٩٢ دوت الانفجارات والأحزمة النارية منهمرة كالمطر الأسود فوق رؤوس الجنود، وفي جميع أنحاء المعسكر الذي رجّت أرضه كزلزالٍ عظيمٍ مهلكٍ تمزق أحشاء الأرض، الجدران تئنّ، والأسقف تتساقط كأوراق الخريف المحترقة. وانبعثت من المعسكر صيحات مختلطة بين الألم والصدمة والذهول. كل صاروخ يهبط في لمحةٍ سريعة ينبعث منه دخان أسود كثيف، يغلّف السماء ويبدل سحبها بسحبٍ من الرماد والحديد. امتلأ الهواء بصراخ الأحياء، حتى خُيّل للسامعين أن العالم كله قد سقط فوق رؤوسهم دفعةً واحدة. تناثرت الحجارة، وارتفعت سحب الدخان، وانبعثت ألسنة اللهب من مبنى المطعم والمهاجع، حيث كانت آلاف الأرواح قبل لحظات يضجون بالحياة. تعالى صياح الجرحى واختلط بأصوات الأوامر والإنذارات، وأزيز الرصاص الذي بدأ يشق الهواء. هرع الجنود مذهولين في كل اتجاه، يحملون أسلحتهم ويشدّون على جراحهم، وأبصارهم تلتفت نحو السماء الملبدة بمسيّرات العدو التي راحت تنقضُّ عليهم كالنسور الجائعة. العويل اختلط بصوت الانفجارات، والأجساد تترنح، والغبار يلطخ الوجوه حتى ما عدت تميّز بين حيٍّ وميت. لم يكد مصطفى يلتقط أنفاسه من صدمة الخبر الذي رآه على الشاشة، حتى وجد نفسه بين عاصفةٍ من اللهب والدخان. لكن عينيه لم تُغمضا، بل اتسعتا وبثباتٍ حديدي، هرع خارج المبنى، وخطاه تسبق صدمته، وعيناه تلتمعان بعزمٍ صلب وسط الفوضى. صعد على أعلى مبنى لا تزال أعمدته صامدة وسط الخراب، وبصوتِه الجهوري فوق ضجيج القصف، بنبرةٍ صافيةٍ حادة غلب عليها طابع القائد الذي لا يعرف الهلع، بدأ يهتف: _روحوا الجبل الغربي!!! روحوا الجبل الغربي!!! خشوا للجبل ادخلوا جواه بسرعة!!!! متبصوش وراكم كل واحد يسند أخوه ويروح الجبل الغربي!!!! اذكروا الله!!!، اذكروا الله!!! تلقّف الجنود أمره كحبل النجاة، وراحوا يندفعون جماعاتٍ صوب الجبل الذي طالما جهزوه لمثل هذا اليوم. كانوا كطوفان بشري، بعضهم يجرُّ ساقيه من شدة الرعب، وبعضهم يصرخ للرفاق أن يسرعوا، وبعضهم يبكي بين أنيابه صمتًا مُرًّا لا يسمعه سواه. كانوا صائمين، وها هم الآن سيقاتلون على حافة الحياة، ويتزودون بالإيمان والعزم بدل الطعام والشراب. ^^لا إله إلا الله^^ ^^لا إله إلا الله^^ ^^لا حول ولا قوة إلا بالله^^ ^^لا حول ولا قوة إلا بالله^^ كانوا يهتفون مستعينين بالله وأصواتهم تمتزج مع صوت القصف الذي قل عدده، وذلك بفضل أحمد الأزرق. فلم ينتظر أحمد الأمر، فقد صعد أعلى المبنى المُتداعي بحركةٍ أشبه بفهدٍ يتسلق ليهاجم فريسته، ممسكًا ببندقيته العملاقة ذات المدى الطويل، وقف بمحاذاة مصطفى ورفعها بقوة وأخذ يقنص طائرات الكوادكابتر التي كانت تئنُّ فوقهم كغربان تنعق. كل رصاصة كان يطلقها تُسقط طائرة، وكل طائرة تسقط تُحدث دويًا كسقوط نجم من السماء. كل طلقةٍ يطلقها كانت قصيدةً في الدقة، وتعلن عن إسقاط آلة كانت ستبث الموت بين رفاقه، وعيناه اللتان كانتا لُجّتين من الجليد البارد، تسبقان الأفق لا تهتزّان رغم الرصاص الذي يعصف من حوله. هنا سمع مصطفى السيوم يحدثه: ~اللي بيعمله أحمد دا كويس، بس محتاج حد يشاركه، تقدر تحرك الرياح عشان تغير سرعة المسيرات اللي هتتوجه على الجنود وعليكم. أجاب مصطفى محاولًا معادلة الأمر: _الرياح هتأثر عالجنود ممكن يطيروا فيها مش هيستحملوا! ~تقدر تتحكم في قوة الرياح تخليها تفوق ٨٠-١٠٠ كم/س، السرعة والقوة دي هتأثر على حركة المسيرات وتفقد سيطرتها، هتخلي الجنود صعب جدًا يمشوا بس يقدروا يزحفوا أو يقفوا ويمسكوا في حتة يبقوا آمنين فيها، المهم استخدامك للرياح لصد المسيرات هيفرق جدًا جدًا، استعن بالله يا مصطفى وابدأ. مع سماع مصطفى لهثات ابن أخيه وهو يحاول أن يواكب كل طائرة كوادكابتر، استنشق مصطفى بكل خشوعٍ، رفع كفيه نحو السماء، وقد انسكب في صدره يقينٍ صلب لا تزلزله المدافع ولا تفتته الطائرات، كان يردد الآيات المباركات بصوتٍ خفيض ونافذٍ كحد السيف: _{وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} لم تكن الحركة سهلة البتة؛ كان جسده يرتجف تحت وطأة كثافة الرياح، وهو يشدّ الريح كوترٍ مشدودٍ حادٍ وسميك. كانت الرياح حقًا ثقيلةً كالجبل، موّارةً كالنار، منفلتةً كالماء. ذراعاه يرتجان تحت الضغط، عضلاته مشدودة، عروقه نافرة، أنفاسه متقطعة كأنما يرفع وزناً لا تطيقه الجبال. أصابعه كانت مفتوحة ببطء، وكل إصبع فيها يقاوم قوةً هوجاء تريد أن تُفلت من قبضته. ظهره مستقيم ومتصلّب، وقدماه غُرستا في الأرض كجذور امتدت تحت الأنقاض. _{وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ}، {وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ}، {وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ}، {وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} ظل يردد تلك الآيات لاهثًا بعزم، شعره يتطاير في مهب الرياح، وملابسه ترفرف كراياتٍ قديمة لا تزال ترفض السقوط. هدرت الرياح بين المباني المتداعية، صاعدةً صراخها نحو الطائرات المسيرة، كمن أُطلقت وحوش خفية في السماء. وفي طرفة عين، انقلبت المسيرات التي كانت تنقضُّ على الجنود من فوق، فارتجت مساراتها، وتقلبت كأوراقٍ يابسةٍ في مهبٍّ عاصف، تتخبط وترتطم ببعضها البعض، حتى انفجرت بعضُها في السماء قبل أن تمس الأرض. ومع كل التفاتة لذراع مصطفى، كان اتجاه الرياح يتبدل، تضرب صفوف الطائرات والصواريخ القادمة بقوة مئة عاصفة، وتلك الصواريخ التي أُطلقت لتُزهق الأرواح مالت عن أهدافها وسقطت خاسرةً قبل أن تبلغ أطراف المعسكر. كان مصطفى يصارع حقًا كمن يحاول كبح روحه من الخروج من شدة العملية العصيبة تلك وهو ما زال مرددًا: _{وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ}، {وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ}، {وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} أما الجنود تحتهم، فقد انحنوا وثبّتوا أنفسهم بالأرض كما أمرهم قادتهم، وبعضهم زحف، وبعضهم اختبأ خلف الركام، يحتمون من شدة العصف الذي أنقذهم، وشاهدوا من بين الأتربة المتطايرة أعمدة الدخان تتصاعد من حطام الطائرات التي أُسقطت. إلى أن فجأة توقفت الرياح حين شعر مصطفى أنه اكتفى، وأنه لم يعد هناك مسيرات بعد، فرأى أحمد بأم عينيه أن المسيرات تنسحب، كما لو أن قادة الميليشيات يريدون أن يدخروهم لقصف آخر حين ينهك مصطفى. فور أن انسحبت المسيرات، أمرهم مصطفى بإكمال نجاتهم والاتجاه إلى الجبل في الحال. ياسر وجمال وإسماعيل، أذرع المعركة التي لا تنكسر، انقسموا كأرواحٍ ثلاث في جسدٍ واحد لينجدوا جنودهم فور أن أذن لهم مصطفى. ياسر تولى حماية الجنود المصابين، وقاد كتائب الإخلاء، ذراعه ملوثة بدماء الجرحى مختلطة بتراب الأسمنت من نزعه للأنقاض وانتشاله الجنود من بين الركام، يحملهم على ظهره ، بينما الدماء تلوث زيه، وعيناه تقطران إصرارًا لا يلين. أما جمال، فقد كان يركض بين النيران التي تأكل الأرض، يحث رجاله على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الذخيرة والإمدادات، ثم اندفع نحو مخازن السلاح، يوزع الذخيرة بيدٍ ثابتةٍ، يهتف بكلماتٍ تشبه الزمجرة بأن يتسلحوا وينطلقوا للجبل الغربي. في زاوية أخرى، كان إسماعيل يحيط بمنار وسعدية. عيناه تشعّان بيقظة ذئبٍ حاصرته النيران من كل صوب. وأحاط بالأسيرتين، يحميهما بجسده، يقود مجموعة صغيرة شقّت طريقها وسط الجحيم بخطى حذرة وعيون كالصقور متجهين إلى الجبل. وقف مصطفى وأحمد كتفًا إلى كتف فوق المبنى الذي صمد بصمودهما، أنفاسهما تتصاعد مع نسيم شروق يوم عرفة. كانت السماء قد انقشعت من سحبها السوداء، منكشفة عن زرقةٍ شاحبةٍ تتهيأ لاستقبال قرص الشمس المتوهج. لكن الصفاء لم يدم طويلًا؛ فما إن لاحت أول خيوط الضوء حتى تراءى لهما المشهد الذي جمّد الدم في عروقهما. رأيا من بعيد، فوق السهل المترب، جحافل الميليشيات تزحف بثقلٍ جارفٍ كالسيل؛ خمسة وعشرون ألف جندي مدجج بالسلاح، تهتز الأرض تحت وقع خطاهم، وتحت عجلات سياراتهم المدرعة. وفي صدر ذلك السيل من الآدميين والمراكب المدرعة، يتقدم نور الديب، راكبًا جواده الداكن، مفضلًا أن يأتي به ليكون أعلى مقامًا من الجنود، وألّا ينحصر وجوده داخل سيارة مدرعة كالجبناء. مصطفى لم يزحزح داخليًا ولا خارجيًا، ظل شاخصًا ببصره في نظرةٍ واثقةٍ ثابتةٍ، لكن الدم كان يغلي في عروقه برغم سكون جسده. كان ينظر إلى نور بعينين ثاقبتين كأنهما سهام صامتة. ورغم المسافة الشاسعة التي تفصل بينهما، إلا أن النظرات التقت، واصطدمت كحدّين مسنونين. كان في نظرة نور وقاحة متغطرسة، تحدٍّ بارد، وعزم شيطاني على استرداد ما يعتبره حقه المغتصب. لم تخلُ عيناه من الحقد، بل كانتا موقدتين بنار الكبرياء. وهمس لنفسه هنا: _مش هسيبك يا منار.. أما مصطفى، فكانت نظراته صلبة كالحديد، لا ارتجاف فيها ولا تلون، بل سكون عاصف، أشبه بنذرٍ صامتٍ يحفر الوعيد في الهواء. أحس أحمد إلى جانبه بثقل اللحظة، وسمع في صمت مصطفى وعدًا لا يحتاج إلى كلام؛ وعدًا بأن الأرض التي رُويت بدماء المؤمنين لن تُسلَّم للكفار البتة. _روح للجبل وراهم وخليك جنب أختك ومنار، لأنه جاي عشان ياخدهم. وأنا هاجي وراك. الشمس أخذت تطل فوق الأفق، تلوّن المشهد بحمرة داكنة كدماءٍ مسحت على السماء. وخلف مصطفى، الجبل، متوجهين إليه عشرة آلاف من جنوده، وقد استشهد ألفٌ منهم بالفعل في هذا القصف. تحرك الجنود الباقون يتهيؤون للكارثة القادمة، بينما هو ظل واقفًا هناك، كأنما يحمل وحده عبء هذا الشروق الثقيل. كان يعرف أن نور الديب لن يتراجع، وكان يعرف أيضًا أن النصر هذه المرة لن يكون إلا بثمنٍ عظيم. إنها الحرب إذًا، مرةً أخرى، ولكن هذه المرة، كان مصطفى مستعدًا أن يدفن نور الديب تحت رماد أحلامه، ولو كان الثمن آخر نفسٍ يتردد في صدره. ********* في سجن دارين عند منتصف الليل، حيث في الوقت ذاته في مصر ومصطفى يصارع وذود للنجاة والنصر شروقًا. جلس السجناء في ظلام المهاجع المكفهرة، كما يجلس المحكومون بالإعدام، جالسين على الأرض الباردة كأشلاء آدميين منسيين في انتظار من يلتقطهم ويدفنهم في سلام. في ظاهر جلستهم سكون، ولكن في باطنهم يشعرون بأقصى أنواع الهلع الناهش للروح. التصق بعضهم بالجدران الرطبة يتمتمون ويدعون بالملاذ، وتهالك آخرون أرضًا، مطأطئي الرؤوس، كتماثيل قديمة شُوهت ملامحها بفعل الهلع والقنوط. الصمت سيد المكان، صمتًا مقيدًا بالأغلال، مثقلًا بثقل المجهول الفادح، يقطعونه أحيانًا بهمهمة دعاء خافت، أو أحد قد يجهش بالبكاء، أو شهقة كُتم نصفها في الحلق.لم يكن بينهم من يتوهم النجاة؛ الكل كان يعرف، الكل كان ينتظر. من بينهم كانت فريدة، تحدق في أسورتها، تلك الأسورة الخالصة المنجية من هلاك دام لعقود، فور أن تضغط الزر سيتفعل سم يوسف ويموت كل موظفي وإداريي السجن كله في لحظة واحدة، ضريبة ذلك إدخال إبر من الأسورة إلى عروقها وانتشار سم سيقتلها خلال يومين ولن تنجو منه إلا بأخذ ترياقه. _فريدة.. نظرت فريدة إلى جانبها لتجد طفلًا في عمر السادسة أتى منذ أسبوع فقط إلى سجن دارين، وقد تمسك بفريدة إلى حد كبير وأصبح يلازمها في دموية ومأساة هذا المكان القاسي وكان يدعى ريان، سوري الجنسية وعلمت منه أنه يتيم الأبوين ولكن ليس بلقيط، أردف ريان يسأل بتهدج: _سمعت إنو بدّن يدبحونا، عنجد رح يعملوا هيك؟ ابتسمت فريدة لتحرث الطمأنينة في قلبه وقالت وهي تحسس على كتفه لتدفئ جسده البارد هلعًا: _لا مش هيدبحونا، هنرجع بيوتنا قريب، مش عايزاك تخاف. سأل وهو يتشبث بقميصها وملامح الذعر الباردة تعتلي وجهه: _وإنتِ رح تجي معي؟ أومأت برأسها وهي تقول: _هاجي معاك. _وسليم كمان رح يكون معنا؟ _أيوة هيبقى معانا، مش عايزاك تخاف. رغم طمأنة فريدة له، إلا أن وجهه استقر في عبوسه وتجهمه، كان الطفل لا يرمش طيلة جلوسه ونادرًا ما كانت تراه يطرف عينيه، كما لو أنه يخشى في طرفتها أن يُقام عليه الحد. بجانبها هند، والجهة الأخرى ندى، وتجهل مكان مهجع إبراهيم، ولكن بطريقته الخاصة خطط لهم الخطة الكاملة طيلة تلك المدة. فجأة انفتحت الأبواب بصريرها الحديدي الذي ارتج له الفراغ، ثم جاء النداء، قاطعًا الصمت مثل سكين تُغمد في لحمٍ حي. انتفض بعضهم، وتيبس آخرون، أَحان الوقت حقًا؟ أَحان موعد تنفيذ حكم الإعدام الشنيع أمام مرأى الطغاة المتجبرين؟ نهض الجميع برُكبٍ مصطكة ببعضها، وأقدامهم جرفتهم خارج المهاجع بخطى بطيئة مذعورة، العيون جاحظة، مقلتيهما تحاصر دموع الحسرة والقهر الحارقة. وسط هذا الطابور البائس، كانت فريدة تسير بين الجموع، رأسها منحنيًا في خشية أن يفضح وجهها سرّها، تتبادل النظرات بينها وبين ريان المتشبث بخصرها ليسحب منها طاقة تجعله قادرًا على الوقوف. كانت أصابعها ترتجف فوق الإسورة دون وعي، كأنها تستمد منها بعض الشجاعة أو بعض الحياة. تنظر إلى الأطفال الباكين السائلين بذعر إلى أين سيذهبون، ثم تأتي صعقة من طوقهم باغتةً، إما تزداد من صراخهم أو تجعلهم يخرسون. خلفها بعشرات الأفراد، كان إبراهيم واقفًا ممسكًا بكتف بلال، صديقه السوري، ليسير بخطاه، عيناه المطفأتان لا تريان شيئًا، لكنه كان يرى بعقله ما لا يراه المبصرون، ذلك العقل الذي يعمل في صمت، يُرتب الحروف داخل رأسه كما يرتب السكين داخل كفّ الجلاد. امتدت الممرات أمامهم كسرادقات للموت، الضغط النفسي كان هائلًا، كتلة خانقة تهرس صدورهم وهم يُزفّون إلى الساحة الكبرى. الفزع لم يعد صراخًا أو بكاءً، بل أصبح شيئًا أثقل، أعمق، ساكنًا في العظام لا يهتز. خطواتهم كانت ثقيلة، كما لو أن الأرض تشبثت بأقدامهم تمنعهم من المسير نحو حتفهم. وكانت القلوب تخبط في صدورهم كطيور مذعورة تصطدم بأسوار قفص لا مفر منه. لم يكن الموت يخيفهم بقدر ما كان المشهد القادم يرعبهم: أن يُذلوا، أن يُنحروا وهم أحياء ورؤية اضحابهم ينحرون قبلهم. كانوا يعرفون أن أسوأ ما في هذه الليلة ليس الفناء، بل الإهانة النهائية للكرامة، أمام أنظار علية القوم والطبقات المتلذذة بمأساتهم، أولئك الذين جاءوا يشاهدون كما يشاهد الأطفال مهرجانًا في يوم عيد. وما إن بلغوا الساحة حتى توقفت الخطى. كان مبنى دارين عملاقًا، به أربعة مبانٍ على شكل حرف A، وفي منتصف مثلثه كانت ساحة دائرية عملاقة مجهزة، كانت تلك الساحة الخاصة بالإعدامات والعروض. الساحة تفترشها ارض صخرية مخصصة لهذا العرض المسرحي الدموي، يقف الجلادين بسواطيرهم على أتم الاستعداد، تحيط بها مجالس تكدس فوقها علية القوم والرؤساء والوزراء والدبلوماسيين والنجوم، يجلسون في مقاعدهم الوثيرة، متشحون بأثوابهم المزدانة، يتبادلون النظرات والابتسامات المتشفية. يحدقون بالسجناء في تحفز، مستعدين لعرضهم المسلي ليتم ذبحهم تحت سكين الفخر والانتشاء. اعينهم كانت تومض تحت أضواء الساحة الساطعة، في حين كانت عيون السجناء مطفأة، خرساء، جاحظة في هلع وقهر وتحسر عارم، بداخلها نيران متقدة قد تحرق غابات منطقة دارين كلها. وعندها، أدرك الجميع أن ما ينتظرهم ليس موتًا سريعًا، بل مسرحية ذبح يُراد بها تحطيم آخر بقايا كرامتهم، أن يُقطعوا ببطء، على مرأى من ضحكات المتفرجين. بعض السجناء بدأوا يتقفقفون بجنون، آخرون شهقوا بصوتٍ مسموع، كأنما روحهم حاولت الفرار. بعضهم انهار أرضًا يصيحون، وبعضهم تقيأ في مكانه من عظم هلعه، ومنهم من حاول الهروب بالركض اليائس، كلها ردات فعل لغريزة بقائهم، تلك الغريزة المحرمة على سجناء دارين. كل منهم استقبل صاعقة كهربائية في غاية الألم من الأطواق في أعناقهم، حتى المشاعر محرمة عليهم. كانت اللحظة أثقل من أن تحتمل، أشد ظلمًا من أن تصاغ في كلمات. لم يكونوا يُساقون إلى موت سريع، بل إلى مذلةٍ مكتملة، حيث يُقتل المرء ألف مرة في عينيه، قبل أن تطال رقبته السكين. أترى يا ريان... أتبصر يا صغيري هذا المشهد العاري من كل قناع؟ أتفهم الآن من يحكم العالم؟ أتدرك أي كذبة بالغة الفظاعة خُدعنا بها منذ أن فتحنا أعيننا على هذه الأرض؟ مجرد رقعةٍ خبيثةٍ على الخريطة، خُط عليها اسمك، كانت كافية لتحكم عليك بالمهانة والدم، لتصير عظمًا هشًّا بين أنيابهم. ولادتك هناك، في ذلك الركن المهمل من العالم، حسمت مصيرك قبل أن تعرف كيف تتهجّى اسمك، قبل أن تتعلم كيف تضع قدميك على الأرض بثبات. أن تكون عربيًا، أن تكون فقيرًا، أن تكون مسلمًا، مختلفًا عن قوالبهم المصنوعة من ذهب وخيانة، يعني أنك لست أكثر من رقمٍ في سجلٍّ، دمعةٍ في بحرهم اللامبالي، جسدٍ إضافي لمذبحتهم التي لا تشبع. هم يروننا لا شيء يا ريان، ذرّات رمل تذروها الرياح، أكياس عظام ترفرف في مهبّ أهوائهم، سوقًا مفتوحةً للدماء والألم. كنا نحلم أن الحياةَ كرامة وسعي، أن الكرامة تُنال بالعمل والمثابرة. لكن الحقيقة أبشع من الحلم؛ الكرامة في عالمهم تُشترى وتُباع. تُهدى وتُسلب. تُمنح لمن ولدوا في قصورهم، وتُحظر على من صرخوا أول صرخة لهم في أزقةٍ ملأى بالتراب والجوع. هكذا ببساطة يا ريان... ليس لأننا أخطأنا، بل لأننا جئنا من حيث لا يقيمون للإنسان وزنًا. كلها كلمات تمنت فريدة أن تقولها لهذا الصغير البريء الشاهد على هذا السعير الدنيوي، تمنت أن تتفوه بها بأعلى صوتها دون أن تأتي في عنقها صاعقة كهربائية، كانت متشبثةً به، تريد أن تمسكه كحمامة صغيرة وتجعله يحلق حرًا في الأفق. ما لم يتم توقعه هو انهمار دموع إبراهيم، فور أن خطا فوق هذه الساحة، لم يتحمل قلبه إعادة تلك الذكرى الموحشة. فور أن لمست أقدامه العارية هذه الأرض، تسللت إلى أنفه رائحة جلد إلياس المحترق، ولفح جلده بحرارة النيران التي التهمته، ومرّ على مسامعه صوت صياح يردد: لا إله إلا الله. لم ولن ينسَ البتة. دموعه تنهمر في هدوء وثبات، وهو ممسكٌ بكتف بلال ويعتصره قهرًا. لطالما بكيت كلما استشعرتك يا إلياس. لطالما لاح طيفك أمامي حين تطأ قدماي أرضًا تشهد على ماضينا. آمل بل أرجو، أن يكون هذا الإحساس دليلاً على أنك لم تبتعد كثيرًا، وأنك حولي دائمًا، تراقب خطواتي المرتعشة وسط هذا الخراب، وتراقب فخورًا خطواتي الثابتة لطريق الحرية لأول مرة وتراني أوفي بوعدي لك. أقسم لك، أنني لم أنسَ، ولم أغفر. أقسم لك أن كل قطرة دم سالت منك، وكل صرخة لفظتها روحك، ستظل حية في صدري حتى آخر نفس لي. وسأحمل اسمك معي أينما ذهبت. كلمات أخرى ابتغى إبراهيم نطقها وهي تضرب في حلقه راغبةً بالخروج، ولكن لم يسعه، ولم يسعه باستكمالها في عقله، حتى بدأ العرض. ستة جلادين بسواطيرهم العملاقة التي انعكست عليها وجوه السجناء المذعورة، تقدموا إلى السجناء الذين كان عددهم ثلاثين ألفًا، يسيرون بخطى مدروسة، وتنقلوا بينهم في توتر عصبي عظيم وهلع نفسي لا يتحمله بشر، حتى إن عشرات السجناء قد بللوا سراويلهم. وبدأ العرض فور أن اقترب الجلادون من السجناء ليمسكوا بأحدهم... الكل ركض، الكل صرخ، والكل تم صعقه وضربه بالسياط من قبل عشرات الموظفين الذين يتحكمون في اصطفافهم ليقفون في ثبات وذل. صيحات السجناء باكين ومتألمين من الصعق والضرب كانت تختلط بضحكات علية القوم على الكراسي. انتزعوا ستة سجناء من بين الصفوف، ومن بينهم كان... سيد، والد فريدة... سُحب والدها بين أيديهم كخرقة بالية، رأته يُجَرُّ أرضًا، يبكي كالطفل، يستجدي الرحمة من قلوبٍ فقدت رحمتها منذ زمن بعيد، وكلما علا صوته بالتوسل، زادت قهقهاتهم وحشيةً، متلذذين بصرخاته المرتجفة. كان ينكمش بين أيديهم، يركل الهواء، يمد ذراعيه نحو الفراغ، كأنما يبحث عنها، عنها هي، لتنتشله من هذا الجحيم. أصوات صيحاته كانت كرصاص ملتهب يخرق عقلها من أذنيها، مشهد جذبه كان يحرق عينيها الجاحظتان التي لا تجرؤ على أن تطرفها، حتى شعرت أن قلبها من الصدمة المفجعة قد توقف عن الضخ. الحسرة الموقدة من معدتها صعدت إلى رأسها كما لو أن روحها تحترق شيئًا فشيئًا، معها أحسّت بمرارة قاتلة ترتفع في حلقها، لكنها قيدت نفسها بقبضة من حديد؛ كانت تعلم أن أدنى انفعال قد يودي بكل شيء إلى الهلاك. كان مع سيد شاب وطفل وامرأة، كان الشاب تحديدًا يصرخ ويناضل ويسب ويلعن ويقاوم كحيدر لا يهاب قرون البهائم، وكان هذا اسمه بالفعل.. حيدر، جعلوه منبطحًا أرضًا وهو يصرخ ساخطًا، وانبطح كذلك سيد والطفل الباكي والمرأة، وها هم يرفعون سواطيرهم ويصيح حيدر وهو مغمض عينيه: _لا إله إلا الله!!!! انتفض إبراهيم في شهقة قوية كأنّه سمع صوت إلياس بالفعل، لم يتحمل الكتمان أكثر فصاح هاتفًا بين الجموح من خشيته العظيمة أن يرى إلياس آخر: _يلا يا فريدة!!!! صرخته لم تكن في الحسبان ولا في الخطة، حتى ظنت فريدة أن هذا صوت ضميرها يتمثل في صوت إبراهيم. نظر الجلادون إليه نظرة سريعة لم تتعدَّ الثانية، وفي ذلك الجزء منها كبست فريدة على الزر لتخرج الأشواك السامة وتنغرز في معصمها وتجعل السم يتغلغل إلى عروقها. فجأة رأى حيدر السواطير تنهمر مرتطمة بالأرض، يليها صوت ارتطام أجساد الجلادين أرضًا. لم يكن الجلادون فقط من هوت أجسادهم، بل مئات الموظفين المنظمين لصفوفهم، وعشرات الإداريين الذين كانوا يشاهدون العرض، هووا كلهم واحدًا تلو الآخر كأحجار الدومينو. ساد سكون ثقيل، يخترقه ارتطام الأجساد الخائرة بالأرض يتردد صداه في الفضاء؛ جلادون، موظفون، إداريون... سقطوا جميعًا كدمى قُطعت خيوطها فجأة. الساحة التي كانت مليئة بالضحكات الوحشية صارت فجأة ميدانًا لصمتٍ مطبق، يثقل كالرصاص على القلوب. كلهم بلا استثناء ضربت أجسادهم الأرض.... ميتين. العيون المذعورة للسجناء كانت تلتهم المشهد كمن يرى حلمًا يستحيل واقعًا. في البداية ظنوا أنها خدعة، أو اختبار آخر لقياس قدرتهم على التحمل. وقفوا كتماثيل، عيونهم متسعة تتلظى فيها ذكريات القهر والإذلال، توهجت فيهم دهشة عمياء، امتزج فيها الرعب بالأمل، حتى تراجع البعض إلى الوراء لا إراديًا، كأنهم لا يصدقون ما أبصرته أبصارهم المشروخة بالعذاب. باغتتهم رعشة لا تشبه الخوف هذه المرة، بل تشبه ارتعاشة الطير حين يفتح جناحيه لأول مرة ليحلّق. عيون باكية متورمة ظلت تتلفت حولها في ذهولٍ مضطرب، أفواهٌ مشققة من الجفاف انفتحت ولم تنبس ببنت شفة، واللغة نفسها خانتهم أمام هذا الحدث الأعظم من أن يحتويه بيان. أحقًا هؤلاء، الجلادون والموظفون وأرباب العذاب، سقطوا جميعًا كدمى بلا حياة؟ أحقًا انتهت التجارب على أجسادهم؟ انتهى بلع أكياس الكوكايين؟ انتهى التعذيب الجسدي والنفسي؟ انتهى حرمان الطعام والشراب؟ أحقًا انتهى الاغتصاب وإعطاء أجسادهم للعجائز القوقازيين؟ أحقًا هذا الذي طالما كانوا يحلمون به، ينسلُّ الآن بين أيديهم بلا إنذار؟ ثم بدأ اليقين بهتاف إبراهيم الذي ناضل بكرامته وصحته وروحه وبصره: _بقينا أحرار!! بقينا أحرار يا ناس!!! كلهم ماتوا!! كلهم ماتوا!! هنرجع لأوطاننا ولحياتنا!! خدوا حريتكم منهم وانتقموا!! انتقموا!! انتقموا!!! دوى صوته كالرعد العظيم في السماء الراكدة، حاملًا في طياته سنين من الكبت. كلماته زلزلة تهز أساس العبودية محطمًا بها سلاسل قيدت أرواحهم لعقود طويلة. الحرية... الكلمة التي كانت حلمًا عابرًا في ليالٍ سوداء، أصبحت فجأة حقيقةً ترتجف بين الضلوع وتسير بين أرواحهم المذهولة. ذرفت دموعهم دون إذن، انهارت جباههم نحو الأرض ساجدين حامدين شاكرين لله مستجيبًا لدعواتهم في ليلة عرفة المنجية. أحس كل واحد منهم أن قفص صدره لم يعد قادرًا على احتواء هذا الانفجار الداخلي. لأول مرة منذ سنواتٍ، تنفسوا نفسًا كاملًا، خاليًا من الخوف، من العبودية، من الذل. ثم، في ومضة كبرق الغضب، انتفض حيدر. قام من موضعه كإعصار تحرر من قيده، قبض على سلاح أحد الحراس الموتى، وتطاير الشرر من عينيه وعاد إليه عمره الذي سُرق منه بالقهر. انتبه السجناء وهم يرونه يشهر السلاح. لحظة واحدة فصلت بين الذهول والانفجار. التفت حيدر لعلية القوم الذين حاولوا الهروب وزمجر مستشيطًا قائلًا: _متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا!! وثب نحو المدرجات، وانقض عليهم كالسهم الهائج، وانهمر عليهم بوابل من الرصاص. لم يكن وحده. ركض بلال وراءه، والتقط بدوره سلاحًا آخر من الأرض، ومن خلفه شُبان آخرون... عشرات من الوجوه التي عرفت الجوع والذل والسياط، استحالوا جميعًا إلى نيرانٍ حية تبتلع جلاديهم، شباب كانوا لا يعرفون كيف يرفعون أعينهم من الأرض، فإذا بهم يرفعون البنادق، ويقفون شامخين لأول مرة، وبدا أن حيدرًا قد أطلق طاقتهم الكامنة. انتشروا كالنار في حقل قش، يقتلون العشرات من كانوا جالسين من الرؤساء والدبلوماسيين والنجوم والوزراء، قتلوهم كلهم بلا رحمة، فالدم أصبح لغة الحوار الوحيدة. ارتجت الساحة بصوت الرصاص، بمثابة صدى لحريتهم المكتشفة حديثًا، ولغضبهم المكتوم منذ قرون. كل طلقة، كانت قصاصًا لمن عُذبوا، لمن هُتك عرضهم، لمن صاحوا من هول الألم بسبب التجارب، لمن أذلوا، لمن استخدم جسدهم كالعرائس الباردة. تناثرت الدماء على الأرائك المخملية، وارتجفت الأجساد المتأنقة قبل أن تسقط مصبوغة باللون الذي طالما استمتعوا برؤيته. كان علية القوم يصرخون، يركضون، يتعثرون بثيابهم الراقية، وجوههم المشمسة بالترف تتحطم تحت وقع الرصاص والسواطير المسروقة من جثث الحراس. كانوا يُقتلون دون رحمة، كما قُتلوا هم ألف مرة في أرواحهم دون دم. وسط هذا الإعصار، اندفعت فريدة متشبثة بريان بيدها اليسرى المرتعشة، في خشية أن يُسلب منها مرةً أخرى، أما يدها اليمنى فقد انتشر فيها شلل السم تمامًا، بالكاد تشعر بها، وساقاها بالكاد تحملانها، ركضت بكل ما تبقى فيها من روح نحو والدها. سيد كان واقفًا يلتفت حوله بأعين لا تطرف من شدة صدمته وقلقه، باحثًا عن ابنته. وحين أبصرها، تحجرت عيناه واتسعت مقلتاه شيئًا فشيئًا، وبسط ذراعيه إليها وتمددت على شفتيه المرتجفتين ابتسامة مشروخة... ابتسامة حية لأول مرة منذ أعوام. انفجرت فريدة باكية ووثبت نحو أبيها وهي ترتطم بجسده في عناق قوي، تعانقه كمن يعانق الحياة ذاتها. ضمت فريدة والدها بقوة، حتى شعرت أن صدرها سينفجر. تنفست رائحته الممتزجة بالدم والعرق والألم، كأنها تعيد قطعةً ضائعةً من روحها إلى مكانها الصحيح. كانت تبكيه وتبكي نفسها وتبكي كل زمنٍ سُرق منهما. ريان كان خلفها، يلهث، عيناه الصغيرتان تبرقان بالهلع والسرور معًا. بسط ذراعيه حولها هو الآخر كحركة لطيفة عفوية، في رغبة منه أن يحميها من الفوضى حولهم بجسده الهزيل، كأنما يحرس ذرة النور الوحيدة التي بقيت في هذا الجحيم المنهار. في تلك اللحظة، بين ركام الموت وحطام الطغاة، وُلدت الحرية. أن تعانق فريدة والدها دون أن ينتزعها أحد منه، أن تبكي علنًا دون أن تنهال عليها صعقة قوية في أعناقهم، أن ترفع رأسها إلى السماء وتدعو ربها دون أن تخاف من موظفٍ متربص يعذبها ويمنعها من ذكر الله. في ظل هذه الفوضى المبهجة، كان إبراهيم واقفًا في ثبات، ليس لأنه أعمى يشعر ان حركته محدودة، بل كان واقفًا في استمتاع وتلذذ، ينصت إلى طلقات الرصاص على الظالمين وصرخاتهم وهم يستنجدون. يستشعر مرور السجناء الفرحين من حوله ورياحهم التي تعطرت من عظم سرورهم، واقفًا في سكينة لم يشعر بها منذ ثلاثة عشر عامًا. تمنى أن يرى وجوههم المبتهجة ووجوه علية القوم المذعورة، ولكنه حمد الله واكتفى بالسماع. رفع رأسه ونطق بشجاعة، هذه المرة ليستكمل حديثه الذي أراد أن يتفوه به: _سامعة يا نور؟ شايفة يا حبيبتي؟ شايفاهم وهما فرحانين بأنهم هيرجعوا لدنيتهم العادية تاني؟ جبنا حقك يا نور، لا... جبنا جزء من حقك، بدأناها في أول الطريق وهنكمل لحد النهاية، لحد ما نجيب حقك كله يا حبيبتي وتطمني في برزخك الجميل. ^^الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله.^^ تم قتل علية القوم كلهم، وارتفعت تكبيرات عيدهم ونداء الحرية في دعواتهم وذكرهم لله، تموج في الفضاء كرائحة المسك المنبعثة من سجودهم. كانت ليلة عرفة، ليلة تتنفس فيها السماء دعوات المستضعفين، ليلةٌ تتهاوى فيها سلاسل الظلم كأوراق الخريف اليابسة. ها هم، بعد أن سُلبوا سنين من أعمارهم، يكتشفون فجأةً أن أيديهم لم تعد مقيدة، أن أصواتهم لم تعد مكممة، أن قلوبهم لم تعد مكللة بالخوف. انفجرت الحياة في عروقهم كالنهر الجارف، وشربت الأرض العطشى أخيرًا من كأس العدالة. السجناء، الذين كانوا بالأمس جثثًا متحركةً تحت وطأة الطوق الصاعق، أصبحوا اليوم عاصفةً تأكل الظلام. الحرية لم تكن مجرد كلمةٍ تُنطق، بل صارت طعمًا في أفواههم، حرارةً في أيديهم، ضوءًا في عيونهم المُنهَكة. لم يعودوا سجناء، لم يعودوا ضحايا، أصبحوا بشرًا مرةً أخرى، بكل ما تحمله الكلمة من جراحٍ وأمل. وهنا ظهر في السماء الضاحكة مجموعة من الطائرات المروحية، الدليل الدامغ لتوجيههم إلى طريق النجاة. في إحداها سليم، وفي الأخرى شارلوت. المشهد من تحتهم كان فوضويًا ومهيبًا ومنتظمًا في آنٍ واحد. كان السجناء كأشجار نفضت عن أغصانها غبار السنين. حيدر وبلال وبعض الشباب بأسلحتهم الدامية، إبراهيم بسكينة حضوره، فريدة وهي تنحني على صدر أبيها كالزهرة التي وجدت أخيرًا ضوء الشمس. حتى ريان، ذلك الصبي الهزيل، صار يبدو كعملاقٍ يحمل بين يديه براءةً أنقذها من بين أنياب الذئاب. بلال يحتوي بذراعه ندى، التي وعدها أن يكملا قصة حبهما فور أن يتذوقوا حريتهم، وهند، التي قد تبدو وحيدة، إلا أن فريدة مدت يدها لها لتضمها إلى دائرتها الحنونة فتشبثت بها. أتى حيدر وبلال بجانب إبراهيم ليظهر صداقتهم القوية، وقال حيدر: _ذولا ويانه؟ أجابه إبراهيم بفخر ووهن: _أيوة. هنا سمعوا صوت رنين هاتف أحد الموظفين الميتين، فقال إبراهيم: _هاته يا بلال لو سمحت. ذهب بلال والتقط الهاتف وأعطاه لإبراهيم. بعدما فتح الخط، كانت شارلوت تحدثه بالإنجليزية: _إبراهيم، أنت بخير؟ _نعم، لكن لا أظن أن فريدة بخير، تحتاج للترياق الأن، ويوجد آلاف محبوسين داخل السجن، يجب أن نخرجهم فوق الأرض وتحت الأرض، وعايز أروح أنا وبلال وحيدر مكان سردار ونطلع كل أسراره وناخدها معانا عشان نفضحه. _لا تقلق، سنساعدك على كل ذلك. وفي النهاية، هدأ زئير الانتقام، وبدأت رحلة الانتشال من هذا القاع إلى شط النجاة وإظهار الحقيقة الكاملة للعالم. وليعلم العالم أن سجناء منطقة دارين جاب، تم تحريرهم بالكامل. ************ منذ أن بزغت شمس السابعة، وأرض الوادي الجديد تئن تحت وطأة حربٍ ضروس، لم تهدأ فيها رصاصة ولا استراحت بندقية. تحول صفاء السماء إلى اللون الرمادي من كثافة البارود، مشبعةً بدخانه، والهواء نفسه أصبح يخنق الصدور. جيش ذود، قليل العدد، كان معتصمًا داخل جبل متوسط الطول، لكنه غدا في يد مصطفى قلعةً عصيّة. فتح فيه كهوفًا وممرات، فجعل من صخوره حصنًا، ومن جدرانه سلاحًا. آلاف الجنود ببنادقهم ينهالون بالرصاص على جيش الميلشيات من فتحات مخصصة في الجبل. وجيش الميليشيات، فقد أحاطوا بالجبل من كل جانب، كالسيل الجارف، بعضهم يحاولون اقتحامه مرارًا، لكن كل محاولة كانت تنتهي بقتلهم من رصاصات ذود. الرصاص يتطاير كأمطار هائجةٍ، لا ترحم من يقف في طريقها. بنادق ذود تتكلم بلغاتٍ حارّة، وصيحاتهم في اللاسلكي كنداءاتٍ بين الفرسان في آخر المعارك. وفي أعماق الجبل، كان الهواء ثقيلاً، مشبعًا برائحة التراب الرطب والعرق والبارود. الجنود بالداخل، أولئك الذين لا يرون الشمس ولا سماء المعركة، كانوا يحاربون من خلف فتحاتٍ صغيرةٍ حُفرت في الجدران الصخرية، كأنهم أجزاء من الجبل نفسه، عيونه وسواعده. كانوا يطلقون الرصاص بحذرٍ ودقة؛ فكل طلقةٍ هي جزء من أنفاسهم، لا يضيعون رصاصةً عبثًا ولا يهدرون فرصةً للثأر. أعينهم لا تطرف، وقبضاتهم مشدودة إلى الزناد، كأنهم يقبضون على خلاصهم بأصابع من فولاذ. الصبر سلاحهم الأشد فتكًا. يتحملون أصوات الانفجارات تهز الجدران من حولهم، وشظايا الصخر تتساقط فوق رؤوسهم دون أن يحيدوا عن مواضعهم. ينكمشون خلف الحجارة حين تقترب قذيفة، ثم ينهضون بثبات الصخر، يردون النيران ببرودةٍ لا يشوبها خوف. لم يكن داخل الجبل مساحة للفوضى؛ كان كل جندي منهم يعرف موضعه كأنما خُلق له. بعضهم يراقب، وبعضهم يحشو البنادق ويعدّ الذخائر، وبعضهم يُصلح الأسلحة التي تعطب وسط المعركة. كانوا كخلية نحلٍ لا تهدأ، يتنقلون بأصوات حازمةٍ متحفزة، بخطواتٍ حذرةٍ فوق الأرض الجرداء. العطش كان يحرق حلوقهم، والإعياء والإرهاق يجذبان أوصالهم، لكن لا أحد منهم تراجع أو وهن، فضلوا أن يتشبثوا بصيامهم كما يتشبثون بسلاحهم، يرون في صيامهم نجاةً ووسيلةً للنصر كما يرون في سلاحهم. مصطفى نفسه لم يكن بعيدًا عنهم؛ لم يختبئ خلف التخطيط فقط، بل كان في قلب النيران، بندقيته مربوطة إلى ظهره، يصيح بالتعليمات، ثم ينقض بجسده متحركًا بين الممرات، يطل من الفتحات ويطلق، ويأمر، ويشدّ من أزر إخوانه. كذلك جمال وإسماعيل وياسر يمشون على خطى مصطفى. ومع كل اندفاعةٍ للمليشيات نحو الجبل، كانوا يُقابلون بوابلٍ حارقٍ من نيران ذود. الرشاشات الثقيلة، التي وضعت بعناية عند فتحات الكهوف، كانت تحصد الأجساد بلا رحمة، والمدافع اليدوية الصغيرة التي نصبوها أعلى التلال كانت تقصف بالقذائف الخفيفة في قلب التجمّعات. الجنود المتخصصون في التموين، الذين يُفترض أن يكونوا في الصفوف الخلفية، تحوّلوا إلى مقاتلين، كلٌّ يحمل سلاحه ويقاتل بيدٍ، ويحمل الذخيرة على ظهره باليد الأخرى. حتى المصابون، من كان يستطيع أن يضغط على الزناد، فعل، ومن لم يستطع جلس مسندًا ظهره إلى الحائط يحث رفاقه على الصبر والثبات. يامن، موريس، أحمد، عماد والعشرة آلاف كلهم بلا استثناء يجاهدون، وجمال وإسماعيل ومصطفى وياسر كانوا يرون أنفسهم جنودًا أيضًا ويشاركون كما يشارك الجنود تمامًا. لم تكن الحرب صخبًا أعمى بل كانت عزفًا داميًا، كل آلةٍ فيه تعرف مقامها وتعرف لحنها. الشمس كانت قد اعتلت السماء إلى منتصفها عند الواحدة ظهرًا، وبرغم القصف والرصاص، والدخان والأنين، كان جيش ذود واقفًا، كالطود، لا ينكسر. مرّت سبع ساعات ثقيلة، حتى فجأة، رأى الجنود ميليشيات العدو تنسحب مبتعدةً إلى ما وراء مدى النيران. لم يخفَ عليهم هذا المشهد الغريب، فاعترتهم الحيرة، لكن قادتهم أمروا الجميع أن يثبتوا في مواقعهم وألا ينخدعوا بهذه الخدعة. ومرت ساعة انتهزوا فيها وقتًا ليصلوا صلاة الظهر، ثم عادوا لانتظار العاصفة مجددًا. في خضم هذا الهدوء المفاجئ، انتهزت منار الفرصة، وكانت تختبئ مع سعدية في مكان آمن في أعماق الجبل. خرجت مسرعة نحو الجنود، تنادي طالبة رؤية مصطفى. حتى أسرع نحوها، وهو يقول: _إيه يا منار، عايزة إيه؟ _سيبني أروح لنور يا مصطفى، أرجوك، وإلا هيموت ناس كتير! هو عمل كل دا عشاني، خليني أرجعله. قال مصطفى بصرامة: _لأ يا منار، مش هرجعك ليه! النهارده بإذن الله هننهي قصته للأبد. ارجعي مكانك، وماتسيبيش سعدية لوحدها. كان موريس يقف بالقرب منه، فأشار إليه مصطفى أن يعيد منار إلى حيث كانت. أطاعه موريس وأخذها تسير بجانبه وهي كظيمة، محطمة، يعتصر الهم قلبها. وفي تلك اللحظات، كانت سعدية تجلس وحدها... تلك فتاة كُتب عليها وعلى أمها وأخيها وعمها النضال، فحمل قلبها القلق المكثف وصبرًا غليظًا كالأشواك. فجأة سمعت خطوات تقترب من خلفها. التفتت تلقائيًا، وما إن أبصرت القادم حتى اتسعت عيناها من الصدمة؛ كان جنديًا يرتدي قناعًا أسود بأعين خضراء. ما إن فتحت فمها لتصرخ حتى انقض عليها، كتم أنفاسها وكبح حركتها بوحشية. في تلك اللحظة، التقط موريس صراخها المكتوم، فتوقف فجأة وقال لمنار: _خليكي هنا، ماتتحركيش. اندفع بسرعة إلى الغرفة، وهناك أبصر المشهد: صاحب القناع جاثم فوق سعدية، يسحب المسدس من حزامه مستعدًا لقتلها. من شدة صدمته، نسي موريس السلاح في يده، واندفع بجسده نحو المهاجم. تدافعا وابتعدا عن سعدية، التي نهضت بفزع وركضت إلى الخارج. اشتعل بينهما قتال ضارٍ، انتهى بسقوط قناع الجندي. وعندما التقت عينا موريس بوجهه، تجمّد في مكانه، وعيناه تتسعان صدمة: _إنت... لم يمهله الجندي لحظة؛ أخرج المسدس بسرعة خاطفة، وأطلق رصاصة مباشرة اخترقت عين موريس، مزقت رأسه، وأسقطته جثة هامدة فوق الأرض. التقط الجندي قناعه وفرّ راكضًا كالشبح. جذب صوت الرصاصة الجنود إلى المكان، ولكن حين اندفعوا لم يعثروا على أثره شيء مثير للشكوك، كأنه تبخر في الهواء. تلاه صرخات منار المفزوعة، فاندفع الجنود ومعهم مصطفى إلى الغرفة، ليجدوا موريس مضرجًا بدمائه، عينه مخترقة، وروحه تئن على وشك الرحيل. أسرع مصطفى إليه، وجثا بجانبه، يتحسس نبضه المرتجف. ولما تأكد أنه لا يزال على قيد الحياة، صرخ بأعلى صوته: _ودوه لحمدي بسرعة! بسرعة! هرع الجنود به، بينما التفت مصطفى إلى سعدية، يصيح مذهولًا: _إيه اللي حصل؟! بدأت سعدية تحدثه بلغة الإشارة، يعلو وجهها مزيج من الرعب والانكسار، ولم تكد تنهي حديثها حتى دوّى انفجار مروع في سطح الجبل، اهتزت له الأرض بقوة. لقد عاد القصف من جديد. عودة القصف أي عودة مصطفى لاستخدام قوّته. لم يكن قصفًا متدرجًا، بل حزامًا ناريًا اجتاح السماء كما لو أنه استخدمها نور في تفريغ حقده. انهمرت القذائف فوق الجبل كالمطر المسعور، حتى ضربت الطابق العلوي منه، وتهدمت الصخور وتناثرت الأشلاء، واستُشهد ما يقارب ألفي جندي من رجال "ذود"، الذين ثبتوا في مواقعهم كما تُثبت الأشجار جذورها في التراب قبل العاصفة الأخيرة. بدون أي تردد بين هذا الدمار، رفع مصطفى بصره إلى قمة الجبل، وشدّ عزم قلبه، ثم بدأ الصعود. في لحظة تماهٍ قدري وتوافق مهيب، كانت قوافل الحجيج في الطرف الآخر من الأرض تصعد جبل عرفات، يرفعون أكفهم للسماء، تبلل دموعهم أكفّهم المتضرعة، بينما هنا، في هذا الجبل الجريح، على هذه الأرض المضرجة بالدم، كان مصطفى يصعد جبل البلاء، حاملًا جهاد روحه كما يحمل الحجيج قلوبهم التائقة إلى الغفران. صعوده كان ثقيلًا كخطى الموتى... صعودًا لا يحمل في طياته الدعاء وحده، بل الدم والألم والرجاء المنهك. كانت خطواته تتعثر بين الركام وأشلاء إخوانه، عيناه ترمقان الأفق المشتعل بلا خوف، كأنّه حاج صامت يصعد لركن عبادة خاص، لا يقيمه إلا من نذر روحه فداءً للدين. كل خطوة يخطوها كانت تحمل ثقل ألف دعوة وألف شهيد، والأرض تتنفس من تحت قدميه، تشهق بما حملته من أحلام الراحلين. كان يشعر بروحه تتسامى مع كل نسمة تهب من السماء العليّة، حتى إذا بلغ ربوة مرتفعة واستقامت قامته، وقف وفتح ذراعيه للريح، ولمح بمسيره جاهزةً للإطلاق ليحرك يده في سرعة، منطلقًا رياحًا عاتيةً لتزيحها وتتلفها، ويليها صوت انفجار عظيم، لكن هذا الصوت لم يكن إلا نشيدًا جنائزيًا يرافق صعوده، كالتلبيات التي تملأ الأفق يوم عرفة: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك." بينما كان يحارب الصواريخ ذات الأطنان وحده برياح الله، كان يتردد في أذنه تلبيات الحج، لكن مصطفى لم يلبِّ باللسان، بل بالروح، بالصبر، بالجهاد، بدمه المندفع حادًا في عروقه. كان يدرك أن كل خطوة تقرّبه من الموت، لكنها في الوقت ذاته تقرّبه أكثر إلى رضا الله ورؤية وجهه الكريم أولًا وتقربه لحياة أخرى، حياة نصر تصان فيها الأرواح، وتقام فيها الصلاة فوق أنقاض الطغاة. كان يساند نفسه ويثبت عزيمته كما يثبت قدميه وهو يلوح بذراعيه في كل هبوط قذيفة وهو يردد: _لبيك اللهم لبيك بالجهاد والصبر واليقين. سمع مصطفى هنا صدى البنادق إلى الساحة. ويبدو ان جنود الميليشيات انبثقوا كالوباء من بين الغبار والركام مجددا، يملؤون الأرض بأقدامهم النجسة، يطلقون رصاصهم مثل سرب جراد جاء ليأكل الزرع والضرع والروح. اندلع تبادل النار بينهم وبين رجال ذود مرة اخرى، والهواء يضج بصوت الطلقات والأنين المكبوت. في وسط هذا الجنون، وقف مصطفى، متشبثًا بالريح كمن يمسك بأطنان من الحجارة، يحركها بثقل شديد. انتهز مصطفى اقترابهم فهبت الرياح كالسياط، واقتلعت المسيرة فوق رؤوس الميليشيات، فهوت فوقهم كطوفان غاضب، وقتلت وأصابت الآلاف منهم، وهبطت تلك القذيفة فوقهم ومصطفى يتلو: _{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} لكنهم، كداءٍ قديم، لا يضعفون، لا يتراجعون، في تلك اللحظة، تصاعد أحمد بقناصته بجوار مصطفى، حالفًا ألّا يتركه وحده، فنظر إليه مصطفى وهو يقول: _متسيبش سعدية لوحدها! _هي في أمان، بس مقدرش أسيبك تعمل كل ده لوحدك، مش هتستحمل. بدأ يقتنص أهدافه بعينه الساهرة وسلاحه الصامت، يترصد الكوادكابترات التي راحت تبث الموت من السماء. لكن الموقف ازداد عسرة، والمليشيات ازدادت ضراوة، وكأن القيود التي كانت تمسك بهم قد تكسرت، فانفجروا كاللعنة في وجه الحق. بدأت طاقة مصطفى تندثر، ارتفع ضغطه، انهمرت الدماء من أنفه، وتسربت قوته من بين ضلوعه. لم يعد يطيق السيطرة على الريح، لم يعد يطيق حتى الوقوف، أحس بثقل الأرض يجذبه إلى قاعها، ورئتاه تنكمشان. لم يعد يملك من روحه إلا شرارة تتأرجح بين الانطفاء والصبر. الضائقة عظيمة... عظيمة حد أن السماء بدت لهم بعيدة. كانت قلوبهم تخفق خفق الاحتضار، وأرواحهم ترتجف بين رجاء النجاة وخوف الفناء. شعروا بأن الهزيمة تفتح أفواهها لالتهامهم، وبأن الموت يمد يده ليقطف أرواحهم المنهكة. الجنود هلكت أجسادهم وأرواحهم، حتى مصطفى جثا على ركبتيه من وهنه العظيم، ذلك المشهد زعزع الأمان في قلب أحمد، فصاح: _قوم يا مصطفى! قوم، أبوس إيدك! _متحافش يا أحمد، متخافش... ثق بالله، ثق فيه. مع كل هذا، لم تزل بصائرهم مشرعة إلى الله، لم تزل قلوبهم تتشبث بحبله المتين. مصطفى، وسط الإعياء والانكسار، حاول النهوض مجددًا، شد قبضته على الهواء من حوله، رفع رأسه إلى السماء المضرجة بالدخان، ودعا بصوت جهوري: _يا رب، إن عجزت أيدينا فأنت القوي... وإن خارت قوانا فأنت النصير... عليك توكلنا وإليك أنبنا، فلا تكلنا لأنفسنا طرفة عين. أحمد، رغم الدماء التي سالت فوق جبينه من كثرة الشظايا، ثبت قناصته بثبات المؤمن الذي يعلم أن الله لا يضيع عبيده. كانوا يرون بأعينهم نهاية قريبة، موتًا يزحف في كل الجهات، ولكنهم آمنوا أن الموت هنا ليس نهاية، بل بداية طريق إلى حياة طاهرة، إلى جنان عرضها السماوات والأرض. بينما الرصاص يحز الهواء من حولهم، وبينما أجساد إخوتهم تتساقط كالأغصان اليابسة، ظلوا صامدين. كل من يُصاب أو يُستشهد بسبب رصاصة اخترقت رأسه، يأتي بدله جندي آخر ليكمل، والقادة يأمرونهم بترديد التكبيرات: ^^الله أكبر^^ ^^الله أكبر^^ ^^الله أكبر^^ كان نور واقفًا بين جنوده فوق جواده، يشد بيديه على اللجام، ورغم تجهم وجهه كان يشعر برضا تام؛ الانتصار واضح وقريب، فقط ينتظر سقوط مصطفى حين تنتهي طاقته الروحية تمامًا، لينطلق بجواده ويقضي عليه بلمسة يد. _هنعمل إيه؟! هنموتهم إزاي؟ الرصاص بدأ يخلص، والأسلحة نقصت، وفيه كتير مننا أوي ماتوا... قال أحمد هذا الكلام بصوت يحارب اليأس، ولم يجب مصطفى بشيء سوى أن قال: _{فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} في تلك اللحظة، كانت سعدية ومنار جالستين في هلع عظيم، لكنهما حاولتا كبحه والتمسك بالصبر، حتى سمعوا جنودًا يتحدثون في عجالة وفزع: _سمعت أحمد بيقول قوم يا مصطفى!!! _يعني إيه؟؟ مات؟؟ _لا لا، أكيد لا! مستحيل مستحيل يموت!!! ضربت منار صدرها وهي تصيح: _يا نهار أسود! يا نهار أسود! كله بسببي، كله بسببي! يا رب انجده، يا رب!!! لم تتحمل سعدية الجلوس أكثر، فوثبت من مخبئها ركضًا دون أن تعطي فرصة لمنار أو الجنود بالإمساك بها، وانبعثت كوميض برق يشق الظلام. يبدو أن الله قدّر لها دورها وحان الوقت لتقوم به، فانطلقت تصعد السفح بقدمين خفيفتين سريعتين، تركض بعزم يزلزل الأرض تحت خطاها، كما لو أن الجبل نفسه ينحني ليسهّل لها العبور. وفي لحظة خاطفة، بلغت سعدية سطح الجبل، والهواء حولها يضج بالرصاص والصراخ والدخان، وهي تشق كل ذلك كالسهم الهادر. اقتربت من مصطفى وأحمد، وجهها يلمع، عيناها الزرقاوتان مشعتان بعزم لا يوصف وهي تنظر لجنود الميلشيات. مصطفى، رغم احتضار قواه، نظر بجانبه برأسه المثقل وأبصرها. أحمد ثبت عينيه عليها بدهشة جمدت الدم في عروقه. _سعدية، ارجعي بسر... تحجر لسان أحمد فور أن رأى أخته تفتح فمها، وتهتف بصياح عارم، انطلقت الكلمات من شفتيها ولسانها، لم يسمعوا حروفها من شدة هدير الحرب، ولكنهم رأوا النتيجة. فها هو جيش العدو، الذي كان يقف بعنفوانٍ وغلظةٍ، يسقط في آنٍ واحد، مكونين أفواجًا وانفجر تراب الرمال من شدة ارتطامهم، كما تسقط العمائر. سقوطهم لم يكن تدريجيًا، بل كان كالموج الذي يهدم الشاطئ في لحظة غضب. سقطوا ميتين تمامًا وسُحبت أرواحهم دفعة واحدة. عشرون ألف جندي من المليشيات المتبقية في مصر، عشرون ألف رجل بالغ، كلهم سقطت جثثهم أرضًا ميتين. لم يتبقَّ سوى نور واقفًا وحيدًا بجواده، يلتفت حوله في ذعر وصدمة مكبوحة، لكنه سرعان ما تحكم في نفسه حين أبصرها... سعدية. كل شيء تجمّد. الرصاص الذي كان ينساب في الهواء كشرارات نارٍ تشتعل، توقف. الجنود من حولهم لم يجرؤوا على الحراك. كانت الأعين جاحظة، تغرق في مشهدٍ لا يمكن تصديقه، وقلوبهم تخفق كأنها على وشك التوقف. ووسط هذا، مصطفى، الذي كان يلهث من ثقل معركته، صدمته اللحظة. عيناه تشخصان في الفراغ، غير مصدقتين ما تراهما، لكن الحقيقة كانت واضحة أمامه، كما هو الحال لأحمد الذي وقف كالشبح المذعور، والدماء تتناثر على وجهه. بعدها سمعوا صوت ارتطام جسد سعدية بالأرض مغشيًا عليها، وكأنها لم تعد تملك القدرة على حمل روحها، فنسي أحمد كل هذا فجأة وهب نحوها وتأكد أنها حية ليتنهد في اطمئنان وعاد للنظر إلى الجنود، ولكن لاحظوا هنا أن نور يندفع بجواده متجهًا إليهم. اشتدَّ أزرُ مصطفى حين رأى ذلك العفريت يهمُّ بالانقضاض عليهما، فاستند بكفه إلى الأرض ونهض وهو يجزُّ على أسنانه، ثم اندفع راكضًا، يهبط من الجبل بسرعة خارقة حتى بلغ السهل. وفجأة، توقَّف نور حين أبصرها؛ كانت منار تركض نحوه، وقد انتهزت غفلة الجنود عنها وأتت إليه. رأها مصطفى وهو يهبط من الجبال، فصاح: _منار، تعالي هنا!! وصلت منار إلى نور، وهي تقول بانكسار: _خدني يا نور، خدني أرجوك، أعدني معاك بلبيت، وخلينا نمشي من المكان دا. لولا أن مصطفى صاح بها محتدمًا، لما كان نور ليطيعها؛ فهو يتلذذ برؤية مصطفى مضطربًا ولو بمثقال ذرة. مدَّ يده، فأمسكت بها، وساعدها على الصعود إلى ظهر الجواد، ثم استدار وانطلق به راكضًا، وفي تلك اللحظة كان مصطفى قد بلغ الأرض، وقد اعتراه امتعاض وصدمة. ولكن، ما إن وصل إلى ساحة المعركة، ورأى الجنود الميتين بأم عينه، وتأكد من مصرع أحدهم بنفسه، حتى اندثر امتعاضه، واستشعر عظم معجزة الله. في تلك اللحظة خرج الجنود من بطون الجبل، وجباههم تشع بنور النصر الذي لم يستوعبونه بعد، عيونهم تلمع ببريق لا تُخطئه عين. كانوا يسيرون صوب العدو المهزوم. أمامهم منبطحين أعداؤهم، أولئك الذين طالما سادوا بالظلم، وعلت أصواتهم بالبطش، ها هم اليوم صامتون ميتون كما لو لم يكونوا من قبل. اقتربوا كلهم وكان في المقدمة يامن الذي ما زال متشبثًا بسلاحه في شك ووقف بجوار مصطفى وهو يحدق في الآف الجثث تلك في صدمة مغلفة ببهجة مدهوشة عارمة، عينيه تائهتان بين وجوه الوحوش الذين قتلوا أخته... وجوه جامدة، ساكنة إلى الأبد. _كلهم ماتوا...؟ كده خلاص؟ معادش بقا ليهم وجود في حياتنا خلاص؟ قال مصطفى وبابتسامة باهتة، مرهقة، ارتسمت على وجهه قال: _أيوة... أيوة خلاص، انتصرنا.. ربنا نصرنا. الحمدلله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. بعدها التفت إليهم وهو يصيح فيهم بصوتٍ شقَّ عنان السماء: _تكبير!!!! انطلقت التكبيرات العيد من حناجرهم كسيوف تقطع صمتَ الخوف، وتُعلن ميلادَ النصر. ^^الله أكبر الله أكبر، الله أكبر، الله أكبرُ كبيرًا، والحمدُ للَّه كثيرًا، وسُبْحانَ اللهِ بُكرةً وأصيلاً، لا إلهَ إلا اللهُ، ولا نعبدُ إلا إيَّاه، مخلصين له الدِّينَ ولو كره الكافرون، لا إله إلا اللهُ وحدَهُ، صدَقَ وعده، ونصرَ عبدَه، وهزم الأحزابَ وحده، لا إله إلا الله واللهُ أكبرُ^^ ذرف مصطفى بالدموع الفرحة حتى ابتلت لحيتُه، كم مذاق النصر حلو في هذا اليوم المبارك، اليوم الذي يُباهي الله فيه بأهل الأرض. يوم ينزل الله عز وجل إلى سماء الدنيا بمنزل يليق بجلاله، فينظر إلى عباده بعين الرحمة والرضا، ويقول لملائكته: "انظروا إلى عبادي، شعثًا غبرًا، ضاحين، جاؤوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي!" فها هم اليوم شعث من غبار المعارك، غُبر من طول السّير في دروب الجهاد، ضاحون تحت شمس التضحيات، لكنّهم في عين الله أغلى من كلّ جمال! رجَوا رحمته، فلم يخيّبهم. وقفوا بين يدي القادر بإيمانٍ صادق، فها هو الظلمُ يرتمي عند أقدامهم جثةً هامدة. عشرون عامًا من الطغيان، انتهت بتكبيرات العيد! عشرون عامًا من الخوف، ذابت في لحظةٍ واحدةٍ حين رأوا أعداءهم يتراجعون كالظلال الخائفة. فما أعظمه من مشهد! رجال خرجوا من ظلمات الجبل إلى نور النصر، وتكبيراتهم تصعد إلى السماء. ^^الله أكبر الله أكبر، الله أكبر، الله أكبرُ كبيرًا، والحمدُ للَّه كثيرًا، وسُبْحانَ اللهِ بُكرةً وأصيلاً، لا إلهَ إلا اللهُ، ولا نعبدُ إلا إيَّاه، مخلصين له الدِّينَ ولو كره الكافرون، لا إله إلا اللهُ وحدَهُ، صدَقَ وعده، ونصرَ عبدَه، وهزم الأحزابَ وحده، لا إله إلا الله واللهُ أكبرُ^^ وظلّت التكبيرات تدوّي، حتى اختلطت بأنفاسهم، وصارت جزءًا من جبالهم، وروحًا من أرواحهم.. فكان العيد، وكان النصر، وكانت منّة الرحمن! وأخيرًا، بعد عشرين عامًا، تم تحرير مصر من الميلشيات الهندية/الإيرانية التابعة لأدهم داغر سابقًا، ونور الديب حاليًا. ********** كانت ليلة فيها لحظة ميلاد جديدة لآلافٍ من الأرواح التي عاشت تحت وطأة القهر والإذلال. فبعد أن انكشفت أسرار السجن المكفهرة، كانت الرحلة نحو الحرية قد بدأت، ولكنها لم تكن بالهينة. بمساعدة الجنود البريطانيين، الذين نزلوا من السماء على متن طائراتهم المروحية ومعهم سليم ليساند فريدة وإبراهيم طيلة تلك الرحلة، انطلقت القافلة العظيمة. ولكن قبل أن تشرع القوافل في رحلتها الكبرى نحو الحرية، كان لا بد من إتمام المهمة حتى آخر قطرةٍ من الواجب. مضى إبراهيم، وقد أسند ذراعه إلى كتف بلال، يرافقهما حيدر وسليم، ومعهم عصبة من الشباب الذين تحدّوا الخوف، متجهين إلى أعماق السجن لتحرير من تبقى فيه من أسرى، أولئك الذين كانوا من غير المسلمين وغير العرب، الذين حُكم عليهم بالإهمال والنسيان. كانوا يسابقون الزمن، يفتحون الأقفال ويكسرون السلاسل، ويبعثون الحياة في عروقٍ كادت تيبس من طول العذاب. لم تكن الرحمة تعرف حدودًا لديهم، ولم تكن الحرية تفرق بين لونٍ أو معتقد. أكثر من خمسمائة ألف سجين، كانوا بالأمس أسرى مرهقين، مكدّسين في زنازين لا تعرف الرحمة، وجدوا أنفسهم في صحوةٍ لم يصدقوها بعد. العيون التي كانت مغلقةً على مدار سنواتٍ طويلة بسبب التعذيب، بدأت تفتح لأول مرة على مشهد جديد، أفقٍ بعيدٍ لم تعتد عليه. وما إن أنجزوا تلك المهمة النبيلة، حتى وجه إبراهيم خطاه بعينيه المنطفئتين لكن ببصيرته التي لا تخطئ نحو مكتب سردار شاهين. حفظ الطريق كما يحفظ قلبه نبضه، فقادهم بثقةٍ في الممرات المتعرجة حتى وقفوا أمام الباب. فتحوه بفضل سليم، ودخلوا المكان الذي طالما ترددت فيه الأوامر الجائرة. في صمتٍ مشوب بالعزم، شرعوا بتصوير كل شيءٍ بهاتف سليم: ملفات، مستندات، منتجات، مواد كيميائية، أجهزة حواسيب، وثائق كانت تضم بين صفحاتها أسرار الخراب. لم يتركوا ورقةً دون أن يمروا عليها، ولم ينسوا أخذ الملفات الأكثر أهمية. كانوا يعلمون أن هذه الوثائق ستكون شهادةً دامغة على الجرائم التي لن يسمحوا أن تدفن مع الركام. رغم أنه لم يكن ذلك من الخطة، ولكن يبدو أن سليم وضع لمسته الخاصة مستغلًا قوة نوح؛ فالأرض اهتزت تحت عجلات آلاف الحافلات التي كانت تشق الطريق نحو الخلاص. كانت تلك الحافلات تسير بسرعةٍ متقاربة. مع كل خطوة كانت تسيرها، كانت تخترق جدارًا من اليأس، وتدوس على رمادٍ قديمٍ من الذل والإهانة. كانت فريدة في مقدمة الركب، معها ريان وسيد وسليم، تلك التي أصبح اسمها هو الضوء الذي يبث الأمل في كل من حولها. كانوا يرددون أسماءها في قلوبهم، يسبغون عليها عبارات الشكر والامتنان، وحين علموا منها أن إبراهيم هو المخطط لتلك الخطة لمدة تزيد عن ثلاثة عشر سنة، انهالوا عليه بالامتنان والشكر والتمجيد كما فعلوا مع فريدة. أصبحوا يشيدون بهم كمنقذين، كمنارتين في ظلمةٍ حالكة. أصبحا إبراهيم وفريدة في نظرهم نافذةً تبعث فيها الرياح نسيم الحياة بعد أن عاشت أجسادهم في صقيع الموت. كانوا يرون في طيات ملامحهما القوة التي أرجعت إليهم معنى الكرامة. بين دموع الفرح وصيحات العزة، كان السجناء، الذين كانوا قد اعتادوا على الهزائم، يوقنون أن هذه الرحلة التي تشق طريقها في الطرق الوعرة لن تكون فقط رحلةً للخلاص الجسدي، بل كانت أيضًا رحلة روحية حملت معهم فيها قطعة من الحياة، ودفعةً جديدة للعيش بشرف وحرية. وبفضل الله ثم إبراهيم وفريدة، استطاعوا أن يعبروا من الجحيم إلى النور، من القيود إلى السماء المفتوحة. بعد أكثر من سبع ساعات، اقتربوا من الميناء مع أول خيطٍ للشروق، تغمرهم رهبة النجاة التي لم يصدقوها بعد. كانت مئات السفن العملاقة ترسو هناك، تصطف كأنها أسود رابضة في حضن البحر، تزمجر محركاتها استعدادًا للرحيل. اشتدت ضربات قلوبهم وهم يخطون آخر خطوات الهرب، يصعدون على متن إحدى السفن تحت أنظار الجنود البريطانيين الذين كانوا يحيطون بالمكان لحمايتهم. امتزجت أنفاسهم الملهوفة برائحة الملح والحديد. ما إن وطئت قدما إبراهيم السفينة، حتى وقف في مكانه. شعر بالرياح الصافية تداعب بشرته، وتسللت رائحة البحر إلى أعماقه، رائحة ملأته بحنينٍ لم يشعر به منذ ثلاثة عشر عامًا. رفع رأسه نحو السماء، متمنيًا لو أن عينيه تخونان عماه لحظةً واحدة، ليرى هذا الامتداد الأزرق الذي سكن خياله طويلًا. حدّق إلى داخله، حيث كانت الشمس والبحر يشرقان بنورٍ آخر، نورٍ لا يُرى، لكنه يُحس، وعبره رأى الحياة تبتسم له من جديد. _كان نفسي أشوف السما دلوقتي عشان أوصف ليكم منظر الحرية في طبيعة ربنا الخالصة. حدث إلياس ونور هامسًا بهذا الكلام مجددًا ولكن فجأة، وجد أحدهم يعانقه بقوة وينهال عليه بالقبلات، يليها لكنة بإنجليزية قوية: _إبراهيم يا حب عمري، أحمد الله أنك بخير، أنا لا أصدق! ابتسم إبراهيم وهو يعانقها ويقبل وجنتها ويتحسس ملامحها: _بدونك كنا متنا، أنا ممتن لك ومستعد أن أكون برفقتك طيلة العمر. شعّ وجهها حبورًا في ابتهاج عارم، ولكن اختفت ابتسامتها فور أن قال: _فريدة تحتاج إلى الترياق يا شارلوت، أرجوكي. قالت شارلوت بوجه ممتعض: _لما أنت مستعجل؟ ألم يقل لك سيقتلها السم بعد يومين؟ _ماذا تقصدين؟ تجاهلته شارلوت، والتفتت إلى أدريان وهي تأمره أن يأتي بالترياق، ثم نظرت إليه وقالت: _سأتركك مع أصدقائك الآن، وبعد قليل سأطلبك للجلوس معي. أومأ إبراهيم برأسه، وفي الخلف نرى حيدر وبلال يلمزون ويتهامسون بإعجاب بإبراهيم، وحيدر يقول: _والله ما أدري شلون مصري عشوائي چذيه يوكّع أميرة بريطانيا بغرامه. أجابه بلال: _بدي أقولك عملها سحر، بس مبين إنه عنده شغلة أحسن من السحر بمليون مرة. قال حيدر بثقة وهو يومئ برأسه: _إي البنات يحبون الرياجيل اللي يطبخون. نظر بلال إلى حيدر باستياء، ليبادله حيدر نظرة تعجب، وبلال يقول ساخرًا: _شكلك طلعت طيب عالآخر وعلى نياتك. _ليش؟ شتقصد؟ مافهمت. وهنا تحركت السفينة ببطء، تشق عباب الماء بثباتٍ مهيب، ومع كل مترٍ يبتعدون فيه عن اليابسة، كانت أرواحهم تخف وترتفع. وقفوا على سطحها، وجوههم مرفوعة نحو السماء، يملؤهم سرور عارم، يرون البحر وأشعة شروق الشمس البسيطة لأول مرة في حياتهم. كان النسيم العليل يداعب وجوههم برقةٍ لم يعرفوها منذ زمن، والبحر الممتد بلا نهاية بدا لهم كأنّه وعدٌ بالخلاص، فيما السماء فوقهم تزداد صفاءً مع كل لحظة، كأنها تبارك خطاهم نحو الحرية. تم حقن فريدة بالترياق وضُمنت نجاتها، لكن رغم ذلك كانت تشعر بإعياء شديد، وخمول عظيم، وشللٍ يتسلل إلى أوصالها، فيما تباطأت أنفاسها من شدة الوهن. كانت جاثية على الأرض، مستندةً برأسها إلى حضن أبيها، بينما جلس ريان ممسكًا بيدها والذي رغبت بشدة أن تكفله وعرضت هذا على سليم ووافق دون تردد، سليم الذي كان أمامها ويحاول أن يتحسس شعرها، لولا أن منعه والده قائلًا: _إيدك لو سمحت. _يا عمي، مراتي والله! _لا يا ابني، معلش، أنا مكنتش موجود، والزواج كده باطل حتى لو عمها كان وليها. أصبر وهتتجوزوا تاني أول ما نرجع إن شاء الله. _يا حاج، إحنا كنا فاكرينك ميت! _وطلعت مش ميت أهو! دار بينهم شجار بسيط فكاهي، جعل فريدة تتبسم ضاحكة، فانشرح قلب سليم لرؤيتها تبتسم، فابتسم هو الآخر قائلًا: _نرجع بس يا قلبي ونتجوز، وهتتعلمي كل إللي إنتِ عايزاه، وناكل فتة لحمة! ثم نظر إلى ريان وقال: _ونربي الواد ده أحسن تربية، يكبر ويبقى قوي كده. ضحك ريان ضحكة لطيفة، فداعبه سليم بدغدغته، وضحكت فريدة هي الأخرى. كان ريان يتأمل الأجواء حوله بشغف كبير، ثم قال لسليم بلهفة: _فيّ آخد موبايلك وصوّر البحر والسما؟ شكلن كتير حلو! أخرج سليم هاتفه دون تردد: _خد يا حبيبي، صور اللي انت عايزه، بس إوعى ترميه في البحر، لأرميك وراه! التقط ريان الهاتف، وجسده ينتفض مرحًا ولهفة، وبعدما تعلّم كيف يستخدمه، بدأ يتجول وهو يلتقط صورًا عشوائية ومقاطع فيديو بحماس كبير. إلى جانبهم، كان حيدر وبلال وإبراهيم يخرجون من إحدى الحقائب العملاقة مستندات وملفات، وبصحبتهم العديد من الفلاشات والأجهزة. لاحظت ندى ذلك، فالتفتت إلى بلال وسألته: _إيه ده يا حبيبي؟ _هدول شوية شغلات مو فاهمين شو قصتن. جبناهن من مكتب سردار شاهين، الزلمة اللي عرفنا إنه صاحب هالسجون كلها. _بجد؟ ودخلتوا إزاي؟ أشار بلال بعينيه إلى سليم وقال: _كان في بصمة جينية عباب مكتبه. هو أو أي حدا من جيناته بيقدر يفوت، وبعدها اكتشفنا إنه حفيده. والله الزلمة مو بسيط. تمعنت ندى في سليم مليًا، ثم قالت بتعجب وهي تلاحظ الكنزة ذات الرقبة العالية التي كان يرتديها: _هو لابس هاي كول ليه؟ الجو حر! _قلتلك الزلمة غريب. في تلك اللحظات، كانت هند تتحدث مع فريدة التي أنصتت لها باهتمام شديد: _ونحب كي نرجع لمصر معاكم، نبدى ندور على سعدية بنتي. مازال الطريق قدامي طويل برشا، أما متأكدة إلي باش نلقاها بخير. انتبه سليم إلى حديثها وقال بدهشة: _سعدية؟ انتِ قلتي سعدية؟ _آه... سعدية بنتي. _شعرها بني وعيونها زرق كده ومبتتكلمش ولا بتسمع؟ اتسعت عينا هند واعتدلت في جلستها، تومئ برأسها بحماسة ولهفة: _إي، إي! تعرفها؟ _أيوة، هي مع أخوها دلوقتي وفي أمان، متقلقيش. أول ما نوصل، هاقولك فين. سكتت هند لحظة بدهشة وقالت: _أما هي ما عندهاش إخوة... ساد الصمت على سليم أيضًا، وأدرك أنها لا تعلم شيئًا بعد، لا تعرف أنها إحدى ضحايا عصام، ولا أن ابنتها ليست ابنة زوجها من الأساس. لم يرى سليم الوقت المناسب لإخبارها، فأومأ برأسه قائلًا: _لما نروح مصر، هنبقى نشوف الموضوع ده. في تلك الأثناء، نادى إبراهيم على سليم بعجلة، فنهض وتوجه إليه. كان إبراهيم جالسًا أمام مستند ضخم مليء بصور السجناء. ولسببٍ ما، كان سردار قد طبع السجلات ونسخها على الفلاشات أيضًا. قال إبراهيم: _حيدر قالي إن الصفحات دي كلها فيها ناس اسمهم نور. دور لو سمحت، وشوف لو فيه واحدة حاسس إن في شكلها حاجة شبهكم. بدأ سليم يبحث، لكن بدلاً من أن ينتبه إلى الملامح، خطف انتباهه اسم واحد فقط: <نور داغر> وقعت عيناه عليها. كانت شابة يافعة جميلة، يبدو ان التُقطت لها تلك صورة قبل وفاتها، وكانت ملامحها نسخة طبق الأصل من ملامح... نوح. _دي شبه نوح أوي... تمتم سليم بدهشة بهذه الجملة، فقال إبراهيم: _كانت بتنادي عليه دايمًا... واضح إنها كانت بتحبه أوي. _وهي ماتت خلاص؟ مش موجودة في أي مركب من اللي حوالينا؟ رد إبراهيم بحسرة: _أنا شِلت جثتها بإيدي يا سليم... ساد الصمت حول سليم، قهر مكبوت يعتصر صدره وهو يحدق في وجه نور الفاتن. بموتها، قُهر الكثيرون: موريس الذي فقد كلتا اختيه، نوح، إبراهيم... وحتى سليم تذوق مرارة الحسرة حين تخيل كيف ماتت وهي تحمل وجهًا بهذه البراءة. هنا قال إبراهيم مستفسرًا وعقله مشغول بغادة أخته، فعلم من سليم أنها قد تزوجت بنوح بالفعل. _وهو نوح دا بقى... راجل كويس؟ أجابه سليم: _والله على حسب... فقال إبراهيم منفعلًا قلقًا: _يعني إيه؟ معيشها عيشة حلوة وبيحبها ولا لأ؟! _أيوه يا عم، متقلقش والله، ولما تروح تشوفها إن شاء الله ابقى اتأكد منها. في تلك الأثناء، كان أدريان وشارلوت في غرفة بمفردهما يتحدثان. _أعطوها المادة؟ _نعم، لا تقلقي... دقائق معدودة وستُزهق روحها. قالت شارلوت بحقد يتأجج في عينيها واحتدام لا يهدأ: _بلى، أقلق! كلما حدثني إبراهيم، لا يذكر اسمًا سواها! لم أعد أحتمل وجودها! صمت أدريان لحظة قصيرة، ثم سألها بنبرة خافتة: _هل أعطيتِ الأوامر لسائقي السفن الأخرى والجنود فيها؟ _نعم... أعطيت. وفجأة، فُتح باب الغرفة بعنف، ليظهر ريان واقفًا في عتبتها. وحين استوعب أن الغرفة مأهولة، تمتم بتوتر: _آسف... والله ما كنت أعرف إنه في حدا... ما كنت قاصد... عنجد آسف. والتفت مسرعًا وهو يهرع، وفي تلك اللحظة، كانت فريدة لا تزال مستندة برأسها على كتف والدها، تتنفس بصعوبة بالغة. التفت سيد إلى ندى وقال بقلق ينهش صدره: _ليه حاسس إن حالتها مش بتتحسن...؟ لاحظت ندى اضطرابه، فاقتربت من فريدة وسألتها برقة: _فريدة، حبيبتي... حاسة بإيه دلوقتي؟ همست فريدة بوهن شديد وصوت بالكاد يُسمع: _وشي... وشي منمّل... شحب وجه ندى فور سماعها تلك الكلمات، واتسعت عيناها في صدمة مباغتة. وحين لمح سيد رد فعلها، سأله وقد بدأ الذعر يتسلل إلى صوته: _في إيه يا ندى؟ يعني إيه وشها منمل؟ قبل دقائق قليلة، كان ريان قد خرج راكضًا إلى سليم، الذي استغرب ارتباكه وسأله: _مالك يا حبيبي، خايف كده ليه؟ _فوت لعند الأميرة والمساعد تبعها... وخفت كتير يضربوني! نظر سليم إلى هاتف ريان وسأله: _كنت بتصوّر فيديو؟ _آه... قال إبراهيم سريعًا: _اسمعه يا سليم... يمكن ريان سجل حاجة مهمة. تناول سليم الهاتف وبدأ تشغيل المقطع. ورغم بُعد الصوت وخفوته، إلا أن ما التقطته أذناه جعل عينيه تتسعان في صدمة لا توصف بالكلمات، وشعر أن الخيانة قد غرست أنيابها في أرواحهم. وفي خضم ذلك، سمع سيد يصيح خلفه: _في إيه يا ندى؟ يعني إيه وشها منمل؟ التفت سليم، مصدوما هلوعًا، يحدق بفريدة حبيبته، بينما ندى تحاول تهدئة الموقف قائلة: _مفيش حاجة... تلاقيها أعراض بسيطة... أنا هقوم أروح للعيادة أجيب لها مضاد حيوي يساعدها... متقلقش. وانطلقت تجري نحو عيادة السفينة بكل ما أوتيت من عزم لتجلب أي وسيلة لتنقذها، بينما ظل سليم جامدًا مكانه، وإبراهيم يسأله عما سمعه، لكنه لم يجب، بل سار بخطوات متسارعة مستشيطة مسعورة نحو غرفة شارلوت وأدريان وما زال عقله لا يستوعب عظم الصدمة التي اجتاحت قلبه الذي اضرم بنار لا تُطفأ. وفي تلك الأثناء، كانت فريدة تجلس في سكينة موهنة، وقد تسللت إلى أنفها رائحة عطرة ندية لم تشم مثلها قط، تبعها نسيم رطب عليل داعب وجهها بجانبها حيث نهضت ندى، نظرت بجانبها في حركة بطيئة، لتجد بجوارها مشهدًا يسحر الألباب. كانت رباب جالسة قربها، في قمة شبابها وجمالها، نور وجهها يفوق بريق الشمس، وعطرها يفوح بعبقٍ يفوق جمال روائح الزهور كلها، عبق لا مثيل له في الحياة الدنيا. ارتسمت على شفتيها ابتسامة حانية، فتساءلت فريدة بصوت خافت بالكاد تسمعه: _رباب؟ ابتسمت رباب بحبور وقالت برقة: _مش يامن جابلي حقي؟ ابتسمت فريدة بوهن وفرحة غامرة: _بجد؟ الحمدلله... _أنا ارتحت خلاص... وأظن جه دورك ترتاحي إنتِ كمان. قالت فريدة بحنين يتدفق من قلبها المتعب: _آه... هرجع مصر مع سليم وريان... وهرتاح. ظلت رباب تبتسم بسكينة حزينة وقالت: _بس ربنا عالم... إنك لما ترجعي مش هترتاحي معاه برضو... إنتِ بجد تستحقي راحة تامة... إنتِ مادوقتيش الراحة طول عمرك. ارتجف صوت فريدة، وسألت بقلق: _إزاي؟ مش هبقى مع سليم يعني؟ _مش نفسك تبقي ريحتك جميلة أوي وشكلك جميل أوي كده... زيي؟ ابتسمت فريدة ولمعت عيناها ببريق باهت من الحماس رغم ضعفها: _آه... نفسي أوي... ماما... ماما زيك كده برضو؟ أومأت رباب برأسها مطمئنة وقالت: _أكيد. بلعت فريدة ريقها الجاف كصحراء جرداء، وسألت بتردد وخوف: _طب... هي مسمحاني؟ ابتسمت رباب ابتسامة يغمرها الحنان وقالت: _أيوة.. وإنتِ مسمحاها؟ تدفقت دموع حبيسة في عيني فريدة، وقالت بصوت متقطع: _آه... مسمحاها والله... بس... بس هي تسامحني. _متخافيش... خلاص... مش هتخافي تاني... ولا تتعبي تاني... قولي: لا إله إلا الله، محمد رسول الله... عشان خلاص جالك. _مين اللي جالي؟ كان سيد يراقب ابنته، يراها تهمس بكلمات غير مفهومة، والهلع يمزق وجدانه. حاولت هند طمأنته قائلة: _ما تخافش يا عمي، راهي هلاوس من أعراض المادة هاذي، ما تقلقش، أمان يا عمي. وفي تلك اللحظة، كان سليم قد وصل إلى باب غرفة شارلوت وأدريان، فوجده مغلقًا. ركله بقوة فاندفع الباب، ولم يمهل من بالداخل فرصة للهرب؛ انقض على أدريان وكسر عنقه قبل أن يتمكن من استخدام اللاسلكي، ثم أمسك بالبارونة شارلوت وحطم عنقها هي الأخرى، ليقتلهما معًا بنظرة ميتة باردة، خالية من أي رحمة. وفي اللحظة ذاتها، اخترق صراخ سيد أرجاء المكان وهو يبكي كمن يُنتزع قلبه: _فريدة!!! فريدة اصحي يابنتي! متعمليش فينا كده! أبوس إيدك يا فريدة اصحي!!! صرخات سيد المكلوم رجرجت أمواج البحر، كطلقة رصاص انفجرت فجأة في قلب المحيط. صرخةً قهريةً تجسد كل ما مر به من آلام، وكل ما احتواه قلبه من أوجاع خلال سنواتٍ من الصراع والمقاومة. صرخة جعلت كل من بالسفينة يعلم أن فريدة... ماتت. ظل سليم ثابتًا في مكانه وهو يسمع صرخات سيد تتجلجل وتزيد من شلل عقله، وكل شيء من حوله أصبح ضبابًا قاتمًا لا يُرى فيه شيء إلا صورتها. لقد ذهبت فريدة إذن؟ ذهبت بلا رجعة؟ تلك الفتاة التي ترسّخت في قلبه كأملٍ بعيدٍ لا يكاد يُلامس. هو الذي عاش في صراع مرير مع ذاته والمجتمع، محاولًا أن يجد لها مخرجًا من الجحيم الذي كانت تعيشه، محاولًا أن يجعلها ترى الحياة بألوانها، لا بل بألوانٍ مشرقة لم تعرفها في أيامها الصعبة. لقد أحبها أكثر من أن تعبر عنه كلمات أو شعور. رغم ذلك واجه أعظم لحظات القهر وهو يشاهدها تبيع نفسها، واجه ألم الفقدان في تتبع خطتها ولكن ما كان يحرث الصبر في قلبه هي فكرة أنها ستعود يومًا ما، وها هو يتذوق مرارة الفقدان الأبدي ويشعر بأوجاعه، ذلك الفقدان المؤلم المخلوط بالعجز العظيم، تمامًا كالاحتراق حيًا، حيث يقف سليم والنيران تلتهم لحمه وعظامه ولا يجد منقذًا له من هذه النيران. لطالما رآها شجرةً كادحةً في أرضٍ قاحلة، تنحني الرياح في وجهها دون أن تجد مأوىً يحميها، ولكنها كانت مأوى وظلًا لكل من اقترب منها. أنقذت العالم ولم تجد من ينقذها، رغم أنه حاول أن ينقذها بروحه، ولطالما حاول أن يزرع في قلبها بذرة حبٍ جديدة، ليجعلها تؤمن بأنها تستحق حياة أفضل، ولكن في النهاية، ورغم المجهودات العظيمة التي بذلها لينقذها من العالم ومن نفسها، ذهبت من بين يديه بقدر من الله. فقدها سليم... ومعها فقد كل ما كان يحلم به معها من التخطيطات المستقبلية بجوارها، كل هذا اصبح هباءً منثورًا، وكل ما عاشه من أجلها قد تحول إلى سرابٍ باهتٍ لا يُلامس. القهر، الحسرة، الأسى، كانوا وقودًا لناره التي تشتعل في روحه، فقط كلما يستوعب أنها ذهبت بلا رجعة، كلما يسترعب بأن فريدة، الفتاة التي كان يرى فيها كل شيء، لم يقرر لهم الله فرصة للعيش سويًا. ابتلع سليم ريقه في صمت، محاولًا أن يشدد من أزره بأرواح الناس الذين ما زالوا على قيد الحياة، وقرر أنه لن يخرج ليرى جثة فريدة إلا بعد أن يُنهي المهمة التي كانت قد ضحّت بحياتها من أجلها. تقدم سليم نحو جثة شارلوت، وأمسك بيدها برفق، ثم أزاح رقبة الكنزة الطويلة عن عنقه ليظهر الطوق الذي كان يغير الأصوات. وضع إصبعها على مربع صغير داخل الطوق، وبعد لحظاتٍ أرسل إشعارًا بصوت رنين خفيف، ثم نهض وأمسك باللاسلكي الذي كان بجانبه، فتحه ليجيب جندي بريطاني. _نعم، يا أميرة، تحت أمرك. جلس سليم وتحدث بلكنة إنجليزية بريطانية بصوتها المماثل. _راجع معي ما المفترض أن تفعله... _أن نأخذ بقية السفن إلى منتصف البحر ونقتل كل من فيهن. أومأ سليم برأسه في استياء ثم أردف: _أتذكر لماذا لا يوجد جندي على سفينتي هذه؟ _نعم، جلالتك، لقد رفضتِ لسبب غير معلوم. _حسنًا... أأمرهم بتغيير الخطة، وكل السفن سترسو عند ميناء المغرب. _ولكن... _هذا أمر... وسأتحمل عواقبه. _عُلم جلالتك. في تلك اللحظة، التفت سليم ليجد ريان واقفًا أمام الباب، وجهه شاحب وكأن الحياة قد فارقته. عينيه غارقتين في بحر من الأسى والألم، وعندما التقيا النظرات، ترقرقت عيون سليم قهرًا وشعر بوخزٍ ملتهب في قلبه. ريان، الذي فقد كل شيء، وكان ألمه مرئيًا في كل حركة من حركاته، رأى فريدة التي كفلته ورسمت معه مستقبلًا مشرقًا فقدها هي أيضًا. ظل ريان واقفًا في تردد، ينظر إلى سليم بأعين باكية تعكسان عذابًا لا يمكن تحمله، ينظر إليه بعدما فقد ملجأه الأول ينتظر إن كان ملجأه الثاني سيتقبله أم لا. بسط سليم ذراعيه لريان ليندفع ريان إليه كالضائع الذي وصل إلى سكنه وضمه سليم بقوة وريان يصيح باكيًا، ودموع سليم بالكاد تظهر. عناق سليم له كان بمثابة وعودٍ تشاركت سويا بينه وبين فريدة تم دفنها في قاع القلب. شعر سليم بثقل هذا الحلم المشترك الذي انهار، ولكن في عينيه كان هناك إشراقة لم تفارق قلبه، إشراقة وعدٍ بأن هذه الروح الطيبة التي رحلت ستظل في قلبه، ولن يترك ريان الذي كفلته فريدة وحيدًا البتة. اختلطت مشاعر الصدمة بالأسى والحسرة في قلوب الجميع على السفينة، وعينهم تدمع على الفتاة التي كانت تمثل رمزًا للحرية والأمل وسط هذا الجحيم. موت فريدة لم يكن مجرد خسارة شخصية، بل كان ضريبة لحريتهم، وتضحية عُظمى دفعت ثمنًا لم يتخيلوه. كانت تلك اللحظة نهاية لرحلةٍ طويلة من الآلام والمعاناة، لكنها كانت أيضًا بداية لبدايةٍ جديدة لا تُنسى. فحريتهم، التي انتزعوها بدمائهم وأرواحهم، كانت مكافأة لهم، لكن ثمنها كان أكبر مما تحملته قلوبهم. كان إبراهيم، واقفًا في هدوء وتحسر، يشعر بشعور عميقًا ثقيلًا في وجدانه لطالما شعر به حين فقد إلياس. كان يحاول أن يتماسك ليصمد من أجل الجميع، لكنه كان يشعر بحسرة عظيمة هائلة تجتاح كيانه، حزنٍ لا يمكن تفسيره، فحتى بعد أن خرجوا من السعير واستنشقوا هواء الحرية، موت أصدقائه مكتوب في أقدارهم لا محالة، وشعر لوهلة أنه لعنة لا مفر منها. أتت لسليم الشجاعة أن ينزل إليهم ليودع فريدة الوداع الأخير، نزل وهو حاملًا ريان في حضنه، وكان سيد يعول باكيًا بحرقة عظيمة، حرقة أحرقت كل من بالسفينة، محتضنًا جثتها وفي ملامحها سكون يستشعره كل من يبصرها. وذهبت الفتاة التي باعت روحها وحياتها وأحلامها فقط لأجل أن يعيش إخوتها حياة تليق بالإنسان. ذهبت الفتاة التي ضحت بحياتها ليعيش الآلاف من الناس حريتهم. ذهبت الفتاة التي لم تذق طعم الراحة قط، واختارها الله في هذا اليوم المبارك أن تعيش الراحة الأبدية الخالدة بحق.
ROMISAA