خطواتةنحو المواجهة

خطواتةنحو المواجهة

20 0

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته -------------------------- اتجها رغد وياسين للخارج، وطلب من السائق الخاص بسيارة والده ماهر رسلان أن يذهب بهم إلى مستشفى قاسم رسلان. بعد ما يقارب النصف ساعة، وصلا. ترجل ياسين ورغد من السيارة متجهين إلى استقبال المستشفى. لكن ياسين توقف فجأة، كأن قدمه تأبى أن تخطو خطوة أخرى. — يلا نرجع يا رغد، مش هينفع نقابل قاسم دلوقتي... أنا مش هقدر. لو متقبلناش، لو لقيت نظرة كره في عينيه... مش هعرف أتعامل معاه. وقفت قبالته تنظر له بتعجب. — أيه اللى بتقوله ده يا ياسين؟ إحنا خلاص هنا! لولاك، بابا ما كان وافق. إزاي ترجع في كلامك دلوقتي؟ إحنا خلاص كلها خطوات ونقابله، مش هو ده اللى كان نفسنا إنه يحصل من زمان؟ اتجه إلى تلك الأريكة الخشبية القريبة منه الموضوعة بحديقة المشفى، جلس، وجلست رغد بجواره. أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه بهدوء، كأنه يزيل ضيقًا يحتل صدره. ربت على يديها. — انتي عارفة إنى عمرى ما أرجع في وعد، بس عايزك تفهمينى... أنا خايف أشوف نظرة كره في عينيه، خايف أقرب منه يبعد. انتي عارفة إني بحبه قد إيه، رغم إن عمرى ما شفته غير في صوره في الجرايد، وعارف قد إيه كنت مستنى اللحظة دى، بس صدقينى مش قادر. استسلمت بعدما رأت تلك الدموع التي تجمعت بعينه ويجاهد حتى لا تتمرد عليه. ربتت على كتفه بحنان. — خلاص، بلاش نقابله النهارده، بس أوعدنى إن شاء الله بكرا نيجى نقابله مع بعض. رغم الخوف الذي احتل قلبه من اللقاء، أومأ برأسه موافقًا. أراد أن يهرب الآن، يمكن أن يتلاشى شعوره بالخوف غدًا. جلست ليليان على كرسي مكتبها، وجلس خالد الدمنهوري على الكرسي المقابل لها. فتساءلت ليليان: — في أيه داد؟ رجعت إمتى من ألمانيا؟! حصل حاجه في الشركة؟! نظر إليها بجمود، واضعًا قدمًا فوق الأخرى. — أظن إنى طلبت منك أكتر من مرة إنك ترفضي المحامي الزفت اللى مش مخليني عارف أدير الشركة. انعقد حاجبها بضيق، حاولت كتمانه. أجابت بملل: — داد، هنتكلم في الموضوع ده كتير؟ قلت لحضرتك أكتر من مرة مش هينفع أستغنى عنه نهائي. ياريت متتكلمش في الموضوع ده تاني. ارتسم الغضب على ملامح وجهه. — إنتي ليه مصرة إنه يفضل في الشركة رغم إنى مش محتاجه وبديرها كويس جدًا؟ نظرت إليه بتحدٍ وهي تهم بمتابعة ملف أمسكته بيدها. — الموضوع انتهى. لو عندك حاجه تاني عايز تقولها، هسمعك. غير كده، آسفة داد، عندى شغل. رغم غضبه الداخلي، لكنه أرغم نفسه على الابتسام. لا يريد أن يضيع وجوده بالشركة. — خلاص يا ليليان، بس ياريت تعمليلى توكيل عام بكل ما يخص الشركة من قرارات علشان أعرف أتصرف. تفهمت تمامًا ما ينوي عليه والدها. تألم قلبها، لا أمل من أن يكون ولو لمرة واحدة أبًا. — أنا عملت لك فعلا توكيل بإدارة الشركة، وأظن مش محتاج أكتر من كده. وأى ورق محتاج توقيعى مش بتأخر بوقع فورًا بعد مراجعة المحامي. نظر خالد إليها بغضب مكتوم، ثم قال بنبرة حادة: — يعني رغم كل اللى بعمله للشركة، إنتي شايفاني على طول غلط؟ إيه اللي بينك وبين المحامي؟ ليه شايفاه أذكى مني؟ رفعت ليليان حاجبيها بدهشة طفيفة، ثم ردت بنبرة هادئة لكنها حازمة: — الموضوع مش ذكاء يا داد، الموضوع إن الشغل محتاج ناس متخصصة، وأنا مش هسيب الشغل ينهار بسبب قرارات متسرعة. اقترب خالد منها قليلًا، مستندًا بمرفقيه على المكتب، وقال بصوت هادئ ممزوج بالتهديد: — قرارات متسرعة؟! بعد وفاة جدك، أنا اللي شيلت الشركة على كتفي، أنا اللي عملت كل ده، أنا ضحيت بكل حاجة علشانها. نظرت إليه ليليان للحظة بصمت، ثم أجابت بصوت بارد: — وأنا مش بنكر اللي عملته، بس ده ما يديكش الحق إنك تستغل الشركة لأي حاجة تانية مش في مصلحتها. والمحامي موجود علشان أضمن إن ده ما يحصلش. ظهر التوتر على وجه خالد لثوانٍ، لكنه اتكأ على المقعد وابتسم بسخرية: — برافو يا ليليان. واضح إنك بتتعلمي بسرعة. بس ما تنسيش حاجة واحدة... أنا خالد الدمنهوري، واللي قدرت أبنيه مرة أقدر أهدمه تاني لو قررتي تلعبي دور الزعيمة. شعرت ليليان بمرارة في حلقها. نهضت وأخفت مشاعرها خلف ابتسامة باهتة. — ما عنديش أي نية ألعب دور الزعيمة يا داد. أنا بس عايزة أحافظ على كل اللي سابهولى جدى. ولو خلصت كلامك، أنا عندي شغل. نهض خالد أيضًا ووقف للحظة ينظر إليها بتمعن. — افتكري كويس يا ليليان... أنا مش هكرر طلبي تاني، إنتي اللى هتجيني ومعاكي توكيل لحد عندي. غادر خالد الدمنهوري المكتب وترك ليليان واقفة مكانها تحاول استعادة هدوئها، وهي تشعر بصداع يضغط على رأسها. بداية يوم جديد. تراقصت أشعة الشمس على الأفق كأنها تحمل معها وعودًا جديدة وأسرارًا لم تكشف بعد. بدا اليوم كلوحة رسمها القدر، يخبئ خلف ألوانه الداكنة ومضات من الضوء قد تغير كل شيء. تسلل حازم من جوار هدير دون أن تشعر، بدل ملابسه بهدوء، وغادر شقته متجهًا إلى مشفى قاسم رسلان. قاد سيارته بعقل شارد وأفكار مضطربة إلى أن وصل. ترجل من سيارته، ثم اتجه للاستقبال ومن بعدها إلى غرفة أميرة. وقف مترددًا أمام باب غرفتها بعدما أخبره موظف الاستقبال أنها نقلت إلى مركز إعادة التأهيل. أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه ببطء في محاولة للسيطرة على التوتر الذي يسيطر عليه. طرق الباب بخفة ثم دخل بخطوات تبدو ثابتة رغم اضطراب أفكاره. كانت أميرة مستلقية على سريرها حين رأت وجهه، فارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة لشعورها بالسعادة. — حازم، إنت بخير؟ طمني!! تلاشت الابتسامة من وجه قاسم الذي كان يقف بجوارها، ممسكًا بمعصمها يراقب نبضها. التف ببصره إلى ذلك القادم الذي اقترب من السرير بثقة وابتسامة عريضة كأنها إعلان انتصار. اشتعل الغضب في عيني قاسم، لكنه حاول أن يتمالك نفسه، بينما حازم غير مكترث وقف على الجانب الآخر من السرير. نظر إلى أميرة بملامح حملت دفئًا مصطنعًا. — حبيبة قلب حازم، اطمني... أنا بخير. تسارعت نبضات قلبها، ونظرت إليه بقلق. — الحمد لله... كنت قلقانة عليك، فكرت إنه ممكن يكون حصلك حاجة بسبب الحادثة. اتسعت ابتسامة حازم، وكأن كلماتها زادت شعوره بالسيطرة، ثم رفع عينيه نحو قاسم بنظرة متحدية واضحة. استشعر قاسم ذلك التحدي، لكنه حافظ على هدوء مصطنع رغم الغليان الذي يؤلم صدره. تقدم حازم خطوة أقرب وربت على يد أميرة برفق، وهو يوجه حديثه لقاسم مباشرة: — طمني يا دكتور... أميرة هتقدر تخرج إمتى؟ لازم نحدد ميعاد كتب الكتاب والفرح. شعرت أميرة بالحرج من كلماته لكنها لم تعترض، أما قاسم فكلماته الأخيرة نزلت عليه كصفعة جعلته يصمت لثوانٍ يحاول فيها السيطرة على الانفجار الذي يوشك أن يحدث. رفع عينيه إلى حازم بنظرة باردة وقال بنبرة هادئة ممزوجة بقليل من الحدة: — للأسف يا أستاذ حازم، حالتها مش بتسمح دلوقتي. أميرة هتفضل هنا فترة طويلة لحد ما تتعافى تمامًا. التفتت أميرة إلى قاسم بقلق واضح وتساءلت بنبرة مترددة: — فترة طويلة؟!! ليه يا دكتور؟... حالتي صعبة للدرجة دي؟!! رؤية القلق في عينيها كانت كطعنة خفية لقاسم. حاول أن يطمئنها: — اطمني يا آنسة أميرة... العلاج الطبيعي بس بياخد وقت ومحتاج صبر مش أكتر. كان حازم يراقب ويستمتع بمشاهدة قاسم في موقف ضعف. أمسك بيد أميرة مرة أخرى وربت عليها بحنان مزيف: — حبيبة قلبي، متقلقيش، أنا معاكي طول الوقت، مش هسيبك أبدًا. اتسعت ابتسامتها وزال قلقها، ونظرت إليه بحب: — مستحيل أقلق من حاجة وإنت جنبي. إنت الأمان بالنسبالي يا حازم، ربنا يباركلي فيك يا حبيبي. انعقد حاجبه وشدد من قبضة يده. وبقي قاسم مكانه عاجزًا عن الرد، لكنه لم يرفع عينيه عن حازم، وكأن عاصفة من الغضب والغيرة تخفيها تلك النظرات الهادئة. فقد كانت كلماتها كسكاكين تمزق قلبه. هو يدرك أنها فقدت ذاكرتها، لكنها الآن تبتسم لذلك الرجل الذي كاد يدمر حياتها. كيف يمكنه أن يقف مكتوف اليدين هكذا؟ ولكن ماذا بيده أن يفعل؟ كيف يعيد لها ذكرياتها؟ كيف يخبرها أن من تراه الآن أمانها... كان يومًا مصدر دمارها؟ انسحب بهدوء وتركهم، مغادرًا بقلب موجوع. لاح بعقله أنه لابد من ذهابه للطبيب النفسي. حسمت إيناس قرارها. السر الذي اكتشفته صدفة قد يكون الحل الوحيد لإنهاء الخلاف بين نهى وحسام. ورغم قلقها الذي كان واضحًا في خطواتها المترددة، لكنها ذهبت متمسكة بالأمل. بعد ساعة، وصلت إلى فيلا أحمد رشدي، حيث استقبلتها نوال بترحاب ولطف. جلستا معًا في الحديقة. أخذت إيناس نفسًا عميقًا استعدادًا لما ستقوله. — عايزة أشوف نهى وأتكلم معاها لوحدينا. توترت نوال من طلبها، فنهى لا تعلم أن والدتها ذهبت إلى إيناس وأخبرتها بما حدث. فتلعثمت قليلًا: — مش هينفع يا إيناس إن نهى تعرف إنى جيت لك وكلمتك في اللى حصل. هتزعل منى أوي. ابتسمت لها إيناس بلطف: — متقلقيش، أنا هعرف أفهمها ومش هتزعل، لأن كل اللى يهمنا مصلحتها هي وحسام. رغم قلقها من ردّة فعل نهى، استسلمت نوال لإلحاح إيناس. استسلمت لطلبها على أمل أن تنجح في إصلاح الأمر. نهضت نوال لتخبر نهى: — هروح أبلغها وأعملك فنجان قهوة. ونهضت إيناس واقتربت منها خطوة وطلبت منها بإصرار: — أنا هروح معاكي وهقعد معاها في أوضتها. عايزاها تتفاجئ بيها، لأن لو بلغتيها الأول ممكن متوافقش تقابلني. ترددت نوال قليلًا ثم أومأت برأسها بالموافقة، وسارت معها إلى غرفة نهى. طرقت الباب بخفة قبل أن تفتحه وتدخل. تجمدت ملامح نهى من المفاجأة عندما رأت إيناس النجار، والدة حسام، أمامها. ثارت الظنون برأسها واشتعل الغضب من فكرة أن حسام هو من أرسلها، بينما إيناس شعرت بغصة بقلبها عندما رأت الحزن الواضح على وجه نهى التي تحدثت دون تفكير: — طنط؟!.. لو حسام هو اللى باعت حضرتك... للأسف معنديش كلام أقوله. اقتربت منها إيناس بعدما أغلقت نوال باب الغرفة، وحدثتها بهدوء وحزم: — حسام ميعرفش إنى هنا. أنا جيت علشان أوضح لك الأمور. نظرت إليها نهى بحزن: — متتعبيش نفسك يا طنط بتوضيح أي حاجة. تصرفات حسام وضحت كل حاجة. جلست إيناس على طرف الفراش وقالت بجدية: — أنا مش جايه أدافع عن حسام ولا أجبرك على أي حاجة، بس في حاجة لازم تعرفيها... تزيل الخلاف بينكم. ظلت نهى واقفة بجوار فراشها، عقدت ذراعيها وابتسمت باستنكار: — غريبة أوي! مش فاهمة إيه الحاجة اللى هتبرر خيانة ليا. أمسكت إيناس ذراعها وأجلستها بجوارها، ثم أخذت نفسًا عميقًا: — إنتي ظلمتي حسام من غير ما تعرفي الحقيقة بالظبط. لازم تسمعيني، صدقيني مش هتندمي. بدأ الفضول يتسلل إلى نهى رغمًا عنها، فتساءلت بشك: — إيه اللى يضمن إنى مش هندم أكتر لو سمعتك؟ نجحت إيناس في جعل نهى تستمع لها، فابتسمت بلطف: — الضمان إنك هتعرفي الحقيقة وهتغيري قرارك وتسامحي حسام. ران الصمت على نهى في صراع بين قلبها الذي يريد أن ينتهي هذا الكابوس وتغفر لحسام، وبين عقلها الذي يتمسك بكرامتها وهي تنظر لإيناس بقلق. قطعت ذلك الصمت إيناس بهدوء رغم توترها: — أنا عارفة إن حسام بيعامل ليليان معاملة خاصة، بس ده مش علشانه معجب بيها أو بيحبها زي ما فهمتي، لا خالص. إنتي حبه الوحيد، و... نهضت نهى وقاطعتها بغضب وصوت حاد: — دا واضح فعلا علشان كده كان حاضنها وهي بتقوله: مش قادرة أستحمل الوضع اللى أنا فيه . طنط، أرجوكي بلاش كلام في الموضوع ده تاني. قرارى مش هيتغير. أخذت إيناس نفسًا عميقًا وأخرجته ببطء: — السبب إن ليليان أخت حسام. وحسام ميعرفش ولا ليليان. أنا اللى عرفت بالصدفة. صدقيني يا بنتي، بقول الحقيقة. فقدت نهى توازنها من الصدمة التي دوت في مسامعها، فجلست دون أن تدرك على الفراش: — أخته؟! ليليان أخت حسام؟!! ده إزاي؟!! فركت إيناس يدها بتوتر: — بالظبط، أخته من والده. ثم نظرت إليها ورتبت على يديها متحدثة بصدق وهدوء: — وده يفسر اهتمامه الزايد بيها. هو بيحاول يراعيها، مش زي ما كنتي فاكرة إن فيه حاجة بينهم. نبض قلبها بقوة وارتعشت أناملها وهي تمسك رأسها تحاول استيعاب الأمر: — طب إزاي أتعامل مع اللى حصل ده؟!! انتابتها مشاعر مضطربة بين ارتياح لأن حسام لم يخنها، ووجع لأنه أخطأ رغم ذلك. ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة سرعان ما تلاشت، ليحل محلها وخز مؤلم في قلبها. صحيح أنه لا يعلم أنها أخته، لكن كان عليه أن يقاوم مشاعره تجاه ليليان وألا ينجرف خلفها بهذه السهولة. غرقت في صراع بين ما يريده قلبها وما يمليه عليها عقلها. أخيرًا، قرر قاسم الذهاب لطبيبه النفسي دكتور وائل بعد ما أيقن أن هذا هو الحل الصائب بعد لقاء والده القاسي، ورؤية لهفة أميرة تجاه حازم. وبالفعل، وصل بعد فترة، دلف للعيادة. الطبيب وائل سمحت له الممرضة فورًا بالدخول لغرفة الطبيب وفقًا للتعليمات المسبقة لها من دكتور وائل. ظل قاسم واقفًا لحظة أمام باب غرفة الكشف، يراقب يديه المرتعشتين وهو يحاول التقاط أنفاسه. تداخلت في ذهنه أفكار عديدة ما بين شكوكه في جدوى الجلسة وبين أمله في أن يلقى علاجًا للآلام التي لا تفارقه. كان يواجه قرارًا يبدو بسيطًا للآخرين، لكنه في نظره كان لحظة فارقة قد تغير مجرى حياته. دلف قاسم إلى الداخل بشكل متردد، جلس على الكرسي المقابل للطبيب بشكل مشدود ومتوتر. لاحظ دكتور وائل هذا التوتر، فهو على علم بكل ما يحدث لقاسم كل تلك الفترة الماضية من خلال تواصل حسام معه. فتحدث بهدوء: — مفيش مشكلة لو مش قادر تتكلم عن كل حاجة دلوقتي. بس هتلاحظ الفرق لما تبدأ تحكي كل اللي جواك. نظر إليه قاسم باستنكار وضيق: — مفيش حاجة ممكن أحكيها. الأمور كلها تحت السيطرة. أنا بس... قاطعه وائل يرد بطريقة هادئة ولكن حاسمة: — التحكم مش معناه إنك مش عايز تعترف باللى بتشعر بيه. اللي حصل مع أميرة واللي حصل مع والدك ده مش حاجة بسيطة. لازم تواجه كل ده عشان تقدر تتعافى. شعر قاسم بتوتر عند سماع اسم أميرة، لكنه حاول إخفاء رد فعله، فتساءل: — إزاي حسام يعمل كده من غير ما يرجعلي؟ ابتسم له وائل وأجاب بهدوء: — حسام مهتم بيك وبيحاول يساعدك، وحكى لي شوية عن اللي حصل. أنا هنا علشان أساعدك أنت لو حابب. صمت قاسم لثوانٍ يستجمع شتات نفسه: — إزى أقدر أساعد نفسي؟ وإزى أكون ليها طبيب إذا كنت مش قادر أتعامل مع نفسي؟ شجعه وائل بحسم: — الطبيب الحقيقي هو اللي يقدر يساعد نفسه أولًا. أنا عارف إنك كنت بتاخد أدوية مضادة للاكتئاب، ممكن تكون الأدوية دي أثرت عليك بشكل للأسف إنك منتبهتش ليه. كانت ملامح وجه قاسم مشدودة وجبينه مغطى بعرق خفيف، كما لو أن كل كلمة تصدر من الطبيب تزيد من ثقل الشكوك في قلبه. ظل صامتًا يتابع بترقب حديث وائل الذي أردف حديثه قائلًا: — كتير من الناس اللي مروا بحالة مشابهة ليك بيشوفوا حاجات مش حقيقية، خاصة في لحظات ضعفهم أو توترهم. هل حاسس إنك شفت حاجات مريبة أو متكررة في الفترة الأخيرة؟ تنفس قاسم بصعوبة، كما لو كان الهواء قد أصبح ثقيلًا، وانتابته حالة صدمة عندما شعر أن كل ما كان يظنه مرتبطًا بطيف أميرة يمكن أن يكون في الواقع نتيجة للأدوية!! — يعني... يعني إيه كل ما شفته... كل اللحظات مع طيفها... كانت مجرد هلاوس بسبب الأدوية؟!! تفهم دكتور وائل ما يمر به قاسم الآن من صراع داخلي، مطمئنًا إياه بهدوء: — الدواء ممكن يسبب تأثيرات جانبية زي كده، وأكيد إنك كنت في حالة ضعف نفسي شديدة لدرجة إنك ممكن تتخيل حاجات مش موجودة. انت كان عندك شعور قوي بالمسؤولية تجاهها، ممكن يكون ده السبب في إنك كنت تشوفها بشكل طيف. حاول قاسم أن يجلس مستقيما لكن جسده كان ينهار مع كل لحظة: — إذا كانت مشاعري تجاهها مجرد وهم... ده معناه إني كنت بعيش في كذبة طول الوقت؟! طب إزاي؟! أجابه دكتور وائل بهدوء: — إحساسك تجاهها كان مزيج من الواجب والحب، لكن بعد كل اللي مررت به، لازم تعيد تقييم مشاعرك بصدق. كانت أطراف أصابعه تتنقل سريعًا على ذراع الكرسي، وكأن عقله يشتت انتباهه بين أفكاره المتناقضة: — أنا مش عارف مين كنت ولا مين أنا دلوقتي. كان كل شيء ضبابي، حتى مشاعري. قام دكتور وائل وتحرك اتجاه قاسم وربت على كتفه: — الوعي هو الخطوة الأولى في العلاج. دلوقتي لما بدأت تدرك حقيقة مشاعرك، تقدر تبتدي من جديد. جلس دكتور وائل قبالته يحدثه بأنه يمتلك إرادة قوية ويجب أن يواجه نفسه بالواقع، وينتشل نفسه من الأوهام التي أرغمته الأدوية على العيش فيها كأنها حقيقة. وبينما كان قاسم يتأمل حديث دكتور وائل، راوده شعور غريب يعود إلى الأيام السابقة، وبدأ يشك في مشاعره عندما تذكر ملاحظات صغيرة كانت مدونة على هاتف أميرة، ملاحظات تتعلق بمشاكل الشركة والأزمات التي كانت تمر بها. شعر بأن ذلك كان أكثر من مجرد معلومات، بل كانت كأنها صرخة مساعدة غير معلنة. كان يرى نفسه في تلك اللحظات ليس فقط كطبيب، بل كمحب كان يشعر بالمسؤولية تجاه إنقاذها. في تلك اللحظة، شعر كأن كل شيء حوله بدأ يتناثر، وأنه فقد القدرة على تمييز الحلم من الواقع. هل كان حقًا يحب أميرة، أم أن هذه المشاعر كانت نابعة من شعوره بالمسؤولية نحوها فقط؟ عندما نادته بـ"بابا"، فكان هو الأب لها بسبب فقده هذا الاهتمام من والده؟ أما في فيلا ماهر رسلان، كانت رغد تستعد للذهاب للقاء قاسم. خرجت من غرفتها وتوجهت إلى الحديقة حيث كان ياسين يجلس شاردا. اقتربت منه وربتت على كتفه بخفة: — يلا بقى علشان نروح نقابل قاسم زي ما وعدتني. انصاع لطلبها، فلا مجال للهروب من وعده لها. اصطحبها وركبا السيارة متوجهين لمشفى قاسم رسلان. وصلا بعد وقت قليل. ترجلت رغد من السيارة بحماس ممسكة يد ياسين، واتجها لداخل المشفى. ثم وقف ياسين فجأة قبالتها بابتسامة باهتة وقلق يكسو ملامحه: — إنتي متأكدة إنه هيتقبل وجودنا بحياته؟ ابتسمت له رغد تطمئنه: — متقلقش، أنا متأكدة إنه هيتقبلنا ويقرب منا، بس أكيد هيحتاج وقت لده. والمفروض إننا نديله كل الوقت اللى محتاجه، ومنزعلش من أي ردة فعل ليه. لو إنت لسه مش مستعد، استناني هنا وأنا هروح أقابله. كادت أن تخطو أول خطواتها، فامسك يديها: — إنتي متأكدة إنك مستعدة لأي ردة فعل ليه، حتى لو كانت قاسية؟ التفتت ونظرت إليه بكل ثقة: — عندي إحساس إن قاسم مستحيل يكون قاسي عليا. وإحساسي دايما بيكون صح. اطمن. اتجهت لاستقبال المشفى بخطوات ثابتة، يسيطر عليها بعض الخوف، ولكن شيء بداخلها يخبرها أن اللقاء سيكون جميلًا. سألت رغد موظفة الاستقبال عن قاسم، وصعدت إلى مكتبه بعدما علمت مكانه. فور خروجها من المصعد، زاد توترها، وظلت تفرك بيديها حتى وصلت أمام مكتب قاسم. شجعت نفسها بصوت مسموع: — في إيه يا رغد؟ جمدي قلبك كده! إمال عايزة تكوني طبيبة نفسية إزاي، وكتب علم النفس اللى تقري فيها دي كلها، ومتوترة علشان هتقابلي أخوكي الكبير؟ بسم الله توكلت على الله. أخذت نفسًا عميقًا وهندمت من ملابسها الفضفاضة وحجابها الأنيق. وطرقت على الباب طرقات خفيفة وانتظرت ثوانٍ حتى أتاها الإذن بالدخول. ******************************* "أحببتُ طيفاً" گ / الهام عمر شكرا جزيلا من قلبى لكل من يدعمنى بالتصويت اسعدكم الله اينما كنتم 🌹❤️ أرجو لكم قراءه ممتعه ويسعدنى إبداء رأيكم ودعمكم بالتصويت ❤️🌹 استودعكم الله دمتم بخير وسعاده سالمين 🌹

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أحببتُ طيفاً

المؤلف إِلْهَامُ القَلَمِ
2025/03/09 مكتملة
قائمة الفصول (36)
الفصل 1: المقدمه
2025/03/09
الفصل 19: شخصية جادة
2025/05/19
الفصل 20: قادر على التحدى
2025/05/19
الفصل 21: لهيب الغيرة
2025/05/19
الفصل 22: دفء اللحظات المنيسة
2025/05/19
الفصل 23: ظلال الماضي
2025/05/19
الفصل 24: أصداء الصدمه
2025/05/19
الفصل 25: وجع الفراق
2025/05/19
الفصل 26: ثبات زائف
2025/05/19
الفصل 27: بين الحنين والجفاء
2025/05/19
الفصل 28: لقاء مؤلم
2025/05/19
الفصل 29: أحببتُ طيفاً
2025/05/19
الفصل 30: صراع المشاعر
2025/05/19
الفصل 31: خطواتةنحو المواجهة
2025/05/19
الفصل 32: لقاء يبدد كل سنوات الفقد
2025/05/19
الفصل 33: لحظة المواجهة
2025/05/19
الفصل 34: اللحظة الحاسمة
2025/05/19
الفصل 18: كذبة بيضاء
2025/05/19
الفصل 17: فرحة القلب
2025/05/19
الفصل 1: الصدمة الخفيه
2025/03/09
الفصل 2: حادثة موت
2025/03/09
الفصل 3: غيبوبة غير متوقعه
2025/03/13
الفصل 4: قناع مزيف
2025/03/13
الفصل 5: لحظة ضعف
2025/03/13
الفصل 6: يوهم نفسه
2025/05/19
الفصل 7: اعتراف بالحب
2025/05/19
الفصل 8: حدث تاريخي
2025/05/19
الفصل 9: عفريته
2025/05/19
الفصل 10: خطة خبيتة
2025/05/19
الفصل 11: عقود شراكة
2025/05/19
الفصل 12: حالة جنون
2025/05/19
الفصل 13: قرار بالخطبة
2025/05/19
الفصل 14: جراح الماضي
2025/05/19
الفصل 15: حلم وردى ينعش قلبه
2025/05/19
الفصل 16: العوض الجميل
2025/05/19
الفصل 35: حيث ينتمي القلب
2025/05/19

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة