قادر على التحدى

قادر على التحدى

20 0

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته -------------------------- القدرة على التحدي تكمن في تجاوز حدود ما تعرفه، والإيمان بأنك قادر على التعلم والإنجاز حتى في مجالات لم تخترها. النجاح لا يتطلب دائمًا الخبرة، بل العزيمة والاجتهاد. لا تنتظر أن تكون خبيرًا لتبدأ، فالقوة الحقيقية تكمن في قدرتك على التعلم وخوض التحدي حتى في مجالات لا تعرفها. الإنجاز يولد من الإصرار، لا من التخصص. استيقظ من نومه سعيدًا من رؤياه، فرحًا قادرًا على التحدي ومواجهة ذلك الحازم. فها قد اقترب كثيرًا جدًا، فاليوم بالتأكيد سيكون متواجدًا بالشركة، ولا يبالي بذلك. إنما ما يقلقه حقًا هو كيف ستكون رد فعل أحمد رشدي لكل ما حدث وسوف يحدث. ولكنه فور تذكر حلمه ورؤيتها سعيدة، اطمئن قلبه وزال القلق الذي كان ينتابه. تأنق بارتداء بدلة كلاسيكية باللون الكحلي وقميص باللون الأبيض، مما زاده أناقة. نثر عطره الخاص به، وخرج متجهًا إلى جناح من ملكت قلبه واستحوذت على تفكيره بغير مجهود منها مطلقًا. هي فقط نظرتها الوحيدة التي ملكت قلبه في ثوانٍ، كأن العشق كان سجين قلبه، وبنظرتها الساحرة الخاطفة كانت المفتاح الذي أطلق العنان لعشق اجتاح كيانه. دلف قاسم إليها كعادته، دائمًا يحدثها كأنها تراه وتسمعه وتشعر به رغم سكون جسدها. هكذا كانت أمنية قلبه التي تسللت إلى جوارحه وأصبحت حقيقة بالنسبة له، قائلًا بحب: — صباح الياسمين، يا من ملأت بعشقها قلبي... عارف إنك قلقانه من مواجهة النهاردة، لكن قلقك ملوش داعي لأني قدها. وبعدين يا ستي، أنا شايف إن الأصعب عدى. كنت فاكر إن مدراء الإدارة هيعترضوا، لكن اللي حصل العكس! لما سمعوني وتأكدوا من إنني فعلاً هحسن وضع الشركة، رحبوا بيا جدًا ووافقوا على كل قراراتي بدون أي اعتراض. وده أكدلي إن كل اللي في الشركة بيكنولك كل خير. وكمان قالوا إن أفعال إمبابي عليهم كتير وكان بيعاملهم بكل احترام، ولأجل كده هم بيشتغلوا لمصلحة الشركة كأنها بتاعتهم. همي دلوقتي علشان متأخرش. تركها وذهب، وفور خروجه رأى ليليان تتجه نحوه بخطوات سريعة محدثة إياه: — أخيرًا يا قاسم، انت فين؟ مختفي. سألت عليك حسام كتير، لكن دايماً مش موجود. استغرب من اهتمامها، ولكنه تحمحم قائلًا: — فعلاً مشغول الفترة دي، وعلشان كده حسام هو المسؤول عن المستشفى. أي حاجة تحتاجيها، بلغيه هو. فأجابته بامتنان: — هو أصلاً مش مخليني محتاجة حاجة، لكن أنا كنت عايزة أعرف منك: عرضك ليا بأني أشتغل معاكم بالمستشفى لسة قائم؟ استغرب قاسم قليلًا بذكر اهتمام حسام بليليان، لكنه أخفاها بنفسه وحدثها قائلًا: — طبعًا قائم، وتقدري تمضي العقد من النهاردة. وكمان ليكي الحرية في تحديد المدة وراتبك الشهري. بس هتابعي الموضوع ده مع حسام، وأنا هبلغه بكده. شعرت ليليان بالفرح، فهي تمنت أن تظل بالمستشفى: — خلاص، أنا هبلغ حسام بكلامك وموافقتي لما نتغدى في الكافيتريا مع بعض كالعادة. أستأذن، أنا عندي عملية بعد شوية ولازم أجهز. أذن لها مؤكدًا حديثه: — اتفضلي، وتأكدي إنك عمرك ما هتندمي على قرار شغلك معانا. أجابته وهي تغادر: — ده أكيد! يلا باي. ذهب قاسم متجهًا إلى سيارته شاردًا فيما قالته ليليان عن وجود حسام معها كل يوم وقت الغداء واهتمامه بها المقلق. لكن هناك شيء أهم يجب أن يكون ذهنه صافيًا له، وسيتحدث مع حسام فيما بعد. فأيضًا، حسام ليس مجرد صديق، إنما هو شريك طفولته وشبابه ورفيق دربه، يعتبره أخًا صغيرًا له رغم أنهم في نفس السن، لكنه يشعر بالمسؤولية دائمًا تجاهه. وصل قاسم ودخل إلى الشركة بخطى واثقة وشموخ تحت ترحيب بعض الموظفين. ولكن هناك من كانت تنظر بغضب شديد وحقد. فعندما أتت وعرفت ما حدث بالشركة البارحة، استشاطت هدير غضبًا. وورد لذهنها أنه يمكن أن يكون مثل حازم، سهل السيطرة عليه. ولكن اختلفت موازينها عندما رأت ملامحه الجادة الواثقة، فشعرت بخطر يهدد استكمال خطتها مع خالد الدمنهوري الذي لن يسمح بأي شيء يحول بينه وبين حصوله على الشركة. فقررت أن تحادثه فورًا حتى لا تقع فريسة غضبه. أمسكت هاتفها وتوجهت إلى المرحاض حتى لا يسمعها أحد وهاتفته بتوتر قائلة: — خالد باشا، في مصيبة حصلت في الشركة إمبارح! وأول ما عرفت قلت أبلغك بسرعة وأنت تتصرف. فور سماع خالد الدمنهوري حديثها، تراقص الفرح بداخله ظنًا منه أنه حدث ما يريد، وأخيرًا سيتملك الشركة والمصنع. ولكن "تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن"، فحدثها قائلًا: — ليه باين على صوتك التوتر؟ كده خطتنا ماشية صح، وكل ما تزيد مصايب الشركة، هدفنا يقرب أكتر ابتلعت غصة تكونت بحلقها من شدة خوفها من ذلك الخالد، فخرج صوتها متلجلجًا بخوف: — اللي حصل كارثة كبيرة.. وقعت علينا... ظهر شخص تاني شريك في الشركة والمصنع واللي عرفته من الموظفين إنه جاد وصارم وغير طريقة شغل الشركة كلها صُدم مما سمع وامتلكه الغضب بشدة، وصاح بها: — إنتي بتخرفي تقوليه إيه؟ شريك إيه؟! واللي ظهر وإزاي؟! لا وكمان تعرفي بالصدفة؟! إمال إنتي والزفت بتاعك ده بتعملوا إيه؟! أرعبها صوته الجهوري الغاضب، فأجابته بخوف: — يا باشا، احنا عملنا كل اللي طلبته بالحرف لكن الشريك ده محدش يعرف عنه حاجة، ولا حد كان عارف بوجوده أصلاً حتى أستاذ أحمد رشدي نفسه مايعرفش، لأنه مكنش موجود في الاجتماع. زاد غضبه، فحدثها بصوت جهوري أرعبها: — اعرفيلي مين الزفت ده يكون عندي تقرير عنه من يوم ما اتولد! فاهمة؟ وأغلق الهاتف دون انتظار رد منها، فأشعل ذلك رعبًا في عروقها، وجعلها تذهب مسرعة خارج الشركة للبحث عن كل المعلومات الخاصة بهذا الشريك بسرعة، حتى لا تقع في شر غضب هذا الخالد. وأثناء قيادة سيارتها، هاتفت حازمًا لتحذره قبل وصوله الشركة، ومازال الخوف يتملكها: — حازم، في كارثة حصلت … ظهر شريك جديد للشركة! ولازم تتصرف وإلا نضيع كل اللي عملناه ،والباشا مش هيسبنا في حالنا حازم لم يتأثر بما قالت، فلم يعد يبالي بالشركة، فقد نال غرضه منها وكفى. فحدثها بلا مبالاة قائلًا: — وإيه يعني؟ ما يظهر شريك ولا تتحرق الشركة باللي فيها! أنا مالي؟! مصلحتي وخلاص خلصت أشعل حديثه غضبها، وظنت أنها هالكة لا محالة، ويجب أن ينصاع حازم لها بأي شكل. فصاحت بغضب: — إنت متفهمش … بقولك إن الباشا بتاع الصفقة كان عايز يمتلك الشركة، واللي حصل خلاه يزعل أوي! وده زعله بيموت، معندوش رحمة انزعج من غضبها، فأجابها بنفاذ صبر: — برضه احنا مالنا؟! احنا ظبطناله المناقصة وخدنا فلوسنا وخلاص! يخبط راسه في الحيطه أثار رده غضبها أكثر، فتحدثت بنبرة صارمة: — بص بقى يا حازم إنت لازم تنفذ اللي هقوله عليه بالحرف أحسنلي وأحسن لنفسك لأن لو ما عملناش اللي عايزه الباشا لحد ما يوصل لهدفه... أبسط حاجة ممكن يعملها إنه يحرق شقتك الجديدة وعربيتك وعربيتي وحساباتنا في البنك.سهل إنه يدمرها ده ليه علاقات كبيرة أكبر بكتير مما تتخيل! وممكن كمان بحادثة صغيرة يخلص مننا في ثواني… فاسمع كلامي علشان نحافظ على اللي وصلنا ليه، وكمان هنعلى أكتر وأكتر! وكله بتمن.. إنت فاهم؟! سكت حازم لثوانٍ، تملكه الرعب خوفًا من خسارة كل ما وصل إليه. فقرر أن يكمل الطريق الذي بدأه للنهاية، ويسلم من شر ذلك الباشا الغامض بالنسبة له، ويفوز أكثر وأكثر بالمال. فحدثها قائلًا: — خلاص يا هدير قولي عايزاني أعمل إيه وهعمله شعرت بقليل من الهدوء عندما انصاع لأمرها: — آه كده هو ده حازم الحبيب اللي أعرفه إنت هتروح الشركة وتتصرف طبيعي، لأن حتى لو هو شريك، فإنت رئيس مجلس الإدارة رغم أنه لا يريد أن يذهب للشركة، لكنه استسلم في النهاية: — ماشي يا هدير! وياريت تجيلي المكتب أول ما توصلي. تهربت منه قائلة: — لا.. مش هينفع... أنا أصلاً مش رايحة الشركة النهاردة فيه حاجة مهمة لازم أعملها دلف قاسم إلى مكتبه وطلب من نهى أن تأتي بالملفات اليومية التي تحتاج إلى مراجعته وتوقيعه. ذهبت لتحضر ما طلب وفور خروجها، ظهر ذلك الطيف الذي أدمن قاسم وجوده ورؤيته، رغم أنه أحيانًا يشعر أنه بحالة جنون مستعصية. فهو يرى خيالًا لها يتحدث مع طيف لجسد ساكن داخل غيبوبة عميقة. أيعقل أن يكون فعلاً مجنونًا؟ وما هي إلا أوهام؟ ولكن كيف، وها هو يجلس بشركتها كشريك، ومعرفته بالعقود المخبأة لا يعرفها غيرها؟ أيعقل أن يكون كل هذا حلمًا يعيش بداخله ولا يستطيع الفرار منه؟ وحتى إن كان هكذا، فأهلاً بالأحلام، ومرحبًا بالأوهام والجنون طالما بها ولها... قاطع شروده ذلك الصوت العذب الهادئ، صوت طيفها: — قاسم... قاسم... قاسم وكأن عينيها سماء تائه بجمالها، فأجابها: — ها... بتقولي حاجة يا أميرة؟ فحدثه طيفها: — لا، إنت مش هنا خالص سرحان في إيه؟ تمالك نفسه، فهذا ليس وقت الشرود، إنه وقت الثقة والقوة، قائلاً:— مسرحتش ولا حاجة، أنا بس كنت بفكر في مقابلة عمي أحمد. فأجابه طيفها بتوتر: — هو إنت... يعني... أقصد... نظر إليها بابتسامة هادئة: — اتكلمي علطول من غير تردد، قولي اللي بتفكري فيه من غير قلق. فحدثه طيفها قائلة: — ممكن تجاوبيني من غير زعل... هو إنت مستعد لمقابلة حازم؟ تسلل الغضب إلى قاسم، فدائمًا يغضبه عندما تذكر اسم ذلك الغادر بشفتيها. لا يريد سوى أن تنساه تمامًا، بل تمحيه من ذاكرتها كأنه لم يكن. لكنه جاهد ألا يظهر ذلك، فتحدث بهدوء وثقة: — مقابلة حازم مش فارقة معايا أصلاً، لأنه ببساطة لا يقدر يعمل أي حاجة. اطمئني بس. المهم ياريت بلاش تكوني موجودة وهو هنا علشان... وقبل أن يكمل حديثه، قاطعه دخول حازم بفظاظة إلى المكتب يصيح بصوت عالٍ، ومن ورائه نهى تحاول منعه دون جدوى. وقبل أن تعتذر نهى عن عدم استطاعتها منعه، أشار إليها قاسم بأن تخرج حالاً، غير مبالٍ لصياح وغضب ذلك الحازم الثائر. توجه قاسم إلى تلك الأريكة الموضوعة بجوار المكتب وجلس بثقة واضعًا قدمًا فوق الأخرى، ممسكًا إحدى المجلات ناظرًا فيها، متحدثًا بهدوء قائلاً: — فيه إيه يا أستاذ حازم؟ في حد يدخل بالشكل ده؟ المفروض تطلب إنك عاوز تقابلني من السكرتيرة وهي تبلغني، وساعتها ياما أرفض يما أقبل. تصرف قاسم أشعل الغضب أكثر فأكثر داخل حازم، فصاح بصوت غاضب بشدة: — إنت مجنون ولا إيه؟! مين يستأذن من مين؟! الشركة شركتي.. إنت مين وبتعمل هنا إيه أصلاً؟! اتفضل اطلع برا بدل ما أناديلك الأمن يرميك برا الشركة اجتاح الغضب داخل قاسم، وتمنى أن يستطيع أن يحرقه في التو واللحظة، ولكن ليس لما يقوله ويفعله الآن، لا، بل لأنه تسبب بجرح غائر في قلب معشوقته، مما جعلها ساكنة مستسلمة لتلك الغيبوبة اللعينة. لكنه تعلم دائمًا ألا يظهر غضبه أو حزنه، فهو قادر على ذلك منذ أن تركه والده وحيدًا بدون مبالاة بوجوده من الأساس. وقف قاسم من مجلسه بشموخ، توجه نحو المكتب وأخرج منه الملف الخاص بنسخة عقود الشراكة تحت أنظار ذلك المستشيط من ردّة فعله غير المتوقعة. فقد توهم حازم أنه بذلك الصياح والتهديد سيغضب قاسم ويستغل غضبه لجعله يرحل، لكنه صُدم من هدوئه وثقته التي لم ير مثلها. مدّ له قاسم الملف لحازم ليأخذه، قائلاً بهدوء وثقة: — اتفضل، راجع الملف ده وهتعرف لوحدك مين اللي هينطلب له الامن أمسك حازم الملف باستخفاف، ظنًا منه أن كل ورق به مزور وسهل عليه اكتشافه وإظهاره، فهذه لعبته، وكثيرًا ما زوّر أوراقًا صعب كشفها. ولكن فور أن فتح الملف، ذهل وصُدم مما رأى، وتحدث بصوت مسموع دون أن يعي: — معقول.. دي.. ده توقيع أميرة فعلاً؟! طب إزاي؟ المفروض إن العقود دي ليّا والشركة والمصنع من حقي حدث قاسم نفسه قائلاً: أهذا الذي وثقت به أميرة؟ كيف لم تكتشف حقيقته الحقيرة يومًا؟ أكانت بلهاء لهذه الدرجة؟ ليتني أستطيع أن أسحقه الآن… ولكن صبرًا. . فتحدث بنفس الهدوء الذي أثار غضب ذلك الحازم أكثر فأكثر، قائلاً: — إنت فاكر إنني هسيبك تاخد حاجة مش من حقك؟ طيب، أميرة وقلبها الأبيض ما شافتش وشك الحقيقي الحقير اللي أنا شايفه. إنما حظك الأسود إني أنا دلوقتي المسؤول عن الشركة والمصنع. واتفضل اطلع برا باحترام بدل ما أقول لك أكتر ما إنت قليل أصلاً، وأطلب لك الأمن. نظر له حازم بثقة: — مش هتقدر، لأن حتى لو إنت شريك، فأنا رئيس مجلس الإدارة. فأراد قاسم استفزازه أكثر بقوله: — رئيس مين طيب؟ كمل مراجعة الملف كده، بعدها اتكلم. تمكن الذهول والصدمة من حازم، ولم يفق من صدمته. فكانت هناك كثير من الأسئلة تداهم عقله: كيف؟ ومتى؟ ولماذا فعلت أميرة هذا؟ ولماذا الطبيب المسؤول عن حالاتها هو من كانت معه العقود؟ لم ينتظر قاسم طويلاً، فطلب الأمن. أمسكوا بحازم، ففاق من شروده وهو يحاول الإفلات منهم ويصيح غاضبًا بشدة قائلاً: — مش هسيبك يا قاسم وهطردك برا الشركة إنت مالكش حق فيها! ده حقي ومش هسيبه لم يبالِ قاسم بما قال، وظل ينظر في المجلة التي بيده فرحًا بطرد حازم شر طردة، فقد طلب من الأمن أن يرمونه خارجًا بقوة كأنهم يتخلصون من القمامة. فور خروجهم، أتت نهى التي كانت غير مصدقة وفخورة بشخصية قاسم القوية الواثقة التي لم ترها بهذا الشكل من قبل، فتحدثت سريعًا بدون تفكير: — بجد أنا فخورة بأنك موجود مكان أميرة، وقلبي اطمأن أن الشركة في أمان. اعتز قاسم بحديثها كثيرًا، فتعامل معها كسابق عهده بلين، متحدثًا بامتنان: — شكرًا آنسة نهى، أسعدتيني بكلامك. ممكن تطلبيلي فنجان قهوة؟ ارتسمت ملامح الفرح على وجهها قائلة: — طبعًا دقائق والقهوة بتكون موجودة. جلس على كرسي المكتب وأمال برأسه للخلف مستندًا عليه، وأغمض عينيه ليريح أعصابه. فصدى صوتها كأنه يحلم. رمش بأجفانه عدة مرات واعتدل في جلسته، ناظرًا إلى طيفها. فحدثه طيفها: — بجد شكرًا. فأجابها بنبرة هادئة: — شكرًا على إيه؟ — على كل اللي عملته. وآسفة إني السبب في إنك تتحط في الموقف البايخ ده. وبصراحة ما خيبتش ظني فيك، واتعاملت بمنتهى الذكاء. نظر إليها بامتنان: — كان عندك شك في قدراتي؟! وبعدين للمرة الألف، بلاش شكرًا دي..أي حاجة بعملها لأني بحبك، وإنتي مسؤوليتي. وما إن أنهى حديثه حتى سمع دقات خفيفة على الباب. بعدها دلفت نهى إلى المكتب لتُبلغ قاسم بطلب والدها مقابلته: — أستاذ أحمد رشدي في السكرتارية برا، وعايز يقابل حضرتك. وقف قاسم متعجبًا لفعل نهى. كيف تطلب الإذن منه ليقابل والدها؟! تحرك من مكتبه متجهًا لمكتب السكرتارية، محدثًا إياها بانزعاج: — إزاي تعملي كده وتخلي الأستاذ أحمد ينتظر الإذن؟! المفروض يدخل المكتب على طول اللي حصل ده مايتكررش تاني فور انتهائه من حديثه، فتح باب المكتب مرحبًا بأحمد رشدي ودعاه للدخول وقتما شاء بدون طلب الإذن، فهذا مكانه وهذه شركته. قاسم رغم أنه يكون صارمًا جادًا في العمل قدر الإمكان، إلا أن أحمد رشدي له تقدير واحترام خاص. فحقيقةً ما فعلته نهى أزعجه جدًا. فاستقبله قائلاً: — اتفضل يا أستاذ أحمد، حضرتك تدخل بأي وقت. المكتب مكتبك، وأنا نبهت على نهى إن الغلط ده مايتكررش تاني. أحمد رشدي بعدما كان ينوي أن يثور بداخله مما فعله قاسم دون الرجوع إليه، لكن ترحيبه الآن بهذه الطريقة الصادقة جعله يراجع تفكيره قليلاً ولا يحكم عليه الآن. فتحدث بعقلانية قائلاً: — نهى ما غلطتش، ده شغلها. وأنا اللي طلبت منها كده يا دكتور قاسم.. ولا أحب أقولك يا فندم شعر قاسم بغصة من طريقة أحمد، لكنه أعطاه الحق. ففجأةً ظهر شخص من العدم يتحكم بمصير الشركة التي بناها أحمد وصديق عمره ووالد أميرة دون أن يدري. فأراد أن يبين له أنه لن يكون ندًا له، لكنه فعل ما فعل من تغيير في الشركة لمصلحتها، ليس للتحكم بها. — اتفضل يا عمي، هو إحنا هنتكلم هنا ولا إيه؟ دلف كلاهما إلى المكتب، وطلب قاسم من نهى أن تحضر فنجانين من القهوة بنفسها، وأن لا يقاطعهم أحد حتى ينتهوا من اجتماعهم. فبدأ حديث قاسم: — قبل أي كلام ممكن يتقال.. أحب أفكرك يا عمي، أنا قاسم اللي من وقت ما عرفتكم نهى بقت أختي قبل ما تكون مرات أخويا حسام، وإنت بتعملني كابن ليك. وده شيء أسعدني جدًا. فياريت التعامل بينا يفضل زيّ ماهو. في الشغل أنا طمعان في حنيتك وطيبة قلبك. مترفضش طلبي. شعر أحمد رشدي بالخجل مما قاله قاسم، فهو فعلاً اعتبره بمثابة ابن له، وحتى من قبل ارتباط نهى بصديقه. من وقت ما اهتم كثيرًا بحال أميرة وأخلاقه وطيبة معاملته. وأيضًا أحس بالراحة لشعوره بصدق قاسم. فحدثه قائلاً: — وأنا كمان عايزك تفهم حاجة يا قاسم يا بني.. الشركة دي مش مجرد شركة كده وخلاص. لا، دي ذكريات عمر وشقاء سنين مع بعض، أنا وصفوت صديق عمري اللي كان أكتر من أخ. ودي أمانته اللي سابها ليّا هي و... سكت لثوانٍ سيطر عليه الحزن، وأكمل بنبرة حزينة قائلاً: — وأميرة اللي ضاعت وما عرفتش أعملها حاجة.. لا عارف هي هترجع تاني تعيش وسطينا، ولا هتفضل على حالها كده نايمة طول عمرها.. وللأسف قصرت، والمصنع والشركة وقعوا في مشكلة كبيرة بسببي. تأثر قاسم جدًا من حديثه، وقام من كرسيه وجلس على الكرسي المقابل له، اقترب منه وربت على كتفه قائلاً له بكل ثقة: — متقلقش يا عمي، المشكلة حلها عندي، وإن شاء الله الشركة والمصنع في فترة قليلة جدًا وضعهم هيكون أحسن كتير. وده وعد مني. أراح قلبه بحديثه، خاصةً أنه لامس الصدق بكلماته. فتحدث بامتنان قائلاً: — طمنتني.. صدقك في كلامك طمن قلبي. بس إزاي هتتحل المشكلة؟ في حاجات كتير إنت متعرفهاش. فأجابه بثقة: — أنا عرفت كل حاجة تخص المناقصة اللي راحت والعقود اللي عليها شروط جزائية كبيرة لو ملتزمناش بيها. نظر إليه أحمد بانبهار: أيعقل أن يكون دكتور قاسم الأفضل بمجال تخصصه في الطب فقط (من وجه نظر أحمد طبعًا)، فكيف في يوم وليلة أدرك كل هذه المشاكل ووجد لها حلاً؟! وأنا الذي أمتلك خبرة سنين أحاول أن أجد حلاً منذ فترة كبيرة ولم أستطع فتعجب قائلاً: — إزاي لقيت الحل بالسرعة دي؟! دا إنت يدوب بدأت في الشركة من إمبارح بس فتحدث قاسم بثقة: — لأن ببساطة شغل المصنع والشركة هو المستلزمات والأجهزة الطبية، وده مش بعيد أوي عن شغلي. وأنا أعرف أصحاب مستشفيات كبيرة في ألمانيا وإيطاليا، وكلمتهم، وطبعًا رحبوا جدًا بأننا نصدّر لهم أجهزة ومستلزمات طبية لمستشفيات كبيرة تحت التجهيز. وطبعًا ده هيعود على الشركة بأرباح كبيرة تلات أضعاف اللي كانت هتكسبه من المناقصة. فرح أحمد رشدي كثيرًا وارتاح قلبه، كأنما كان هناك جبل يضيق به صدره. وتناسى تمامًا سبب مجيئه الأساسي: — الحمد لله.. أنا كده اطمأنت إن الشركة في إيد أمينة، وعقل رجل أعمال مخضرم مش دكتور إطلاقًا شعر قاسم بالراحة وابتسم قائلاً: — يعني الحمد لله أنفع أكون رجل أعمال .. المهم يا عمي تكون اطمنت بجد، وتأكد إن أهم حاجة عندي مصلحة الشركة. وقبل أن يغادر أحمد طلب: — الحمد لله يا بني.. أستأذن أنا بقى، ولو نهى خلصت شغلها هاخدها معايا. فاستجاب قاسم لطلبه: — طبعًا يا عمي اتفضل، تقدر نهى تروح معاك. أنا خلاص ماشي أنا كمان. ذهب أحمد رشدي وأخذ ابنته نهى معه متجهًا إلى سيارته ليعود للمنزل بقلب مرتاح مطمئن، بعد ما كان آتيًا بقلب يملؤه القلق والحيرة. ركب وأشغل محرك السيارة، وبالمقعد الذي بجواره تجلس نهى ناظرة إليه باستغراب وابتسامة متسائلة يعرفها هو جيدًا. فابتسم لها قائلاً: — عارفها النظرة دي يا بنتي يا حبيبتي.. أنا فعلاً كنت معترض على وجود قاسم، بس مش لشخصه. لا، لأني مكنتش مصدق أوي حكايته مع أميرة. بس حسيت بصدق كلامه وخوفه على الشركة ومصلحة أميرة، كأنه عارفها من زمان. فأجابته بمشاكسة: — يا بابا.. عيني في عينك كده فتهرب منها قائلاً: — بنت.. يعني عايزاني أسيب الطريق وأبص في عينك ونعمل حادثة؟! فأجابته بمرح: — إمال فين؟! أنا مش هسكت أنا هطلعها من الشركة أنا مش مرتاح لللي بيحصل ده فحدثها بمرح قائلاً: — ومين اللي قال كل الكلام ده؟ قوليلّي هو مين، وأنا أفهمه إن الأمور لازم تتشاف من كل جوانبها قبل ما نصدّر أي حكم نظرت إليه بذهول من رده، ولم تتمالك نفسها وانفجرت ضاحكة. وكانت الضحكة عدوى تصيب بها من يراك. فور رؤيته ابنته تضحك، ضحك هو الآخر مثلها. ******************************* "أحببتُ طيفاً" گ / الهام عمر شكرا جزيلا من قلبى لكل من يدعمنى بالتصويت اسعدكم الله اينما كنتم 🌹❤️ أرجو لكم قراءه ممتعه ويسعدنى إبداء رأيكم ودعمكم بالتصويت ❤️🌹 استودعكم الله دمتم بخير وسعاده سالمين 🌹

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أحببتُ طيفاً

المؤلف إِلْهَامُ القَلَمِ
2025/03/09 مكتملة
قائمة الفصول (36)
الفصل 1: المقدمه
2025/03/09
الفصل 19: شخصية جادة
2025/05/19
الفصل 20: قادر على التحدى
2025/05/19
الفصل 21: لهيب الغيرة
2025/05/19
الفصل 22: دفء اللحظات المنيسة
2025/05/19
الفصل 23: ظلال الماضي
2025/05/19
الفصل 24: أصداء الصدمه
2025/05/19
الفصل 25: وجع الفراق
2025/05/19
الفصل 26: ثبات زائف
2025/05/19
الفصل 27: بين الحنين والجفاء
2025/05/19
الفصل 28: لقاء مؤلم
2025/05/19
الفصل 29: أحببتُ طيفاً
2025/05/19
الفصل 30: صراع المشاعر
2025/05/19
الفصل 31: خطواتةنحو المواجهة
2025/05/19
الفصل 32: لقاء يبدد كل سنوات الفقد
2025/05/19
الفصل 33: لحظة المواجهة
2025/05/19
الفصل 34: اللحظة الحاسمة
2025/05/19
الفصل 18: كذبة بيضاء
2025/05/19
الفصل 17: فرحة القلب
2025/05/19
الفصل 1: الصدمة الخفيه
2025/03/09
الفصل 2: حادثة موت
2025/03/09
الفصل 3: غيبوبة غير متوقعه
2025/03/13
الفصل 4: قناع مزيف
2025/03/13
الفصل 5: لحظة ضعف
2025/03/13
الفصل 6: يوهم نفسه
2025/05/19
الفصل 7: اعتراف بالحب
2025/05/19
الفصل 8: حدث تاريخي
2025/05/19
الفصل 9: عفريته
2025/05/19
الفصل 10: خطة خبيتة
2025/05/19
الفصل 11: عقود شراكة
2025/05/19
الفصل 12: حالة جنون
2025/05/19
الفصل 13: قرار بالخطبة
2025/05/19
الفصل 14: جراح الماضي
2025/05/19
الفصل 15: حلم وردى ينعش قلبه
2025/05/19
الفصل 16: العوض الجميل
2025/05/19
الفصل 35: حيث ينتمي القلب
2025/05/19

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة