سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته -------------------------- توجهت نهى إلى مكتب قاسم بخطوات بطيئة متوترة، تفكر في سبب طلبه لرؤيتها. دلفت إلى المكتب متوترة رغم محاولاتها إخفاء ذلك. جلست على الكرسي المقابل له قائلة: — أشكرك يا دكتور قاسم إنك ماقولتش لبابا على اللي سمعته... واللي كان السبب في اللي حصل لأميرة. بس والله ماكانش قصدي يحصل كده... غصب عني. أجابها بهدوء: — مفيش داعي للشكر. المهم دلوقتي، ياريت تتفرغي الأسبوع الجاي بالكامل. في خطة علاج وضعها الطبيب النفسي ولازم نبدأ فيها من بكرة، وديما خلي كلامك معاها إيجابي. أومأت برأسها وقالت: — طبعًا يا دكتور، إن شاء الله أكون موجودة في المستشفى من بدري. نهضت لتغادر، لكنه استوقفها بتردد: — في حاجة كمان عايزك تساعديني فيها. تساءلت نهى باستغراب: — طبعًا يا دكتور، اتفضل. أجابها بجديّة وهو يشير لها بالجلوس مرة أخرى: — من لحظة نقل آنسة أميرة للجناح، أنا المتكفل بكل شيء. يعني مفيش داعي تراجعي الحسابات. نظرت له نهى باستغراب وهي تجلس قائلة: — مش فاهمة... ليه حضرتك اللي تدفع؟ فأجاب بتردد: — حاسس بالذنب... إني سبب من الأسباب اللي خلتها توصل للحالة دي. لم تقتنع بكلامه فسألته بشك: — اللي حصل قضاء وقدر، وبابا مستحيل يوافق أبدًا على حاجة زي دي. حدثها بنبرة مترجّية: — ياريت تساعديني، وبلاش تبلغي أستاذ أحمد بأي شيء. ورجاءً... بلاش نقاش تاني. وبعد لحظة تفكير، خافت أن يخبر والدها بأنها من تسببت فيما حدث لأميرة، فاستسلمت قائلة: — أكيد بابا هيعرف، لأن الحساب بيكون باسمه، فصعب جدًا حاجة زي كده تتخبى. فكر قاسم للحظة ثم قال: — عندي فكرة... تفتحي حساب باسم أميرة في البنك، وتودعي فيه أي فلوس يبعتها الأستاذ أحمد. كده مش هيعرف. أجابت نهى باستسلام: — تمام، يا دكتور... عن إذنك. تغيرت نبرة صوته للجديّة: — في حاجة كمان... ياريت تكتبيلي قائمة بالحاجات اللي بتحبها آنسة أميرة: في الأكل، نوع البرفيوم، الموسيقى، الكتب اللي كانت بتقراها... أي حاجة بتحبها حتى لو تفصيلة صغيرة، سجليها وتكون عندي بكرة. سألته نهى باهتمام ممزوج بالاستغراب: — هو اللي حضرتك طلبته ده... هيفرق في علاج أميرة؟ فأجاب بهدوء مؤكدًا: — طبعًا يفرق كتير. هقولك مثال بسيط: نوع البرفيوم ممكن يفكرها بذكريات حلوة ويقوّي إرادتها للخروج من الغيبوبة. زي ما قلتلكم... هي بتسمع وتحس باللي حواليها. أجابت وهي تنهض استعدادًا للمغادرة: — حاضر... هكتب كل حاجة. يهمني أكيد إنها تفوق بأقرب وقت. عن إذنك. خرجت نهى بداخلها ارتياح، ترجو من الله أن يتم شفاء أميرة في أقرب وقت، وقررت أن تتفرغ تمامًا لمراعاتها. في صباح اليوم التالي ذهبت نهى إلى الشركة وتوجهت مباشرة لمكتب حازم. وفور دخولها قدمت له طلب إجازة قائلة: — أستاذ حازم... ياريت توافق على طلب الإجازة. شعر حازم بالارتياح ووافق على الفور وهو سعيد، لأنه لا يطيق وجودها في الشركة. — طبعًا يا آنسة نهى. وتقدري تمدي الإجازة زي ما تحبي. المهم تسلمي مسؤولياتك للأستاذة سهام. غادرت نهى المكتب، وفور مغادرتها أمسك حازم بهاتفه واتصل قائلًا: — ألو... هدير، عايزك في مكتبي حالًا. انصاعت لأمره واتجهت إلى مكتبه. دلفت هدير واقتربت منه متسائلة: — خير يا حازم، إيه اللي حصل؟ نظر لها بنبرة جادة: — جت لنا فرصة من دهب... لازم نستغلها. سألته هدير بتعجب: — فرصة؟! فرصة إيه؟ أمسك يدها واقتادها للأريكة في ركن المكتب، وجلسا معًا: — نهى مش هتبقى موجودة في الشركة، وأحمد رشدي مسافر... يعني إحنا براحتنا خالص. قالت بمكر: — مش فاهمة؟ وجودهم من عدمه هيفرق؟ كده كده الحسابات في إيدينا، واللي انت عايزه أنا بظبطه وبيدخلك. أجابها بصوت ماكر: — لا طبعًا يفرق... الوقت ده هنكون براحتنا أكتر. يعني نضرب ضربتنا الأخيرة... ونسيب الشركة والبلد كلها كمان. نظرت إليه بإعجاب شديد: — يا ابن الإيه يا حازم! تصدق عندك حق... جه الوقت اللي نخلص فيه ونسافر ونكون مع بعض بقى. فقال بحماس: — مفيش وقت نضيعه، لازم من دلوقتي نضبط كل حسابات الشركة لصالحنا. أجابته بدلال: — حاضر يا زومي، متقلقش... ده انت معاك نمبر وان حسابات، ولا نسيت؟ ضحك بخبث: — أنسى إزاي؟ وإنتِ سبب كل اللي أنا فيه... بس المرة دي، لازم المبلغ ميقلش عن ١٠ مليون. اندهشت هدير. — إيه؟! ١٠ مليون مرة واحدة؟! صعب جدًا. دي محتاجة على الأقل شهر... لكن أسبوعين؟ مستحيل. أمرها بنبرة صارمة: — لازم نلاقي طريقة ناخد بيها ١٠ مليون. ظلت تفكر لثوانٍ، ثم قالت: — ممكن نلزم عدد كبير من الموردين بسداد اللي عليهم، ونغريهم بعروض وهمية من إنتاج المصنع بخصم كبير، بشرط الدفع قبل الاستلام بأسبوع. نكون وقتها إحنا ظبطنا أمورنا واختفينا... بس كده المصنع والشركة هيفلسوا. فأجابها ببرود: — ما تقع الشركة... ولا يتحرق المصنع، مش مهم. دي شركة ملهاش صاحب، وأميرة خلاص... مش هتفوق. يبقى أنا أولى بالفلوس دي. استغلت هدير الفرصة لصالحها، وعادت تطلب ما كانت تريده منذ زمن، قائلة بمكر: — أنا هعملك اللي طلبته، واعتبر الـ١٠ مليون في حسابك، بس عندي طلب... ولازم تنفذه. نظر لها بتشكك: — طلب؟ طلب إيه؟ اقتربت منه مبتسمة، وقالت بثقة تخفي توترها: — أظن كفاية كده... ومفيش مبرر نخبي أكتر من كده. تعلن جوازنا بقى! فكّر لثوانٍ ثم قرر مجاراتها: — طبعًا، نعلن جوازنا وقت ما تحبي. بس خليها بعد ما ننفذ ونقبض الـ١٠ مليون... وتبقى الفرحة فرحتين. كل هذا حدث تحت أنظار نهى، التي من سوء حظها عادت لتأخذ بعض الأوراق، فرأت هدير وهي تدخل مكتب حازم، فقررت مراقبتهما. كانت تراقبهما بانهيار، عاجزة عن التحرك... فهي لا تملك دليلًا ملموسًا. كانت تتألم، وقلبها يعتصر حزنًا على حظ تلك الأميرة السيئ. مرّ أسبوع كانت نهى تذهب يوميًا لأميرة، تقص عليها أجمل ذكرياتهما، كما أخبرتها عن إعجابها الشديد بحسام، فقد كانت تقضي معه ساعات يوميًا، وإعجابهما ببعض يزداد يومًا بعد يوم. لكنها في الوقت ذاته تشعر بالذنب، فهذا خطأ... لا يوجد رباط شرعي بينهما، ومع ذلك، كان قلبها يسيطر عليها، وتحاول قدر الإمكان أن تبتعد. أما قاسم، فكان بعد انتهاء عمله يجلس بجوارها، يحدثها بما في قلبه، ويغرقها في حبه، يحاول بكل ما يملك من صدق أن يوصل لها إحساسه. كان يجلس على الكرسي المقابل لسريرها، ناظرًا إليها بابتسامة هادئة: — وحشني صوتك... من يوم ما ظهرتي فجأة واختفيتي فجأة، وأنا كل يوم بستناكي تيجي تاني. قربت أجن... معقول تكوني حلم؟ معقول كنت بشوف عفريتة وتخيلتها إنتي؟ وقبل أن يُكمل حديثه، ظهر طيف أميرة قائلًا: — أنا عفريتة؟ فزع قاسم وقال بتلعثم: — بسم الله الرحمن الرحيم! أنتي كل مرة هتظهريلي فجأة وتفزعيني كده؟! فأجاب طيفها بغيظ: — والله؟ اتخضيت؟ أمال من شوية كنت زعلان وعايزني أظهرلك إزاي! فقال مازحًا: — خلاص يا ستي، أنا آسف... متزعليش. إنما عرفيني لو هتظهري، كل مرة تطلعي فجأة كده مينفعش... عرفيني قبلها. أجابته بابتسامة: — خلاص، مش هظهر فجأة تاني. وظلّا يتحدثان بحب... نعم يا سادة، رغم غيبوبتها المسيطرة عليها، إلا أنه كان على يقين بأنها تسمعه وتشعر به. سأل طيفها قاسم بصوت خافت: — عندي سؤال... ممكن أعرف ليه خرجت من الشركة قبل الحادثة، وأنت منهارة كده؟ ترقرقت الدموع في عينيها، ثم تمتمت: — إزاي عرفت إني كنت خارجة منهارة؟ — عرفت كل حاجة عنك من نهى. سكت طيفها لثوانٍ قبل أن تنطق بصوت متألم: — هحكيلك... كنت في مكتبي، بحاول أوصل لحازم، وجتلي رسالة واتساب من رقم غريب، لقيت فيها فيديو... توقفت فجأة، كأنها تذكرت شيئًا مرعبًا، وقالت بهلع: — تليفوني... تليفوني فين؟ مع مين دلوقتي؟ تذكّر قاسم أنه اتصل بنهى من هاتف أميرة يوم الحادث، لكنه أخفى الأمر حتى لا يزيد توترها، فأجاب بهدوء: — ممكن يكون في الأمانات... أو حد من أهلك استلمه. زاد قلق طيفها وسألت بخوف: — حد استلمه؟ مين؟ يا رب ما يكون حد فتح التليفون وشاف الفيديو حاول قاسم تهدئتها وأقنعها أن الهاتف ما زال بالأمانات. وما إن غادر الجناح حتى توجّه إلى مكتبه، وفتح الهاتف. وهناك... كانت الصدمة. الفيديو كشف خيانة خطيبها السابق مع امرأة أخرى. مشهد قاسٍ، مؤلم، كأنه خنجر مزّق قلبه. هل هذا ما جعلها ترفض الحياة؟ هل ما زالت تحب ذلك الخائن؟ كيف تحمّلت رؤية هذا؟ أسئلة كثيرة مزّقت تفكيره... كاد قلبه يتمزق من شدة ألمه عليها. انهمرت الدموع من عينيه رغماً عنه. أراد أن يثور، أن يكسر أي شيء أمامه، لعلّ شيئًا يطفئ نيران غضبه. جلس قاسم مذهولاً، الدماء تغلي في عروقه، يشعر بالغضب والحزن في آنٍ معًا، لكنه تمالك نفسه. أغلق الهاتف بعزم، وقرر أن ينتشلها من هذا الحزن مهما كلّفه الأمر... أن يداوي جراح قلبها، حتى لو لم تبادله نفس الحب الذي يحمله لها. خبّأ الهاتف في الدرج، أغلقه بالمفتاح، وغادر المكتب ليستنشق هواءً نقيًا، علّه يهدئ هذا الوجع الجاثم على صدره، ويخفّف قليلاً من ألم أسَر قلبه. ******************************* "أحببتُ طيفاً" گ / الهام عمر شكرا جزيلا من قلبى لكل من يدعمنى بالتصويت اسعدكم الله اينما كنتم 🌹❤️ أرجو لكم قراءه ممتعه ويسعدنى إبداء رأيكم ودعمكم بالتصويت ❤️🌹 استودعكم الله دمتم بخير وسعاده سالمين 🌹
إِلْهَامُ القَلَمِ