ثبات زائف

ثبات زائف

23 0

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته -------------------------- مهما كبرنا وتظاهرنا بالثبات والقوة، تظل مشاعرنا المضطربة تعصف بداخلنا كلما تسلل الضعف إلى أعماقنا. تؤلمنا... مهما مرت السنوات واشتعلت رؤوسنا شيبًا، سنظل أطفالًا عند شوقنا لأحضان آبائنا. سنظل دائمًا بحاجة إلى الشعور بهذا الحنان والأمان النابع من قلوبهم. فكيف بمن حُرموا من هذا منذ نعومة أظفارهم؟ بعدما انتهى حسام من ارتداء ملابس مناسبة للخروج، ذهب لإحضار القهوة. وأثناء مغادرة الطابق الخاص بسكن الأطباء، توقف فجأة عندما سمع صوتًا يصدر من الغرفة المجاورة له، التي تخص ليليان. فاقترب أكثر وطرق الباب بدقات خفيفة، ولكن لم يأته رد، بل سمع شهقات مكتومة. فأصابه القلق، فطرق الباب عدة مرات أخرى دون جدوى. فازداد شعور القلق بداخله، ففتح الباب ببطء شديد. عندما رآها تجلس على الأرض ممسكة بوسادة تخبئ وجهها وتكتم شهقات الألم الخارجة منها، لم يتحمل رؤيتها هكذا. نُغصة تملكت قلبه، فدلف مسرعًا إليها وجذبها من ذراعيها محتضنًا إياها دون وعي أو تفكير لهذا الخطأ الكبير الذي ارتكبه للتو. فهو لا يحق له فعل ذلك، لكن مشاعره هي التي سيطرت عليه. شدّد حضنها تحت استسلامها، وشهقاتها التي تعلو أكثر فأكثر، والدموع المنهمرة من عينيها بغزارة كانت السكين الذي ينغرز في قلبه. وهو لا يعلم لماذا يشعر بكل هذا الألم عليها دون تفكير فتحدث بصوت مختنق: — اهدئي، أرجوكِ... إيه اللي حصل وصلكِ للحالة دي؟ طمئنيني، متوجعيش قلبي عليكِ. فور أن سمعت ليليان كلماته التي أثلجت قلبها، تشبثت أكثر بحضنه كالغريق الذي يتشبث بطوق النجاة، متحدثة بصوت بالكاد يُسمع بسبب الألم النابع من قلبها: — مش قادرة أتحمل أكتر من كده... مش هقدر أكمل كده. لم تكمل حديثها وزاد بكاؤها، فربت على ظهرها بحنان ممزوج بالحزن عليها قائلًا: — طب اهدي علشان خاطري، وبطلّي عياط. مش قادر أتحمل أشوفكِ كده يا حبيبتي. ابتعدت عنه قليلًا وهي ما تزال متشبثة بحضنه، تنظر إليه بحب لا تدري كيف تشعر به، قائلة: — أنا مخنوقة أوي يا حسام... من الوضع اللي أنا فيه. وحاسة أنه مفيش أمل. عافرت ولسه بعافر بقلبي علشان ما أحسش بوجع الفراق، لكن خلاص... قلبي تعب والوجع سيطر عليه. مبقتش متحمله، وإحساسي بالوحدة بيقتلني في اليوم ألف مرة. حاوط وجهها بين يديه، ناظرًا إلى عينيها بحب وحنان: — يا حبيبتي، أنتِ مش لوحدك. اطمئني، أنا جنبكِ، وماما بتحبكِ. يعني مش لوحدكِ. اهدي بقى، واحكيلِي إيه اللي زعلكِ أوي كده؟ عاود احتضانها بحنان لتهدأ هي وتستكين بين ذراعيه باستسلام، بشعور غريب لم تشعر به من قبل، لكنه جميل. كل هذا يحدث تحت أنظار تلك المصدومة المتألم قلبها، فلقد رأت كل شيء بسبب تركه الباب مفتوحًا قليلًا من أول لحظة، ومن أول كلمة إلى احتضانه الذي تستكين فيه بين ذراعي زوجها. فصدمتها أُلجمت لسانها وقدميها، فلم تستطع التحرك، وظلت تستمع لحديثهما بقلب يدمى من شدة تألمه. جاهدت نفسها بصعوبة، فتحركت بخطوات بطيئة جدًا بجسد ثقيل كأنها تحمل جبالًا من الهموم. ظلت هكذا تائهة متألمة منكسرة، تسير بخطوات غير منتبه لها، حتى خرجت من المستشفى. وفور استنشاقها الهواء الطلق، هرولت مسرعة إلى سيارتها وقادتها بسرعة، لا تدري كيف وصلت لبيتها، ولا كيف ومتى دلفت لغرفتها، لترتمي على فراشها تبكي بصوت موجع ودموع تقطع نياط قلبها. وما إن رأتها نوال وهي تهرول إلى غرفتها بهذه الحالة، ذهبت إليها مسرعة لتطمئن عليها. دلفت إلى غرفتها واقتربت وجلست على الفراش بجوار ابنتها، متحدثة: — فيه إيه يا نهى؟ إيه يا قلب ماما؟ بتعيطي ليه كده؟ مش كنتي خارجة أنتِ وحسام تتغدوا برا؟ إيه اللي حصل؟ اعتدلت بجسدها وألقت بنفسها في حضن والدتها بألم ينبع من أعماق قلبها: — حسام يا ماما... حسام طلع إنسان مش محترم وخاين وكذاب انزعجت نوال مما سمعت، ولم يصدق عقلها ما تفوهت به ابنتها، فقالت بضيق شديد: — إيه اللي بتقوليه ده يا نهى؟ عيب يا بنتي! ما يصحش! أكيد أنتِ فاهمة غلط. جوزك محترم ومؤدب وبحبك. أكيد فيه سوء تفاهم. احكيلِي إيه اللي حصل؟ لم يعجبها موقف والدتها، فكيف تكون في صف ذلك الخاين؟ فتركت حضن والدتها وتحدثت بألم وانفعال: — حسام مش بيحبني حسام طلع كذاب وخاين والله يا ماما، أنا شوفته بعيني وسمعتهم كل كلمة كانت بتقطع في قلبي ردت عليها نوال بهدوء: — بهدوء كده، واحكيلِي إيه اللي حصل بالظبط، وبطلي عياط علشان أفهم. حاولت أن تكف عن البكاء لكن لم تستطع، فدموعها تنساب منها دون إرادتها. فجاهدت لتتحدث بصوت هادئ: — أنا حبيت أعمل لحسام مفاجأة وأروح له المستشفى، وبعدها نطلع نتغدى سوا. فما اتصلتش بيه ولا عرفته إني رايحاله. وصلت المستشفى وسألت عليه في الاستقبال، عرفت إنه لسه منزلش من الأوضة الخاصة بيه في سكن الأطباء. ففكرت أفاجئه بنفسي وأطلع عنده. وفعلاً عملت كده، وقبل ما أوصل لعنده، لاقيت باب أوضته مفتوح. سمعت صوته، فقلت أكيد دي أوضته. قربت من الباب علشان أخبط ، بس اللي شفته خلاني أتْصَدَّمْ وأتْثَبَّت مكاني، مش قادرة أتحرك... لم تستطع إكمال حديثها، واشتد وجع قلبها وزاد بكاؤها. فاقتربت نوال منها تحتضنها بحنان وتمسح على ظهرها: — اهدي يا نهى يا قلب ماما، وحاولي تحكيلِي بهدوء وبالراحة. تحدثت بصوت باكٍ موجوع: — شفتهم في حضن بعض شفت قد إيه هو بيحبها سمعت كلامهم اللي دبحني اتخرست وماقدرتش أنطق، لكن قلبي كان بيصرخ من الوجع. ما قدرتش أواجهه وأسأله ليه عمل فيَّ كده وأكملت حديثها وقصت على والدتها كل ما سمعته ورأته ببكاء مرير، فأوجع قلب نوال على ابنتها الرقيقة. ثم أردفت نهى قائلة: — مش هينفع أكمل معاه... أنا لازم أطلق. مش هعيش مع خاين، حتى لو ده هيوجع قلبي. هدوس عليه وجع الفراق، عندي ده أهون من إني أدوس على كرامتي. مرت عشر دقائق ساد فيها الصمت، وليليان تستكين داخل حضنه. فقطع ذلك الصمت حسام قائلًا: — أظن هديتِ دلوقتي يا ليليان. ممكن بقى تقوليلي إيه اللي زعلكِ أوي كده؟ خرجت من حضنه بعدما وعَتْ أخيرًا على حالها، فقد شعرت باطمئنان وراحة بعدما احتضنها. فتحدثت بهدوء: — بابا يا حسام... بابا عمره ما هيتغير. كان عندي أمل يهتم بيا ويتعامل معايا زي عمو أحمد ما بيتعامل مع نهى، أو حتى زي أي أب ما بيتعامل مع بنته. صدقني، حاولت كتير أقرب منه، مفيش فايدة. لدرجة إني كنت بخلي المحامي يعمل مشاكل في الشركة في ألمانيا علشان بس بابا يجي يقابلني ويتكلم معايا. لكن للأسف كان بيكتفي باتصال يطلب مني حل المشكلة من غير حتى ما يطمئن عليا بجد أو يسأل عن أحوالي. دايماً حاسة إني وحيدة... مش عارفة ليه الإحساس بالحنين لبابا مسيطر عليَّ. يمكن علشان شفت قد إيه عمو أحمد حنون على نهى وبيهتم بيها. فكان نفسي بابا يكون كده معايا... حتى لو لمرة واحدة أثارت كلماتها الأخيرة وجعًا دفينًا بقلبه، فتحدث بضيق ممزوج بسخرية: — وليه أتخيل؟! ماهو أنا زيك كده بالظبط. بابا ده لو ينفع يتقال عليه أب هو اسم بس مكتوب في شهادة ميلادي أنا ما بعرفش شكله إيه حتى علشان كده أنا حاسس بوجعكِ. لكن مش عايز أشوفكِ بالضعف ده. لازم تبقِي قوية زي ما تعودت منكِ. وأنا جنبكِ، وعمري ما هتخلي عنكِ يا ليليان. اعتبريني أخوكِ وأبوكِ وأمكِ كمان قال جملته الأخيرة بمرح، فضحكت هي أثر سماعها، وزينت الابتسامة ثغرتها: — شكرًا أووي ليك يا حسام... من وقت ما جيت مصر وانت مهتم وقريب مني، وبحس بالأمان وإنت معايا. شعر بأنه يود احتضانها مرة أخرى، لكنه تراجع بعدما وعى على حاله، مستغربًا إحساسه القوي تجاهها. فلم يعد يستطيع تفسير هذا الانجذاب والراحة والحب الذي يشعر به نحوها، والذي تأكد بأنها تبادله نفس الشعور. فحاول أن ينفض ذلك الإحساس من داخله، هاربًا من هذا الصراع الداخلي: — أنا كده اطمنت عليكِ. مضطر أمشي دلوقتي، لأني كنت مواعد قاسم إننا هنتغدى برا، واتأخرت عليه. ولازم أروح له حالاً. فأجابته: — آسفة إذا كنت عطلتك عن معادك. وشكرًا مرة تانية إنك معايا. وقبل أن يتركها ويغادر، لمعت فكرة بعقله، فوقف عند الباب والتفت إليها: — إيه رأيكِ بما إن النهاردة إجازتكِ، تقضي اليوم مع ماما؟ هتنبسطي معاها أوي، وهي كمان هتفرح بوجودكِ جدًا. أعجبها الفكرة، لكنها لم ترد أن تفرض نفسها أكثر من ذلك، فتحدثت: — يا ريت يا حسام، بس مش عايزة أكون متطفلة. أقولك بلاش، خليها مرة تانية. قاطعها بمرح: — هو أنتي بصراحة متطفلة يا ليليان بس إحنا بنحب المتطفلين يلا جهزي نفسك، مفيش وقت. واستنيني عند العربية، هوصلك بعدها هخرج أنا وقاسم. قامت بفرح كأنها كانت تنتظر ذلك التشجيع، فتحدثت بابتسامة: — خمس دقائق وأكون جاهزة، مش هتأخر. تعجب من فرحتها التي تشبه الطفل الذي يسعد بذهابه للملاهي، فتحدث بصدق: — ليليان، أنتي بقيتي جزء من عيلتي. يا ريت تتصرفي على الأساس ده، وماما اعتَبِرِيها مامتكِ أنتي كمان. أسعدتها جملته الأخيرة، فتوجهت إليه بخطوات سريعة واحتضنته بشدة وسعادة: — أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا حسام بجد، معرفتي بيك أحسن حاجة حصلتلي في حياتي غمرت السعادة قلبه لرؤيتها فرحة، فابتسم وتحدث بمرح: — إحنا لو فضلنا على الوضع ده كتير، مش هعرف أخرج ولا هتعرفي تروحي عند نوسة تستمتعي باليوم معاها من أوله خرجت من حضنه بهدوء: — لا... لا خلاص، دقائق وأكون جاهزة، وهستناك تحت عند العربية. غادر حسام غرفتها متجهًا إلى غرفة قاسم، لكنه لم يجده بها، فتوجه إلى جناح أميرة، فهو يعلم جيدًا أن الملاذ المحبب لقاسم هو أن يكون هنا بجوار من استوطنت قلبه. فطرق الباب بدقات خفيفة متتالية ودلف للداخل. وفور دخوله، تحدث بمرح: — إيه يا عم قاسم؟ مش اتفقنا إننا هنتغدى برا مع بعض؟ إنت نسيت ولا إيه؟ اغتاظ قاسم منه، فدائمًا ما يأتي في وقت غير مناسب، فأجابه بغيظ: — عارف يا حسام، لولا إنك صديقي الوحيد ومليش غيرك في الدنيا دي، كنت قطعت علاقتي بيك زي ما أنت دايماً كده قاطع لحظات سعادتي كده — طب يلا يا روميو عصافير بطني بتنونو قالها حسام بمرح، ممسكًا بذراع قاسم ليغادرا معًا. تعجب قاسم من فعلته، فتحدث: — إيه يا بني اللي بتعمله ده؟! ولا هو علشان إنت اللي عازمني، فيحق ليك تاخدني بالقوة الجبرية كده؟! سادت حالة من الصمت وهما في طريقهم للمغادرة من المستشفى. وعندما وصلا بالقرب من سيارة حسام، استغرب قاسم من وجود ليليان بجانبها، فتحدث: — هي ليليان واقفة كده جنب عربيتك ليه يا حسام؟ هي هتخرج معانا ولا إيه؟ ما اتفقناش على كده أجابه حسام وهو يبتسم: — هنتغدى أنا وإنت بس. لكن قبلها هوصِّل ليليان عند ماما، هتقضي معاها اليوم. ويلا بقى قبل ما تلاحظ إننا بنتاهمَس وتحس بإحراج فتحدث قاسم بضيق: — يلا يا حسام لما نشوف آخرتها معاك إيه ركب حسام السيارة وبجانبه قاسم، وكانت ليليان تجلس في الخلف بعدما ألقى عليها قاسم التحية. ساد الصمت بينهم، كل منهم شارد بتفكيره فيما يخصه، حتى وصل حسام إلى الفيلا الخاصة به، فتحدث: — يلا يا ليليان انزلي، ماما منتظراكي جوا. أنا كلمتها وفرحت جدًا. وهبقى أعدي عليكي آخر اليوم أرجعك المستشفى. تمام؟ وأكمل بمرح: — بس أوعي تخلصي محشي ورق عنب لوحدك ها! مش هوصلك وهخليكي تاخديها مشي لحد المستشفى فتحدثت بسعادة وهي تنزل من السيارة: — هخلص كل ورق العنب أصلاً عشان أكيد ليّا ، وهتوصلني المستشفى برضه على فكرة — إيه يا حسام هتفضل ترغي كتير؟ خلص خلينا نمشي قالها قاسم بضيق وصوت منخفض لم يسمعه سوى حسام فأجابه: — مالك يا قاسم مضايق كده ليه؟! وبعدين ما أنا اهو بدور العربية وماشي نظر إلى ليليان التي دلفت لداخل الفيلا بعد جملتها الأخيرة، وبعدما اطمأن حسام، تحرك بالسيارة ليبدأ يومه مع قاسم الذي أعد له جيدًا حتى يستطيع أن يبلغه بما هو آت. كثيرًا ما تعصف الجراح بداخلنا، وتتلاعب الآلام بقلوبنا، وتنزف أرواحنا وجعًا. ولا نملك سوى التمسك بثبات زائف... حتى لا تنهار قوانا الزائفه ظل حازم يفكر في ماذا يمكن أن يفعل لينتقم منه، رغم هذه الأموال الكبيرة التي حصل عليها، والشقة الأنيقة التي امتلكها، والسيارة حديثة الطراز التي اشتراها منذ مدة قليلة. لكنه ما زال يشعر بالإهانة والهزيمة. قام من مجلسه بغضب، يكوِّر قبضة يديه ويضرب بها الأخرى محدثًا نفسه وهو يصرخ بغضب: — معقول يا حازم؟! بعد كل اللي وصلت له ده كله، ولسه مش مرتاح بنت الأنصاري وأهي بقت عايشة ومش عايشة بس برضه ما شفتش غليلي منها ما عرفتش أرد لها القلم اللي ادتهولي حتى بعد كل اللي أخذته منها كنت عايز أذلها وأكسرها، وما حصلش واللي اسمه قاسم وطرده ليا إزاي؟! أنا ساكت؟! كل ده إيه يا حازم؟! إنت خبت ولا إيه؟! ازداد غضبه، وظل يكسر ما يقابله في نوبة غضب عارمة، حتى قاطعه صوت جرس الباب. فذهب ليفتحه ليتفاجأ بوجودها غير المتوقع، فتحدث بحدة: — إنتي إيه اللي جابك هنا؟! مش قلتلك مش فاضي النهاردة؟! ارجعي يا هدير بيتك أصابها الذهول من تصرفه غير المبرر، لكنها تمسكت بهدوئها لأقصى درجة: — فيه إيه يا حبيبي؟ متعصب كده ليه؟ اهدى وخلينا نتكلم. لم تعطه فرصة للرد، وأزاحته من طريقها ودلفت لداخل الشقة. تعجب من فعلتها، واستفزه هدوئها، فصاح بحدة: — إنتي إيه؟ مبتفهميش؟! مش قلتلك مش خارج النهاردة اطلعي بره يا هدير التفتت إليه بعدما رأت الفوضى التي أحدثها من تكسير بعض التحف والمزهريات الزجاجية، فقررت التعامل بطريقتها التي تجذبه لعالمها بسهولة. توجهت إليه بخطوات بطيئة، ولَفَّت ذراعيها حول عنقه، ناظرة إلى عينيه: — ممكن تهدى خالص، وتقولي إيه اللي مزعلك يا زومي؟ وخلاك تكسر الشقة بالشكل ده؟! إزاي يبقى معاك هدير حبيبتك وتتعصب بالشكل ده؟! نجحت تمامًا فيما كانت تريد، وانصاع إليها حازم ببلاهة كأنه طفل صغير تسيطر عليه بقطعة حلوى. هدأت العاصفة التي كانت بداخله قليلًا: — عايز أبرد ناري، وأعمل أي حاجة تطلع اللي اسمه قاسم برا الشركة مطرود ومهان ابتعدت عنه وتوجهت إلى تلك الأريكة البعيدة عن الفوضى التي أحدثها، مشيرة له أن يجلس بجانبها: — تعالى يا حبيبي هنا جنبي. نفكر مع بعض بهدوء، ومن غير ما تعصب نفسك كده. وكل اللي إنت عايزه هيحصل. زي ما خدنا بتارك من أميرة، هتاخده من قاسم أضعاف توجه إليها وجلس بجوارها، وكثير من المشاعر تتخبط بداخله: غضب، وكره، وحزن، وخذلان. لم تسعفه الكلمات، وتجمعت الدموع في مقلتيه، فتحدث بصوت مختنق: — ومين قالك إني أخدت بتاري من أميرة؟! أميرة كسرتني وأهانتني، وأنا ما عرفتش أعملها حاجة نظرت إليه باستغراب: — إيه اللي بتقوله ده يا حازم؟ إزاي ما عملتهاش حاجة؟! والفلوس اللي أخذناها من شركتها؟! وشركاتها اللي اتدمرت؟! وهي نفسها في غيبوبة يا عالم! هتصحى منها ولا لا؟! كل ده ومأخدتش بتارك؟! عصفت كلماتها بداخله بنيران من الألم، كأنه بركان أوشك على الانفجار، فتحدث بألم حقيقي ينبع من أعماق قلبه: — أيوه! ما أخدتش بتارك منها! أنا كنت بحبها، وحلمت أكمل حياتي معاها! لكن هي رفضت حبي وأهانتني قدام الكل كان يتظاهر بالقوة والثبات الزائف، وفجأة انهارت دفاعاته. أجهش في بكاء مرير، يتذكر ما حدث منذ سنوات: — أنسة أميرة .. أنسة أميرة ممكن دقيقة؟ وقفت والتفت إليه بضجر: — خير يا حازم؟ فيه إيه؟ مش قلتلك ألف مرة قبل كده؟! ما يصحش اللي بتعمله ده نظر إليها بكل حب: — أعمل إيه طيب؟! إنتي كل مرة مش بتدينى فرصة أتكلم معاكي بتسبيني وتمشي استفزتها نظرته: — قلتلك غلط وما يصحش! حرام! حب إيه؟! وكلام فاضي إيه؟! اللي كل مرة تشوفني فيها تقولهولي؟! ولا الرسائل الهبلة اللي بتبعتها؟! أنا علشان محترمة ومش حابة أذاك، كان زماني سلمت الرسائل دي لعميد الكلية بس لآخر مرة بحذرك! إياك أشوفك قدامي تاني أو في أي مكان أنا فيه! إنت فاهم؟! قالت أميرة حديثها وهمت بالمغادرة من أمامه بغضب شديد. وقبل أن تخطو بعيدًا عنه، أوقفها بصوت مختنق: — ممكن تسمعيني لآخر مرة؟! وبلاش تحرجيني أكتر من كده قدام أصحابنا اللي بيتفرجوا علينا بسبب انفعالك غير المبرر ده أنا ما غلطتش إني أعبر لك عن مشاعري ناحيتك أنا بحبـ... وقبل أن يكمل كلمته، صفعته بيديها على وجهه، أسكتت لسانه. وصدمه الفعل، وذهل الجميع من حوله. وقبل أن يستوعب ما حدث، كانت اختفت تمامًا من المكان. فاشتعلت نيران الغضب ممزوجة بالإهانة بداخله، متوعدًا لها أن يرد ذلك القلم أضعافًا مضاعفة. استفاق من ذاكرته ليجد نفسه في قلب الواقع، وأردف حديثه لهدير بانفعال شديد: — كان قلبي بيموت في بعدها ألف مرة لكني دوست عليه بالجزمة ووعدت نفسي إني أخليها تحبني وأذلها وأكسر نفسها قدام الكل بس ما لَحِقْت الحادثة بَوَّضَت كل حاجة كنت برتبها ورغم كل اللي عملته في شركتها والفلوس اللي أخذتها، لسه النار تحرق قلبي كل ما افتكر اللي عملته فيَّ! كانت تشعر بالذهول، مصدومة مما تسمع. أيعقل أنه ما زال يحب أميرة ولا يدري؟ أم أنه يكابر، وشعوره بالإهانة يخفي مشاعر قلبه الحقيقية؟ أم أنه لم يشبع انتقامه بعد ويريد فعلاً إذلالها فقط؟ تضاربت أفكارها، وأنتابها الخوف من أن تكون مجرد وسيلة بيده لينال انتقامه لا أكثر، فتحدثت بقلق: — أوعى تكون لسه بتحبها يا حازم؟ جفف دموعه بيده، ناظرًا إليها باستنكار: — أحب؟! أنا قلبي دفنته من زمان ما بيعرفش يحب وقعت كلماتها على قلبها كالسهام المسمومة، وتساءلت بصوت مختنق: — قلبك دفنته؟ إزاي؟! إمال أنا بالنسبالك إيه؟ قام من جوارها بجمود، متجهًا إلى الباب: — هدير، يا ريت بلاش نضحك على بعض أكتر من كده أنا وإنتي عارفين كويس إن اللي بيجمعنا المصلحة المشتركة مش أكتر وطبعًا ما أنكرش إننا بنرتاح لبعض، لكن علاقتنا مجرد منفعة مشتركة حتى اللحظات الحلوة اللي بنعيشها والكلام الحلو اللي بنقوله لبعض، حلاوة روح مش أكتر شعرت بالذهول من حديثه الذي نزل على مسامعها كالصاعقة. أيعقل هذا حقًا؟ لكنها كانت توهم نفسها بأنه غارق بحبها! لكن كلماته الأخيرة كانت كالصفعة التي أفاقتها، وذكرتها بكم الأخطاء التي وقعت فيها وما زالت تفعلها. فقد غواها الشيطان وجمَّل لها كل ما فعلته. نفضت تلك الأفكار من رأسها، ووقفت شامخة، تتجه نحوه كأن شيئًا لم يكن، وكأنها لم تسمع حديثه الأخير مطلقًا، وتحدثت بغرور وثبات زائف: — أنا عارفة إن بينا مصلحة ومنفعة مشتركة. بس متأكدة كمان إنك بتحبني وما تقدرش تستغني عن وجودي في حياتك بس إنت بتكابر يا زومي وإلا ماكنتش اتجوزتني تعجب من غرورها وثقتها العمياء بحالها، لكنه قام بفتح الباب وأشار بيده للخارج، ينهي تلك المقابلة بهدوء: — يا ريت تمشي دلوقتي، ونتكلم بعدين. لأني تعبان ومحتاج أرتاح. سارت بخطوات بطيئة صامتة، وغادرت دون أن تتفوه بكلمة. لقد أسكتها تصرفه غير المتوقع. استطاعت أن ترسم الثبات على ملامح وجهها، لكن بداخلها كانت تتخبط بين الغضب والحزن مما وصلت إليه في تلك العلاقة الخاطئة والانسياق وراء إغواء الشيطان لتصل فقط إلى مبتغاها. نفضت تلك الأفكار سريعًا لتعيد ثباتها المزيف. بينما كانت تغادر الشقة، شعرت بوخزة في قلبها وهي تتذكر حالة أميرة والغيبوبة التي نالت منها. تحاول أن تقنع نفسها بأن ما فعلته كان ضروريًا لتحقيق أهدافها، وأن ما حدث لأميرة لم يكن لها يد فيه. لكنها، رغم قسوتها الظاهرية، لم تستطع التخلص من شعور الذنب الذي يتسلل إليها أحيانًا ويشعرها بالأسى. لم تكن تملك الشجاعة الكافية لتواجه حازم بهذا الشعور، فاختارت إخفاءه، مثلما تخفي الكثير من ضعفها عن الجميع. ******************************* "أحببتُ طيفاً" گ / الهام عمر شكرا جزيلا من قلبى لكل من يدعمنى بالتصويت اسعدكم الله اينما كنتم 🌹❤️ أرجو لكم قراءه ممتعه ويسعدنى إبداء رأيكم ودعمكم بالتصويت ❤️🌹 استودعكم الله دمتم بخير وسعاده سالمين 🌹

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أحببتُ طيفاً

المؤلف إِلْهَامُ القَلَمِ
2025/03/09 مكتملة
قائمة الفصول (36)
الفصل 1: المقدمه
2025/03/09
الفصل 19: شخصية جادة
2025/05/19
الفصل 20: قادر على التحدى
2025/05/19
الفصل 21: لهيب الغيرة
2025/05/19
الفصل 22: دفء اللحظات المنيسة
2025/05/19
الفصل 23: ظلال الماضي
2025/05/19
الفصل 24: أصداء الصدمه
2025/05/19
الفصل 25: وجع الفراق
2025/05/19
الفصل 26: ثبات زائف
2025/05/19
الفصل 27: بين الحنين والجفاء
2025/05/19
الفصل 28: لقاء مؤلم
2025/05/19
الفصل 29: أحببتُ طيفاً
2025/05/19
الفصل 30: صراع المشاعر
2025/05/19
الفصل 31: خطواتةنحو المواجهة
2025/05/19
الفصل 32: لقاء يبدد كل سنوات الفقد
2025/05/19
الفصل 33: لحظة المواجهة
2025/05/19
الفصل 34: اللحظة الحاسمة
2025/05/19
الفصل 18: كذبة بيضاء
2025/05/19
الفصل 17: فرحة القلب
2025/05/19
الفصل 1: الصدمة الخفيه
2025/03/09
الفصل 2: حادثة موت
2025/03/09
الفصل 3: غيبوبة غير متوقعه
2025/03/13
الفصل 4: قناع مزيف
2025/03/13
الفصل 5: لحظة ضعف
2025/03/13
الفصل 6: يوهم نفسه
2025/05/19
الفصل 7: اعتراف بالحب
2025/05/19
الفصل 8: حدث تاريخي
2025/05/19
الفصل 9: عفريته
2025/05/19
الفصل 10: خطة خبيتة
2025/05/19
الفصل 11: عقود شراكة
2025/05/19
الفصل 12: حالة جنون
2025/05/19
الفصل 13: قرار بالخطبة
2025/05/19
الفصل 14: جراح الماضي
2025/05/19
الفصل 15: حلم وردى ينعش قلبه
2025/05/19
الفصل 16: العوض الجميل
2025/05/19
الفصل 35: حيث ينتمي القلب
2025/05/19

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة