سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته -------------------------- كان قاسم يقف بعيدًا يراقبهم، ينظر إلى أميرة تارة وإلى حازم تارة أخرى. شعور غريب تسلل إلى صدره، كأنه اعتاد رؤيتهما معًا، لكنه لم يعرف إن كان ذلك يريحه… أم يؤلمه. اقتربت منه رغد التي أتت بحماس إليه تحضنه: — وحشتنى يا أبيه كده توعدني إنك هتيجى ومتنفذش وعدك تفاجأ للحظة بوجودها، لكنه حاوطها بذراعه مبتسمًا: — معلش والله، غصب عنى مشغول جدًا. ابتعدت عنه قليلاً وأمسكت يديه: — يبقى تعوضنى وتعزمني على الغدا برا حالًا أمسك وجنتها وهزها بخفة: — مش هينفع النهارده يا قطتى، عندى عملية بعد ساعة. تصنعت الضيق، مضيقة حاجبيها وعاقدة ذراعيها على صدرها: — خلاص، أتغدى معاك بالمكتب وأمرى لله. قبل أن يذهب، ألقى نظرة طويلة اتجاه أميرة، كأنه يبحث عن شيء ما في داخله. فأثارت نظرته فضول رغد فتساءلت: — مين دول يا أبيه؟ وبتبص عليهم كده ليه؟ أمسك يدها واتجه إلى المكتب دون إجابتها. لكن عدم رده أثار فضولها. فور دخولهم المكتب، جلس على الأريكة، وجلست بجواره متسائلة بشك: — ماجاوبتيش على سؤالي. مين اللى كنت بتبص لهم بنظرات غريبة تحت دول؟ ارتبك قليلاً وتلاشى النظر إليها: — دى مريضة عندي وخطيبها معاها. لم تقتنع بإجابته، فارتباكه الواضح قد كشفه، فسألته مجددًا: — امممم مريضة!! انت متأكد إنها مريضة وبس؟!! حاول أن يخفي ارتباكه، محاولاً أن يكون جادًا: — آه مريضة بس. مش فاهم قصدك إيه؟ اقتربت منه متعمدة النظر إلى عينيه مباشرة: — أبدًا أصل نظرتك متدلش على إنها مريضة بس . أحكيلى. السر في بير، متقلقش. كأنه كان ينتظر من يطلق له العنان ليبوح بما يثقل صدره ويشتت تفكيره، وها قد وجد من يشعر بقربها بالراحة والاحتواء. انساب الحديث بتلقائية وصدق، كأنه يحادث نفسه، قص عليها كل شيء وهي تستمع بدهشة تارة وبتأثر لحالته تارة أخرى. ثم أردف قائلاً: — أنا مش عارف إزاي حكيتلك كل حاجة بالتفصيل كده؟! يمكن لأني كنت محتاج حد يفهمني من غير ما يحكم علي بالجنون نظر إلى عينيها بتمعن ليرى هل تصدق حديثه وتشعر به أم تعتقده يتوهم وتشفق عليه، ثم أردف متسائلاً: — هو أنا كده مجنون واتوهمت كل حاجة؟! طب والحقايق اللى حصلت بالواقع إيه؟! شعرت بصدق كلماته وشعرت بكم تخبطه. اقتربت منه وربتت على كتفه بحنان: — لا يا أبيه، انت مش مجنون. بس انت كنت ضحية هلوسة أدوية الاكتئاب. والحقايق كانت من الملاحظات اللى قرأتها في فون أميرة. للأسف عقلك الباطن لعب عليك، خلاك تتوهم إن طيفها هو اللى بيطلب مساعدتك ويوجهك، أما الحقيقة انت كنت بتعمل كل حاجة من تلقاء نفسك بناءً على كل أسرار أميرة اللى قراتها. أمسك رأسه باستسلام لذلك الصداع الذي امتلك رأسه من شدة التفكير: — إزاي بس؟ أنا حبيتها؟ شفت طيفها؟ كلمته وكلمنى؟ أنزلت يده من على رأسه ورفعت وجهه ناظرة إليه بابتسامة: — يا حبيبى، انت بس حسيت بالمسؤولية تجاهها زي ما قال لك الدكتور وائل، ولأن عمرك ما جربت شعور الحب، توهمت إنك حبيتها. نهض ووقف قبالة النافذة يستنشق الهواء الطلق: — أنا محتار بين إحساسي بأن فعلاً حبي ليها مسؤولية مش أكتر، وبين أنى أكون حبيتها بجد. نهضت واقتربت منه متسائلة بلطف، فقد قررت أن تجعله يتفهم شعوره الحقيقي جيدًا بنفسه دون الضغط عليه: — هسألك وترد عليّ بصراحة: لما شفتها قاعدة بتضحك مع حازم في جنينة المستشفى من شوية، إحساسك كان إيه بالظبط؟ صمت لثوانٍ، كأنه يبحث داخل أعماقه، ثم التفت إليها: — كنت حاسس باستسلام. أنا بس مضايق إنها مع واحد خاين. أمسكت بيده وتوجهت إلى الأريكة وجلسا معًا، ثم ابتسمت: — لو كنت فعلاً بتحبها بجد، إحساسك كان هيبقى مختلف تمامًا. طيب لو كان حب، ليه لما شفتها مع حازم محستش بالغيرة؟! لو كنت بتحبها، كان أقل حاجة هتحسها إنك عايز تاخدها بعيد عنه. صمت قاسم، لم ينظر إليها ولم يتحرك، فقط أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره ببطء، كأنه يحاول استيعاب كلماتها. ضغط بأصابعه على جبهته كأن رأسه يؤلمه من كثرة التفكير. هل يعقل أن يكون كل ما عاشه وهمًا؟ كل تلك الليالي، كل ذلك التعلق، مجرد مسؤولية تخيلها حبًا؟ رفع عينيه إلى رغد أخيرًا، وقال بصوت هادئ لكن متردد: — يعني... أنا مكنتش بحبها؟ كل ده كان بسبب إحساسي بالمسؤولية؟ أومأت رغد برأسها بثقة، لكنه لم يشعر بالاقتناع التام. كان هناك شيء بداخله ما زال يقاوم. لكن… ماذا لو كانت على حق؟ نهض فجأة، تردد للحظة، لكنه في النهاية زفر بقوة: — أنا قررت… آخد أجازة وأرجع معاكي الفيلا. لو قدرت أبعد، يبقى كلامك أنتي والدكتور وائل صح. الشوارع كانت شبه فارغة… لكن داخله العاصفة لم تهدأ بعد. يديه تقبض بقوة على عجلة القيادة، وعيناه مثبتتان على الطريق، لكنه في الحقيقة لا يرى أي شيء أمامه. أفكاره تتزاحم، كل ذكرى، كل لحظة، كل شعور غريب كان بيحسه تجاه ليليان… بدأ يأخذ معنى جديد. — أختي؟… مستحيل… ضحك ساخرًا لوهلة من ذلك الشعور الذي اجتاح قلبه: — إزاي؟… إزاي ما كنتش حاسس؟ ليه كنت قريب منها بالشكل ده ومفهمتش؟ الحقيقة دلوقتي واضحة قدامي… نهى… لازم أشوف نهى حالاً. ضغط على المكابح فجأة، وانحرف بالسيارة ناحية ذلك الطريق الجانبي. أخذ نفسًا عميقًا، ثم أغلق عينيه قائلاً بألم: — نهى… اللي كنت فاكر إنها بتبالغ، كانت على حق. تذكر كل مرة شاف نظرة الضيق في عينيها لما كان مع ليليان. في كل مرة كان بيتجاهل إحساسها لأني كنت شايف نفسي صاحب حق. والآن بعد أن اتضحت الحقيقة، أدرك إنه ظلمها. أمسك هاتفه بتردد، ثم كتب لها رسالة: — أنا جاي لكِ دلوقتي، لازم نتكلم. يدرك تمامًا أنها لحظة المواجهة. لازم يصلح اللي كسره دون أن يعي، لأن في النهاية، نهى هي الوحيدة التي أحبها بصدق وجرحها دون أن يدرك. كانت نهى جالسة في غرفة المعيشة، هاتفها في يدها، نظراتها ثابتة على الرسالة التي وصلتها من حسام، تقرأها للمرة العاشرة. تنهيدة طويلة خرجت منها… كانت تدرك إن تلك اللحظة لابد منها، لكنها لم تتوقع أن تكون هادئة هكذا. عندما أخبرتها إيناس بالحقيقة قبل أسابيع، كانت غاضبة ولم تتقبل الوضع. لكن مع الوقت، هدأت. لأن ما يؤلم قلبها فعلاً لم تكن الحقيقة نفسها، بل إحساسها إنها كانت دائمًا الثانية في حياة حسام. والآن… هل هيتغير شيء؟ قطع صوت جرس الباب أفكارها. وقفت بتردد، ثم توجهت لفتحه. كان حسام واقفًا أمامها، عيونه متعبة ووجهه شاحب. ينظر لها للحظة كأنه بيبحث عن الكلمات. همس بنبرة ألم: — نهى… أنا آسف. لم تقل شيئًا، فقط نظرت إليه تنتظر المزيد… لم يكن مجرد اعتذار هو ما تحتاجه. مرر يده في شعره بتوتر: — كنت غبي… كنت شايف كل حاجة بطريقي، وما كنتش بحاول أفهمك. ما كنتش بستوعب إنك مش زعلانة لمجرد الغيرة، لكنك كنتي حاسة بحاجة أنا ما حسيتش بيها غير النهارده. نظرت إليه نهى، شعرت بصدق ندمه، وسألته بهدوء رغم أن عينيها حملت الكثير من العتاب: — ودلوقتي حاسس بإيه؟ اقترب منها خطوة، ثم قال بصوت منخفض محمل بالمشاعر والحب والشوق لها: — دلوقتي… أنا مش قادر أفكر في أي حد غيرك. أنتِ وبس. شعرت بارتباك أخفته سريعاً، فقالت بحدة مصطنعة: — وأنا؟ المفروض أعمل إيه بعد كل ده؟ أقترب منها خطوة أخرى، ثم أمسك يدها برفق: — تسامحيني… وتديني فرصة أعوضك… ظلت صامتة. أمسك يدها وقبلها بحب، ونظر إلى عينيها بشوق يتدفق من عيناه: — أنا بحبك أوي أوي يا نهى، وعمري ما كنت هشوف ده غير لما كنت على وشك أني أخسرك. شردت للحظة، وهي تحاول تمالك نفسها… سحبت يديها سريعاً وتراجعت للداخل قائلة بصوت يكاد يكون مسموعاً: — ادخل… قبل ما أغير رأيي. شعر حسام بسعادة تجتاح قلبه. أضاء وجهه بابتسامة مشرقة لأول مرة منذ وقت طويل. دخل وهو يعلم أن استعادتها لن تكون سهلة، لكنه هذه المرة لن يخذلها. تكررت الأعراض لدى هدير. شكت في أمر ما، لكنها لم تشأ أن تتأمل قبل أن تتأكد. ذهبت إلى الطبيبة، وبعد أن تأكدت من الأمر، سعدت كثيرًا، لكن كان هناك أمر يجب عليها القيام به أولاً حتى تكتمل سعادتها. لم تمنح عقلها لحظة للتفكير، توجهت مباشرة إلى المستشفى. نصف ساعة من القيادة بدت وكأنها سنوات، لكنها لم تتردد لحظة حين وصلت. طرقت الباب، وعندما أتاها الإذن بالدخول، تحلت بثباتها الظاهري كعادتها عندما تواجه أمرًا يفوقها. أشارت إليها الممرضة إلى الشرفة الملحقة بالغرفة والتي تطل على حديقة المشفى. سارت بخطوات واثقة نحو الجالسة أمام الورود، ظهرها إليها، رأسها مائل قليلاً وكأنها غارقة في عالم آخر. مدت يدها قائلة بصوت هادئ: — أميرة... طمنيني عنك. التفتت أميرة إليها ببطء واستغراب، كأنها تحاول تذكرها، متسائلة: — مين حضرتك؟! شعرت هدير بانقباض في صدرها، لكنها تمالكت نفسها وسحبت الكرسي لتجلس أمامها: — أنا هدير... معقول مش فاكراني؟! حدقت بها أميرة قليلاً، ملامحها متغيرة، لكن هناك شيء مألوف لا تستطيع تفسيره: — معلش يا هدير، شكلك متغير، ومعرفتكيش. أخذت هدير نفسًا عميقًا، ثم أخرجته ببطء، محاولة كبت توترها: — أنا هدخل في الموضوع على طول لأنه الأفضل لينا إحنا الاتنين. ياريت تسمعيني للآخر من غير ما تقاطعيني. تلألأت الحيرة في عيني أميرة، لكنها ظلت صامتة. تابعت هدير بصوت هادئ عكس ما بداخلها من قلق: — في حاجات كتير متعرفيهاش، والكل مخبيها عنك. أنا جيت النهارده مخصوص علشان تعرفي كل حاجة. عقدت أميرة حاجبها بقلق، كأنها شعرت بشيء ما يتسلل إلى عقلها: — مش فاهمة... مين مخبي عني؟ ومخبي إيه؟! صمتت هدير للحظات، وكأنها تستجمع شجاعتها، ثم قالت: — مخبيين عنك إن عندك فقدان للذاكرة... وإنك كنتي في غيبوبة لمدة سنة كاملة. تجمدت ملامح أميرة، وكأن الهواء فرغ من رئتيها: — غيبوبة؟! سنة كاملة؟! إزاي؟ وامتى؟ وليه؟!! لكن هدير لم تنتهِ، فاكملت حديثها: — والأهم من كل ده... إن أنا وحازم متجوزين من زمان... وكمان أنا حامل. صوتها أزال الذهول الذي أصاب أميرة. ارتعش جسد أميرة وشعرت بصداع يمتلك رأسها. صور غريبة بدأت تتدفق إلى عقلها، صور سريعة غير واضحة. أمسكت رأسها وكأنها تحاول منع تلك الذكريات من الانفجار داخلها. الأصوات تعالت، الصور ازدحمت، ثم… وضح كل شيء. كأنه شريط سينمائي داخل عقلها. كل شيء عاد: الفيديو، الصدمة، الألم. صوتها وهي تصرخ باسمه قبل أن تفقد السيطرة على السيارة. شهقت بعنف، انحنى جسدها للأمام، أنفاسها متسارعة، الدموع انسابت بلا تحكم. عقلها لم يحتمل ما عاد إليه. لم تنتبه لصوت هدير وهي تناديها، لم تشعر باليد التي امتدت نحوها. فجأة شعرت بجسدها يتهاوى، وساد الظلام. — أميرة… أميرة صرخت هدير بخوف: — أميرة… أميرة أسرعت الممرضة إليها، ساعدت في حمل أميرة إلى السرير. حاولت إفاقتها، وبعد دقائق بدت وكأنها تعود تدريجياً إلى وعيها. جلست هدير على الكرسي، يداها متشابكتان في توتر، تراقب أميرة التي رمشت ببطء شديد، التي بدأت تستعيد وعيها. اقتربت هدير بحذر، صوتها كان مليئاً بالخوف والندم: — أميرة... إنتي كويسة؟ أغمضت أميرة عينيها للحظة، ثم فتحتهما على اتساعهما، والذكريات تعصف بعقلها. الألم، والخيانة، والغضب... ثم الحزن العميق. مشاعر كثيرة استوطنت قلبها، انسابت دموعها ولم تحاول منعها. شعرت هدير بغصة في حلقها، لكنها اقتربت أكثر، أمسكت بيد أميرة: — أنا بجد آسفة... مكنش قصدي أذيكي، بس كنت عايزة أعيش مع حازم حياة مستقرة. إحنا كنا متجوزين من قبل ما يخطبك، بس هو كان فاكر إنه بياخد بتاره منك. إنه بيرد القلم اللي اديتهوله، وإنه بيرجع كرامته اللي هنتيها. ظلت أميرة صامتة، فقط أدارت وجهها بعيداً تاركة لدموعها العنان. فتابعت هدير بصوت حزين: — أنا مش جاية أجرحك أكتر، صدقيني. أنا ندمانة على كل حاجة، حتى الفيديو... مكنتش أعرف إنه ممكن يحصلك اللي حصل. كنت فاكرة بس إنك هتفسخي خطوبتك وإنه هيرجع لي... بس شيطاني كان عاميني. طأطأت رأسها لوهلة، ثم رفعتها بعينين يملؤهما الندم: — أنا عايزة فرصة أحافظ على بيتي، على جوزي، على ابني اللي جاي... عايزة حياة نظيفة من غير كره ولا خيانة. سامحيني، أرجوكي. نظرت أميرة إليها طويلاً، كأنها تتبين صدقها، ثم أمسكت بيدها، شدت عليها بلطف كأنها تطمئنها: — مسامحاكي يا هدير... ومش عارفة ليه حاسة كأن كان في حاجة تقيلة على قلبي، وأنتي زلتيها. بس... ثم أكملت بحزم ممزوج بالحدة: — ياريت تبعدي عني أنتِ وحازم كأنكم ما عرفتونيش يوم. شعرت هدير برعشة خفيفة، أومأت برأسها موافقة وشكرتها بصوت خافت، ثم غادرت تاركة أميرة وحدها وصل قاسم إلى الفيلا بعد أن أخذته رغد بطريقة مفاجئة. لم يكن يخطط للبقاء، لكنه يجد نفسه مضطرًا لذلك. دخل قاسم بخطوات ثابتة، عيناه تفحصان المكان ببرود، لا يظهر عليه أي انفعال، بينما تسير رغد بجانبه بحماس واضح. سارت رغد بجانبه بابتسامة مرحة وهي تنظر إليه: — هتبقى مفاجأة حلوة؟ وأنا متأكدة إنك هتنبسط لما تقضي معانا كام يوم. نظر إليها قاسم بشك، ثم ينظر نحو الداخل حيث يقف ياسين عند الدرج مبتسمًا بثقة. تحدث ياسين مازحًا: — وأخيرًا شرفتنا، بس ما توقعتش تيجي بالسرعة دي.. رغد خطيرة، أسألني أنا عليها. أجاب قاسم بهدوء جاف: — أنا ما وافقت على الإقامة، هى بس فتره مؤقته ، بس الظاهر رغد ما فهمت الكلام. أخفت رغد توترها بمرح مصطنع: — لأني ذكية عرفت آخدك من المستشفى.. والنتيجة، ها أنت عندنا. دلفوا ثلاثتهم إلى الصالة حيث يقف ماهر رسلان وزوجته سميرة. نظر ماهر إلى قاسم بنظرات مليئة بالرجاء ممزوجة بالتردد، بينما تبتسم سميرة بحنان. اقتربت سميرة من قاسم ورحبت به بلطف: — أهلًا وسهلًا يا قاسم.. البيت منور بيك. اكتفى قاسم بنظرة هادئة نحوها دون رد، ثم وجه بصره إلى ماهر، الذي يحاول أن يبدو ثابتًا رغم اضطرابه الداخلي، مقتربًا من قاسم مرحبًا به بهدوء يخفي توتره الواضح: — أنا سعيد إنك هنا يا قاسم. أجابه قاسم بجمود: — أنا هنا لأن رغد أصرت، مش لأي سبب تاني. التفت ياسين ينظر إلى رغد بحاجبين مرفوعين، وكأنه يقول "المهمة صعبة"، بينما تحاول رغد التخفيف من حدة الجو: — المهم إنك جيت.. بدل ما نتكلم بطريقة رسمية كأننا غرباء، تعال نقعد ونشرب حاجة. نظر قاسم بعيداً عنها قائلاً بهدوء قاسٍ: — أنا مش شايف فرق كبير بيني وبين أي حد غريب. لحظة صمت ثقيلة عمت المكان. بينما ماهر يحاول أن يجد كلمات، لكن كل ما يراه في عيني قاسم هو الجفاء والبرود. تدخل ياسين ليكسر التوتر، اقترب مازحًا وهو يضع يده على كتف قاسم: — طيب خلينا نعتبرك ضيف شرف، بس خد بالك….. ماتقلق هنحاول نعاملك كويس. أزاح قاسم يده بهدوء دون أن ينظر إليه: — أنا مش محتاج معاملة خاصة. ألقت سميرة نظرة على زوجها ذات مغزى، تحثه على الكلام. أخذ ماهر نفسًا عميقًا، ثم نظر إلى قاسم بجدية: — أنا عارف إن وجودك هنا مش سهل عليك، بس يمكن… قاطعه قاسم بحدة: — مش محتاج تبريرات. وجودي هنا مش معناه إن اللي فات راح أو اتنسى. نظر ياسين إلى رغد وهما يشعران بصعوبة الموقف، بينما تضع سميرة يدها على ذراع زوجها بلطف تطلب منه الصبر. تحدثت سميرة بابتسامة وصوت هادئ: — العشاء جاهز، خلونا نقعد مع بعض ونحاول على الأقل نتكلم بهدوء. التفت قاسم إلى الجميع بنظرة تحمل الكثير، ثم قال بهدوء شديد: — أنا مش جعان… وعايز أطلع أرتاح. اقتربت منه رغد وأمسكت ذراعه، ناظرة إلى عينيه مبتسمة بحنان: — هنتعشى مع بعض وندردش شوية… ومتقلقش، مش هنضايفك. سار معها إلى طاولة السفرة، حيث التف الجميع حولها. جلس ماهر على رأس الطاولة وبجواره سميرة، بينما جلس ياسين ورغد في الجهة المقابلة، وكان قاسم بجوارهما. تحدثت سميرة بلطف لتكسر هذا الصمت: — نورت البيت يا قاسم.. كنت منتظره نتجمع كده من زمان. توقفت عينا قاسم عليها للحظة، ثم أماء برأسه بابتسامة طفيفة، فهو يدرك أنها لم تكن سبب معاناته. تشجع ماهر قائلاً: — أنا سعيد إنك رجعت. أجاب قاسم ببرود دون النظر إليه: — أنا مش مستعد لجو العيلة ده، لكن بما إني هنا، خلينا نخلص الليلة دي بدون دراما. تبادل الجميع النظرات، بينما ربتت سميرة على يد ماهر، تحثه على الحديث. أخذ ماهر نفسًا عميقًا، ويبدو أن صمته لم يعد مفيدًا، فتحدث بصوت منخفض صادق: — قاسم.. عارف إن اللي فات ما يتنساش بسهولة، وعارف إنك شايل مني.. بس أنا بندم كل يوم على اللي حصل. نظر إليه قاسم نظرة جامدة، مبتسمًا باستنكار: — ندمك ده مش هيرجع اللي راح. شعر ماهر بالحزن، وتلألأت عيناه بالدموع: — عارف.. بس يمكن يصلح اللي جاي. أجاب قاسم بهدوء شديد: — أنا مش متأكد إني عايز أصلح حاجة. سادت لحظة صمت ثقيلة، تكاد تسمع فيها أنفاس الجميع. قطعتها سميرة قائلة بلطف: — إحنا مش هنضغط عليك، بس وجودك معانا فرصة.. يمكن تتغير حاجات كتير لما نكون قريبين من بعض وهتخليك تشوف الأمور بشكل مختلف نظر إليها قاسم للحظة، ثم حرك كتفيه بلا مبالاة ظاهرة: — أنا مش مهتم أشوف أي حاجة.. وياريت نقفل الموضوع ومانتكلم فيه. عن أذنكم محتاج أرتاح نهض قاسم وتحرك باتجاه غرفته، بينما تبعه رغد بعينيها، قبل أن تهمس لياسين بقلق: — هيطول علينا لحد ما يلين، مش كده؟ ابتسم ياسين بأمل: — على الأقل هو هنا.. وإن شاء الله نقدر مع بعض نصلح الأمور. يمكن الوقت يقدر يغير حاجات كتير، بس السؤال… قاسم مستعد يدي لبابا فرصة؟ وجوده هنا كان بداية، وإن كان الجليد لم يذب بعد، فربما الأيام تحمل ما يعجز عنه الكلام. ******************************* "أحببتُ طيفاً" گ / الهام عمر شكرا جزيلا من قلبى لكل من يدعمنى بالتصويت اسعدكم الله اينما كنتم 🌹❤️ أرجو لكم قراءه ممتعه ويسعدنى إبداء رأيكم ودعمكم بالتصويت ❤️🌹 استودعكم الله دمتم بخير وسعاده سالمين 🌹
إِلْهَامُ القَلَمِ