سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته -------------------------- مرت الأيام لا جديد فيها. قاسم منعزل تماماً، وحسام يغرق نفسه في العمل ليلاً ونهاراً. لم يحاول قط الاتصال بنهى رغم اشتياقه، فكرامته تأبى التهاون لفعلتها غير المبررة. يذهب من حين لآخر ليطمئن على قاسم، يحاول إقناعه بشتى الطرق أن يعود للعلاج مرة أخرى ولكن دون فائدة. ليليان تحاول التخفيف على حسام ظناً منها أنه متأثر بوضع قاسم، لأنه لم يحكي لها ما حدث بينه وبين نهى، فهو لا يعرف بالأساس ماذا أصابها ولماذا فعلت هذا. كان صراعه الداخلي كعاصفة هوجاء تجتاح عقله، تتلاعب بذكرياته وتتركه يختنق بين الحقيقة والهلوسة. كل نبضة قلب كانت تذكره بعبء الماضي، وكل فكرة كانت تعيده إلى نقطة الصفر، حيث يواجه وحشاً خفياً تملك منه: اضطراب ما بعد الصدمة الذي لم يفارق روحه. كان يجلس على تلك الأريكة المقابلة لسريرها، تارة ينظر إلى سكون جسدها، وتارة يغرق في شرود طويل، راجياً ظهور طيفها الذي لم يراه طيلة الأيام الماضية. نهض مستسلماً كعادته بعدما مر وقت كثير لم يعِ به، متجهاً للخارج ليبدأ صراعه اليومي مع نومه المليء بالكوابيس. نظر إليها نظرة سريعة قبل أن يغلق الباب، ولكنه ذهل وتسمر مكانه، لم يصدق ما رأى. هل هذا حقيقة أم خيال؟ أم وهم؟ اقترب منها بجسد مرتعش، بقدم ثقيلة ومشاعر مضطربة: — أ... أ... أميرة... أ... أنتِ ف... فاقتِ؟ صحي؟ اقترب أكثر حتى وقف مقابلها تماماً. نظر إلى الأجهزة، لكن الأرقام والبيانات بدت مبهمة. كيف يعقل أنه الطبيب ولا يفهم شيئاً الآن؟ نظر إلى جسدها الساكن مرة أخرى: — أنا شفت عينيكِ فتحتِ. معقول كنت بحلم؟ معقول كنت بوهم نفسي؟ سحب ذلك الكرسي وجلس، ناظراً إليها بعيون متسعة، منتظراً أن ترمش بأهدابها ولو قليلاً لمرة واحدة، حتى يتأكد من حقيقة ما رأى: — أنا متأكد إنكِ فتحتِ. أنا مش عارف... أنا ضايع ونسيت كل حاجة، كأن عمرى ما درست الطب. ظل هكذا ينظر إليها حتى غلبه النوم رغماً عنه. استيقظ على صوت أذان الفجر، توضأ وصلى، ثم رفع يديه برجاء ودموع تنساب من عينيه، يناجي الله بكل ما يؤلم قلبه، يطلب منه معجزة. بعد انتهائه، توجه إليها، ألقى عليها نظرة عميقة كأنه ينتظر شيئاً. انتفض قلبه فور رؤية رعشة يديها. نظر إليها بعين متسعة يكاد لا يصدق ما يرى، ولكن عادت رعشة إصبع يدها اليمنى، فتأكد أنه ليس وهماً بل حقيقة. انتظرها عاماً كاملاً. تحدث بصوت مضطرب: — أميرة... أنتِ سمعتيني؟ فتحت عينيها ببطء شديد، وصوت هامس يكاد يكون مسموعاً: — أنا فين؟ كانت إجابتها بمثابة معجزة طال انتظارها. انتفض قلبه فرحاً، دموعه تمتزج بضحكاته. جلس بجوارها: — أميرة... أخيراً أنتِ معانا هنا. عادت مرة أخرى لثباتها، ولكن هذه المرة كان مطمئناً، فهذا طبيعي وقريباً ستستعيد بكامل وعيها. تركها هرول مسرعاً، وصل لمكتب حسام بثوانٍ، فتح الباب دون أن يطرق. اندهش حسام، تملكه الخوف للحظة، اقترب منه قائلاً: — إيه يا قاسم؟ مالك؟ إيه اللي حصل؟ أسند قاسم ذراعه على كتف حسام والتقط أنفاسه: — أميرة... أميرة فاقت يا حسام. تلاشى خوفه واتسعت عيناه، اندهش متسائلاً: — انت بتتكلم جد يا قاسم؟ طيب إمتى؟ انت متأكد؟ احتضنه قاسم بشدة مبتسماً: — طبعاً متأكد... أنا قلبي طاير من الفرحة. ابتعد عنه قليلاً، اتسعت ابتسامته فور رؤية فرحة عيون رفيقه، متناسياً حزنه: — مبروك يا قاسم... مبروك يا حبيبي... أخيراً ربنا استجاب لدعائك. أخذ بذراعه وتوجها إلى تلك الأريكة الجلدية الموضوعة بركن مكتبه وجلسا. اتسعت ابتسامة قاسم ضاحكاً: — آه يا حسام... أخيراً بعد ما كنت فقدت الأمل. ربنا كرمه ورحمته بيا كبيرة أوي. تساءل حسام بتعجب: — انت إزاي سبتها بعد ما فاقت؟ دا انت كنت مستني اللحظة دي بقالك سنة. اتكأ بظهره للخلف مسنداً رأسه، ناظراً إلى سقف الغرفة: — ماهي رجعت نامت تاني. وقبل ما أجي، بلغت وداد تراقبها بعد ما أديتها حقنة تساعدها على الإفاقة. على الأقل معاها ساعتين تلاتة. اتكأ حسام مثله للخلف، ولكنه سرعان ما اعتدل كأنه تذكر شيئاً: — انت بلغت نهى؟ قصدى يعنى عمو أحمد وطنط نوال ولا لا؟ اعتدل قاسم بجلسته ونظر مبتسماً: — لسه مبلغتش. فرحتي نستنى نفسي. بلغ انت نهى. لم يرد حسام أن ينغص فرحة قاسم بخلافه مع نهى، فابتسم: — تمام... أنا هبلغهم. نهض قاسم متجهاً للخارج: — خلاص... أسيبك أنا دلوقتي وهروح عند أميرة، أفضّل جنبها لحد ما تصحى. تركه وغادر وسط حيرته: كيف سيبلغ نهى؟ كيف يتصل بها بعد فعلتها؟ حسم أمره وهاتف أحمد رشدى وأبلغه بما حدث، الذي فرح كثيراً بهذا الخبر السعيد الذي طال انتظاره. أشرقت الشمس تداعب بأشعتها عينيها التي مازالت مغمضتين. كانوا يلتفون حولها بقلوب مليئة بالشوق، وعيونهم متسعة، ونبضاتهم تتسارع من رهبة الانتظار. رمشت بأهدابها تحاول فتح عينيها المثقلتين، تهمس بصوت ضعيف: — أنا فين؟ ارتسمت الابتسامة على وجوههم، ناظرين لبعضهم البعض مرددين بصوت واحد: — الحمد لله يا رب... نحمدك ونشكر فضلك. اقتربت منها نهى وارتمت تحتضنها: — الحمد لله... إنك بخير يا عمري. بينما اقتربت نوال ومسحت على رأسها، ناظرة إليها بحب، ثم مالت وقبلت وجنتيها بحنان: — فاقتي يا حبيبي قلبي... ونورت ابتسامتك من تاني. التف أحمد رشدى من الناحية الأخرى، ممسكاً يدها يقبلها بحب، ناظراً إليها بشوق: — الحمد لله... ربنا استجاب دعانا ورجعتي من تاني لينا يا غالية. وزعت عليهم نظرات الاستغراب، متسائلة بصوت ضعيف: — هو إيه اللي حصل؟ تدخل قاسم وطلب منهم الابتعاد قليلاً، ثم اقترب منها ووجه حديثه إليها: — ممكن أعرف اسمك بالكامل؟ انتقلت نظرتها إليه: — أميرة صفوت الأنصاري. ابتسم مردفاً مشيراً بيده عليهم: — تعرفي مين دول؟ نظرت إليهم بابتسامة هادئة: — طبعاً دول أهلي... عمو أحمد وطنط نوال ونهى. اطمأن باله مكملاً: — أنتِ حاسة بأي ألم؟ تقدرى تحركي إيدك؟ ألقت نظرة سريعة على جسدها، تحاول تحريك قدمها قليلاً: — حاسة بتنميل في جسمي ودوخة خفيفة. طمأنها مبتسماً: — متقلقيش... ده طبيعي لحالتك. كام يوم وهتبقي زي الفل. رفعت رأسها قليلاً وأرجعتُها مرة أخرى، ثم أسندتها بيدها قائلة بلهفة: — حازم.... حازم فين؟ طمنوني... هو عامل إيه؟ تعجب جميعهم من سؤالها، وارتسمت الدهشة بملامح وجوههم. عدا قاسم الذي صعق مما تفوهت به للتو، زلزل قلبه يتألم، ولكنه تماسك لأبعد حد. كاد أن يتحدث لولا سؤال نهى: — قصدك إيه يا أميرة؟ بسؤالك عن حازم؟ أغمضت عينيها مرة أخرى لثوانٍ وفتحتهما ببطء: — حازم كان معايا وقت الحادثة. تحول غضبه الدفين إلى تعجب، ودارت التساؤلات بفكره: إزاي كان معاها؟ وهي وحدها كانت في العربية في شيء مش مفهوم. تمسك بهدوئه لأبعد حد رغم انكسار قلبه، ممسكاً يدها يتابع نبضها: — تقدرى تقوليلي تاريخ النهاردة باليوم والشهر والسنة بالظبط؟ وتحكيلى تفاصيل الحادثة؟ — أجابته بتلقائية وهدوء: — 2022/12/26. ساور الشك تفكيره بشيء ما، ولكنه أراد أن يتأكد بسؤال: — ممكن تحكيلى بالتفصيل آخر حاجة قبل الحادثة؟ فأضافت بهدوء قائلة: — كنت بتغدى أنا وحازم برا، وحسيت بدوخة، وحازم أصر أنه يرجعني البيت وهو اللي ساق العربية بدالي. كنا بنتفق على معاد الخطوبة، وكتب الكتاب، وحازم من فرحته ما كانش منتبه للطريق. في اللحظة دي خبطنا في الرصيف. شعر وكأن قلبه غرق في بحر من الوجع، ولكنه تماسك. الآن هو الطبيب المسؤول عنها ليس إلا. تأكد ظنه بما كان يجول في خاطره، فنظر إلى الممرضة مشيراً لها بالاهتمام بأميرة، مقترباً من أحمد رشدى يهمس: — ممكن يا عمى انت وطنط ونهى تتفضلوا معايا وتسيبوا أميرة تستريح. انصاع الجميع لطلبه مندهشين مما قالته أميرة. غادروا قبله. وقبل أن يغادر، التف ينظر لها مبتسماً بقلب يعتصر وجعاً من خوفها الواضح على ذلك الحازم: — اطمئني يا آنسة أميرة... أستاذ حازم بخير. ارتاحي دلوقتي. أغلق الباب خلفه كأنه يغلق وجعه داخل قلبه النازف. توقف لحظات يلملم شتات نفسه الممزقة، يسير بخطى ثقيلة. نظر نحوهم، واتجهوا جميعاً إلى مكتبه. دلفوا سوياً. أشار إليهم بالجلوس على ذلك الأنتريه الجلدي. جلست نوال ونهى بالأريكة الموضوعة مقابلهم. جلس أحمد رشدى على ذلك الكرسي ثم جلس قاسم بمقابلته متحدثاً بهدوء ومهنية: — مش عايزكم تقلقوا... اللي بتمر بيه أميرة طبيعي وارد إنه يحصل لحالات الغيبوبة اللي حصل لأميرة. فقدان ذاكرة بسبب ضغط نفسي أو صدمة نفسية اتعرضت ليها قبل الحادثة، وأظن نهى قالت إنها كانت خارجة منهارة من الشركة. — أميرة بتعاني من فقدان ذاكرة انتقائي. بمعنى إن عقلها حذف فترة السنة اللي قبل الحادثة لحماية نفسه من ألم الذكريات. علشان كده ذاكرتها وقفت عند حدث من الماضي بتعيش فيه كأنه حاضر. ومع العلاج النفسي والدعم العاطفي منكم طبعاً، الذاكرة هترجع ليها تدريجياً. تساءل أحمد رشدى بقلق: — هي هتفضل كده كتير؟ والعلاج النفسي هياخد وقت قد إيه؟ تحدثت نهى بصوت مختنق: — طيب هي هتتقبل فقدان الذاكرة ده إزاي؟ والمفروض إحنا نتعامل إزاي مع حالتها دي؟ تنهد بعمق محاولاً التمسك بهدوئه: — الأفضل إنكم تتعاملوا بالحاضر بتاعها كأنه الوقت الحالي. ومتضغطوش عليها نهائي. لازم تحس بالأمان وتطمن وتبعد تماماً عن التوتر. ومع الوقت هتعرف الحاضر الفعلي بشكل تدريجي مع متابعة الطبيب النفسي. ولازم كمان تتابع مع دكتور العلاج الطبيعي. ربتت نوال على كتف نهى التي انهمرت الدموع من عينيها، ثم نظرت إلى قاسم متسائلة: — هي هتخرج إمتى يا قاسم؟ صمت قاسم شارداً. لم يأتِ بتفكيره مغادرتها المستشفى، أو بمعنى أصح لم يستعد لذلك مطلقاً. ولكن كونه طبيباً يحتم عليه التفكير بما يفيدها كمريضة. فاق من شروده على صوت نوال وهي تكرر سؤالها. تبسم بهدوء قائلاً: — لازم أولاً تخضع لتخطيط كهربائي للدماغ (MRI) وكمان رنين مغناطيسي (EEG) علشان نتأكد إن الدماغ سليم تماماً. وطبعاً هتابع مع الدكتور النفسي اللي بالمستشفى، لأنه من أمهر الأطباء في مصر. فممكن تفضل فترة أسبوعين أو 4 أسابيع كحد أقصى علشان نتابع حالتها الجسدية والنفسية بصفة مستمرة. توتر أحمد رشدى فتساءل بخوف: — طمني يا قاسم... هي هتقدر تتحرك طبيعي؟ ولا ممكن نومها على السرير الفترة دي كلها أثرت عليها؟ تفهم قاسم خوفه فطمأنه قائلاً: — متقلقش يا عمى... أميرة كانت بتخضع لعلاج طبيعي من وقت ما نقلتها الجناح. بس لازم تكمل فترة علاج طبيعي وتأهيل. ساد الصمت دقائق. ينظرون بعضهم البعض كأنهم يواسون أنفسهم بأن يكفي أنها بخير واستعادت وعيها، وأن القادم أجمل إن شاء الله. ولكن قاسم كان يتألم في صمت. فالآن سيفارقه جسدها كما فارقه طيفها من قبل. بلحظة لمعت فكرة برأسه أرغمته على الابتسام رغم حزنه، قائلاً: — عندي اقتراح ليكم... حرية القبول أو الرفض، لكنه هيفيد أميرة. في ملحق بالمستشفى للتأهيل الطبي على أحدث مستوى. هتخضع فيه أميرة للعلاج الطبيعي وكمان رعاية نفسية مكثفة وتغذية علاجية مهمة جداً علشان تتعافى جسدياً بشكل صحي. يعني هتكون تحت رعاية طبية بصفة مستمرة. تطلع إليهم بلهفة ينتظر ردهم على اقتراحه. تركهم وابتعد خطوات وجلس على كرسي مكتبه. بعدما نهض أحمد رشدى وجلس بجوار نهى ونوال يتشاورون في بقاء أميرة بمركز التأهيل الخاص بمشفى قاسم أم إلحاقها بمركز تأهيل آخر. أمسك قاسم بعض الأوراق ليترك لهم حرية الاختيار، غارقاً في صراع داخلي يتخبط بين الألم والحزن. فقد انهار عالمه الخيالي الذي كان يعيشه، والذي استيقظ منه على صفعة مؤلمة من ملكت قلبه عندما تذكرت فقط غريمه ذلك الحازم الذي تساءلت بلهفة عليه. فقد كان سؤالها خنجراً طعنت به قلبه دون أن تدرى. نهض أحمد رشدى من جوارهم وخطى متجهاً إلى قاسم وجلس بالكرسي المقابل له متسائلاً: — عندي سؤال... إجابتك عليه هي اللي هتحدد قرارنا. المهم يا بني تجاوبني بصراحة. — ترك قاسم الملف الذي بيده ناظراً إليه باستغراب ممزوج بالقلق: — اتفضل يا عمى. ألقى أحمد رشدى نظرة خاطفة لنوال كأنه يستمد منها العون ليكمل حديثه: — انت دلوقتي هتتعامل مع أميرة إزاي؟ أقصد تعاملك معاها هيكون كطبيب مسؤول عن حالتها، ولا كقاسم اللي بيحبها؟ يا ريت تعذرني وتقدر قَلقي وخوفي عليها. ارتسمت على ثغره ابتسامة استنكار رغم عنه، ولكنه أدرك حاله سريعاً وتحولت ملامحه للجمود، كأنه للتو اغتال بداخله ذلك القلب العاشق. والآن فقط هو الدكتور قاسم رسلان: — يا ريت يا عمى تطمن... أميرة مريضة عندي بالمستشفى، وعلاقتي بيها علاقة طبيب بمريضة مش أكتر. تعجب أحمد رشدى من ردة فعله وحديثه غير المتوقع. وعلى الرغم من ذلك، انحسم قراره ونهض مشيراً لنوال ونهى حتى يغادرا: — تمام يا قاسم... طمنتني. خلاص قررنا إن أميرة هتكمل فترة علاجها هنا بالمستشفى، وهتكون المسؤول الأول والأخير قدامي عن أي تقصير أو تأخير في علاجها. شعر بسعادة غمرت كيانه للحظات، ممتناً لموافقتهم: — اطمن يا عمى... وإن شاء الله هكون قد المسؤولية. غادر أحمد رشدى ونوال ونهى متوجهين للعودة إلى أميرة. وظل قاسم بالمكتب، الذي فور خروجهم أغلق على حاله متجهاً لتلك الأريكة وارتمى بجسده عليها. تارة يضحك بشكل هستيري من سعادته بإفاقتها وبقائها بجواره، وتارة يبكي بمرارة نابعة من ألم قلبه بسبب حبها ولهفتها لغيره. ظل هكذا بضع دقائق إلى أن هدأ قليلاً وانتصرت دموعه الحارقة لروحه يحادث نفسه بوجع: — معقول عشت نفسي في وهم كبير؟ خدعت قلبي وكسرت حصونه علشان كذبة؟ غرقت قلبي وروحي في بحر من الأحلام؟ قوم يا قاسم من خيالك المريض! بس إزاي؟ كل اللي حصل ده كذبة؟! سمع صوت طرق على الباب. وكان حسام. نهض وفتح الباب وعاد إلى جلسته، واتبعه حسام وجلس بمقابلته، والحيرة والقلق يسيطران عليه: — اللي سمعته ده صحيح؟ وداد الممرضة قالت إن أميرة جالها فقد ذاكرة وعقلها توقف عند ذكرى من سنتين. طأطأ رأسه بحزن: — صح... عقلها حذف سنة قبل الحادثة ووقف عند ذكرى كانت بتحدد معاد خطوبتها وكتب كتابها على حازم. وحصل وقتها حادثة. اندهش حسام وانتابه شعور بالحزن على صديقه: — يعني إيه؟! هي مش فاكراك ولا هتفتكرك؟ ضحك باستنكار قائلاً: — تفتكرني؟! هو أنا أصلاً كنت جزء من حياتها علشان تفتكرني؟! شعور بالتعجب ممزوج بالصدمة انتاب حسام فتساءل: — مش فاهم... هو انت مش كنت تعرف أميرة قبل الحادثة؟!! تشتت ذهن قاسم من حديثه. ظل يفكر ثوانٍ ثم أردف: — انت كنت فاكر إني كنت أعرفها ومخبي عنك؟! ولا انت مكنتش متخيل إني حبيتها من أول نظرة واتعلقت بيها كل لحظة أكتر من اللي قبلها؟ ولا مكنتش مصدق إني بشوف طيفها أكلمه ويكلمني كأنها حقيقة قدامي؟ ساد الصمت بينهم. حسام مصدوم مما تفوه به قاسم. لم يعد قادراً على استيعاب أي شيء. وقاسم يتخبط بين أفكار غريبة لم تكن في مخيلته، وتساؤلات عديدة طرأت عليه. فتحدث رغمًا عنه بعدما الحت بعقله فكرة صدمت وشلت عقله: — معقول كل ده بسبب أدوية الاكتئاب اللي كنت باخدها بعشوائية؟ صعق حسام مما سمع، يكاد لا يصدق: — انت بتقول إيه؟! أدوية اكتئاب إيه يا قاسم اللي كنت بتاخدها؟ إمتى؟ وليه خبّيت عليا؟ انتابت قاسم هستيريا ضحك شديدة لدرجة لم يشعر ولم يسمع بحسام وهو يمسكه من ذراعه ويحدثه. إلى أن توقف فجأة عن الضحك قائلاً بوجع طغى على صوته: — أحببتُ طيفاً... 💔 احتضنه حسام بشدة، يمسد على ظهره: — انت إزاي تعمل في نفسك كده؟ انت دكتور وعارف إن أدوية الاكتئاب ليها تأثير عكسي لو اتعملت من غير متابعة دكتور نفسي. يعني كل اللي عشته ده هلوسة من أدوية الاكتئاب؟ ابتعد حسام قليلاً عنه كأنه تذكر شيئاً: — بس إزاي؟ طب عقود الشركة؟ في حاجة مش فاهمها. أخرج قاسم تنهيدة طويلة كأنه يخرج كل الألم والحزن من داخله، متذكراً أشياء كثيرة: — طب إزاي؟ كل حاجة حصلت كانت حقيقة... بس برده عقلي ممكن يكون لعب بيا؟ حاجات كتير قربتني ليها... بس ممكن كلها تكون بسبب الأدوية؟! غلبه الصمت. تتصارع أفكاره بنظرات مضطربة. تهتز قدمه لا إرادياً. طأطأ رأسه محدثاً نفسه: — هي كانت حلم؟! ولا أنا خليت الحلم واقع؟ هو كل اللي بنيته كان على أساس هش؟ حزن حسام بشدة لما وصل إليه قاسم من انهيار وتخبط بمشاعره: — مهما حصل، اللي عملته مش وهم... انت فعلاً وقفت معاها وواجهت مشاكل كتير علشانها. استمر قاسم في صمته. نظر إلى حسام بعينين غارقتين في التعب والاضطراب. لم يكن بحاجة إلى السؤال ليعرف حسام الإجابة. كانت كل التفاصيل واضحة كالشمس. ارتكز حسام بظهره إلى الكرسي وأخذ نفساً عميقاً، ثم قال بحزم: — يا قاسم... عاوزك تفهم حاجة. أميرة دلوقتي محتاجة لك كطبيب، مش كإنسان بيحبها. لو قلبك كان موجوع من اللي سمعته ده، ما يمنعش إنك لازم تكون قوي علشانها. رفع قاسم رأسه ببطء، ينظر إلى حسام بنظرة خاوية، وكأن الكلمات لم تجد طريقها إليه. قال بصوت خافت: — أنا مش قادر يا حسام... قلبي موجوع مش من كلامها، لكن من الحقيقة اللي اكتشفتها فجأة. كنت فاكر إن وجودها في حياتي كان رسالة من ربنا... لكن الحقيقة إنها كانت بعيدة عني طول الوقت. اقترب حسام منه وربت على كتفه بحنان: — يا قاسم... مش مهم مين كانت بتحب أو بتفكر فيه قبل الحادثة. المهم دلوقتي إنت هتعمل إيه؟ هتفضل غارق في وجعك؟ ولا هتكون الطبيب اللي أميرة محتاجاه؟ ظل قاسم صامتاً لبرهة، ثم تنهد بعمق وقال: — أنا مش هقدر أتخلى عنها... حتى لو كانت مش شايفاني، هافضل معاها لحد ما تسترد عافيتها. ابتسم حسام بخفوت: — وده اللي كنت متوقعه منك. كمل شغلك. سيب الأيام تحل كل حاجة بطريقتها. ولازم ترجع تتابع مع الدكتور وائل. أمال قاسم برأسه موافقاً. ونهض حسام مغادراً، تاركاً قاسم في صراع بين قلبه وواجبه. وبينما عاد قاسم إلى مكتبه، كان يعلم أنه عليه أن يحافظ على مسافة بين قلبه وعمله رغم الألم الذي يتسلل إلى كل نبضة. حسم أمره وقرر أن يكون كما كان دوماً قبلها: الطبيب قاسم رسلان. "لم أكن أعلم أن القلب يمكنه أن يُحب بهذا القدر، أن يتحمل ألم الشوق والبعد ويظل ينبض بالولاء. كنتِ لي الحياة رغم المسافات، كنتِ لي الوطن رغم كل الغُربات." *د. عمرو عبد الحميد* ******************************* "أحببتُ طيفاً" گ / الهام عمر شكرا جزيلا من قلبى لكل من يدعمنى بالتصويت اسعدكم الله اينما كنتم 🌹❤️ أرجو لكم قراءه ممتعه ويسعدنى إبداء رأيكم ودعمكم بالتصويت ❤️🌹 استودعكم الله دمتم بخير وسعاده سالمين 🌹
إِلْهَامُ القَلَمِ