جراح الماضي

جراح الماضي

20 0

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته -------------------------- مرّت الأيام، لا جديد يحدث لأبطالنا. انشغل حسام وقاسم في الاستعداد لاستقبال الجرّاح الألماني. أحمد رشدي ونوال كانا سعيدين بسعادة ابنتهما. حازم وهدير وخالد كانت تغمرهم سعادة الانتصار، ولكن دوام الحال من المحال، ولا ندري ماذا تخبئ لنا الأيام. يجلس حسام وقاسم على الأريكة الموضوعة بركن الاستراحة في استقبال المستشفى، ينتظران وصول الجرّاح الألماني. نظر حسام إلى ساعته متحدثًا بمرح: — خلاص، حان الوقت. الجرّاح الألماني كلها خمس دقايق ويوصل. قال قاسم مبتسمًا. — تمام، كلمت الأوتيل وأكدت الحجز. أومأ حسام برأسه مؤكدًا. — طبعًا عملت كده، اطمن، كل حاجة تمام التمام. وما إن انتهى حسام من حديثه، حتى وصل الجرّاح الألماني. كان رجلًا في أواخر الأربعينات، ذو هيبة بسيطة وابتسامة دائمة تُضيء وجهه. رغم كونه أمهر جرّاح في ألمانيا، إلا أنه كان معروفًا بتواضعه الشديد. عيناه تحملان لمحة من الجدية، لكنها دائمًا ما تتناغم مع طيبته واهتمامه بالآخرين. كان يتحدث بهدوء ويستمع بانتباه، مما جعله محبوبًا من كل من عمل معه. كان بصحبته شابة فاتنة الجمال. ليليان، فتاة في أواخر العشرينات، تتمتع بجمال طبيعي يبرز في عيونها الخضراء اللامعة وشعرها الداكن الذي يتناغم مع ملامح وجهها الناعمة. رغم النظارة الطبية التي كانت ترتديها، والتي قد توحي للوهلة الأولى بالجدية، إلا أن ابتسامتها الدافئة وروحها المرحة كانتا تجعلانها أكثر إشراقًا. كانت دائمًا محط انتباه، ليس فقط لجمالها، بل أيضًا لشخصيتها الجذابة التي تجمع بين المرح والذكاء. بادر حسام بالترحيب — أهلاً دكتور أدريان، نورت مصر. . أجابه أدريان بابتسامة هادئة. — أشكرك، دكتور حسام. قالها قاسم وهو يمدّ يده ليصافحه بلطف. — يسعدنا انضمامك لفريق عملنا في المستشفى، دكتور أدريان. ابتسم أدريان وهو يعرّفها. — الشرف لي، دكتور قاسم. بالمناسبة، أود أن أقدّم لكم الطبيبة المساعدة لي، دكتورة ليليان. قالتها ليليان بنبرة ودودة. — أهلاً دكتور قاسم، أهلاً دكتور حسام. — دكتورة ليليان من أفضل الأطباء في مستشفانا بألمانيا. تدخّل أدريان معلقًا بفخر. ردّ قاسم مشيرًا بيده. — تفضلا معنا لنأخذكما في جولة للتعرف على أقسام المستشفى. بدأوا جولتهم بين أقسام المستشفى الحديثة، حيث أبدى أدريان وليليان إعجابهما بمستوى التجهيزات والخدمات المتقدمة. وانتهت الجولة بوصولهم إلى مكتب قاسم، حيث جلسوا لمناقشة تفاصيل عملهم في المستشفى وترتيبات إقامتهم في القاهرة. قالت د. ليليان بإعجاب شديد. — متوقعتش كفاءة المستشفى تكون عالية بالشكل ده، صراحةً، تنافس أكبر مستشفى بألمانيا. تعجّب حسام من طلاقتها. — إنتي إزاي بتتكلمي مصري كده بطلاقة؟ إنتي مصرية؟ أجابت ليليان مبتسمة. — بابايا مصري ومامتي ألمانية، اتولدت وعشت في ألمانيا، ولما كبرت شوية اهتمّيت جدًا إني أتكلم مصري، ودي أول مرة أنزل مصر. قال أدريان بإعجاب. — أعجبت كثيرًا بمستشفاك يا دكتور قاسم. الأجهزة حديثة ومتطورة، والأطباء ذو كفاءة عالية، حتى طاقم التمريض. أعتقد أنك تنتقي كل من يعمل بالمشفى بعناية. ردّ قاسم بفخر. — دي شهادة أعتز بيها، دكتور أدريان، أشكرك. ودلوقتي حسام هيكون معاكم لحد ما توصلوا الأوتيل وترتاحوا، ومن بكرا هيكون في عربية خاصة بيكم بسواق علشان تتحركوا براحتكم. نهض حسام مشيرًا بيده. — دكتور أدريان، دكتورة ليليان، تفضلوا أوصلكم الأوتيل علشان ترتاحوا. ابتسمت ليليان قائلة. — أولًا بلاش "دكتورة"، مبحبش الألقاب، حسام. ثانيًا، هو ممكن يكون ليا غرفة هنا في المستشفى أبيت فيها طول إقامتي بمصر؟ ياريت تسمحولي أتكلم من غير ألقاب بحكم إننا بقينا تيم. أجابها قاسم بجديته المعتادة ممزوجة باللطف — طبعًا، إحنا بقينا فريق واحد، مفيش داعي للألقاب. تقدري تقيمي في المستشفى، معنديش مشكلة. فيه دور كامل خاص بالأطباء المقيمين، تقدري تختاري الأوضة المناسبة ليكي. تعجّب حسام من طلبها. — بس إزاي هتتحملي وجودك طول الوقت في مستشفى؟ علّق أدريان مؤيدًا لها. — هذه ليست أول مرة تقيم ليليان بمستشفى، فهي كانت تقيم بالمستشفى في ألمانيا. وأنا كذلك أريد الإقامة هنا بعد إذن دكتور قاسم. رحّب قاسم بطلبهم. — أكيد، دكتور أدريان، حضرتك مرحّب بيك بالمستشفى. توجه حسام للخارج. — طب عن إذنكم، أبلّغ بتجهيز غرف ليكم علشان ترتاحوا، وإن شاء الله من بكرا هنبدأ نشتغل كتيم مسؤول عن المستشفى. عن إذنكم. أردف قاسم بلطف. — زي ما شرحت لحضرتك، دكتور أدريان، المسؤول عن المستشفى بغيابي هيكون حسام، وأنا مطمّن بوجودك، دكتور أدريان، وطبعًا ليليان. غادروا المكتب ذاهبين لغرفهم ليرتاحوا، وبعد أن أوصلهم حسام للغرف الخاصة بهم وتأكد أن كل شيء في أحسن ما يكون، رجع إلى المكتب، فوجد قاسم يكتب بعض ملاحظات الحالات التي سيتركها له فتحدث حسام قائلاً: — غريبة ليليان دي، ألمانية شكلاً، إنما طريقة كلامها كأنها اتولدت وعاشت عمرها في مصر! غمز له قاسم بطرف عينه. — إيه؟ إنت هترجع تعاكس ولا إيه؟ دا إنت هتخطب قريب، ولا غيّرت رأيك؟ ضحك حسام من حديثه. — لا يا عم، هو أنا أقدر؟ دا أنا ما صدّقت وافقت. نهى روح قلبي من جوّا. تساءل قاسم بهدوء. — حكيت لمامتك على نهى ولا لسه؟ حكّ حسام رأسه وهو يجيب. — لسه، النهاردة هاحكيلها لما أرجع البيت، لأن خلاص فاضل أسبوع على الخطوبة. فى مكان آخر يجلس أحمد رشدي بالمصنع غاضبًا، غير مصدق لما حدث وكيف حدث، محدثًا نفسه: — إزاي حصل ده؟ إزاي؟ أنا قدمت أفضل عرض! إزاي المناقصة تروح مننا بالشكل ده؟ والخامات المستوردة اللي اتفقت عليها، والشروط الجزائية اللي هتقع علينا لو لغيتها، والشركة اللي هتضيع! أعمل إيه؟ أنا مش عارف... جلس على كرسي مكتبه بغضب، وطأطأ رأسه بين يديه يفكر ماذا عليه أن يفعل. اعتدل وأمسك هاتفه، وقام بالاتصال بحازم. — أيوه يا حازم، انت فين؟ قلق حازم من صوته الغاضب: — في الشركة، هو في حاجة حصلت؟ حضرتك متعصب كده ليه؟ فأجاب أحمد رشدي: — استناني، أنا جاي حالًا. وأغلق الهاتف. وخلال نصف ساعة كان يجلس في مكتب حازم، يسيطر عليه الغضب ممزوجًا بالحيرة. فتساءل حازم بقلق: — هو في إيه يا عمي؟ فأجاب أحمد رشدي بضيق: — مصيبة يا حازم، مصيبة كبيرة! المناقصة اللي كانت داخلاها الشركة، والمصنع كان هينتجها، ضاعت مننا! تراقص داخل حازم من فرحته بسماع هذا الخبر، فبذلك سيأخذ باقي أمواله ويرحل بعيدًا. لكنه تمالك نفسه، وأظهر ضيقًا مزيفًا عكس ما بداخله: — معقول؟ إزاي ده يحصل؟ وحضرتك المسؤول الوحيد عن ملف المناقصة؟ زادت حيرة أحمد رشدي وغضبه: — مش عارف! كل المواصفات اللي اتقدمت، مستحيل شركة في مصر تقدمها، ولا حتى أعرف مين اللي كسب المناقصة... أنا هتجنن نظر له حازم بتشفٍّ، وتحدث بضيق مزيف: — أكيد في غلط حصل، وحضرتك ماخدتش بالك منه. فكر أحمد رشدي لثوانٍ: — لا، أنا متأكد من كل ورقة وكلمة قدمتها في الملف. ولما سألت عن مين اللي أخد المناقصة، عرفت إنه مستثمر ألماني! قلق حازم بشدة من أن ينكشف أمره الآن قبل أن تتم صفقته للآخر، وظهر توتر جلي على صوته: — وعرفت مين هو المستثمر ده؟ شعر أحمد رشدي بالحيرة: — حاولت، بس محدش يعرف عنه حاجة. شعر حازم بالراحة من عدم معرفته هوية المنافس: — طب هنعمل إيه دلوقتي في المصيبة دي؟ لازم يكون عندك حل، مش معقول هنسيب الشركة والمصنع يقعوا كده! نال شعور الخذلان أحمد رشدي: — مش قادر أفكر... بس لسه معانا وقت قبل معاد استيراد خامات المصنع، إن شاء الله هلاقي حل. رجع حسام للمنزل بعد يوم طويل ومرهق، فوجدها جالسة في انتظاره كعادتها. إيناس، في الخامسة والأربعين من عمرها، تتمتع بشخصية حنونة وقلب رقيق يعكسه وجهها البشوش دائمًا. عيونها مليئة بالحب والدفء، وابتسامتها تمنح الراحة لمن حولها. رغم مرور السنين، إلا أن ملامحها لا تزال تحتفظ بلمسة من الشباب، تعكس براءتها ورغبتها في إسعاد من حولها. هي أم تُحب ابنها حسام أكثر من أي شيء آخر، فهو السند الوحيد لها في هذه الحياة. تعلقها به يظهر في كل كلمة وكل نظرة، فهي لا تتصور حياتها بدونه. أغلق حسام الباب، والتف بجسده ينظر إليها بابتسامة: — معقول يا نوسة؟ لسه صاحية لحد دلوقتي؟ اقتربت إيناس النجار منه، تحتضنه بحنان، قائلة: — ومن إمتى بنام غير لما أطمن عليك، يا قلب نوسة؟ ثواني أحضّرلك العشا. ابتعد عنها حسام خطوة بعدما احتضنها: — لا، أنا مش جعان... أنا عايز أنام. نظرت له بحنان مبتسمة: — مفيش نوم غير لما تاكل، ومتناقشنيش. خدلك شاور، أكون جهزت العشا ونتعشى مع بعض. أمسك يدها مستسلمًا لطلبها: — حاضر يا نوسة، طالما مُصرة. اعملي بقى فنجان قهوة من إيدك الحلوين دول، يا بسبوسة. اقترب منها أكثر، مال برأسه، وأمسك يديها، وطبع قبلة حنونة عليهما، فرفعت رأسه بيديها، تربّت على كتفه بيدها الأخرى، ناظرة له بحب: — من عيني، يا حبيب قلب نوسة. تركها وذهب، وأخذ حسام حمامًا دافئًا أزال تعب اليوم. خرج فوجد والدته بانتظاره في الشرفة، فحدثها قائلًا: — الله! إيه الجو الجميل ده؟ هتعشيني في البلكونة؟ مقدرش على الجو الرومانسي ده يا بسبوسة. فأجابت إيناس النجار بمرح: — يا واد يا بكّاش! انت بتضحك عليّ بكلمتين علشان عارف إني زعلانة منك... يومين يا حسام تباتهم في المستشفى! نظر إليها مبتسمًا: — معلش يا نوسة، غصب عني والله. المهم، عندي ليكي مفاجأة هتفرحك. أمسكت ذراعه وأجلسته بجانبها: — يا حبيبي، وجودك جنبي وشوفتك بعيني فرحة الدنيا وما فيها. غمز بطرف عينه وبنبرة فرح: — بس مفاجأتي هتفرحك أكتر، بجد! حاجة كنتي عايزاها مني من زمان. فتساءلت إيناس النجار بلهفة: — شوّقتني! قولي بسرعة، بلاش ألغازك دي! تحمحم حسام قائلًا: — أنا قررت أتجوز. شعرت إيناس بالفرح: — بجد يا حسام؟ بجد يا ابني؟ أخيرًا هتفرح قلبي؟ لا ده انت تحكيلي بالتفصيل الممل. هي مين؟ قابلتها فين؟ وكل حاجة! فأجاب حسام بمرح: — إيه يا نوسة، التحقيق ده كله؟ شكلي هغير رأيي! تحولت ملامحها للقلق: — لا لا، ده أنا ما صدقت أفرح بيك، يا ضي عيني. طب طمني عليك... هي مين؟ لمعت عيناه بالحب: — خطفت قلبي يا ماما، ولقيت نفسي مش قادر أعيش من غيرها، فقررت أتجوزها. وبصراحة كده، بس متزعليش، أنا كلمت باباها وحددت معاد الخطوبة. تراقص داخل إيناس الفرح، طالما تمنت ذلك: — معقول أزعل؟ ده أنا قلبي بيرقص من الفرحة! المهم عندي تكون سعيد يا حبيبي. شرد حسام قليلًا، وتغيرت ملامحه في ثوانٍ من الفرح إلى التذمر، وكأن عاصفة قلبه لم تهدأ، وقد آن أوان خروجها. لم يعد قادرًا على التناسي أو إسكات عقله. نظرت إليه بقلق، تعرف هذه الملامح جيدًا، فهو وحيدها، وتفهمه، وتقرأ ما بداخله جيدًا، فسألته: — مالك يا حبيبي؟ اتضايقت ليه كده مرة واحدة؟ بعد ما كنت مبسوط وفرحان؟ ابتعد عنها حسام قليلًا، ناظرًا إليها بعيون متسائلة، قائلًا بقليل من الحدة: — ممكن يا ماما أعرف؟ ليه دايمًا بتهربي؟ ومش عايزة أعرف مين أبويا؟ وليه ما بتتكلميش عنه؟ وكل ما أسألك تغيّري الموضوع وتزعلي، وكل مرة تدخلي أوضتك وتقفليها على نفسك لتاني يوم؟ بس النهارده لازم أعرف! اقتربت منه أكثر، تحاول أن تضمه إليها بذراعها وهي تقول بحزن: — هو أنا قصّرت معاك في حاجة يا ابني؟ مش كنا قفلنا على الموضوع ده خالص؟ فتحته ليه تاني دلوقتي؟ ليه تضيع فرحتك وتنكد على نفسك؟ نهض وابتعد عنها، وأسند بكلتا يديه على السور الحديدي الخاص بالشرفة، ناظرًا للفراغ أمامه، يحاول إخماد الصراع المؤلم بداخله، لكنه لم يستطع. ثوانٍ والتفت إليها بجزع، والغضب يسيطر عليه: — أنا ما قفلتش على حاجة! بس كنت بتناسى علشان ما تزعليش، ومكنش فارق معايا أعرف عنه حاجة، علشان ما أشوفش نظرة الحزن اللي مالية عيونك دي! بس الموقف اللي اتحطيت فيه وأنا بطلب إيد البنت الوحيدة اللي حبيتها، وسؤال والدها عنه، كنت مرعوب يرفضني بسبب أب موجود اسمه بس في شهادتي وانتي مُصرة معرفش حاجة عنه! بس لأ، جه الوقت اللي لازم أعرف فيه كل حاجة... ولازم تجاوبيني يا ماما، المرة دي هسيبلك البيت وامشي، ومش هتعرفي عني حاجة تملّك قهر الماضي من داخلها، وسيطر الألم على كيانها. لم تعد قادرة على حبس ذلك الحمل الثقيل، ولا تقدر على بُعد ابنها الوحيد، نبض قلبها. فهو الذي أضاء دنيتها بعد الظلام، بل تراه الحياة بعينها. بهتت ملامح وجهها وكساه الحزن، وانهمرت عيناها بفيضان من الدموع المحبوسة منذ سنين. نظر حسام إليها بلهفة، انفطر قلبه عليها، وقرر أن ينتشلها من حزنها ويضمها إلى صدره ويزيل الحزن منها ويغلق هذا الحديث للأبد. ولكن عقله كان له قرار آخر، هو أن يعرف كل شيء، ولا يستسلم؛ كفاه استسلامًا طيلة سنوات عمره، فشاح بنظره بعيدًا عنها حتى لا يضعف، وظل ثابتًا على هذا القرار الذي اتخذه. وعندما أيقنت أن فلذة كبدها لن يتزحزح عن قراره، تحدّثت بصوت يكاد يكون مسموعًا، مختنقًا بالحزن والألم النابع من قلبها: — هحكي لك كل حاجة، مش هخبي عليك حاجة... أنا تعبت من إحساسي بالذنب، تعبت ومش قادرة أتحمل أكتر من كده. — بابا الله يرحمه جوزني باباك وأنا عندي ١٤ سنة... طفلة، معرفش حاجة في الدنيا. استأمنه عليّ... أغمضت عينيها لوهلة، فتدفّقت الذكريات كشريط سينمائي يُعرض بوضوح. كانت إيناس تجلس على الكرسي المقابل لفراش والدها، الذي يتسطّح عليه لا يستطيع الحراك من شدة مرضه، يخرج صوته بصعوبة متحدثًا بتعب: — كنت عايز أتكلم معاكي في موضوع يا ناس يا بنتي. — بلاش دلوقتي يا بابا، إنت تعبان... ارتاح دلوقتي ونتكلم بعدين. — مفيهاش بعدين يا بنتي... خلاص، حاسس إن وقتي قريب ولازم أطمن عليكي. اقتربت منه فزعة: — بعد الشر عليك يا بابا، متقولش كده. — بلاش تقاطعيني، اسمعيني للآخر، ما تتعبنيش. — حاضر يا بابا، اتفضل، قولي عايز إيه. — قررت إنك لازم تتجوزي. إنتي تعرفيه كويس، متربي معاكي من زمان... خالد ابن خالك، هو اللي وقف في ضهري من وقت وفاة خالك الله يرحمه، كان لسه عيل في ثانوي، لكنه كان قادر يشيل المسؤولية. وأنا بثق فيه، وعلشان كده طلبت منه يتجوزك، وهو وافق. وأنا دلوقتي بطلب منك توافقـي. شعرت إيناس بالضيق من حديثه: — يا بابا، مش وقته الكلام ده... لما تقوم بالسلامة. — هو ده وقته، واعملي حسابك: كتب الكتاب والدخلة بعد يومين. انقبض قلبها، وتحدثت بصوت باكٍ: — بس يا بابا، أنا لسه بدرس وصغيرة، مش هينفع. — مفيش دراسة، وجهيزي نفسك. ده آخر كلام، وعمتك هتساعدك. — يا بابا بلاش، علشان خاطري... خالد عصبي وقاسي، وعمتي بتقول عليه يعرف بنات كتير — بعد الجواز طبعه هيتغير، وأي شاب في سنه بيعرف بنات... عادي، بعد الجواز بينسى كل ده. اقتربت منه أكثر، وأمسكت يديه، تترجاه: — يا بابا بلاش خالد، أرجوك. نفض يده قائلًا بغضب: — قلت: فرحك على خالد بعد يومين، ما اسمعش كلمة تاني. غادرت حزينة، فهي تكرهه؛ لأنه شخص عديم الأخلاق، متسلّط، فدائمًا أفعاله سيئة وواضحة للجميع، ما عدا والدها الذي لم يره على حقيقته. تنهدت بعمق لتطرد تلك الذكريات وتواجه ما بين يديها الآن، وأردفت إيناس النجار حديثها ببكاء: — واتجوزت... وبابا اتوفى بعدها بأسبوعين، وخالد ما خلانيش أكمل تعليمي. شعر حسام بضيق شديد متسائلًا: — بس ده مش سبب إنه يسيبنا، وما يفكرش يسأل عني خالص... لا، فيه حاجة ناقصة، لازم أعرفها. تملّك الحزن من قلبها: — عايز تعرف إيه تاني يا ابني؟ كفاية، حرام عليك. ولكن حسام أعماه الغضب: — لازم أعرف كل حاجة. فأجابت إيناس النجار بقهر يعتصر قلبها: — ماشي يا حسام، اسمع كويس اللي هقوله... بس قبلها، عايزاك تعرف: مش هسمحلك تكون قاضي عليا، إنت فاهم؟ تعجب من جملتها الأخيرة، فتساءل بحدة: — معقول تكوني إنتِ السبب في إنه يسيبنا؟ ولا تكوني إنتي اللي سبتِيه؟ فقدت السيطرة على حالها، وتمكن الحزن والألم منها: — لا والله، هو اللي سابنا، وما سالش ولا حتى فكر يسأل عني، ولا حاول يعرف عني حاجة... متظلمنيش يا ابني. وجدت نفسها مأخوذة إلى ذكرى مؤلمة تحاول نسيان مرارتها. كانت إيناس النجار تنظر في غرفة المعيشة الخاصة بشقتها هي وزوجها خالد. طال انتظارها للساعة الرابعة بعد منتصف الليل. يتملكها الحزن من هذا الوضع المهين، ولكن لا يوجد لديها اختيار. كادت أن تستسلم للنوم، ولكنها سمعت صوت غلق الباب، فنهضت وتوجهت لباب الشقة. وجدت خالد زوجها يترنّح يمينًا ويسارًا، فحدثته بضيق: — مش معقول يا خالد، كل يوم ترجع وش الفجر سكران! حرام عليك. اقترب منها وأزاحها جانبًا بيده: — وإنتي مالك؟ سكران ولا زفت؟ إنتي هنا خدامة، ملكيش أي حقوق عليا. تزحزحت قليلًا، تشعر بالحزن: — الله يسامحك... دي الأمانة اللي سبهالك بابا الله يرحمه. شعر خالد بالغضب: — بلا أمانة بلا زفت! ده إنتي أكبر غلطة في حياتي، غورِي من وشي فتحدثت إيناس النجار بقهر: — حرام عليك يا شيخ! ده أنا إديتك كل ما أملك، حتى الأرض اللي ورثتها من بابا الله يرحمه كتبتها لك بيع وشراء علشان تعمل بيها مشروع ويتصلح حالك وتكون بني آدم كويس... رحت بعتها وصرفتها على الخمر والنسوان والقرف اللي عايش فيه! فنظر إليها باحتقار قائلًا: — فلوس وأرض مين يا أم أرض؟ دي كانت حقي مقابل إني اتجوزك وخلاص. أبوكي مات، وإنتي كمان غوري من هنا، ما شوفش وشك تاني. يلا، اطلعي برا! شعرت بالقهر والإهانة من حديثه: — حرام عليك اللي بتعمله فيا ده! أنا عملتلك إيه علشان تعاملني بالإهانة دي دايمًا؟ طول الوقت ضرب وإهانة، ومستحملاه وساكته! آخرتها تطردني؟ أروح فين؟ خلاص، هسكت خالص، ومش هسألك تاني، وهسيبك تعمل اللي إنت عايزه، وهخرس... بس بلاش تطردني! أنا مليش حد غيرك، إنت اللي باقيلي من أهلي، وأرجوك بلاش ضربك فيا كل شوية... تعبت، ومش قادرة أستحمل. وما إن انتهت من حديثها، حتى غمس أصابعه في خصلات شعرها، بغلّ، يجر جسدها الضعيف على الأرض تحت صراخها واستغاثتها أن يتركها، ولكنه لم يشفق عليها. فتح باب الشقة وأخرجها ورماها بشدة على الأرض، ارتطم جسدها بقوة أفقدتها وعيها، وصاح فيها بغضب عارم: — إنتي طالق! طالق! طالق يا إيناس، وما شوفش وشك تاني، إنتي فاهمة؟! وأغلق الباب بقوة تحت أنظار جارتهما، التي كانت ترى كل هذا من شراعة باب شقتها. كانت امرأة وحيدة عطوفة، تشفق عليها دومًا، وتراعيها في غياب ذلك السكير القاسي. أسرعت إليها وأخذتها لشقتها وخبّأتها. عادت من تلك الذكرى التي أُرغمت على دخولها، وأردفت إيناس حديثها بقهر قد أدمى قلبها: — بعدها جيت أنا وجارتي القاهرة، وعشت هنا... وبعدها بشهر اكتشفت إني حامل في تلات شهور. وطبعًا حاولت أعرف مكان باباك علشان أبلغه، ما عرفتش عنه حاجة، وما عرفتش أوصله خالص. والله يا ابني حاولت كتير وما وصلتش له. كنت مستعدة أعيش خدامة عنده واستحمل الذل والإهانة اللي كنت عايشة فيها معاه، علشان بس تتربى مع أبوك وما تحسش باليُتم وهو عايش. شعور الحزن والقهر تملّك من حسام، وانفطر قلبه، ولام نفسه على الألم الذي أجبر والدته أن تعيشه مرة أخرى. اقترب منها، أخذها في حضنه، يضمها بشدة وحنان، محدثًا إياها بحب وحنان ممزوج بالحزن: — أنا آسف... آسف بجد، والله ما كان قصدي إنك تحسي بالوجع ده كله، ما كنتش أعرف إنه وحش أوي كده... بس اهدِي، أرجوكي، مش متحمّل دموعك..... بتكوي قلبي. شعرت ببعض السكينة، وهدأت عاصفة قلبها قليلًا، وما زال الحزن يطغى على صوتها. — أنا كل اللي يهمني إنت، مش عايزاك تزعل مني... كان غصب عني يا ابني إني أُخبّي عنك السنين دي كلها. محبتش تتوجع زيّي. قبّلها حسام بحب على جبينها. — حقك عليّا، أنا آسف... ويلا بقى، مش هناكل ولا إيه؟ هتخليني أنام جعان؟ تحوّلت نظرتها للحب. — لا يا حبيبي، مقدرش. هدأت الأجواء بينهم، وقرّر حسام أن ينسى هذا الرجل القاسي تمامًا، وأن يعوّض والدته، ويُنسيها ما عانته في الماضي. ******************************* "أحببتُ طيفاً" گ / الهام عمر شكرا جزيلا من قلبى لكل من يدعمنى بالتصويت اسعدكم الله اينما كنتم 🌹❤️ أرجو لكم قراءه ممتعه ويسعدنى إبداء رأيكم ودعمكم بالتصويت ❤️🌹 استودعكم الله دمتم بخير وسعاده سالمين 🌹

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أحببتُ طيفاً

المؤلف إِلْهَامُ القَلَمِ
2025/03/09 مكتملة
قائمة الفصول (36)
الفصل 1: المقدمه
2025/03/09
الفصل 19: شخصية جادة
2025/05/19
الفصل 20: قادر على التحدى
2025/05/19
الفصل 21: لهيب الغيرة
2025/05/19
الفصل 22: دفء اللحظات المنيسة
2025/05/19
الفصل 23: ظلال الماضي
2025/05/19
الفصل 24: أصداء الصدمه
2025/05/19
الفصل 25: وجع الفراق
2025/05/19
الفصل 26: ثبات زائف
2025/05/19
الفصل 27: بين الحنين والجفاء
2025/05/19
الفصل 28: لقاء مؤلم
2025/05/19
الفصل 29: أحببتُ طيفاً
2025/05/19
الفصل 30: صراع المشاعر
2025/05/19
الفصل 31: خطواتةنحو المواجهة
2025/05/19
الفصل 32: لقاء يبدد كل سنوات الفقد
2025/05/19
الفصل 33: لحظة المواجهة
2025/05/19
الفصل 34: اللحظة الحاسمة
2025/05/19
الفصل 18: كذبة بيضاء
2025/05/19
الفصل 17: فرحة القلب
2025/05/19
الفصل 1: الصدمة الخفيه
2025/03/09
الفصل 2: حادثة موت
2025/03/09
الفصل 3: غيبوبة غير متوقعه
2025/03/13
الفصل 4: قناع مزيف
2025/03/13
الفصل 5: لحظة ضعف
2025/03/13
الفصل 6: يوهم نفسه
2025/05/19
الفصل 7: اعتراف بالحب
2025/05/19
الفصل 8: حدث تاريخي
2025/05/19
الفصل 9: عفريته
2025/05/19
الفصل 10: خطة خبيتة
2025/05/19
الفصل 11: عقود شراكة
2025/05/19
الفصل 12: حالة جنون
2025/05/19
الفصل 13: قرار بالخطبة
2025/05/19
الفصل 14: جراح الماضي
2025/05/19
الفصل 15: حلم وردى ينعش قلبه
2025/05/19
الفصل 16: العوض الجميل
2025/05/19
الفصل 35: حيث ينتمي القلب
2025/05/19

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة