدة. بعدها أردف أدهم: _للأسف يا عمر، أنا كده كده كنت هقتلك. نظرات الذعر فاضت من عيني عمر وقطرات العرق الغزيرة الدالة على هلعه المكبوت تنسدل من جبينه وهو عاجز عن أن يفعل أي شيء، حتى كان يخشى الصراخ. لم يكتفِ أدهم بطعنه فقط، بل بدأ يشق بطن عمر بشكل عمودي، ولم يطق عمر الألم وبدأ يصيح متوجعًا، والدماء تنبثق بغزارة من الجرح. بدأ جسده ينتفض من شدة الألم، وعمر يعافر بصعوبة في أخذ أنفاسه. ومن الألم الشديد، أمسك بكتف أدهم كحركة تلقائية راغبًا في أن يتوقف، وهنا نزع أدهم الخنجر من بطن عمر. سقط عمر ليصطدم جسده بالأرض بعنف، وبدأ تدريجيًا يفقد قدرته على التنفس، ويفقد قدرته على الحفاظ على وعيه. ثبتت عيناه على أدهم الذي كان يتأمله وهو يموت ببطء بابتسامته الباردة المتعجرفة. ثم أغمض عمر عينيه ليختفي كل شيء. ولكن سرعان ما فتح جفونه بانتفاضٍ وتشنجٍ قوي في جسده أثناء استيقاظه، استيقظ عمر بفزعٍ وهو في سيارته. كان قلبه يضرب في ضلوعه بسرعة خارقة وألم شديد، فوضع عمر يده على قلبه وهو يلهث محاولًا أخذ أنفاسه بمشقة. خرج من سيارته ليستنشق نفسًا أنقى واكتشف أنه تحت بنايته. كم الساعة؟ أكان هذا حلمًا؟ أهو ذاهب أم عائد؟ كان الشارع في حالة من السكون المرعب، لا يوجد كائن حي حوله أبدًا، وهذا أمر مستحيل في شارع شعبي كشارعه. أين الناس؟ أين الباعة الجائلون؟ أين أصوات الشجار؟ أين المراهقون الذين يسمع أصواتهم دائمًا وهم يخرجون من مركز التدريس؟ المتاجر مفتوحة ولكن لا يوجد أحد بداخلها، لا تاجر ولا زبائن. لا توجد سيارات، لا يوجد أي إنسان حوله. كان الأمر غريبًا وعجيبًا، أشبه بالحلم المربك. صعد منزله بسرعة ليطمئن على شيماء، وعندما دخل الشقة لمح بركة من الدماء تجري خارج غرفته. شعر قلبه يتفكك من مكانه من شدة الضربات المفزوعة المرتعبة مما سيراه. ابتلع لعابه بصعوبة ثم نادى عليها برجفة في صوته: _شيماء؟ _إنت جيت يا عمر؟ لم يكن صوت شيماء، بل قائل تلك الجملة كانت مريم، وكان مصدره غرفته حيث الدماء. كان صوتها ثابتًا، لا رجفة فيه ولا توتر، مما جعله يرتعب على زوجته ويهرع بسرعة إلى الغرفة ليشاهد ما كان يخشاه. كان مشهدًا من السعر، وكلما تأمله، كلما تجحظت عيناه حتى كادت تخرج من جمجمته، وتنكمش رئتيه من الفاجعة والهلع. شيماء على الأرض ورقبتها مقطوعة جزئيًا، حيث تبقى جزء بسيط من الجلد المتصل ببعضه، إن انقطع، سينفصل رأسها تمامًا. شهق عمر شهقة عظيمة سرق منها كل الهواء العائم في منزله، ولم تتحمل ركبتيه تلك البشاعة فسقط جالسًا على الأرض، يحدق في زوجته بعينيه الشاخصتان ودموعه متحجرة على مقلتيه. أنفاسه تتسارع مع ضربات قلبه العنيفة التي كادت أن تثقب رئتيه وتكسر ضلوعه. بالطبع، مريم كانت في المشهد. كان عمر يتجنب النظر إليها، وكان يلتفت حوله باحثًا عن أمل يثبت له أنه يعيش في حلم. ولكن مع اقتراب مريم إليه، نظر إليها وصاح محتدمًا في وجهها: _ابعدي عني!!! وثب واقفًا وهو يبتعد عنها ويستمر في صياحه: _إنتِ إزاي تعملي كده؟ ليه عملتي كده؟ ليه قتلتِ مراتي ليه؟؟؟ نظرت مريم إليه وهي خائفة من سلوكه الانفعالي، وقالت بنبرة بريئة مرتجفة: _مش أنا اللي قتلتها. _أومال مين؟؟؟ _مش أنا اللي قتلتها. ذرفت دموع مريم وصاحت باكية وهي تردد: _أنا بكرهك، إنت عمرك ما حبيتني، أنا بكرهك!!!!. كان عمر يحملق فيها، والاحتدام يجعله عاجزًا عن فعل أي شيء تجاه تلك الطفلة. ولكنه انتبه أن بكاءها كان يزداد وصراخها كان يعلو أكثر فأكثر إلى حد مؤذٍ. كان صوت صراخها أشبه بقضيب حاد يخترق أذنيّه. من انفعالها وصياحها العظيم بدأ أثاث المنزل يتحرك ويطير بعنف إثر قوتها، وعمر لا يفعل شيئًا سوى أنه يسد أذنه محاولًا حماية سمعه من قوة صوتها. بعدها فجأة، كُسر زجاج النوافذ، فغلق عمر جفونه، وفور أن أغلقهما، سكتت الأصوات والفوضى، وشعر بدوار شديد كما لو ضربه موج عنيف مصاحب برياح أقوى، وكان يقاومهما عمر بعسر. غفل وفقد الإحساس تمامًا لمدة قصيرة، إلى أن شعر بالهدوء التام. سكنت البلبلة، وهدأت الفوضى، وشعر أنه انتقل من عالم إلى عالم آخر. فحين فتح عينيه، وجد نفسه في قرية ريفية، قرية يعرفها تمام المعرفة، واقفًا أمام بركة راكدة وخلفها النباتات. _فاكر المكان ده؟ سمع أحدهم يسأله هذا السؤال، فإلتفت لمصدر الصوت ووجده أدهم. وحين نظر إليه أدرف أدهم: _فاكر لما أمك اتقتلت قدام عينيك من أبوك بمساعدة إخواتك عشان اكتشفوا إنك مش شبه أبوك بعد ما كبرت وقرر بعدها أبوك إنه يقتلك برضو؟ ومن ساعتها وأنت هربان؟ قال عمر بنظرات واهنة ونبرة منهكة: _أنا هنا ليه؟ المفروض ماكنش هنا... جيبتني هنا ليه؟ لازم أرجع لشيماء. قال أدهم باستخفاف وهو يتجاهل رغبة عمر: _صحيح، متعرفش جارك المطلق اللي اتحرش بيك وانت عندك خمستاشر سنة عامل إيه دلوقتي؟ أغمض عمر عينيه بشجب عظيم ونفور من تذكر تلك الذكرى ليردف أدهم: _هو ميت دلوقتي عمومًا، بيقولوا غرق في الترعة دي، وبعد ما مات بقوا كل يوم يشوفوه قاعد قدامها بيشرب الشاي بتاعه. _أنا عايز أمشي من المكان ده. نظر أدهم إليه وهو يقترب منه باستفزاز: _ده جحيمك مش كده؟ جحيمك اللي عشت فيه تسعتاشر سنة. قال عمر وهو يتوسل إليه ويشيح ببصره عنه لا يرغب في النظر إليه: _عايز أرجع لشيماء، أرجوك رجعني ليها. أنا عارف إنها ماماتتش، عارف إنك بتلعب بيا. لم يسمع ردًا من أدهم، وشعر أن حضوره اختفى تمامًا، وساد صمت صارخ، وحين التفت له اكتشف أنه قد اختفى وتركه وحده في هذا المكان الحامل بكوابيسه. إن سكوت القرى الريفية مفزع حقًا، ولكن لحسن الحظ كان القمر رفيقه هذه الليلة. فسار عمر مسرعًا على ضوئه محاولًا الخروج من هذا المكان الملعون. وأثناء سيره، فجأة سمع صوتًا بعيد المدى لرجل يسعل، وحين التفت لمصدر الصوت، وجد هذا الرجل المتحرش الميت الذي قال أدهم عنه، وكان جالسًا أمام الترعة ويشرب كوب شاي. اقشعر بدنه من ذعره المكتوم، ويبدو أن الرجل سمع أنفاس عمر العالية؛ فقد التفت ناظرًا إليه، ثم نهض من مقعده وبدأ في الركض السريع تجاهه. وصدمة عمر العظيمة جعلته يهرع بأقصى سرعة ممكنة، وهو يسمع أقدام هذا الرجل خلفه تتسارع، الذي لا يعلم إن كان إنسانًا أم جنًا أم ماذا. دخل عمر الشوارع حيث المساكن، وفور أن دخلها خرجت مجموعة كبيرة من الناس من منازلهم المنازل لينقضوا عليه كما لو أن الأهالي ينتظرون قدومه بفارغ الصبر ليقوموا بذلك الشيء. كانوا يركضون إليه بكل عدوانية وهمجية. توقف عمر المرتعب المذعور، والتفت ليرى إن كان الرجل ما زال يطارده أم لا، ولكن فور أن التفت رأى والده أمامه، يضربه بالعصا على رأسه ضربة قوية قاتلة أدت لسقوطه. ولكن لم يرتطم جسد عمر بالأرض، فقد استكمل السقوط كما لو كان يهوى لداخل بئر غور. وبعد مدة طويلة من السقوط، ارتطم جسده بأرض من البلاط الصلب البارد. كان عمر يئن بشدة، وحاول أن يقوم وهو يتمنى أن تكون تلك المحطة الأخيرة، ولكنها كانت المحطة الأفزع. فحين فتح جفونه، وجد نفسه في غرفة حمراء، ضوءها أحمر، طلاؤها أحمر، أرضها حمراء. كانت مهيعة، ساشعة بشكل عظيم، ومليئة بألاف القرود الهائجة التي تصيح بصوت مزعج، وتقفز في الأقفاص، وتضرب بجسدها بقضبان أقفاصهم. وقف عمر وركبتاه تصطكان ببعضهما، ولا تتسع روحه لكم الفزع والذعر والحيرة العظيمة التي هو فيها حاليًا. لا يفهم أين هو وما هذا المكان المفزع. وسرعان ما رفع بصره ليرى المكتوب أعلى حائط المدخل، مكتوب بالدم والخط العريض: (RED MONKEY) هنا يدخل أدهم الغرفة وهو يرتدي قفازاته، يدخل بخطوات هادئة مهيبة وهو يقترب من عمر. مشهد جعل البرودة تشتد في دماء عمر وجسده، وتحتد من قشعره بدنه وهلعه المتزايد. دخول أدهم جعل همجية القرود تشتد، وجعلهم يزيدون في صياحهم وقفزهم العنيف داخل أقفاصهم، توقف أدهم أمام عمر وهو يقول بابتسامته الأيقونية: _شوفت يا عمر؟ مش عايزك تقلق، دي بس بتكون طريقتهم لما بيسلموا عليا. كان لا يزال لدى عمر أمل في النجاة والوصول إلى الواقع الملموس، لذلك التفت وهرع مبتعدًا عن أدهم محاولًا الهروب منه بيأس. ليبدأ أدهم الضحك بضحكته المميزة، وقهقهته المقبضة للأنفاس المهلكة للقلب. كان عمر يسمعها أثناء ركضه، ويسمع صداها يتردد في أذنه. حين وصل عمر إلى بقعة محددة من تلك الغرفة، ارتفعت أربع جدران من الزجاج حوله ليشتد به الهلع والصدمة والاستياء، وهو يصرخ مستنجدًا بأي طريقة. جاء أدهم إليه، وقف وقال: _تعرف يا عمر إن كل قرد انت شايفه ده بيمثل كل ضحية عذبتها هنا؟ كل دول، ضحايا جم هنا قبلك من جميع أنحاء العالم. قال عمر، وعينيه مغرورقة، منهك إلى حد الهلاك، ويظهر إنهاكه النفسي والبدني العظيم في صوته الواهن: _سيبني في حالي بقى، أرجوك، أنا آسف إنّي صايقتك، أرجوك سيبني في حالي، وارجعني، أرجوك. استكمل أدهم حديثه وهو يتجاهل عمر: _في طريقة إنّي أدخل الضحية في الأوضة الزجاج اللي انت فيها دي وأعلى حرارتها على الآخر، بحيث الشخص يفضل يتنطط ويصرخ زي القرد بالضبط. فور أن نطق أدهم بذلك، احتدت حرارة الغرفة إلى حد السعير؛ حيث أصبح الهواء ساخنًا، وكلما تنفس، كلما تكتوي رئتيه. والأرض اشتدت حرارتها، حيث استوعب عمر أنها نحاسية، مما زاد من لهيب الحرارة على قدميه العاريتين. وهنا بدأ يقفز من عظمة الحرارة التي تحوم به وتحرق في جلده ورئتيه وقلبه. أضاف أدهم ببرود ولا مبالاة: _بيقولوا إن الريد مونكي دي أوضة، بس الحقيقة دي مبنى كبير وواسع، كل أوضة فيها مخصصة لطرق تعذيب معينة. بدأ عمر يصيح وهو يقفز مكانه ويركض محاولًا الهروب من ذلك الجحيم، يصرخ في عذاب وهو يواجه آلام جسده: _كفاية، أرجوك، كفاية!!! أردف أدهم بنبرة هادئة لا تناسب الوضع أبدًا: _إنت في الأوضة المفضلة عندي. ازداد عمر صياحه المدوي وهو يستنجد بالله: _يااارب!!! فور أن نطقها، فجأة انطفأت الأضواء الحمراء، بردت الغرفة، وصمتت القرود، وسكت أدهم، وسكت كل شيء. اختفى كل شيء في طرفة عين، وسبح في ظلام معتم تام وهدوء صارخ كما لو كان قد دخل في ثقب أسود لمدة من الوقت. تدريجيًا بدأ يفتح جفونه برفق، ليجد نفسه في غرفته. يتسلل ضوء الشمس عبر الستائر البيضاء المعلقة على نافذته، ناثرًا خيوطه الذهبية على يديه وجلده كما لو كانت الشمس تواسيه. تهتز الستائر بفعل نسمة صباحية ناعمة، وكأنها تحيي يومًا جديدًا بصمتٍ ساكن. يرن صدى عقارب ساعة حائط غرفته، ينبعث من المطبخ رائحة زكية تدل على وجود امرأة جميلة في المنزل على قيد الحياة. نهض عمر من فراشه في حذر وهو يأخذ أنفاسه أخيرًا، ويشعر بالسكون والاستقرار والفجأة ايضًا. شعر أنه عاش تلك المعركة لمدة سنين، وما جعله يصدق معتقده أنه حين نهض ونظر في المرآة، رأى لحية في وجهه. ومن عادته أنه لا يترك لحيته، كانت لحية مرتبة يظهر أنه كان يهتم بها. منذ متى؟ اتجه مسرعًا إلى المطبخ، ووجد شيماء. فور أن رأته، قالت له مبتسمة: _صباح الخير يا حبيبي، مالك وشك مخضوض ليه كده؟ صحيت على كابوس؟ استنشق عمر نفسًا عميقًا وبهدوء اقترب من شيماء وعانقها عناقًا عميقًا طويل مدته، ويحمد الله على أنها ما زالت على قيد الحياة. رغم أنها تعجبت من حضنه المفاجئ، إلا أنها احتضنته أيضًا بدورها. شعر أنه يريد الجلوس، فهو ما زال يشعر بإعياء ودوار. خرج بعدها إلى الصالة وجلس أمام التلفاز، ليعقد ما بين حاجبيه في حيرة حين رأى أمامه مصطفى، يقوم بالتحدث أمام الكاميرا كما لو كان يخاطب الناس. كان شعره أطول من المعتاد ومظهره مختلف نوعًا ما لا يستطيع أن يحدد كيف، ويرتدي ملابس أشبه بالجيش، ولكن لونها مختلف. كان يتحدث بكل ثقة وشموخ، ولكنه لم ينتبه سوى بالشريط الذي ظهر تحت وجهه، والذي كان يحمل جملة قالها في خطابه، وكان مكتوبًا: <قائد جيش المقاومة المصرية "ذَوْد" مصطفى عبدالباقي: بفضل الله حررنا كل القرى المصرية الريفية من احتلال الميليشيات، وحررنا ٨٠٪ من المحافظات التي قاموا باحتلالها مثل الفيوم وأسيوط والمنيا وبني سويف. وما زالوا متشبثين بسوهاج وقنا والأقصر وأسوان، ولكننا مستمرون في ردعهم بإذن الله، ومستمرون في انتصاراتنا بفضل الله. وقريبًا سيتم تحرير مصر من هؤلاء الكفار.> كان عمر يقرأ المكتوب وهو عاقد حاجبيه عاجزًا عن الاستيعاب تمامًا. حين أتت شيماء إليه، قال لها: _ب.. بقولك يا حبيبتي، هو... هو إيه ذود دي؟ وإزاي مصطفى لحق يهزم الميليشيات وهما في المحافظات دي؟ يعني ده لسه إمبارح بس بدأوا الحرب؟ _إمبارح إيه يا حبيبي؟ دول بقالهم خمس شهور بادئين. ربنا ينصرهم يا رب، بجد مشوفتش في قوتهم. تيبست عينا عمر على شيماء بصدمة، وهو يقول: _خمس شهور؟! _أ.. اه... خمسة أشهر إذن... مر خمسة أشهر منذ بداية المجزرة التي حدثت لمصطفى حتى الآن. عاش عمر ما عاشه من جحيم من أدهم ظنًا منه أنه عاش بضع ساعات، وبكن في الأصل كانت شهور عديدة. خمسة أشهر قد مرت بالفعل... --------------------------- *• عطلة لاختبارات الجامعية •*

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة