سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته -------------------------- في صباح اليوم التالي، تململ قاسم بتعبٍ يشعر بألمٍ يسيطر على عنقه إثر نومه على تلك الأريكة بوضعية غير مريحة. رَمشَ بأهدابه عدة مرات ثم فتح عينيه رويدًا رويدًا، ينظر حوله، يُحادث نفسه بصوتٍ مسموع: — إيه اللي جابني هنا؟ معقول راحت عليَّا نومه هنا من إمبارح؟ آه، رقبتي وجعاني جدًا... أكيد من نومتي قاعدًا على الكنبة. للدرجة دي ما حسيتش بنفسي ظهر طيفها مقابلًا له، جالسًا على السرير بجوار جسدها الساكن، ناظرًا إليه باستغراب: — إنت إيه اللي نايمك هنا؟ تحدث وهو ما زال النعاس يسيطر عليه، يحرك رقبته بيده ليتلاشى الألم قليلًا: — هو أنا لسه نايم وبحلم ولا إيه؟ ابتسم طيفها: — هو إنت لسه متعودتش على وجودي ولا إيه؟ لازم تتعود لأن ورانا مهمة ننفذها سوا... يعني هتشوفني كتير وفي كل حته. تناسى ألم رقبته وتناسى نفسه، لمعت عيناه، غرق في ابتسامتها كأنها الدواء له وقلبه العاشق. ناظرًا إليها بعيون تلمع بالسعادة: — اليوم النهاردة جميل أوي علشان بدأ برؤياك. ارتسمت ملامح جادة على طيفها: — قاسم، لو سمحت ممكن تفوق علشان تعرف هتعمل إيه بالظبط؟ لم يستطع إبعاد نظرة العشق عن عينيها الصافيتين: — بصراحة مش عايز أفوق، عايز أفضَّل غرقان في سحر عيونك. تبدلت ملامح طيفها إلى الضيق: — قاسم، بجد مفيش وقت! لازم نبدأ النهاردة قبل بكرة. زينت الابتسامة ثغره وأجاب بمرح: — خلاص، متزعليش. عموماً، أنا جاهز من دلوقتي. بس ممكن أسألك سؤال واحد بس وبعدها هعمل اللي إنتِ عايزاه. أومأت طيفها موافقةً. توتر قاسم قليلًا ولكنه تشجع، واتسمت نبرة صوته بالمرح: — هو إنتِ ممكن تدخلي جوا جسم أي واحدة عادي؟ يعني... قصدي... هكون صريح أكتر: هو إنتِ دخلتي جسم ليليان وسيطرتي عليها إمبارح في الحفلة؟ أطلق طيفها ضحكة جميلة كأنها لم تضحك منذ سنوات، فأنار وجهها جمالًا وأشرق قلبه بالسعادة: — إيه اللي بتقوله ده؟ أكيد لا! طبعًا! هو علشان بظهَر لك في أي مكان وتشوفني يبقى أقدر أسيطر على أجساد الناس؟! إنت خيالك واسع أوي اتسعت عيناه بشوقٍ وغمرته السعادة لرؤية ضحكتها الجميلة التي أنعشت قلبه وروت روحه: — ضحكتك حلوة أوي، تجنن فتساءل طيفها بين ضحكاتها: — سؤالك غريب، ممكن أعرف سببه؟ قصَّ عليها قاسم ما رآه وما شعر به ليلة أمس. خجلت كثيرًا، ودون إرادة منها، شردت بعينيها العسليتين وتاهت في ملامح وجهه الجذاب. لملمت شتات نفسها عندما أحست بنظراته الغارقة في زرقة عينيها، محدثةً نفسها: *"لا يجب أن أكون هكذا، لا يوجد بقلبي مكان لأحد، كفاني المًا وغدرًا."* أو هكذا شعر قاسم أن هذا إحساسها. تعجَّب طيفها من حديثه: — احممم... مش بقولك خيالك واسع أوي؟!... إديني جاوبتك، ممكن بقى نتكلم في الشغل؟ اتسمت ملامحه بالجدية كأنه تحول في ثوانٍ: — تمام، نتكلم في الشغل. دلوقتي، إيه أول خطوة؟ فأضاف طيفها بجدية: — إنت خلاص بقيت شريك، خاصة بعد ما العقود اتوثَّقت... وكمان معاك قرار تعيينك رئيس مجلس الإدارة موقع. الحمد لله. شعر قاسم بغصة في قلبه عندما ذكرت اسم ذلك الغادر. اختنق بداخله، شعر ببركان يغلي في قلبه، ولكنه تحمَّل على نفسه ليظهر عكس ما بداخله: — طيب، ما هو ممكن يشكُّوا في الأوراق دي؟ — وارد طبعًا إن ده يحصل. لكن اطمَن، الورق سليم 100%، عمله محامي الشركة بنفسه بناءً على طلب مني، وهو معروف بنزاهته وأمانته. فأضاف بضجر: — طيب، أستاذ أحمد رشدي مش هيعترض ويتفاجأ؟ وممكن يطلب مني أخرج برا الشركة؟ أجاب طيفها بهدوء: — عمو أحمد جاد جدًا في شغله، وكمان عنده ثقة كبيرة فيَّ وفي محامي الشركة... يعني مش هيعمل حاجة لو تأكد أن همك مصلحة الشركة. تملَّكه الصمت لثوانٍ كأنه يفكر في شيء، ثم انتبه: — في حاجة مهمة ما فكرناش فيها: إزاي يكون فيه شراكة بيني وبينك وأنا أول مرة أشوفك وقت الحادثة؟ أكيد نهى وعمو أحمد عارفين ده كويس. فأجاب طيفها بحيرة: — ما فكرتش في النقطة دي بصراحة، بس ممكن نلاقي أي قصة تقولها. فأجاب قاسم بضيق: — لازم تكون قصة مقنعة، لأن أصلاً العقود دي هما عارفين إنها كانت لحازم خطيبيك، وأنا بالنسبالهم واحد غريب! فأضاف طيفها بهدوء: — ممكن نهى تساعدنا في النقطة دي. حاول تقنعها إن كان فيه شغل بينا قبل كده. طأطأ رأسه، ناظرًا للأرض بنظرة سريعة: — معتقدش حد هيصدق أي قصة ممكن أقولها... هحاول ألاقي حل. دلف إليه حسام، فاختفى طيفها بلحظة، مما جعل قاسم يشعر بالغيظ من مجيئه في هذا الوقت. — كنت متأكد إنك هنا. نظر له قاسم بنظرة تملؤها الغيظ: — إيه اللي جابك دلوقتي؟ مازحه حسام مبتسمًا: — .إيه! في إيه؟... هي العفريته هنا؟... يا عفريته، اظهري وبان عليك الأمان قبض قاسم يده ونظر إليه بحدة محذرًا: — حسام، متتهزرش تلاشى حسام حدته وحادثه بمرح: — خلاص، خلاص، متزعلش. قلبك أبيض. أنا خارج، ورايا حالات كتير النهاردة. بس لما روحت أوضتك ولاقيتك مش موجود، قلت أكيد هلاقيك هنا، فحبيت أطمن إنك كويس. تلاشى شعور قاسم بالغيظ وهدأ قليلًا: — لا، خليك. عايزك في موضوع مهم فيه مشكلة، وإنت الوحيد اللي هتساعدني في حلها. جلس حسام بجواره بعدما شعر بالقلق: —.قلقتني مشكلة إيه؟ التفت قاسم إليه والحيرة ترتسم على ملامح وجهه: — المفروض إني كنت هبدأ أروح الشركة من النهاردة، بس في حاجة لازم تتعمل أولًا قبل ما أروح... علشان كده هروح بكرة. فتساءل حسام بمرح ليزيل القلق والحيرة الواضحة على رفيقه: — وأنا علاقتي إيه بشغل الشركة؟ كفاية عليَّا مسؤولية المستشفى! أنا لسه عريس جديد، ويدوب الاقي وقت لروح قلبي ونور عيني. نجح حسام في إزالة القلق عن قاسم، وهدأ بداخله وغلب على صوته المرح: — الصبر طيب، يا عم العريس، إنت لو تديني فرصة أخلص كلامي من غير ما تقاطعني، هتفهم. وضع حسام يده على فمه وأزالها بسرعة: — هسكت خالص. اتفضل، قول عايز إيه وخلصني. فاسترسل قاسم بابتسامة: — أولًا، لازم تكون نهى معانا. ثانيًا، اتصل بيها حالًا وأقنعها بأي طريقة، وعزمها على الغدا. ومش هقول أي حاجة غير لما نكون احنا التلاتة مع بعض. شعر حسام بالفرح، فهذا يعني أنه سيرى نصفه الآخر ونور روحه: — بس كده؟! دا إنت تؤمر! يا ريت كل مواضيعك تكون بالشكل ده. حالًا هكلمها. أمسك هاتفه وقام بالاتصال بنهى، وبعد إلحاح منه وإقناعها بصعوبة، وبعد استئذان والدها، وافقت على الخروج معه. بعد عدة ساعات، تقابَلوا في إحدى المطاعم القريبة من المستشفى. في المطعم، يجلسون ثلاثتهم يتناولون الغداء في صمت، ولكن حسام كان ينظر بين الحين والآخر لنهى بعشق، مما جعلها تخجل في وجود قاسم والتزمت الصمت والنظر إلى الطبق الذي أمامها. بعدما انتهوا، نظر قاسم لحسام ليحثه على التحدث، لأنه لا يدري كيف يبدأ الكلام أو ماذا يقول. فوجَّه حسام حديثه لنهى قائلًا بمرح: — إيه رأيك أطلب لك آيس كريم الشوكولاتة؟ عارفك بتحبيه... وأنا بحبه أوي زيك كده. ثم وجَّه بصره مكملاً حديثه: — وإنت يا قاسم هتشرب قهوة أكيد، صح؟ أجابت نهى بخجل: — أي حاجة عادي. نظر له قاسم بغيظ: — آه، أشرب قهوة سادة. تحمحم حسام بعدما أحس من نبرة قاسم أنه على وشك الغضب ويريد التحدث فيما أتى من أجله، فتحدث قائلًا: — احمممم... بصي يا نهى، قاسم محتاج مساعدتنا، وعلشان كده عزمنا على الغدا. فياريت تسمعيه وتفهميه وتحاولي تساعده. فتساءلت نهى باستغراب: — خير يا قاسم؟ هو فيه حاجة تخص أميرة؟ كان المفروض أعملها وأنا ما عملتهاش؟ فتشجع قاسم وحدثها بجدية: — هو يخصها فعلاً، بس علشان الشركة. تعجبت من ذكره للشركة: — .وإيه علاقتك بالشركة؟ مش فاهمة نظر إليها حسام محدثًاها مبتسمًا: — ممكن يا روح قلبي تديله فرصة يقول كل اللي عنده، بعدها اسألي براحتك... اتكلم يا قاسم. استرسل قاسم حديثه بجدية واختصار: — الأفضل إني أكون صريح بكلامي من الأول. أهم حاجة عايزك تعرفيها: مش كل الأسئلة اللي هتدور في بالك ليها عندي إجابة. بس عايزك تتأكدي إن أي حاجة هتحصل، سببها مصلحة أميرة أولًا وأخيرًا. شعرت نهى بالتوتر ممزوجًا بالقلق: — يا ريت تدخل في الموضوع على طول، لأني قلقت. أجابها بهدوء ليُطمئنها: — مفيش حاجة تستدعي قلق. الموضوع باختصار إن فيه عقود شراكة بيني وبين أميرة، وكمان قرار بتعييني رئيس إدارة الشركة، ولازم أنزل أباشر شغل الشركة والمصنع بنفسي. وده ملف بيؤكد كلامي... اتفضلي. لم تستطع النطق بأي حرف تحت ذهولها وصدمتها بما سمعت. أخذت تقلب أوراق الملف مصدومة، فهي فعلاً عقود الشراكة التي أحضرتها لأميرة، وهذا توقيعها. ولكن كيف؟ ومتى وصلت لقاسم؟ ولماذا حدث هذا؟ خرجت من صمتها ولكن الذهول ما زال مسيطرًا عليها: — إزاي ده حصل؟ وإمتى؟ وليه؟! لأني لازم أفهم! مش هعرف أساعدك وأنا مش عارفة حاجة! أجاب قاسم بجدية: — للأسف صعب أجاوبك على أسئلتك دي. خلي الملف معاكي علشان تتأكدي من صحته، وهستنى ردك. ولعلمك، سواء وافقتِ أو لا، هستلم إدارة الشركة من بكرة. بس الأفضل وأرجو إنك تساعديني. همَّ قاسم بتركهم، ولكن قبلها طلب من حسام بصوت خافت لم تسمعه نهى، فكل تفكيرها كيف وصلت تلك العقود ليد قاسم: — يا ريت تقنعها يا حسام. بجد هيفرق جدًا معايا إنها تدعمني. ربت حسام على كتفه بعدما نهض معه: — متقلقش، اعتبر إنها وافقت، وهخليها تساعدك بكل اللي محتاجه في الشركة... عيب عليك، أخوك مسيطر. بعدما غادر قاسم، رأى حسام توتر نهى الظاهر عليها، فحاول أن يخفف منه ويمزح معاها قليلًا، وفعلاً نجح في ذلك: — هو إنتِ بتبقي حلوة كده كل يوم؟ زينت ابتسامتها وجهها: — .بجد؟ إنت شايفني حلوة وأنا من غير ميكب؟ لمعت عيناه بالعشق: — طبعًا شايفك جميلة أوي! يكفي إن جمالك طبيعي، يا نور عيني إنتِ. أشاحت بنظرها بعيدًا من شدة خجلها وهي تفرك بيديها: — أصل ماما كانت عايزاني أحط ميكب بسيط قبل ما أقابلك... وكمان هديتك ليا كان فيها ميكب كتير، ففكرت يعني... إنك... رفع وجهها بيده بحنان ممزوج بالحب: — بالعكس، أنا بحب تكوني بطبيعتك، ودي أكتر حاجة شدتني ليكي. كل الحكاية إن وأنا بشتري الفستان، البنت اللي في المحل اقترحت عليَّا بوكس الميكب اللي جبته، قالت إن خطيبتك هتفرح بيه أوي علشان كده اشتريته. تغيرت ملامحها وشعرت بالغيرة تنغص قلبها: —.اممم... بقى كده هو إنت أي بنت هتقولك على أي حاجة تعملها؟ فتساءل بمرح: — إنتِ بتغيري عليَّا يا قمري؟ تلاشت غيرتها تحت خجلها: — لا، أنا... أقصد يعني... علت ضحكاته من خجلها الدائم واحمرار وجهها: — خلاص، خلاص، أنا فهمت اللي عايز أفهمه. ثم أضاف بنبرة هادئة: — نتكلم جد شوية بقى، لأن قاسم أمره يهمني جدًا. ولو عرفتي قد إيه هو خايف على أميرة وعلى أي حاجة تخصها، هتقفي جنبه من غير تردد. بس اللي هقوله سر بينا، محدش يعرفه نهائي، أوكي يا روح قلبي؟ — .أكيد طبعًا، أي حاجة هتقولها هتبقى سر. اطمَن. فكر لثوانٍ وأضاف بهدوء: — صراحة كده ومن غير مقدمات... قاسم بيحب أميرة. بيحبها إيه؟! ده بيعشقها لدرجة إنه بيقول إنه بيشوفها ويتكلم معاها. رمشت بأهدابها تحاول استيعاب جملته الأخيرة: —.حبها إمتى؟!! وإزاي؟!! ويعني إيه بيشوفها؟!! أنا مش فاهمة حاجة! إنت لخبطتني أكتر فأجابها بهدوء: — تقدرى تقولي حبها من أول نظرة وقت الحادثة. هو قال إنها فتحت عينيها ثواني قبل ما تفقد وعيها. تساءلت بدهشة: — معقول؟! هو فيه حب كده أصلاً؟!! خيال اللي بتقوله ده! مش طبيعي، إزاي يعني حبها من نظرة واحدة؟ مش مقتنعة. صمت لثوانٍ يشعر بالحيرة: — تصدقيني لو قلت لك إني كمان مش مقتنع. لأن قاسم طول عمره جاد، قلبه مقفول ضبة ومفتاح، وعمره ما حب قبل كده أبدًا أبدًا، ولا حتى اتعرف على بنت. ودي أول مرة يحكيلى حاجة زي كده. بس لما حكالي وكنت مش مصدق، اتعصبت جدًا، وأنا خفت يزعل مني فما حبيتش أضايقه وعملت نفسي مصدقة، لأني فكرت أنه يمكن كان يعرفها من قبل كده ومخبي عليَّا علشان محرج. فأضافت نهى بهدوء: — معتقدش، لأن لو أميرة كانت تعرف قاسم من قبل كده، أكيد كنت هعرف. عمرها ما خابت عني حاجة. بس كويس إن صاحبك ماطلعش شبهك في حكاية معرفة البنات دي غمز لها بطرف عينه مبتسمًا: — أنا غلطان إني حكيتلك عن كل حياتي قبل ما أعرفك، علشان تبقى حياتنا مبنية على الصراحة والوضوح. ولأني فعلاً ندمت واستغفرت عن خطأي ده. لكني الحمد لله عمرِ ما تماديت لا بالكلام ولا الأفعال. كل الحكاية إني كنت برتاح وأنا بتكلم معاهم. بس الحمد لله ربنا تاب عليَّا ورزقني باللي نورت قلبي وملكته. تاهت بنظرة عيونه الحنونة: — بجد يا حسام، أنا نور قلبك؟! إنت أجمل هدية ربنا رزقني بيها. بادلها نظرات الحب مضيفًا بمرحه المعتاد: — إيه الكلام الحلو ده . آيوة كده، أنا عايز النسخة دي ع طول، بلاش النسخة التانية اللي بتقفليها. وعندما رأى بداية الغضب تتسلل لملامح وجهها، أردف قائلًا: — .احمممم، المهم خلينا في موضوع قاسم دلوقتي. قاسم بيقول إنه بيشوف طيفها وبيتكلم معاها، وهي كمان بتتكلم معاه، وهي اللي طلبت منه ينقذ الشركة. وهو اتخلى عن مسؤوليته في المستشفى وسلمها ليا علشان يساعدها، وده كل اللي أعرفه بصراحة. وإنتِ لازم تساعدي علشان خاطر أميرة، هو بيحبها أوي بجد. — اللي بتقوله ده خيال بنقراه في الروايات طيفها وتكلموا ويكلمها؟! غريب جدًا بجد يا حسام... بس جوايا إحساس بيقول إنه صادق، وأنا خلاص قررت أساعده. — يا روح قلب حسام، كنت متأكد إن قلبك كبير وهتوافقي. صمت لثوانٍ، فجأتها فكرة: — بس لازم أدي فكرة لبابا إن أميرة كانت تعرف قاسم قبل الحادثة، علشان يتقبل وجود قاسم في الشركة. بس أعملها إزاي دي؟ مش عارفة. شجعها بنبرة هادئة: — فكري. بس خلي بالك مفيش وقت، قاسم بكرة هيكون في الشركة. أجابت بهدوء: — هحاول أتكلم مع ماما وبابا موجود، كاني بدردش عادي وأحكي عن علاقة أميرة بقاسم. نهض وهو يشير بيده يحثها على النهوض: — تمام، يلا علشان أوصلك. وضروري تطمنيني وتعرفيني رد فعله إيه، علشان قاسم يجهز نفسه. غادرا المطعم، كلٌّ منهم لوجهته. على الطرف الآخر يجلس والداها أحمد رشدي ونوال في غرفة المعيشة يشاهدون التلفاز، وهي أعدت كوبين من القهوة وكوبًا من النسكافيه، ثم جلست بجوارهم. تحاول أن تشجع نفسها لتستطيع التحدث بعدما أخذ والدها كوب القهوة الخاص به وتذوقها قائلًا: — تسلم إيديك يا نهى، القهوة مضبوطة. أجابته بمرحها المعتاد معهم: — علشان عامِلها بحب يا حبيب قلب نهى. نظرت لها نوال بتعجب بعدما ذاقت قهوتها: — فعلاً مضبوطة وحلوة. بس غريبة مش عوايدك تعملي لنا قهوة وتقعدي معانا كان زمانك ماسكة الموبايل وقاعدة في أوضتك. تصنعت الحزن بنبرتها: — أفهم من كده مش عايزاني أقعد معاكم؟ يا نوني، خلاص هقوم أروح أوضتي. نظر لهم أحمد رشدي بحب مازحًا: — مالك بيها يا نوني؟ متسبهاش براحتها، حبيبة قلب بابا تعمل اللي هي عايزاه. تلالأت ضحكات نوال الهادئة: — وإيه "نوني" دي كمان؟ اقتربت نهى بجوارها بسعادة: — بيدلعك يا جميل! إيه؟ مش حابة نشوف لك دلع؟! غمزت لها نوال بطرف عينها: — شكل الخروجة كانت حلوة . راجعة مبسوطة وبتدلعينا كمان. التفتت إليها بوجهها مضيفة بمرح: — آه، كانت حلوة... فيها حاجة دي؟! انتهى أحمد رشدي من احتساء كوب القهوة الخاص به ووضعه على الطاولة المقابلة له: — حسام كويس وابن حلال... ربنا يسعدكم يا بنتي. توترت نهى عندما تذكرت أن لديها رسالة يجب إيصالها بطريقة يقتنع بها والداها: — .آه فعلاً. ودكتور قاسم كمان إنسان محترم. أضافت نوال بامتنان: — فعلاً قاسم ابن ناس ومحترم، ربنا يرزقه ببنت الحلال اللي تسعده. أمسكت بكوب النسكافيه جيدًا، ناظرة إلى التلفاز: — بس هي تفوق. اعتدلت نوال في جلستها متسائلة: — هي مين اللي تفوق؟ إنتي تعرفيها يا نهى؟ وتفوق من إيه؟ فهميني. زاد توترها، وهربت الكلمات من عقلها لثوانٍ. ألقت نظرة خاطفة على والدها الذي لم ينتبه لحديثها، ونظرة أخرى لوالدتها التي تنتظر إجابتها. فثبتت نظرها على التلفاز مصطنعة اللامبالاة حتى لا يكتشف أحد منهم كذبها، داعية ربها أن يغفر لها، فهذه كذبة بيضاء لتساعد أميرة وقاسم في إنقاذ الشركة. — آه، أعرفها، وإنتو كمان تعرفوها... أ...أميرة يا ماما. صُدمت نوال مما سمعت، وجال بخاطرها لثوانٍ كيف وخطيبها حازم. ولكن الصدمة أسكتتها، عكس أحمد الذي اعتدل في جلسته منتظرًا أن تكمل نهى حديثها. وعندما رآها صامتة، قرر أن يحثها على الكلام: — ممكن أفهم إيه "التخاريف" اللي بتقوليها دي؟ انتفضت داخليًا من صوته الضجر. حاولت إخفاء توترها، فأمسكت بمشروب النسكافيه الخاص بها وارتشفَت منه قليلًا لتهدأ حالها: — أنا آسفة يا بابا، دي مش تخاريف. ده اللي حكتهولي أميرة قبل الحادثة بأسبوع، وكانت هتبلغك يا بابا. بس اللي حصل بقى، وأنا مكنتش عارفة وقتها إنه هو نفسه دكتور قاسم اللي أنقذها. عرفت بالصدفة من حسام. فتساءلت نوال باستغراب: — وإزاي أميرة تخبي عليَّا حاجة زي كده؟! دي عمرها ما خابت حاجة عليَّا. وإنتي إزاي تخبي حاجة زي كده عني؟! اشتعل الضيق بداخل أحمد رشدي، فخرجت نبرته حادة: — إزاي؟! وقاسم وقت الحادثة قال إنه عملها العملية بسرعة على مسؤوليته، لأنه مكنش يعرف أهلها تشتت تفكير نهى للحظات، ظنت أن كذبها سينكشف حتمًا... خيم الصمت عليها. أنقذها من ذلك الموقف صوت نوال: — ممكن يكون كان محرج أو خايف إننا نعرف بمعرفتهم لبعض، لأنه ما يصحش. ارتاحت أعصاب نهى، وتشبثت بكلام والدتها. وجاءتها فكرة لتؤكد بها أن قاسم على معرفة مسبقة بأميرة، تمسكت بخيط رفيع من الثقة: — هو فعلاً يا ماما... كان طلب من أميرة ميعاد علشان يتقدم لها، بس هي طلبت منه يديها وقت تبلغك يا بابا بالموضوع. شعر أحمد رشدي بالحيرة مما سمع: — طيب إزاي كانت هتفسخ خطوبتها من حازم، وفي نفس الوقت تعمله عقود شراكة؟! لا، أنا الموضوع ده مش داخل دماغي. فيه حاجة مش مضبوطة. أميرة متعملش الغلط ده! توترت، وزاغت عيناها يمينًا ويسارًا: — لا يا بابا، أميرة ما عملتش حاجة غلط. هي بس مكنش متأكدة من مشاعرها. وقاسم طلب يخطبها، وهو أصلاً ما كانش عارف إنها كانت مخطوبة. فكانت محتارة تفتح الموضوع معاك إزاي. بس الواضح إنها أخذت قرارها وأدت العقود لقاسم، وأكيد كانت هتقولك. ما لحقتش بسبب الحادثة. واللي يؤكد كده إن حازم مكنش عارف حاجة عن العقود. وكمان اختفاء العقود بالشكل ده كان غريب بالنسبة لينا، بس دلوقتي اتضحت كل الأمور. أضافت نوال بهدوء: — فعلاً ممكن يكون كلامك صح يا نهى، لأن اختفاء العقود بالشكل ده كان غريب جدًا. بس برضه ده ما يمنعش إن تصرفات أميرة دي غلط. ولكن كل هذا الحديث لم يقلل ضيق أحمد رشدي الذي يشعر به: —لازم أروح بكرة إن شاء الله لقاسم في المستشفى، أفهم منه الحكاية بالظبط. وأعرفه إن اللي عمله غلط، وإنه كان المفروض يجي ويعرفنا بنفسه ويطلب أميرة مني. مش يعرفوا بعض كده ما يصحش — لا يا بابا، بلاش لو سمحت. أظن إنه ما يصحش يا بابا تعمل كده. لأنه طالما هو احتفظ بسر أميرة، يبقى المفروض إننا ما نسألش في حاجة شخصية زي كده إلا إذا أميرة فاقت ونعرف منها كل حاجة بالظبط. صدع هاتفها مُعلنًا عن اتصال من حسام، فأنقذها. فذهبت بهدوء لغرفتها حتى لا تنكشف كذبها، ويتسنى لها التحدث براحة. جلست على طرف فراشها: — اتصلت بوقتك... أنا حكيت لبابا إن قاسم وأميرة كانوا يعرفوا بعض من قبل الحادثة. وإن قاسم كان ناوي يجي يخطبها وطلب من أميرة ميعاد، بس هي أجلت الخطوة دي. استشاط منها غيظًا، وضرب قبضته على مكتبه بقوة: — مش هو ده اللي اتفقنا عليه؟! بقى أقولك سر ومحدش يعرف، تعكي الدنيا كده؟! تضايقت كثيرًا من لهجته الغاضبة: — أنا ما عكتش حاجة! وما حكيتش أي حاجة عن حب قاسم لأميرة! وعلى فكرة، اللي قلته ده خلى موقف قاسم قوي! كل اللي عليك توصله اللي حكيتوله، وهو يعرف يتصرف. سلام. لم تعطه فرصة للرد، وأغلقت الخط. أزعجه جدًا تصرفها غير المقبول بالنسبة له، فلم يحاول معاودة الاتصال بها، واتصل بقاسم ليبلغه ما حدث، ليتصرف بالشكل الذي يراه صحيحًا. أما نهى، فقررت أن تقف بجانب قاسم وتساعده، وأنه يجب عليها الذهاب إلى الشركة مبكرًا، وتسلم منصبها من جديد كونها السكرتيرة الخاصة برئيس مجلس الإدارة، لتدعمه بقوة لتنقذ الشركة معه من يد ذلك المستغل الذي يدعى حازم. ******************************* "أحببتُ طيفاً" گ / الهام عمر شكرا جزيلا من قلبى لكل من يدعمنى بالتصويت اسعدكم الله اينما كنتم 🌹❤️ أرجو لكم قراءه ممتعه ويسعدنى إبداء رأيكم ودعمكم بالتصويت ❤️🌹 استودعكم الله دمتم بخير وسعاده سالمين 🌹
إِلْهَامُ القَلَمِ