سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته -------------------------- مخطئون فيما قالوه عن الماضي، لقد تعلمت كيف أدفنه، إلا أنه دائمًا يجد طريق عودته. خلف جدران الأسى شاكٍ حزين يذرف الدمع على ماضي السنين، يذكر الأمس فيشتد الحنين ويزيل الصمت أصداء الأنين. مرت الأيام وتمت الاتفاقيات الألمانية والإيطالية على أحسن ما يكون، وبدأ العمل في المصنع بأقصى سرعته لإنجاز التصنيع ليتيح لهم الانتهاء قبل موعد تصدير وتسليم الأجهزة والمستلزمات. كان أحمد رشدي مشغولاً بالمصنع، وكان قاسم جالسًا بمكتبه مشغولاً بعمله في الشركة التي أصبح وضعها أفضل بكثير، وكل شيء يسير وفق ما حدده. بينما كان قاسم منشغلاً بمراجعة الملفات، رن هاتفه. رفع رأسه، نظر للاسم على الشاشة باستغراب، ثم عاد لعمله متجاهلاً الاتصال. ثوانٍ وصدع هاتفه بنفس الاتصال، قرر أن يتجاهله مرة أخرى، ولكنه شعر بالضيق. فدائمًا هذا الاتصال يكون خاليًا من المشاعر، مجرد أداء واجب ليس أكثر. صدع صوت هاتفه من جديد ولكن من شخص آخر، أمسك هاتفه وقام بالرد بوجه بشوش: — عاملة إيه يا دادا؟ طمنيني عليكي. أجابته هنيه الدادة بحب: — الحمد لله يا حبيبي بخير، بس زعلانة منك. ترك ما بيده مبتسمًا: — ليه بس يا حبيبتي؟ هو أنا أقدر؟ فلامته بحنان نابع من قلبها: — بقالك فترة كبيرة مش بتيجي الفيلا وعلى طول بالمستشفى طيب تعالى، وحشتني يا بني ونفسي أشوفك. اقترب قاسم من النافذة، استنشق الهواء قليلاً قائلاً بلطف: — معذورة يا حبيبتي، كنت مشغول الفترة اللي فاتت جدًا، وكان لازم أكون موجود بالمستشفى. إن شاء الله بكرة أو بعدو بالكثير أعدي أطمن عليكي. زينت الابتسامة وجهها: — تنور يا حبيبي هجهزلك الأكل اللي بتحبه، وهستناك. وحاول تاخد إجازة يومين تريح نفسك يا بني، متغرقش روحك في الشغل. عاد مرة أخرى إلى مكتبه وأمسك بذلك الملف استعدادًا لاستئناف ما كان يفعله: — حاضر يا حبيبتي، بس مقدرش أوعدك بالإجازة لأني مشغول أوي. أنا بس هاجي علشان مقدرش على زعلك. طمنيني، أنتي كويسة؟ بدا على نبرة صوتها التوتر: — آه كويسة، انت بس وحشتني. طيب يا حبيبي مستنياك. أغلق الهاتف وعاد إلى عمله، لكن القلق الذي أحس به ظل يراوده. شعر أن هناك شيئًا تخفيه، وقرر أن يذهب إليها قريبًا لمعرفة السبب. ولم يكن حال هنيه الدادة أقل منه، أغلقت الهاتف، وضعت يدها على قلبها المتألم، تحدثت نفسها قائلة: — يووة عليكي يا هنيه كده تقلقيه أكيد حس إني مخبيه حاجه أنا عارفاه مكنش ينفع أبلغه في التليفون، لازم يكون قدامي وأنا بكلمه. زفرت بحزن وهي تفكر في قاسم: — يا ترى يا قاسم يا بني هتعمل إيه لما تعرف أن أبوك ومراته راجعين بعد السنين دي كلها؟ يا رب ما تحصل مشكلة أنا لازم أبلغ حسام وأعرفه. أسرعت بالاتصال بحسام، ولحسن الحظ أنه لم يكن مشغولاً فأجاب عليها: — أخبارك يا دادا؟ عاملة إيه؟ ظهر التوتر على نبرة صوتها: — الحمد لله يا بني بخير. كنت عايزة أقولك حاجة بس أوعدني متقولش لقاسم. شعر حسام بالقلق أثر نبرتها المتوترة: — خير يا دادا؟ قلقتيني — والد قاسم ومراته راجعين من السفر بعد بكرة، وهيستقروا في الفيلا. لم يستوعب حسام مقصدها: — طيب وأنتي قلقانة وعايزة تخبي على قاسم؟ ماهو أكيد هيعرف تبدلت نبرة صوتها بأخرى حزينة: — يا بني انت ناسي آخر مرة قاسم شافه حصل إيه؟ ولولا وجودك معاه وقتها كان ممكن حالته تسوء أكتر تذكر حسام حالة الحزن والاكتئاب التي كان فيها قاسم في آخر مرة كان والده بالقاهرة. قبل خمسة عشر عامًا، على كورنيش النيل، جلس قاسم وصديقه حسام. دموع قاسم لم تتوقف، وصراخه هز قلب حسام الذي حاول تهدئته بكل الطرق. كان هذا المشهد بداية حقيقية لصداقة لم تنكسر رغم كل شيء. منذ أن التحق قاسم بهذه المدرسة الداخلية وعمره 8 أعوام، ظل يدرس بها إلى أن أكمل الثالثة عشر من عمره. لم يكن له أي صداقة بسبب عدم ثقته بالآخرين، وهذا ناتج من مرضه الذي تملكه بعد وفاة والدته وتعافى منه نسبيًا مع مرور الوقت. ولكن عندما يقع تحت ضغط نفسي لا يتحمله وتلاحقه الذكريات المؤلمة، تظهر عليه أعراضه مرة أخرى. فالوحيد الذي استطاع مصادقته هو حسام بعدما أنقذه من بعض المراهقين الذين كانوا يلتفون عليه ليضربوه نظرًا لأنه كان يتجنب الاختلاط بهم أو بأي شخص. لم يكن له صديق طيلة دراسته في المدرسة الداخلية ولا حتى بعد أن خرج منها. ولكن كان حسام مختلفًا تمامًا، فمنذ ذلك الوقت أصبحا صديقان بل أكثر من إخوة نظرًا لأن ظروفهم متشابهة بعض الشيء. كان قاسم يجهش بالبكاء والصراخ، ويحاول حسام تهدئته لمعرفة ما به. في المرة الأولى التي رآه هكذا، كان قلبه يتألم لرؤيته بهذه الحالة. حاول مرارًا تهدئته لكنه لم يفلح، فأخذ حسام قاسم بين ذراعيه يحتضنه، ربت على ظهره بحنان ليشعره بالسكينة. ظل هكذا إلى أن هدأ صراخ قاسم، ولكنه مازال يبكي في صمت. فتحدث حسام إليه قائلاً: — كده تخضني عليك من ساعة ما كلمتني دادا هنيه وقالتلي إنك خرجت زعلان ومارجعتش من بدرى، قلقت عليك أوي وعرفت إن أكيد هلقاك هنا في المكان بتاعنا. ليه متصلتش عليا أجيلك من بدرى؟ طيب إيه رأيك تيجي تبات معايا النهاردة؟ دي ماما هتفرح أوي لم يجب قاسم عليه، اكتفى بإيماءة رأسه بالموافقة. أخذه حسام إلى منزله، وقاسم لا يزال على حاله البكاء الشديد. وما إن رأته والدة حسام، إيناس النجار، انتفض قلبها تألمًا لرؤية قاسم بهذه الحالة. فهي بطبعها حنونة جدًا، ومنذ معرفتها لقاسم تعامله كابن لها مثل حسام. ظلت صامتة وأشارت لحسام بيديها ليدخل قاسم غرفته. أدخله حسام الغرفة ووضعه على سريره بهدوء تحت استسلام قاسم التام، وخرج إلى والدته ليأخذ منها نصيحة فيما يجب فعله لصديقه. — أنا زعلان أوي على قاسم وخايف عليه جدًا، ومش عارف أعمل إيه علشان يهدى. كانت إيناس النجار أيضًا تشعر بالحزن عليه: — والله يا بني قلبي وجعني عليه! طمني، إيه سبب حالته دي؟ انسابت الدموع من عين حسام وهو يجلس بجوارها: — مش عارف يا ماما! من وقت ما لقيته كان بيصرخ وبيعيط، ومكنتش عارف أعمل إيه! حاولت أهديه وأعرف منه أي حاجة، بس متكلمش خالص علشان كده جبته هنا، تساعديني. اقتربت منه إيناس النجار، ربتت على كتفه: — دي هنيه اتصلت كتير أوي وصوتها كان حزين ومتلخبط، ومفهمتش منها حاجة.. كويس إنها كلمتك وطلبت منك تدور عليه، لأنه لو كان فضل وحده في الحالة دي كان ممكن يحصله حاجة لا قدر الله. نظر إليها بعيون حزينة: — سألت دادا هنيه، وقالت إنه زعل مع باباه وخرج. أمسكت هاتفها تبحث داخله: — أنا هكلم دكتور وائل جارنا يجي بديله مهدئ! ماهو مش هينفع نسيه في الحالة دي! دب القلق داخله ونظر إليها متسائلاً: — دكتور وائل ليه؟! بس يا ماما ده دكتور نفسي! قاسم ممكن يكون زعله مع باباه هو اللي خلاّه في الحالة دي، وشوية وهيهدى وبالفعل كادت أن تهاتفه: — لازم الدكتور وائل يجي ويشوف حالته! متطمنش ده منهار خالص! ويديه أي حاجة تهديه شوية. نهض حسام انصياعًا لأمرها: — ماشي يا ماما! هروح أجيبه. ذهب حسام وأتى بالدكتور وائل. ونظرًا لحالة الانهيار التي استسلم لها قاسم، لم يعِ لمن حوله. وبعد أن رأى حالته، الدكتور وائل، وبعد فحصه، أعطى له حقنة مهدئة. خرج هو وحسام وأغلق الباب تاركًا قاسم يغفو في نوم عميق أثر ذلك المهدئ. فتساءلت إيناس بقلق: — طمني يا دكتور، قاسم عامله إيه دلوقتي؟ أجابها الدكتور وائل بهدوء: — واضح إنه اتعرض لصدمة عصبية وانفعال شديد، والكلام اللي كان بيهمهم بيه بلخبطة، والهستيريا والعيط اللي كان فيه خلاّني أشك في حاجة. ومن خلال خبرتي في التشخيص المبدئي، الحالة أكيد دي مش أول مرة تحصل! أشك إنها نتيجة صدمة نفسية كبيرة اتعرض لها، ودي نوبة عصبية نتيجتها. ولكن علشان أتأكد وأعرف إيه العلاج المناسب، لازم أعرف إيه الظروف اللي وصلته للحالة دي. فياريت حضرتك تحكيلِي إيه اللي حصل. لم يكن لديها إجابة، فنظرت إلى حسام الذي بدوره نظر إلى الطبيب في حيرة لأنه لم يكن يعلم أي شيء مما حدث. فتحدث قائلاً: — يا دكتور، كل اللي أعرفه إنه زعل مع والده وخرج من البيت زعلان، ولما وصلت لعنده كانت حالته صعبة وكان بيصرخ وفضل يبكي لحد ما حضرتك وصلت. فأجاب الدكتور وائل: — أنا محتاج معلومات أكتر عنه وعن شخصيته، وإيه اللي حصل بالتفصيل مع والده، وإذا كان بيعاني من مرض نفسي أو لا. قاطع حديثهم صوت جرس الباب، فذهب حسام ليرى من الطارق، فوجدها تقف بعيون غارقة بالدموع متلهفة للدخول والاطمئنان على من هو ابن لقلبها. دلفت مسرعة للداخل تتلفت بعيون قلقة حزينة تبحث عنه لتريح قلبها برؤيته. وعندما لم تراه تحدثت بقلق ممزوج بالحزن قائلة: — قاسم فين يا حسام؟ طمني عليه اقتربت منها إيناس النجار تأخذ بيدها وتجلسها: — تعالى يا هنيه ارتاحي ومتقلقيش! قاسم بخير ونايم جوا. بس قبل ما تدخلي عنده، ياريت تجاوبي على أسئلة الدكتور علشان يعرف يساعده. جلست والقلق والحزن ينغص قلبها: — دكتور ليه؟ هو قاسم حصله إيه؟ معقول النوبة رجعته تاني؟! تفوهت بآخر جملة دون تفكير، أحست بتسرعها عندما رأت نظرات استغراب كلاً من حسام وإيناس، وتحدثا في نفس اللحظة: — نوبة؟! نوبة إيه؟! استفاق حسام من شروده يشعر بألم يغزو قلبه، وقلق كثيرًا من هذه المقابلة، فأجاب على هنيه الدادة قائلاً: — متقلقيش يا دادا.. إن شاء الله مش هيتكرر اللي حصل تاني قاسم اتعالج وخف وبقى كويس. ترجته بصوت حزين: — ياريت تكون معاه وهو بيقابله أرجوك يا بني متسيبوش — يا دادا من غير رجاء أنتي عارفة إن قاسم أخويا توأمي وسندي اللي ربنا رزقني بيه! وأكيد هكون معاه! وإن شاء الله تعدي على خير. خرج حسام متجهًا بخطوات سريعة إلى غرفة العمليات لأنه لم يبقَ سوى دقائق على موعد العملية المسؤول عنها، وقرر الاتصال بقاسم فور خروجه ليمهد له ويخبره برجوع والده. أتت سيارة الإسعاف إلى المستشفى بحالة طارئة، يهبط منها رجل يسيطر عليه الخوف والحزن الشديد، ممسكًا بيده طفل صغير لا يتجاوز السابعة من عمره. وتستلقي على النقالة الترولي الخاصة بنقل المرضى بعربة الإسعاف سيدة فاقدة الوعي، شاحب وجهها. استقبلتها ليليان عند باب الاستقبال نظرًا لخطورة الحالة التي أُبلغ بها المستشفى قبل وصولها. بصوتٍ متهدج، طلب الرجل مقابلة الدكتور قاسم شخصيًا. هو من يعالج زوجته. لم تفهم ليليان السبب لكنها سارعت بالاتصال به محاولةً تهدئته إلى حين وصول قاسم. — قاسم، ياريت تيجي المستشفى حالًا في حالة طوارئ، جوزها طالبك بالاسم ومش عايز أي دكتور غيرك يفحصها! والحالة خطيرة مش هتتحمل أي تأخير نهض من مجلسه: — أنا جاي حالًا. ياريت يكون فيه تقرير كامل بالحالة! مش هتأخر. ذهب مسرعًا ووصل إلى المستشفى بوقت قياسي. استقبله ليليان وأخذت منه التقرير واطلعت عليه في طريقه لغرفة المريضة. وعندما وصل، لم يرَ سوى زوجها، عرف منه تاريخها المرضي وهو يقوم بفحصها. ونظرًا لأن قاسم بارع ومتقن لعمله وخبرته الفائقة وذكائه في تخصصه بالمخ والأعصاب، أمر فورًا بدخولها لغرفة العمليات، وطلب من زوجها التوقيع على إقرار لأنه تأخر في الذهاب بها إلى المشفى عندما بدأ التعب معاها. فحالتها كانت تحتاج إلى التدخل الجراحي في وقت أبكر من ذلك بكثير، وهذا جعل قاسم يغضب على هذا الزوج المهمل من وجهة نظره، غير مبالٍ لذلك الصغير المذعور الحزين. فهو لم يراه، ولم يكن من الزوج غير الصمت. فتركه قاسم متجهًا بسرعة ليتجهز لغرفة العمليات. وبعد مرور 6 ساعات بغرفة العمليات، خرج قاسم وعلامات التعب تكسو وجهه. رأى زوجها في حالة من القلق الشديد، فتوجه إليه ليطمئنه ويعتذر عما صدر منه من قبل، متحدثًا: — بأعتذر لحضرتك على عصبيتي.. وأحب أطمنك أن المدام بخير والعملية نجحت. بس هتفضل معانا فترة للمتابعة. ارتسمت معالم الراحة على وجه الزوج، وتساءل بلهفة: — بجد يا دكتور؟ يعني هتكون كويسة ومش هتتعب تاني؟ طيب هقدر أشوفها إمتى؟ وشكرًا جدًا ليك. ابتسم قاسم وربت على كتف الزوج: — مفيش داعي للشكر ده واجبي. هينقلوها للعناية المركزة، وتقدر تشوفها بعد شوية بس من برا إذا سمحت. وحمدالله على سلامتها. ذهب الزوج مسرعًا لذلك الصغير الذي لم تجف دموع عينه، أخذه بحضنه يطمئنه ويقبل جبينه ويهدئ من زعره بحنان بالغ: — اطمن يا حبيبي.. ماما هتبقى زي الفل وهترجع معانا البيت تنور لينا من تاني بس هتقعد كام يوم بالمستشفى لحد ما تبقى كويسة، وهنشوفها من بعيد لحد ما تفوق. عايزك كده تبقى قوي وشاطر ومتعيطش إيه رأيك بعد ما نشوفها نروح أنا وانت نجبلها الورد اللي بتحبه؟ بس بطل عياط وابتسم.. يلا بقى اديني حضن كبير فتح ذراعيه واحتضن صغيره بحب وحنان، ظهر جليًا كل هذا تحت أنظار ذلك القاسم الذي هرول مسرعًا إلى مكتبه. فهذا المشهد أحيا ذكريات مؤلمة بقلبه. دلف إلى مكتبه، وفور دخوله أغلق الباب بالمفتاح، وغرق في حالة هستيرية من البكاء. يتذكر قسوة والده في لحظة مشابهة لما رآه الآن. فقد عاش قاسم منذ صغره بقلب حزين يشعر بالوحدة والألم بعد وفاة والدته، لأنها كانت حنونة للغاية، عكس والده الذي يعامله بقسوة لأنه كان طفلًا هادئًا يملك قلبًا طيبًا محبًا حنونًا، وهو يريده قاسيًا مثله. ولم يترك له الوقت الكافي ليجتاز صدمته بوفاتها، وزاد عليه الإحساس بالألم والحرمان بعدما تزوج وقرر بعد زواجه بفترة قصيرة إدخاله مدرسة داخلية ظنًا منه أنه بذلك سيقوي قلبه اللين ويجعله رجلاً قويًا فيما بعد. ولكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا. هذا الطفل البريء الذي بالكاد أكمل عامه الثامن، لم يبدِ أي اعتراض على قرار والده. غرق قاسم في هذه الذكريات القاسية كأنها تحدث الآن رغم مرور كل تلك السنوات. ينتظر خارج تلك الغرفة ويستكين بجسده الصغير داخل أحضان تلك الحنون، يتحدث بحزن وخوف بصوته الطفولي البريء: — أنا خايف أوي يا دادا ماما أول مرة تتعب أوي كده شدت هنيه الدادة من احتضانه: — متخافش يا قاسم يا حبيبي ماما هتبقى كويسة. — يا رب يا دادا بعدما خرج الطبيب وتحدث مع والد قاسم عن حالة زوجته التي أصبحت متأخرة جدًا ولم يعد هناك علاج لها، فقد تمكن منها ذلك المرض اللعين أكثر فأكثر. تحت نظرات تلك العيون البريئة الصغيرة المليئة بالدموع أسرع بجسده الصغير ممسكًا بيد الطبيب يترجاه قائلاً: — أرجوك يا دكتور أدِّي الدوا لماما خليها تخف وتبقى كويسة أرجوك نظر إليه الطبيب بحزن على حالته، ولكن لا يوجد هناك أي دواء يمكن أن يشفيها، وليس بيده فعل أي شيء، فهذا قدر الله. فتحدث الطبيب بحزن يختلط به الحنان بعدما مال عليه وقبل جبينه: — متخافش يا حبيبي إن شاء الله ماما هتبقى كويسة! وبلاش عياط بقى وادعيلها كل هذا يحدث تحت أنظار ذلك القاسي الذي لطالما رأى أن ابنه ضعيف الشخصية ودائمًا ينزعج عندما يرى دموعه، فيراه كالفتيات من وجهة نظره، ويصب عليه غضبه كي يقوي شخصيته من وجهة نظره هو، ويكره أن يكون هكذا. ودائمًا كان يرمي اللوم على زوجته التي تعامل هذا الطفل بحنان زائد كما يعتقد، فجعلته ضعيف الشخصية. فصاح غاضبًا: — هنيه خدي قاسم داخلي أوضته قلقت هنيه من صوته الغاضب ونظراته لقاسم: — حاضر يلا يا قاسم علشان تنام نفض قاسم الصغير بحزن يد هنيه مبتعدًا عنها قليلاً: — لا…أنا مش عايز أنام أنا هدخل عند ماما نظر له والده نظرة غاضبة مرعبة يعلمها هذا الصغير جيدًا، فهي لا تنم على خير أبدًا، بل غضب وراءه عقاب قاسٍ كالعادة. فارتعدت أوصال ذلك البريء وازداد خوفها من صوته وأمره الصارم: — أنا قلت ادخل أوضتك حالًا يا قاسم عاد ذلك الصغير يمسك يد هنيه الدادة مرة أخرى: — حاضر. أمسكت يديه بحنان ثم مالت عليه واحتضنته، ثم حملته وتوجهت به إلى غرفته، وبصوت منخفض قالت: — يلا يا حبيبي وبعد شوية بابا هينزل المكتب، وأنا هخليك تروح عند ماما تطمن عليها! اتفقنا؟ ابتسم وأسند رأسه الصغير على كتفها: — اتفقنا. وبعد مرور بعض الوقت، بعدما اطمأنت هنيه أن والد قاسم انشغل كالعادة بالمكتب، اصطحبت قاسم بهدوء إلى غرفة والدته. دخلا الغرفة معًا في هدوء، خطى بقدمه الصغيرة ببطء حتى لا يوقظ أمه المتعبة، إلى أن وصل إلى سريرها، فتسطح بجسده الصغير على كتفها، وأحاط نفسه بذراعها، وشدد من احتضانها بيده الرقيقة الصغيرة، وغط في نوم عميق لشعوره بالراحة والأمان. فتركته هنيه لينعم بحضن والدته حتى الصباح، فهي تعلم جيدًا أن والد قاسم ينام بغرفة منفصلة عن زوجته من وقت ما بدأ التعب يسيطر عليها. أغلقت الباب خلفها داعية بقلب يتألم لحزن ذلك الصغير ومرض تلك المرأة الحنون أن يشفيها الله ويعفو عنها. ظل قاسم يصارع ظلال الماضي المؤلم. لم يكن يعلم أن الماضي الذي طالما هرب منه كان ينتظره في الزاوية المظلمة بداخله، مستعدًا ليواجهه بوجهٍ أشد قسوة من أي وقت مضى. ******************************* "أحببتُ طيفاً" گ / الهام عمر شكرا جزيلا من قلبى لكل من يدعمنى بالتصويت اسعدكم الله اينما كنتم 🌹❤️ أرجو لكم قراءه ممتعه ويسعدنى إبداء رأيكم ودعمكم بالتصويت ❤️🌹 استودعكم الله دمتم بخير وسعاده سالمين 🌹
إِلْهَامُ القَلَمِ