سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته -------------------------- كان قاسم يجلس على مكتبه منهمكًا في أحد ملفات المرضى. لم يرفع نظره لمن دلف للمكتب، ظانًا منه أنه عامل بوفيه المشفى أتى بالغداء الذي طلبه منذ نصف ساعة. تثبت جسدها مكانها من شدة توترها وسعادتها وقلقها. ظلت صامتة. رفع رأسه ونظر إليها. تفاجأ كثيرًا ونهض بتلقائية. انتابه شعور غريب لم يستطع تفسيره. ابتسم بلطف: — مين حضرتك؟ خفق قلبها واتسعت ابتسامتها وتجمعت الدموع بعينيها التي تشبه عينيه العسليتين. اتجه نحوها واقترب. وقف مقابل مكتبه ناظرًا إليها. شعور قوي يجتاح كيانه لكنه لا يستطيع تفسيره: — يا آنسة، شكلك دخلتي مكتبي بالغلط، مش كده؟! طيب إنتي جاية تزوري مين؟! لم تستطع التمسك أكثر. هرولت إليه مسرعة، ارتمت داخل أحضانه. صدمة اجتاحت كيانه جعلته غير قادر على التحرك، وشعور ممزوج بالفرحة يغمر قلبه لا يدري لماذا. تحدثت من بين دموعها المنهمرة: — أنا جيالك إنت يا قاسم. أنا رغد، أختك. وحشتنى أوي أوي. كان نفسي أتعرف عليك من زمان. صدمة أخرى دوت بعقله وألجمت لسانه. تصلب مكانه كأن قدميه التصقتا بالأرض. لم يتوقع أن تقتحمه بهذه الطريقة. شعر بدموعها وارتجف صدره للحظة، لكنه لم يرفع يده ليبادلها العناق. ظل ساكنًا حتى شعر بيديها تضغطان عليه أكثر. تردد لثوانٍ، لم يكن معتادًا على هذا الدفء ولا يعرف كيف يتعامل معه. كان قلبه في صراع لا ينتهي بين ضمير يطالبه بالابتعاد وبين شعور جميل لا يمكنه إنكاره. كانت أفكاره تتداخل، يرفضها أحيانًا ويقبلها أحيانًا أخرى، حتى وصل إلى نقطة لم يعد فيها قادرًا على الهروب من مشاعره. في النهاية، ترك قلبه يتفوق على عقله، وفتح لها ذراعيه رغم شكه في أن هذا كله قد يكون حلمًا... لكنه يرغب في أن يصبح حقيقة. في مكان آخر، كانت هدير تجلس على الكرسي الموجود بغرفة المعيشة الذي يطل على باب الشقة. تهتز قدمها بغضب. تمر عليها ساعات الانتظار ببطء قاتل، كأنها سنوات من الخوف. تعصف الأفكار بعقلها: — معقول يكون حازم سابني وراح لأميرة؟ ….ممكن يغدر بيا بعد ما أمنت له؟! قطعت أفكارها عندما سمعت صوت مقبض الباب وهو يفتح، ثم دخل حازم. انتفضت واقفة، واتجهت نحو حازم بمجرد أن رأته يدخل: — حازم، كنت فين؟!! وليه اتسحبت من غير ما أحس بيك ونزلت؟ لم يلتفت إليها. أغلق الباب بهدوء وتخطاها متجهًا إلى تلك الأريكة القريبة وجلس بارتياح، متكئًا للخلف: — يوووه يا هدير، هتبتدى تحقيق؟ ما إنتي أكيد عارفة إني روحت لأميرة، يبقى ليه تلفي وتدوري وتسألي؟ تجمدت مكانها للحظات، واتسعت عيناها بذهول من صراحته. اقتربت منه بخطوات مترددة: — وإيه اللى خلاك تروح لأميرة؟ مش اتفقنا إنك تمحيها من حياتك وننساها؟ اعتدل بجلسته ناظرًا إليها، ثم ابتسم بمكر: — أنا ما اتفقت معاكي على حاجة. فرصة وجات لحد عندي، آخد بتاري. عايزاني أضيعها؟ آه، لو شفتي قاسم وهو مكسور قدامي وأميرة متلهفة عليا وعلى ميعاد الفرح! ارتمت بجسدها بجواره بصدمة ألجمت تفكيرها. تلعثمت كلماتها: — آ... إنت بتقول إيه... فـ..فرح؟!.. لم يلاحظ تلعثم حروفها ولا شعر بكم الألم الذي امتلكها. كان غارقًا في نشوة الانتصار. اتكأ للخلف: — يااه يا هدير، قد إيه أنا مرتاح ومبسوط وأنا بشفي غليلي من قاسم وآه بمساعدة أميرة. تحولت صدمتها إلى غضب. صاحت بحدة: — عايز تفهمني يا حازم إنك روحت لأميرة علشان تنتقم من قاسم؟!! بس إنت كده بتخوني! التفت إليها بنظرة باردة: — إنتي مش فاهمة يا هدير، أنا مش عايز أرجع لأميرة، بس دي فرصة مستحيل أضيعها، وهاخد حقي من قاسم. كانت تنظر إليه لكن لم تعد ترى الرجل الذي ظنت أنها بدأت تبني معه مستقبلًا جديدًا. رأت فقط رجلًا آخر تحركه رغبة الانتقام أكثر مما تحركه أي مشاعر أخرى. ظلت رغد متشبثة بقاسم الذي لم يتفوه بكلمة. كانت تبكي: — أنا بحبك أوي، ومتابعة أخبارك من زمان. وكنت مستنية اليوم اللى أترمي في حضنك وأعرفك إني أختك الصغيرة وتفرح بوجودي وتضميني ومتسبنيش أبدًا. تسارعت نبضات قلبه بسعادة لم يشعر بها يومًا. تذكر ضمة أمه الحنونة وشعوره بها الذي يشبه ما يشعر به الآن. انسابت دموعه رغمًا عنه. أغلق عينيه بقوة، رفع ذراعيه لكنه تردد لثوانٍ. لكن سرعان ما هدمت حصونه بقوة عناقها. حاوطها بذراعيه، يحتضنها بقوة كأنه متعطش لذلك الشعور الذي روى قلبه بعد جفاء. ظلا هكذا لبعض الوقت، لم يعِ أيا منهما مدته. هدأت أرواحهم وهدأ الشوق بداخلهم قليلًا. أبعدها عنه قليلًا وحاوط وجهها بكفيه، وضع قبلة حنونة على جبينها. نظر إلى عينيها التي تشبه عين والدته. ظل هكذا حتى يشبع شوقه، كأنه يرى والدته رغم أنه يمتلك نفس العينين ولكنه لم يراهما أبدًا بنفس الطريقة. غير مصدق أن هذا واقع. تلعثمت حروفه: — آ... أختي... إنتي حقيقة ولا حلم؟ ابتعدت عنه قليلًا والسعادة تعلوها لانتصارها بالفوز بقلب أخيها من أول لقاء. لكنته بذراعها قائلة بمرح: — في زمتك الحضن الحنين اللى مفيش منه تاني ده حلم. بس هقول إيه، إنت معذور برضو. أصل حنان دكتورة رغد صعب حد ينوله تعالت ضحكاتها وهي تتجه للجلوس بتلك الأريكة الموضوعة بجوار المكتب. نظر إليها مذهولًا، لم يستطع مقاومة سحرها الذي أنهى كل حصونه وجعله يشعر بحبها وينجذب إليها. غير مصدق أنه لأول مرة يراها، بل يعرفها منذ نعومة أظافرها: — إنتي إزاي كده؟ أنا مش مصدقك ولا مصدق نفسي وإحساسي بيكي إزاي كده من أول مرة أشوفك. تنهدت براحة واتسعت ابتسامتها بعدما اطمأن قلبها وشعرت بحنان قاسم ولطفه وكم هو شخص جميل. فأشارت له ليجلس بجوارها: — تعال بس اقعد هنا نتكلم. اطلبلي حاجة أشربها ولا إنت بخيل يا سمسم؟ تعالت ضحكاته بسعادة حتى كاد يسقط. اتجه نحوها وارتمى بجسده ومازالت ضحكاته تنير وجهه وتزيل وجع قلبه: — سمسم؟! أنا دكتور قاسم رسلان تيجي عيلة زيك تقولي سمسم؟! تغيرت ملامح وجهها بضيق مزيف. وقبل أن تتحدث، طرق الباب ودلف عامل البوفيه بالغداء. أشار إليه قاسم بأن يضعه على الطاولة المقابلة له ويغادر. بعدما غادر العامل وأغلق الباب خلفه، نظر إليها. قاسم رأى أنها مازال الضيق يكسو ملامحها: — خلاص، متزعليش. إنتي ست البنات. تبدل ضيقها وابتسمت ونهضت لتغادر بعدما انتبهت أنها تناست وجود ياسين بانتظارها بالأسفل. توترت قليلًا. أخبرت قاسم بوجود ياسين، خاصة بعدما تقبلها بحب هكذا، أم تترك الاختيار لياسين حتى لا تعكر صفو هذا اللقاء الجميل الذي لم تتوقعه؟ طال صمتها، وقاسم ينظر إليها بقلق. أمسك يدها وأجلسها مرة أخرى: — وقفتي ليه؟ هنتغدى مع بعض. علشان متقوليش عليا بخيل. تناولت معه الغداء وظلا يتحدثان كثيرًا. لم تتخلَّ عن مرحها في الحديث معه. أخبرته كيف كانت تتابع أخباره وتحتفظ بكل صورة بعدما تقوم بقصها من الصحف والمجالات ولصقها داخل مفكرة وتكتب بجوارها عما تشعر به كأنها تراسله عبر المفكرة. وقاسم أيضًا تحدث معها بتلقائية وحنان بالغ، أطلق لجانب آخر من شخصيته العنان ويتصرف بقلبه. كان بقربها ولقائها محا قسوة وألم سنوات عمره التي قضاها وحيدًا، متعطشًا لدفء العائلة، مشتاقًا للقاء إخوته، راجيًا احتواء والده. مر أكثر من ساعتين. تذكرت مرة أخرى ياسين الذي نسيته تمامًا ولم تعِ للوقت الذي مر: — همشي أنا بقى علشان أروح أرتاح من تعب السفر لأني جيت على طول على هنا. ركز نظره عليها كأنه يشبع قلبه من طلتها: — استني، مش هينفع أسيبك تروحي لوحدك. أجي أوصلك. توترت ولم تستطع إخباره بأن ياسين معها: — سواق بابا معايا تحت، هو اللى جابني وهيرجعني. مش عايزة أتعبك. ابتسم بلطف وتغاضى عن آخر كلمة قالتها: — خلاص، هنزل أوصلك لحد العربية. قلقت من لقاء ياسين، ولكنها أيضًا لا تريد أن ترفض عرضه وتزعجه. اتجه معها لأسفل حتى اقتربا من السيارة. ظلت تتلفت بعينيها تجوب حديقة المشفى تبحث عن ياسين ولكنها لم تجده. وعى قاسم عليها وشعر بتوترها: — مالك يا رغد؟ ليه متوترة؟ اركبي حاسس إنك بتدوري على حد. فتحت باب السيارة الخلفي وهي تلقي نظرة أخيرة، ثم وجهت نظرها لقاسم: — لا، أبدًا يا أبيه. مش متوترة ولا حاجة. أنا بس مرهقة من السفر. ركبت وأغلق الباب. طلب هاتفها وقام بتسجيل رقمه عليه وأعطاه لها مرة أخرى: — اتبقي طمنيني عليكي لما توصلي. اكتفت بإيماءة رأسها بالموافقة، وأشار قاسم للسائق بالمغادرة. كاد أن ينقطع داخل قاسم هذا الخيط الرفيع من الأمل ويسقط في غيابات اليأس. أتت رغد بقلبها المحب ووجهها البشوش، أنارت الأمل بقلبه من جديد وأنقذته قبل أن يندس كيانه في اليأس. لكن السؤال الذي لم يجد له إجابة بعد... هل يمكن للحياة أن تعوضه حقًا عما فاته؟! فور مغادرتهم، عرفت رغد من السائق أنها عندما تأخرت، طلب منها ياسين أن يعود به إلى الفيلا ثم يأتي مرة أخرى ينتظرها ثم يعود بها للفيلا. زال توترها، اطمأن قلبها، والسعادة والابتسامة كانت رفيقتها. ظل قاسم ثابتًا مكانه يتطلع لأثر رغد بعد مغادرتها، معلقًا بهذا الإحساس الرائع الذي لأول مرة يشعر به. أتى حسام من خلفه بعدما بحث عنه ولم يجده بالمكتب، فخرج يبحث عنه بالحديقة. اقترب منه وقف مقابله، يشيح بيده أمام عين قاسم الذي لم يشعر به أو يراه. تعجب حسام من حالته، فأصدر صفيرًا ثم حدثه: — إيه يا بني؟ سرحان في إيه بالشكل ده؟!! لم ينتبه قاسم لوجود حسام، كأنه غارق في عالم آخر. زاد تعجب حسام، مضيقًا عينيه بشك مازحًا: — قاسم، مالك؟ هو طيف أميرة معاك هنا؟ وعند ذكر أميرة، التفت قاسم بنظرة لحسام بعدما انتبه لوجوه، وارتمى فورًا داخل أحضانه، احتضنه بقوة ليؤكد لنفسه أن ما حدث حقيقة ليس حلمًا. قلق حسام بشدة عليه. استجاب لعناقه واحتضنه الآخر بحب ومسح على ظهره: — في إيه يا قاسم؟ طمني عليك. أجابه بصوت يكاد يكون مسموعًا من بين دموعه المنسابة: — اطمن، أنا بخير. هحكيلك كل حاجة. ابتعد عنه قاسم قليلًا، ألقى نظرة حب طويلة لحسام ثم احتضنه مرة أخرى: — إنت عارف إنك غالي عندي أوي يا حسام. إنت مش بس صديقي وأخويا اللى مش من دمي، لا، إنت توأم روحي. ابتسم حسام بسعادة وزاد من احتضانه له: — عارف يا حبيبي. إنت الأخ اللى اتمنيته وقطعة من روحي. تجمعت الدموع بعيني حسام، فابتعد عن قاسم قليلًا يزح تلك الدمعة الهاربة على وجنته مازحًا: — إيه يا عم الحنين كده؟ خلقتني أعيط. تعالى نقعد واحكيلي علشان شكلنا واحنا حاضنين بعض هيثير الشبهات. ضحك قاسم وربت على كتف حسام قبل أن يشدّه معه إلى الأريكة قائلًا بمزاح: — خلاص يا عم، نقعد قبل ما حد يشوفنا ويبدأ يفسر غلط. جلس أحمد رشدي في جناحه بالفندق بعد يوم طويل من الاجتماعات. ألقى بجسده على الكرسي وهو يقلب في هاتفه بتردد. يراوده شعور غريب منذ أن اضطر للسفر لعقد اتفاقيات خاصة بالشركة، فهو الآن المسؤول الوحيد عنها بعدما تركها قاسم. وهو يشعر أن هناك شيئًا ناقصًا، إحساس داخلي لم يستطع تفسيره. قرر أن يتصل بنهى ليطمئن عليها، خاصة بعد أن لاحظ قلة مكالماتها في الأيام الأخيرة. رن الهاتف لثوانٍ قبل أن يأتيه صوتها هادئًا كعادته، لكن هناك نبرة أقلقته: — إزيك يا نهى؟ أخبارك إيه يا قلب بابا؟ أجابته نهى بسرعة وكأنها تحاول إنهاء المكالمة قبل أن يشعر بما تخفيه: — أنا كويسة.. كل حاجة تمام... الحمد لله. شعر أحمد رشدي بأنها تحاول الاختصار: — وأخبار حسام؟ أجابته بسرعة كي لا يقلق: — حسام؟ آه... زي ما انت عارف، مشغول بالمستشفى طول الوقت. رفع حاجبه مستغربًا، لم تسأل كعادتها عن ضغط العمل، فتساءل بشك: — متأكدة؟!! حسيت صوتك مش طبيعي. حاولت نهى أن تكون طبيعية: — آه، متأكدة. أنا بس مجهدة شوية من الشغل. لم يقتنع أحمد رشدي تمامًا، لكنه لم يرد أن يضغط عليها أكثر: — طيب يا قلب بابا، لو في أي مشكلة في الشركة عندك، تقدري تكلمني في أي وقت. تمام؟ ابتسمت لتبدو نبرة صوتها هادئة: — طبعًا يا بابا. متقلقش. بعد إنهاء المكالمة، لا يزال القلق بداخله. قرر الاتصال بنوال لتوضح له الأمر أكثر: — نوال، أخبارك إيه يا حبيبتي؟ كنت لسه بكلم نهى وحسيت إن صوتها متغير. أجابت نوال بنبرة هادئة لتطمئنه: — عادي، يمكن بس شوية ضغط من الشغل ومسؤوليات الشركة. إنت عارف. لم يقتنع تمامًا، لكن صوت نوال أشعره بالراحة بعض الشيء: — ممم.. بس حاسس إنها مش مرتاحة. لتنهي هذا الشك، أجابته نوال بلطف ممزوج بالحسم: — طبيعي تحس بكده لأنك مش متعود تسيبنا وتسافر. بس صدقني، مفيش حاجة تقلق. إنت بعيد ومشغول، فمتفكرش كتير. كل حاجة هنا تمام وبخير. ظل أحمد رشدي صامتًا للحظات: — يلا، الحمد لله إنكم بخير.. يمكن أنا اللي موهوم بسبب ضغط الشغل هنا. ابتسمت ابتسامة خفيفة: — ركز في شغلك وهترجع تلاقي كل حاجة تمام. أنهى أحمد رشدي المكالمة، لكن القلق ظل عالقًا في ذهنه. ربما هي مجرد أوهام بسبب بعده عنهم، وربما... لا. لكنه قرر تأجيل التفكير في الأمر حتى ينتهي مما جاء من أجله. وأراح رأسه على مسند الكرسي، لكنه لم يشعر بالراحة. شيء ما كان خاطئًا، حتى وإن حاول الجميع إخفاءه عنه. ظل ياسين جالسًا بحديقة فيلا رسلان ينتظر عودة رغد بقلق وخوف وتوتر. لم يعد يطيق الانتظار أكثر من ذلك. نهض وظل يسير يمينًا ويسارًا بينما ينظر إليه والده ماهر رسلان وهو يتوارى خلف تلك الستائر المنسدلة على زجاج النافذة الخاصة بمكتبه المطل على الحديقة. لأول مرة يشعر بخطئه الجسيم في تفرقة أبنائه عن بعضهم. لم يتحمل المراقبة أكثر من ذلك، فذهب لغرفته للقاء زوجته والتحدث معها، بينما ياسين مازال يجوب الحديقة بخوف يزداد كل لحظة. توقف فجأة عند رؤية رغد تترجل من السيارة وتتجه نحوه. يرتسم الحزن على ملامح وجهها. تخطى نحوه بخطوات بطيئة. انتفض قلبه خوفًا وانهدمت آماله بلحظة. تيقن أن قاسم لم ولن يقبل بوجودهم بحياته. ترقرقت عيناه بالدموع. بسط ذراعيه وخطى نحو رغد واحتضنها كي يخفف عنها الألم الذي طالها قبله. خرج صوته مختنقًا وهو يمسح على ظهرها: — مش عايزك تزعلي ولا تضعفي. هنحاول مرة واتنين وألف. إحنا كنا متوقعين إنه مش سهل يقبلنا بالسهولة دي. أرجوكي يا حبيبتي، بلاش دموعك دي بتزيد وجعي. بعدما أتقنت تمثيليتها ونجحت في خداعه، خرجت من بين ذراعيه وابتعدت عنه قليلًا تضحك بسعادة وتدور حول نفسها. اتسعت مقلتيه بصدمة ألجمت لسانه. توقفت عن دورانها، لكنها لم تتوقف عن الضحك. كادت تسقط من فرط ضحكاتها بسبب رؤية ياسين هكذا: — أخيرًا خدت بتاري منك علشان تبطل المقالب اللى بتعملها فيا لم يستوعب تصرفها ولم يفهم مغزى حديثها، كأن عقله توقف: — أنا مش فاهم حاجة. اقتربت منه بحذر من ردة فعله لمقلبها السخيف: — اجمد كده يا بطل. قاسم فرح بيا أوي واتكلمنا كتير مع بعض وكمان اتغدينا سوا. طلع حنين أوي بجد. انتابه حالة من الذهول وكاد عقله لا يصدق ما سمع. غمرت السعادة قلبه. جذبها لحضنه وحملها وظل يدور بها ضاحكًا بفرحة كبيرة، إلى أن وقعا كل منهما على ذلك العشب الأخضر، تحوطهم الزهور العطرة، ناظرين إلى السماء التي تلونت بفرحتهم. أخذوا نفسًا عميقًا، استنشقوا رائحة الياسمين التي أزالت معها كل ما كان يقلقهم. التفت ياسين برأسه ينظر لرغد التي نهضت فورًا لأنها تعلم جيدًا تلك النظرة وأنه لن يمر ما فعلته هكذا مرور الكرام. وبالفعل، بلحظة كان ياسين يركض خلفها إلى أن وصلت غرفتها وأسعفها الحظ. أغلقت الباب قبل وصوله بثوانٍ، فحدثها بتوعد: — اصبري عليا يا رغد، أنا ماوريتك. فأجابته من بين ضحكاتها: — أنا رغد حبيبتك. تذكر شيئًا فطرق الباب بخفة: — افتحي، متخافيش. فيه حاجة مهمة لازم نتفق عليها. نظرًا لنبرته الجادة، انصاعت لطلبه وفتحت بحذر: — نتفق على إيه؟ أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه ببطء: — بابا مش لازم يعرف دلوقتي باللي حصل. إحنا مش عارفين ردة فعله هتكون إيه. إنتي ناسية إنه كان دائمًا بيأجل لقاءنا بقاسم كل مرة بحجة شكل. أدخلته الغرفة وأغلقت الباب والتفت إليه: — معتقدش إن بابا هيضايق. دلوقتي الوضع اتغير. وخلاص إحنا هنستقر هنا وكمان دراستنا هنكملها هنا. جلس على طرف فراشها ونظر إليها بعيون حائرة: — مش عارف. متنسيش إن بابا لسه موافقش على موضوع الدراسة ده. اقتربت وجلست بجواره تربت على يده: — متقلقش، ماما أكيد هتقنعه. هي وعدتنا بكده، وإنت عارف ماما لما بتوعد بحاجة بتنفذها. تنهد وهو يطالعها بصمت، متمنيًا أن تكون محقة... لكنه لم يستطع التخلص من شعور غريب يراوده بأن الأمور لن تسير بهذه السهولة. ******************************* "أحببتُ طيفاً" گ / الهام عمر شكرا جزيلا من قلبى لكل من يدعمنى بالتصويت اسعدكم الله اينما كنتم 🌹❤️ أرجو لكم قراءه ممتعه ويسعدنى إبداء رأيكم ودعمكم بالتصويت ❤️🌹 استودعكم الله دمتم بخير وسعاده سالمين 🌹
إِلْهَامُ القَلَمِ