سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته -------------------------- أخي وصديقي لا تطل عنّي الغيابا ففي حضنك الدافئ أجدُ الجوابا إذا ضاقت الدنيا وأظلمت الطرقاتُ أراكَ نوراً يبددُ ليلَ العتابا وإن أثقل الهم قلبي وجرحًا وجئتُ إليك، أجدُ فيك الشِفاءَ صِحابا فأنتَ الأمانُ حينَ تخونني قواي وأنفاسي تخبو بحثًا عن الاقترابا أراكَ جناحًا أستظلُ بظِلّهِ رفيقَ الدُروبِ في أوقات الصعابا وصلا قاسم وحسام إلى المكان الخاص بهم على ضفاف النيل، في ركن هادئ بعيدًا عن الأنظار. كعادتهم، قطع ذلك الصمت حسام. اقترب وربت على كتف قاسم بحنان: — هو أنا جبتك هنا علشان تسكت؟! أنا حاسس بيك وعارف اللي بتمر بيه. وإذا كنت مش بضغط عليك تحكيلي، فده علشان سايبك براحتك. لكن الوضع اللي انت فيه مينسكتش عليه، ولازم أعرف إيه اللي وصلك لكده. نظر له قاسم بعيون تملؤها الدموع، ولكنها تأبى النزول. حاول جاهدًا أن يبدو طبيعيًا، ولكنه فشل. خرج صوته مختنقًا: — ما حبيتش أشغلك بيا. كفاية ضغط المستشفى عليك. أنا كويس، اطمئن. لم يقتنع حسام بكلامه، وتأكد بأنه على وشك الانهيار. حتمًا ولابد أن يجعله يخرج ما بقلبه، لأن ما هو آتٍ أصعب. إذا ظل هكذا، سيكون هناك بركان لا محالة. احتضنه بحنان ممزوج بالحزن عليه، قائلاً: — فضفض يا قاسم. أنا جنبك ومعاك يا قلب أخوك. أنت سندي في الدنيا، وأنا سندك. احتضنه بشدة. سكن قاسم بين ذراعيه. نهشت عقله تلك الذكريات المريرة التي دائمًا تنغص عليه حياته. تذكر آخر لقاء بوالده الذي أخبره فيه أن عليه السفر لتكملة دراسته خارج البلاد. كان قاسم يجلس بانتظار والده بعدما قرر أن يعطي لعلاقته بأبيه فرصة جديدة، يصلح بها الفجوة الكبيرة والجفاء الذي حدث بسبب بعده عنه. يفكر كيف سيكون هذا اللقاء بعد كل تلك السنوات: هل سيفخر بتفوقه الدراسي؟ هل سينبهر بشخصيته الجادة القوية التي طالما تمناها؟ هل سيظل والده معه؟ هل سيتعرف على إخوته أخيرًا؟ كثيرًا من التساؤلات غزت تفكيره. مرت دقائق الانتظار عليه كأنها سنوات. قرر أخيرًا أن يكسر ذلك الانتظار، وغادر من غرفته متجهًا للأسفل بخطوات مسرعة على ذلك السلم الرخامي، بلهفة لرؤية أبيه. وعند تخطيه آخر درجات السلم، رأى "هنيه" الدادة تحمل صينية صغيرة بها كوب من الماء وفنجان من القهوة، متجهة إلى المكتب. فتيقن من وصول والده. وها قد حان اللقاء. تنفس بعمق، وتساءل بتوتر قائلاً: — يا دادا، هو بابا وصل من بدرى؟ طب ليه ما بلغتينيش بوصوله؟ طب هو سأل عليا؟ أخرجت "دادا هنيه" تنهيدة، آسفة لحال ذلك الصغير المرتبك. فحاولت تهدئته قائلة: — آه يا نور عيني، وصل من شوية وسأل عليك. بس دخل مكتبه على طول وطلب قهوة ومستنيك. ادخل سلم عليه، أكيد مشتاق لك أوي زي ما انت مشتاق له كده. — لمعت عيناه بالسعادة، ونظر إليها بكل حب: — ربنا يباركلي فيكي يا دادا. لولا نصيحتك لي أني أقرّب من بابا وأنسى قسوته وأنها كانت لمصلحتي، بس أنا مكنتش فاهم ده. كلامك شجعني أبدأ من جديد. اقتربت منه وربتت على كتفه بحنان قائلة: — يا نور عيني، ده مهما كان أبوك، أكيد بيحبك. وقربك منه هيريحك وينسيك أي وجع حسيته في بعده. أكيد هو رجع علشان يعوضك عن غيابه وهيفضل معاك وجنبك. إن شاء الله، اطمئن. كانت تقول حديثها دون اقتناع منها، لكنها شعرت أنها يجب أن تشجع صغيرها الذي يتعلق ببصيص من الأمل. تركها وذهب إلى المكتب. طرق الباب بدقات خفيفة، تتسارع معها نبضات قلبه. تأمل أن يجد حب الأب الذي حُرم منه منذ صغره. ظل يتخيل سعادة أبيه واحتضانه له، وشعورًا بالأمان والاحتواء الذي طالما افتقده من والده. قاطع شروده صوت والده: ماهر رسلان يقول: — ادخل يا قاسم. دلف متجهًا إليه، مقتربًا من المكتب، مستعدًا لاحتضانه بخطوات مترددة ممزوجة بالخوف، قائلاً: — حمدالله على السلامة يا بابا. ترك ماهر رسلان ما بيده من ملفات على المكتب، وخطى بهدوء باتجاه قاسم. ثم اقترب منه وقام باحتضانه. عناق لم يتخطَّ بضع ثوانٍ، بارد خالٍ من المشاعر. وابتعد عنه متجهًا للكرسي الموضوع خلف مكتبه، قائلاً: — كبرت وبقيت راجل. طبعًا أنا متابع مستواك وعارف إنك دايما بتكون في المركز الأول، وده بيؤكد أن قراري بدخولك المدرسة الداخلية صح. هو اللي خلاك كده. أنا جيت أخلصلك أوراقك علشان تسافر تكمل دراستك برا. نظر إليه قاسم بنظرات استغراب بعدما شعر بغصة أودت أملًا كان قد بدأ ينير قلبه. انطفأ بذلك العناق البارد. فتحدث بصوت بارد: الفضل للظروف والتعب وتمسكي بحلم أمي. هي وحدها ليها الفضل. أفهم من كلام حضرتك إنك راجع تاخدني أعيش معاك وأكمل دراستي علشان بس تفوقي؟ يعني لو كان مستوايًا أقل، كنت هتفضل سايبني عايش لوحدي؟ ظل ماهر رسلان يراجع ما بيده من أوراق تحت نظرات قاسم الحزينة التي لم يبالِ بها، قائلاً بصرامة: — أنا عملت الصح. ممكن أكون غلطان من وجه نظرك، بس هتعرف بعدين إن كل اللي بعمله معاك علشان تكون شخص قوي، راجل بجد. وأظن مستواك وتفوقك أثبتلك كلامي. ولما تسافر تكمل دراستك بأمريكا، هتقدرني وقتها لما تحقق حلم أمك اللي بتقول عليه. كانت كلماته بمثابة طعنة موجعة لقلب قاسم. كيف يتركه وحيدًا مرة أخرى؟ شعر كأن الجرح لا يزال حديثًا رغم كل تلك السنوات الماضية. جاهد هذا الألم بصوت حاد بعض الشيء، متسائلاً: — هو حضرتك راجع علشان تبعدني عنك أكتر؟ بدل ما تاخدني معاك، أكون جنبك؟! تعوضني عن طفولتي اللي عشتها وحدي؟ كان عندي أمل تعطف عليا ولو لمرة واحدة، تحسسني باهتمامك، بخوفك وحبك ليا زي أي أب سوي عارف كام ليلة قعدت فيها لوحدي أبكي عشان مش لاقي حد يسمعني؟ …كام مرة كنت محتاجك جنبي؟ كل مرة كنت بشوف أطفال مع أهاليهم، كنت بقول ليه أنا مختلف؟ كنت دايما بحاول أقنع نفسي إنك أكيد ليك أسبابك... إنك أكيد هترجع في يوم وتفهمني. بس دلوقتي؟ أنا مش شايف غير واحد بيبعدني أكتر، بيحط نجاحي فوق كل حاجة تانية. مش فارق معاه أنا محتاج إيه أو حاسس بإيه!!! نظرة مطولة ألقاها قاسم، رأى فيها لامبالاة والده. فسكت يلملم شتات نفسه حتى لا يظهر ضعفه أمامه أكثر من ذلك. لم يشعر ماهر بالعذاب الذي يعانيه قاسم، ولم يشفق عليه، بل ازداد ثباتًا وجمودًا، كأن قلبه بات صخرة: — يا ريت يا قاسم تفكر في قراري بالعقل مش العاطفة. الأفضل إنك تدرس بأمريكا، علشان مش هينفع تكون معايا الفترة دي. وجودك هيأثر على إخواتك ويثير عاطفتهم، وطبعًا ده هيأثر على دراستهم. فالأفضل ليك وليهم إنك تكمل دراستك في المكان اللي اخترتهولك، علشانه الأنسب ليك. تتوالى الصدمات واحدة تلو الأخرى، كأنها طعنات تدمي قلبه. فها قد فاض بركان غضبه، وثارت آلامه، وأعمى الغضب عينيه. فنظر قاسم إليه بتحدٍ وحادثه بحدة قائلاً: — قوة؟ القوة اللي بتتكلم عنها دي دمرتني يا بابا!!! دمرتني وأنا صغير، ودلوقتي أنت بتكمل عليها!! أنا مش محتاج قوتك، أنا كنت محتاج أب. انت خايف على إخواتي مني؟! وبدل ما تقربهم مني، بتبعدني عنهم؟! عايز مني بعد ما لاقيت سند لي في الحياة وناس تحبني وتقف جنبي، مُصر إنك تكسرني وتدمرني وتبعدني عنهم؟! انت عارف إن دادا هنيه وحسام ومامته أقرب لي منك!!!! بيهتموا ويحسوا بيا أكتر منك، انت مستحيل تكون أب لم يستطع قاسم الثبات أكثر من ذلك. تركه مسرعًا إلى الخارج تحت أنظار ذلك القاسي الذي لم يعِ حتى الآن كم الألم الذي يعيشه ابنه. حاولت "دادا هنيه" التي استمعت إلى صراخه الموجع لقلبها أن توقفه، ولكن دون جدوى. فقد غادر المكان بل الڤيلا بأكملها بسرعة البرق. عجزت تمامًا عن اللحاق به، وجلست بعيدًا تبكي بمرارة على حاله. عاد إلى حيث كان جالسًا، لكنه شعر بثقل الذكرى على صدره. ظل قاسم متشبثًا بحضن حسام، شارِدًا في ذكرياته الأليمة. مر الكثير من الوقت، يربت حسام على ظهره بحنان ممزوج بالحزن عليه، إلى أن هدأ قاسم قليلاً وخرج من احتضان حسام ليغير جلسته وينام على تلك الأريكة الخشبية، واضعًا رأسه على فخذ حسام، ناظرًا إلى مياه النيل التي أمامه بتيه، كأنه في عالم آخر. كان يعرف أن مرضه عاد ليهزمه. هذه المرة لم يجد في نفسه قوة للمقاومة. ترك ذكرياته تمزقه، كما لو أن الألم بات ملاذه الوحيد. مسح حسام بيده على شعر قاسم بحنان، وظلا هكذا إلى أن غرق قاسم في نوم عميق. بينما كان حازم يجلس في غرفة المعيشة، ينظر في الفراغ. شعور ثقيل على صدره. يعبث بقطعة من الزجاج المكسور من تلك التحف التي حطمها في نوبته الأخيرة. تنهد بعمق، وكأنه يحاول طرد الأفكار التي تطارده. تردد للحظة قبل أن يلتقط هاتفه ويتصل بـ"هدير". أجابته بصوت جاف: — خير يا حازم؟ شعر بنبرة الجمود في صوتها، فابتلع ريقه وقال بهدوء: — ممكن تيجي البيت؟ أنا محتاج أكلمك. صمت لثوانٍ، وردت بملل: — أنا مشغولة دلوقتي. لكن قبل أن تغلق الخط، أضاف بصوت هادئ: — أرجوك يا هدير... محتاجك. بعد نصف ساعة، دلفت هدير إلى الشقة، وكان وجهها يحمل مزيجًا من الحذر والدهشة. وجدته يجلس بهدوء. نظر إليها وكأنه يحاول قراءة أفكارها قبل أن يقول: — كنت غلطان. رفعت حاجبيها بدهشة، لكنها لم تعلق. فأردف: — كل كلمة قلتها لك امبارح كانت غلط. كنت بعبر عن غضبي بطريقتي السخيفة. لكن الحقيقة... أنا مقدرش أنكر إنك وقفتي جنبي أكتر من أي حد. شعرت هدير ببعض الارتياح، لكنها أخفت ذلك وراء ملامح جامدة، وسألته ببرود: — وعرفت ده امتى؟ ابتسم بسخرية من نفسه: — عرفته لما مشيتي وسبتيني لوحدي. حسيت إنك الشخص الوحيد اللي فاهمني اقتربت هدير ببطء وجلست أمامه. تطلع إليها بنظرة بدت لأول مرة خالية من الغرور والجمود: — يمكن نكون بدأنا غلط، ويمكن في حاجات كتير بينا محتاجة تتصلح. بس... هدير، أنا مستعد أحاول، مش بس علشانك... علشاني أنا كمان. شعرت هدير بمزيج من المشاعر بين الرغبة في تصديقه والخوف من أن يكون مجرد كلام. لكنها قررت أن تمنحه الفرصة. بابتسامة خفيفة: — طيب، أنا معاك. نبنى حياتنا من جديد، وتنسى أميرة خالص؟!! ابتسم مقبلاً يديها: — أيوه، هنبدأ من جديد، وهنسى أميرة خالص. كان كل منهما على يقين أن الحياة التي تبدأ الآن لا تشبه أي حياة عاشوها من قبل. فكل لحظة عاشوها الآن معًا كانت وعدًا بأن الغد سيكون أفضل. مر وقت طويل وهما بنفس وضعيتهما، لم يتحرك أحد منهما. قاسم يغط في نوم عميق هروباً من الواقع، بينما ظل حسام ساكناً حتى لا يوقظ رفيقه، حتى غلبه النوم عنوة واستند برأسه على تلك الأريكة الخشبية المنزوية بعيداً. ملاذهما الوحيد في الشدة ومسكنهما وقت الفرح، دائماً ما تجمعهم متناسين العالم أجمع. بدأ حسام يستفيق من نومه ببطء، يرمش بأهدابه مرات متتالية، يحاول استيعاب أين هو. لوهلة ساد ذهنه فراغ قبل أن يعي. لقد غلبه النوم دون أن يشعر. أخذ ينظر حوله وعيناه تستقران على قاسم الذي ما زال مستغرقاً في نومه العميق، رأسه مستند على فخذه كأنه يبحث عن راحة ضائعة. استشعر حسام ثقل اللحظة وهدوءها فظل في مكانه بلا حراك، يخشى أن يوقظ رفيقه. وبعد مرور بعض الوقت، تذكر حسام أن والد قاسم قد أتى من سفره وبالتأكيد استقر في الفيلا. وإذا ذهب قاسم هناك دون أن يعرف ذلك، بالتأكيد سيتفاجأ وقد يثور غاضباً. فقرر إفاقته وإبلاغه بذلك، ربت على كتفه برفق: — قاسم.. قاسم اصحِ. بدأ قاسم يستفيق بتعب، رمش بأهدابه ببطء، اعتدل بإرهاق وجلس يستوعب الموقف، ناظراً إلى الساعة التي بيده: — هو إزاي أنا نمت كده؟ ما حسيتش بنفسي. معقول نمت كتير كده؟ ليه ما صحيتنيش؟ نجح حسام في رسم ابتسامة يخفي بها حزنه عليه: — لاقيت إن الأفضل أسيبك تصحى وحدك. أنا عارف إنك بقالك كام يوم مش بتنام كويس. نهض قاسم وهندم ملابسه، ناظراً إلى حسام: — يلا نمشي.. وياريت توصّلني الفيلا. حاسس إني لسه تعبان ومحتاج أرتاح بعيد عن جو المستشفى. توتر حسام قليلاً وتغيرت ملامحه، ظل ينظر يميناً ويساراً يفكر كيف يمنعه من الذهاب: — لأ بلاش تروح النهاردة. خليك معايا في المستشفى أو نروح عند ماما. وإن شاء الله بكره أوصّلك. إيه رأيك؟ تعجب قاسم من توتر حسام الظاهر عليه، ولكن ذهنه لم يكن صافياً. فانصاع لطلبه: — تمام.. بس خلينا نروح المستشفى أحسن. عايز أشوف أميرة. ذهبا معاً متجهين إلى المستشفى في حالة صمت. امتلك حسام التفكير في كيف سيخبره وماذا ستكون ردة فعله وكيف ستكون حالته. بينما ظل قاسم شارداً في تفكيره وإحساسه بالعجز الذي تملكه بسبب عدم صحو أميرة من الغيبوبة بعد كل تلك المدة ومحاولاته الكثيرة التي باتت بالفشل من وجهة نظره. فقد أنقذ الشركة ووضعها بات أفضل بكثير، حتى طبياً فعل كل ما بوسعه والتزم بكل التعليمات التي تساعدها في زوال تلك الغيبوبة. فماذا بعد؟ لما كل هذا الاستسلام منها؟ ألم تمتلك قلبه فأرغم دموعه على السيلان دون أن يعي؟ وصلا إلى المستشفى وترجل قاسم ولا يزال شارداً. اقترب منه حسام تردد كثيراً ولكنه حسم أمره: — قاسم.. في حاجة مهمة لازم تعرفها. سأل قاسم بقلق: — فيه إيه؟ حصل حاجة؟ أشار له حسام بالجلوس على ذلك المقعد القريب، أخذ نفساً عميقاً: — والدك رجع من السفر.. وأنا مش عارف إذا كنت مستعد تشوفه دلوقتي ولا لأ. عقد قاسم ذراعيه أمام صدره، وعيناه تشتعلان بمزيج من الغضب والألم: — رجع؟ ومين قال إنه كان غايب عني أصلاً؟ هو موجود دائماً في كل لحظة حرمان، في كل ذكرى بتوجعني. اقترب حسام منه، واضعاً يده على كتفه: — عارف إن الموضوع مش سهل عليك.. بس يمكن الوقت ده يكون فرصة تواجهه باللي جواك. المواجهة أحياناً بتكون الحل الوحيد. ابتسم قاسم بمرارة وهو ينظر بعيداً: — المواجهة؟ أنا واجهته كفاية يا حسام. كل مرة كنت الخسران. يمكن أحسن أروح وأنام بعيد عن كل ده. شد على كتفه بحنان: — صدقني هدعمك بأي قرار. أنا معاك دائماً. أومأ قاسم بصمت ونهض ليغادر، رغم محاولته الظهور متماسكاً كانت خطواته ثقيلة تحمل كل عبء السنوات الماضية وكل جرح لم يلتئم بعد. لم يعِ على حاله إلا وهو يقف أمام سريرها، ناظراً إلى جسدها الساكن بصمت قاتل. تسلل اليأس إليه وتملك تفكيره فانهار باكياً، جاثياً على ركبتيه، مسنداً رأسه على سريرها يحدثها بصوت حزين مرتعش: — أرجوكي قومي.. محتاجك جنبي.. محتاج أستقوى بيكي. أنا ما صدقت قلبي حس بالأمان والحنان من نظرة عينك.. ليه أوهمتيني بنظرتك ورميتيني في وجع جديد؟ صمت ولم يكمل حديثه، تخلله شعور باليأس الشديد. نهض ببطء تاركاً إياها، متجهاً إلى غرفته. تسطح على فراشه بإهمال، مثبتاً عينيه للأعلى والدموع تسيل. كان ماهر رسلان يجلس في المكتب الخاص به الموجود داخل فيلا رسلان، ينفخ دخان سيجارته بتأفف بنظرات غاضبة: — إزاي ما يجيش يستقبلني في المطار؟ كويس إن مراتي وأخواته هيتأخروا في الرجوع كام يوم. أنا ليَّا تصرف تاني معاه لما يرجع. يا هنيه.. اتصلي بيه حالاً.. خليه يجي فوراً. انتفض جسدها من صوته الغاضب، ناظرة إلى الأرض بخوف وقلق مما هو آت: — اسفه يا باشا.. الغلط عندي. هو ما يعرفش إن حضرتك رجعت. أنا نسيت أبلغه بمعاد وصولك.. قاسم بيّه ملوش ذنب. نهض من كرسي مكتبه بغضب متجهاً للخارج، متجاوزاً تلك التي تيبس جسدها مكانه، عازماً على أن يذهب إلى قاسم في المستشفى ليراه هناك في أقرب وقت. كان خالد يجلس خلف مكتبه الفخم في إحدى شركات ألمانيا، ينظر إلى التقارير المالية المكدسة أمامه. وجهه متجهم وأفكاره تتصارع داخله. دلف إلى المكتب المحامي الذي تثق به ليليان، جلس في المقعد المقابل لمكتبه قائلاً بهدوء ممزوج بالحزم: — سيد خالد.. الوضع معقد لكن لدي خطة واضحة لإعادة الأمور إلى نصابها. علينا أن نتصرف بسرعة قبل أن تتفاقم الأزمة. قطب خالد حاجبيه بضيق قائلاً بنبرة صارمة: — وأنا لدي خطة أيضاً.. لكنها لا تشمل وجودك أنت هنا. بفضل ليليان.. لكن لا تظن للحظة أنك المسؤول الأول. نظر له المحامي بثقة شديدة: — وجودي هنا ليس اختياراً شخصياً، بل لأنني أعرف الشركة أكثر من أي شخص آخر. ليليان تثق بي لأنني أثبت نجاحي. إذا أردت النجاح عليك أن تثق بي أنت أيضاً. نهض خالد من مكانه بغضب واقترب بخطوات بطيئة منه يهدده بكل هدوء: — الثقة كلمة كبيرة.. وأنا لا أستخدمها مع الغرباء. لن أنكر أنك تعرف الكثير.. لكن لا تنسَ أنك موظف هنا وأنا صاحب القرار. قراراتك ليست ملزمة لي. حاول المحامي التمسك بهدوئه لأقصى درجة، ناظراً إليه بثبات: — القرار لك بالطبع.. لكن لا تنسَ أن الوقت ليس في صالحنا. الشركات تخسر يومياً، وأي خطأ الآن سيكلفنا كثيراً. التزم خالد بالصمت لثوانٍ ثم أشار بيده لإنهاء النقاش قائلاً ببرود: — اخرج.. لدي أمور أهم لأفكر فيها. ألقى المحامي نظرة ثقة وثبات ثم غادر في هدوء، وهو على يقين أن وجوده بالشركة رغماً عن خالد، ولن يستطيع أن يطرده بسهولة. فهو يعلم جيداً مدى تمسك ليليان بوجوده وثقتها، ولن تسمح لوالدها أن يطرده. بعد خروج المحامي، ظل خالد في المكتب يتكئ على المكتب ويضع يده على رأسه، مشغولاً بصراعه الداخلي، محدثاً نفسه: — دلوقتي لازم أنقذ شركات ألمانيا.. حتى لو اضطررت إني أشتغل مع المحامي ده . وبعدها أروق لشركة الأنصاري. أقسم إن أول حاجة هنهيها أول ما يستقر وضع الشركات هنا وأتخلص من المحامي الزفت ده. أمسك بعض التقارير القادمة من مصر، ارتسم على وجهه الغضب والتوتر. ضغط على زر بجهاز الاتصال الداخلي لاستدعاء مساعده الشخصي قائلاً له بحزم: — جهز لي اتصالاً مع حازم وهدير فوراً. بعد لحظات ظهر حازم وهدير على شاشة الفيديو، قلقين من ملامح وجهه الغاضبة، فصاح خالد بنبرة غاضبة: — كنت أتوقع شغل أحسن من كده.. لكن اللي حصل في غيابي كان زي الزفت. قلتلكم إن شركة الأنصاري هدف لازم أوصله.. ومش مسموح بأي تهاون.. ورغم كده ما عملتوش اللي اتفقنا عليه. ابتلع حازم ريقه بخوف: — خالد باشا.. احنا حاولنا ننفذ تعليماتك بالحرف.. لكن الأمور اتعقدت أكتر.. وقاسم... قاطعه خالد بحدة: — مش عايز أسمع اسم قاسم إذا كنتم عاجزين عن مواجهة موقف بسيط.. أنا مش عايز أعذار.. أنا عايز فعل. نظرت هدير إلى حازم وأمسكت بيده لتطمئنه قليلاً، قائلة بتوتر: — يا خالد باشا.. الوضع في شركة الأنصاري عايز خطة كبيرة مدروسة.. واحنا عملنا كل اللي نقدر عليه. نظر لهم باستنكار وابتسامة ماكرة: — كل اللي أنتم عملتوه وقدراتكم ما كانتش كافية ليا.. أعتقد إنكم مش قد المسؤولية.. ويا الظاهر إني غلطت إني كلفتكم بحاجة فوق قدراتكم العقلية.. من دلوقتي مش عايز أي تدخل منكم.. أنا بنفسي هتعامل بطريقتي لما أرجع. اتسعت عينا هدير بخوف متسائلة: — حضرتك تقصد إيه يا باشا؟ نظرات خالد الغاضبة كانت تخرق قلوبهم فزعاً. شعر بهم فارتسمت ابتسامة خبيثة على شفتيه: — أقصد إني استغنيت عن خدماتكم.. يا أغبية. أغلق خالد الاتصال ثم التفت إلى نافذة مكتبه، ينظر إلى الأفق بتعبير ممتلئ بالعناد والغضب. كل ما بذلوه لم يكن كافياً. كان يعلم منذ البداية أنه لا يمكنه الاعتماد على أحد سوى نفسه. الآن، عليه ترك كل شيء في مصر معلقاً، والتفرغ لإنقاذ شركات ألمانيا. أما شركة الأنصاري.. سيعود إليها لاحقاً وسيأخذها بالطريقة التي يراها مناسبة. لا أحمد رشدي ولا حتى قاسم سيعترضون طريقه. ******************************* "أحببتُ طيفاً" گ / الهام عمر شكرا جزيلا من قلبى لكل من يدعمنى بالتصويت اسعدكم الله اينما كنتم 🌹❤️ أرجو لكم قراءه ممتعه ويسعدنى إبداء رأيكم ودعمكم بالتصويت ❤️🌹 استودعكم الله دمتم بخير وسعاده سالمين 🌹
إِلْهَامُ القَلَمِ