سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته -------------------------- في نهاية يومٍ طويل من التحضيرات، أتم قاسم جميع الترتيبات اللازمة لنقل أميرة. استدعى فريقًا من الأطباء المتخصصين في تلك الحالات، حتى تكون في كامل صحتها الجسدية عندما تستعيد وعيها، واستعان بأمهر وأشطر الأطباء النفسيين لمتابعتها بشكل دائم، حتى لا تؤثر عليها تلك الغيبوبة وكأنها لم تكن. كان الجناح واسعًا وهادئًا، اتسمت جدرانه بلونٍ فاتح يبعث على الراحة، ونوافذ كبيرة تسمح بدخول الضوء الطبيعي. السرير الطبي في المنتصف كان حديثًا ومريحًا، بجواره طاولة صغيرة عليها مزهرية بأزهارٍ طبيعية. في أحد الجوانب أريكة بسيطة مع طاولة صغيرة، وفي الزاوية شرفة تطل على منظر الأزهار ذات الألوان المختلفة بحديقة المشفى، مما أضفى إحساسًا بالراحة. وفي نهاية اليوم، قرر ألّا ينتظر للغد وسينقلها فورًا، فأبلغ الممرضة "وداد" الخاصة بها، قائلًا: — وداد، أنا قررت أنقل أميرة النهاردة بدل بكرة. أجابته وهي تغادر: — تمام، اللي تشوفه يا دكتور. وفور خروج وداد لتبلغ المختصين بنقل المريضة، دلف حسام إلى الجناح متحدثًا بنبرةٍ مرحة: — إيه ده كله يا قاسم؟ ده سويت بأوتيل، مش مستشفى! إيه يا عم قاسم اللي أنت عامله ده؟! نظر إليه بجديّة ليُخفي توتره قائلًا: — دي تعليمات الدكتور النفسي المسؤول عن الحالة. غمز حسام بطرف عينه قائلًا: — وكمان دكتور نفسي خاص بيها؟! لا، الحكاية فيها إن! فهم قاسم مغزى صديقه فتهرّب منه قائلًا: — شكلك فاضي يا حسام، وأنا لازم أشرف على إجراءات النقل. لم يُعطِ لحسام فرصة للرد، وخرج مسرعًا ليطمئن أن إجراءات نقلها كما يجب أن تكون. تم نقلها بنجاح، وطلب قاسم من الممرضة وداد الاهتمام بها بشكلٍ أكبر، وأكّد عليها عدم تركها، قائلًا: — وداد، خلي بالك منها كويس. ممنوع الزيارة اليومين دول، وأنا أكدت في الاستقبال. أي حاجة تحتاجيها توصلك. توترت قليلًا قائلة: — تمام، بس يا دكتور، أستاذة نهى بتيجي كل يوم، أنا مقدرش أمنعها. أجابها بنبرة صارمة: — أنا هبلغها إن دي تعليمات الدكتور النفسي، وإذا حصل أي حاجة كلميني فورًا. غادر الجناح الخاص بها متوجهًا إلى مكتبه، وبينما كان يغرق في أفكاره عن أميرة، قرر أن يُبلغ حسام بما يشعر، فأمسك بهاتفه واتصل به قائلًا: — ألو، حسام، ممكن تيجي المكتب؟ محتاجك ضروري. فأجابه: — تمام، عندي حالة هخلصها وأجيلك على طول. أنهى قاسم المكالمة، وأسند رأسه على كرسي المكتب الذي يجلس عليه، وصار يتأرجح يمينًا ويسارًا، شاردًا في ذلك الطيف الذي ظهر فجأة واختفى فجأة، ولم يظهر مرةً أخرى. فاق من شروده على دقاتٍ خفيفة على الباب، فاعتدل بجلسته، ودلف حسام وجلس مقابله متسائلًا: — مالك يا بطل؟ كنت عايزني في إيه؟ نظر إليه قاسم بتردد: — كنت عايز أحكيلك حاجة مهمة. أجابه حسام بمرح: — لا، طالما هتحكي وحاجة مهمة، يبقى تعزمني على عشاء محترم قبل الحكاوي! ابتسم قاسم وهو ينهض: — تمام، يلا بينا. غادرا المشفى وذهبا سويًا إلى مطعمهما المفضل. وبعد تناول العشاء، وضع قاسم كوب العصير جانبًا وقال: — حسام... آآآ أنا... أنا حبيت. ترك حسام كوب العصير مندهشًا، ثم انفجر ضاحكًا قائلًا: — بتحب؟ أنت؟ قاسم اللي طول عمره قافل على قلبه بميت قفل وترباس؟ تحب؟! ده حدث تاريخي يا جدع! احكيلي بالتفصيل. فأجابه قاسم بملامحٍ خجولة ونبرةٍ حنونة: — آه، حبيت. تخيّل... أميرة. آسرت قلبي من أول نظرة. نظر إليه حسام غير مصدق: — أميرة؟! قصدك الحالة اللي عندنا في المستشفى؟ أومأ قاسم مؤكدًا. لم يتمالك حسام نفسه، فانتابته حالة من الضحك: — أنت بتهزر، صح؟ أكيد بتهزر!! شعر قاسم بالضيق من تصرفه: — لا، مش بهزر، وأنا غلطان إني حكيت لك اللي في قلبي. تحولت ملامح حسام إلى الجدية وقال متعجبًا: — طب إزاي؟! وهي من يوم ما دخلت المستشفى وهي في غيبوبة! عرفتها إزاي؟ وحبيتها إمتى؟ ونظرتها اللي حكيت عنها... إمتى حصل كل ده؟ تاهت نظرات قاسم متذكرًا ذلك اليوم قائلًا: — يوم الحادثة، لما طلّعتها من العربية، كنت بحاول أفوّقها. فتحت عنيها لثواني وابتسمت ابتسامة رقيقة وقالت: "بابا، وحشتني". زاد تعجب حسام: — اللي بتقوله ده مش سبب إنك تحبها بالشكل اللي بان عليك وانت بتحكي عنها! استرسل قاسم قائلًا: — وقتها كنت خايف من الدم اللي كان مغطّي معظم وشها، وتفكيري كله كان إني أنقذها بسرعة. قاطعه حسام: — وبعدها جيت المستشفى وأنقذتها، ودخلت غيبوبة بعدها على طول. إزاي بقى حبيتها؟ عاد قاسم بذاكرته إلى يوم الحادثة. نظرتها الخاطفة، وابتسامتها الرقيقة وهي تنطق كلمة واحدة "بابا، وحشتني"، لم تغب عن ذهنه قط، كأنها كانت تنادي شيئًا في أعماق قلبه. — معرفش. كل اللي أعرفه إن نظرتها كانت دايمًا في خيالي، وفضلت أفكر فيها. أنا كمان حلمت بيها كتير... حاولت أبعد نفسي وقلت دي أوهام، بس مقدرتش. ورغم دهشة حسام، قرر أن يدعم صديقه، خاصةً أن هذه أول مرة يشعر قاسم بهذا الإحساس. فضّل ألّا يضغط عليه بالأسئلة وتركه ينعم بشعور الحب، قائلًا: — أنا عارف إن إحساسك صادق. شعر قاسم بالراحة لإخبار صديقه بما يشغل قلبه، وهذا شجعه على إخباره بقراره: — أنا قررت أقيم في المستشفى، في الأوضة اللي جنب الجناح. وكمان هنقل مكتبي هناك... فترة لحد ما تسترد وعيها أميرة، حابب أكون أول واحد تشوفه لما تصحى. فأجابه حسام بمرح: — يا سلام يا سلام على الحب! ثم تغيّرت نبرة صوته إلى الجدية: — حسام، اللي حكيتُه ده سرّ بينا. مش عايز أي حد يعرفه. فاهم؟ أي حد، ولا حتى نهى. ظهر التوتر على ملامح حسام، فلم ينجح في إخفائه: — نهى!... نهى مين؟ نظر له قاسم بمكر: — يا بني، بلاش تلف وتدور. أنا عارف دبة النملة في المستشفى، فخليك صريح. ده غير التوتر اللي ظهر عليك أول ما سمعت اسمها. فتحدث حسام باستسلام: — خطفت قلبي يا صاحبي. نظر إليه قاسم بتشكك: — معقول؟! كنت فاكر إنك يعني... زي عوايدك، بتعيش الدور يومين وخلاص. تحولت نبرته لنبرة محب حنونة: — لا، دي غير كل البنات اللي عرفتهم. جميلة، ومؤدبة، وهادية... وعيونها تسحر. ابتسم قاسم قائلًا: — لا كده أنا اطمنت عليك. ويلا بقى علشان توصلني الفيلا أجيب هدومي وترجعني المستشفى. فأجابه بمرح: — يلا. وعلشان تعرف غلاوتك عندي، هبات معاك في المستشفى النهاردة. في اليوم التالي، قررت نهى عدم الذهاب للشركة فترة، فهي لا تطيق رؤية ذلك الثنائي اللعين. على مائدة الإفطار، جلست نهى ووالدها أحمد ووالدتها نوال، فتحدثت نهى قائلة: —بابا، أنا مش رايحة الشركة النهاردة، وهروح لأميرة، هفضل هناك لآخر النهار. هتكلم معها لأن الدكتور قال إن ده هيساعدها كتير. تفهم والدها حديثها وقال: —تمام، وأنا وماما هنروح معاكِ نطمن عليها علشان أسأل الدكتور عن سبب اللي حصل ده إيه؟ تحدثت نوال بصوت حزين: —يا عيني عليكِ يا أميرة وعلى اللي بيحصلك. ربنا يشفيها وتفوق من اللي هي فيه بالسلامة. زاد توتر نهى، فقررت الهروب قبل أن يلاحظ والديها هذا التوتر، وهمّت بالمغادرة قائلة: —تمام، هروح أجهز علشان ما نتأخرش. توجهت إلى غرفتها، وهاتفت قاسم. لم يُجب في المرة الأولى، حاولت مرة أخرى فأجاب. فتحدثت قائلة: —ألو، دكتور قاسم؟ أجابها بجدية واختصار: — أيوة يا أستاذة نهى، خير؟ في حاجة؟ ترددت لثوانٍ ثم قالت: — كنت عايزة أطلب من حضرتك بلاش تقول لبابا إني السبب في اللي حصل إمبارح. فأجابها مطمئنًا: — تمام، متقلقيش يا آنسة، أنا أصلاً مكنتش هبلغه. أنهت المكالمة بعدما اطمأنت: —شكراً جداً يا دكتور. سلام. وصل كل من نهى وأحمد رشدي ونوال إلى المستشفى، وفور بلوغهم استقبال المشفى، أبلغهم موظف الاستقبال بأنه تم منع الزيارة وطلب منهم التوجه لمكتب الدكتور قاسم. طرق الباب ثم دلف أحمد رشدي ونوال ونهى، التي ترتعب من أن يعرف والدها ما حدث، فألقى التحية: —مساء الخير يا دكتور. نهض قاسم ومد يده ليصافح أحمد رشدي قائلاً: —مساء الخير، اتفضلوا، اقعدوا. جلست نوال ونهى على الأريكة المقابلة للمكتب، وأحمد رشدي على الكرسي المقابل لقاسم قائلاً: —ممكن أعرف ليه مانع الزيارة؟ وإيه سبب اللي حصل لأميرة إمبارح؟ تحدث قاسم بمهنية قائلاً: —منع الزيارة لمصلحة المريضة، وبناءً على طلب الطبيب النفسي اللي اتكلف بمتابعة حالتها. شعر أحمد بالغرابة متسائلاً: —دكتور نفسي . يتابع حالتها ليه؟ أجابه قاسم بنفس نبرته المهنية: —حالات الغيبوبة اللي فترتها بتطول، بيكون الأفضل ليها طبيب نفسي يتابعها بشكل دائم. فتسائل أحمد رشدي بحيرة: —طب ممكن أعرف اللي حصلها سببه إيه؟ ويا ترى ممكن يحصل ليها تاني، لا قدر الله؟ لم يدرِ قاسم ماذا يقول، فغلبه الصمت لحظات، ولكنه استجمع تفكيره بسرعة كي لا يزيد من توتر تلك، النازلة بالأرض من شدة خوفها، قائلاً: —ده شيء وارد إنه يحصل في حالات الغيبوبة، والحمد لله إنّي كنت موجود، وإن شاء الله مش هيحصل تاني. ناظراً في تلك اللحظة إلى نهى، يلومها على ما حدث. انتابها القلق من نظرته، فتحدثت بتوتر: —هو ممكن نشوفها؟ نطمّن عليها؟ خمس دقائق بس. أكدت نوال على حديثها بلهفة: —ياريت يا دكتور، عايزة أشوف بنتي وأطمّن قلبى عليها. تحمحم قاسم قائلاً: —ممكن، بس في حاجة لازم تعرفوها الأول... أنا نقلتها من مكانها. شعر أحمد رشدي بالخوف، فقاطعه بحدة: —إنتَ إزاي تعمل حاجة زي دي من غير ما أعرف وأوافق عليها؟ نظر إليه قاسم بتفهم، وحدثه بهدوء: —حضرتك ماضيت إقراراً أن أي حاجة تفيد المريضة أعملها فوراً بدون الرجوع ليك. النقل تم إمبارح بالليل وكان لمصلحتها، وتقدروا تشوفوها وتطمّنوا عليها. توجهوا جميعهم إلى الجناح الراقي الخاص بأميرة، الذي، فور دخولهم، أصابتهم حالة من الذهول. أيعقل أن يوجد مكان هكذا داخل مستشفى؟ أبدوا إعجابهم الشديد، ولكن رأى قاسم ملامح الحزن ترتسم على وجوههم. فقرر أنه من الأفضل أن يتركهم معها قائلاً: —يا أستاذ أحمد، تقدروا تقعدوا معاها زي ما تحبوا، بس أهم حاجة كلامكم يكون في حاجة تسعدها، وأكيد أنتم عارفين ده كويس. قاصدًا بحديثه نهى، التي زاد توترها لأنها تعرف جيدًا بأنها سبب فيما حدث لأميرة. وقبل أن يغادر، وجه حديثه لها: —آنسة نهى، ممكن قبل ما تمشي تعدّي عليّ في المكتب بما أنك يومياً بتيجي لأنسة أميرة، فيه حاجات لازم نلتزم بيها زي ما طلب الطبيب النفسي. فأجابته بتوتر: —تمام يا دكتور. تركهم وغادر. جلسوا بجوار سريرها. احتضنت نوال يد أميرة قائلة: —حبيبتي يا بنتي، على اللي جالك. بدعيلك من قلبي، تفوقي وترجعي تنوري ضحكتك حياتنا. واقترب منها أحمد رشدي بحزن: —أنا معرفتش أحافظ على الأمانة اللي سيبها لي صديق عمري. نظرت إليه نوال تواسيه بحب: —وانتَ ذنبك إيه بس يا حبيبي؟ انت حافظت عليها وراعتها بحبك وحنانك كأنها بنتك. ده قضاء ربنا. اللهم لا اعتراض. اقتربت منه نهى وتمسكت بذراعه بكلتا يديها قائلة: —يا بابا، الدكتور أكد إننا نتكلم في اللي يسعدها، بلاش حزنك ينسيك ده. وأكملت بمرح، عكس ما بداخلها من حزن: —وبعدين يا سي بابا، انت خليتني أغير من حبك ليها كأن مفيش غير ست أميرة. مش كده يا ميرة هانم؟ ضحكت نوال ونظرت إلى أميرة قائلة: —سمعتِ يا ميرة حبيبة قلبك، اللي ديماً كنتِ تيجي في صفها عليا، بتغير منك. نظر إليها أحمد رشدي أيضًا وقال بمرح: —فاكرة يا ميرة يوم ما جبتلك الشوكولاتة اللي بتحبيها ونسيت نهى عملت إيه؟ مسحت نوال بيديها على رأس أميرة قائلة بمرح: —ينهار ده كان يوم . نهى عملت نفسها زعلانة، وأميرة فضلت تحايل فيها وأديتها كل الشوكولاتة اللي جبتها، وبرضو فضلت زعلانة. لولا أميرة أخذتها وخرجوا يتفسحوا ورجعوا مبسوطين. جلست نهى بجوار أميرة على فراشها، ناظرة لوالديها قائلة: —هو ده اللي لازم يحصل كل مرة نيجي فيها هنا، لازم نتكلم مع أميرة كأنها سامعانا ونحكي كل الذكريات اللي تفرحها. تفهمت نوال مقصد نهى قائلة: —عندك حق يا بنتي والله، أنا حسيت كأنها سامعانا وحاسة بوجودنا. بعدما اطمأنوا عليها وارتاحت قلوبهم برؤية اهتمام قاسم بحالتها، ذهبت نهى لمكتب قاسم كما طلب، متسائلة ماذا يريد منها. ******************************* "أحببتُ طيفاً" گ / الهام عمر شكرا جزيلا من قلبى لكل من يدعمنى بالتصويت اسعدكم الله اينما كنتم 🌹❤️ أرجو لكم قراءه ممتعه ويسعدنى إبداء رأيكم ودعمكم بالتصويت ❤️🌹 استودعكم الله دمتم بخير وسعاده سالمين 🌹
إِلْهَامُ القَلَمِ