قرار بالخطبة

قرار بالخطبة

21 0

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته -------------------------- تجلس نُهى ونوال تحتسيان القهوة في الشرفة. تنظر إليها نوال وتشعر بالحيرة والاستغراب من حال ابنتها الشاردة معظم الوقت فحدثتها قائلة: — سرحانة في إيه يا نُهى؟... يا نُهى حبيبتي، بكلمك. — ها؟ بتقولي حاجة يا ماما؟ تساءلت نوال بحنان: — لا، إنتي مش معايا خالص! مالك يا قلب ماما؟ على طول سرحانة ومُتغيّرة وطول الوقت في أوضتك. طمِّنيني، في إيه؟ توترت قليلًا وقالت: — لا أبدًا يا ماما، مفيش... بس شاغلني وضع أميرة، هتفضل كده لحد إمتى؟ لم تُصدق حديثها فقالت: — ربنا يشفيها يا بنتي، دايمًا بدعيلها... وبدعيلك يا قلب ماما. نظرت إليها نهى بحنان وحب قائلة: — كَتّري دعواتك يا ست الكل، محتاجاها أوي. نظرت إليها نوال بشك وقالت: — متأكدة إن ده بس اللي شاغلك؟ وفي هذه اللحظة قاطع حديثهما صوت هاتف نُهى يعلن عن اتصال. وما إن رأت اسم المتصل، زاد توترها. فقالت نوال بملل: — ما تردي يا بنتي، موبايلك صدّعني "تررن تررن"، مش بيبطل... ما تشوفي، يمكن عايزينك في الشغل في حاجة مهمة؟ تلعثمت نُهى ولم تسعفها الكلمات قائلة: — لا يا ماما... ده أصل... مش مهم. تعجبت نوال من توترها الواضح: — هو إيه اللي "أصل" و"مش مهم"؟ مالك يا نُهى، في إيه؟ أجابت نُهى وهي تغادر هاربة من نظرات والدتها: — مفيش يا ماما، أنا افتكرت إن في إيميل مهم لازم أبَعَته للشركة... عن إذنك. وفرّت نهى هاربة دون أن تنتظر الرد، فهي تعرف جيدًا أن نظرات والدتها تنمّ عن عدم تصديقها. فور أن أغلقت باب غرفتها، أعلن هاتفها عن اتصاله للمرة الخامسة، فردّت دون تفكير، بحدّة: — هو في إيه؟! طالما مردتش وكنسلت أكتر من مرة، يبقى ما تتصلش تاني! ولو سمحت احذف رقمي، وما ترنّش عليّا تاني! اللي بيحصل ده غلط! وأغلقت الهاتف دون أن تعطيه فرصة للرد. جلست على طرف فراشها وامتلأت عيناها بالدموع، تحدث نفسها وتلومها: — كان لازم أعمل كده... مينفعش يكون في بينا كلام ومقابلات، حرام! كفاية إني سمحت إني أقابلك وأكلمك من غير ما أفكر... سامحني يا رب واغفر لي خطأي، حتى لو قلبي حبك... مينفعش... سامحني يا رب. مسحت دموعها المنهمرة، وقامت فتوضأت، وارتدت إسدال الصلاة الخاص بها، وصلت ركعتين، دعت فيهما الله أن يغفر خطأها وأن يمنح قلبها السكينة. وفي السجدة الأخيرة أطالت السجود تدعو ربها: — اللهم ارزقني بمن أحب، واجعله من نصيبي، واجمع بيني وبينه في حلالك يا أرحم الراحمين... يا رب، أنت القادر على فعل المعجزات، فاجمع بيني وبينه في حلالك يا رب الكون ومليكه... فاللهم أنت الجامع بين القلوب وميسّر الأمور، يا رب. انتهت من صلاتها وارتمت على فراشها، عازمة على ألا تحدّثه ثانية، وألا تُخطئ مرة أخرى، وألا تدع هواها يسيطر عليها، وأن تفعل ما يُرضي الله، وتدعو أن يجمعها الله بحبيب قلبها بالحلال. فغفَت في نوم عميق. على الطرف الآخر ثار ذلك العاشق، وأحس بغصّة في قلبه، فهو لا يعلم لماذا تبتعد، وما الخطأ الذي ارتكبه؛ لأنه للأسف لا يرى الأمور بشكل صحيح، فبالنسبة له شيء عادي أن يُحادثها ويقابلها، فلم يجد عذرًا لتصرفها معه، ولم يستطع أن يُطفئ نار قلبه، فذهب إلى مكتب صديقه قاسم. دلف إلى المكتب غاضبًا، وفور دخوله تحدث حسام بصوت غاضب: — أنا مش عارف هي بتعمل معايا كده ليه! مش معقول تكون بتحبني دي أكيد مش طايقاني تعجب قاسم من حالته، فتساءل باستغراب: — في إيه يا بني؟ مالك متعصب كده ليه؟ ومين اللي مش بتحبك؟ فأجاب حسام وهو يجلس بمقابله، بنبرة حادة من شدة غضبه: — هو في غيرها؟ ست نُهى! اتصلت بيها كتير وما ردّتش، وفضلت أتصل ألف مرة، ولما ردّت قالتلي كلام يعصّب وقفلت في وشي تفهم قاسم غضبه، فحدثه بهدوء: — إهدى بس، وما فيش داعي لغضبك ده. ما أنا قلتلك، نُهى بنت مؤدبة ومش زي اللي كنت تعرفهم. مسد حسام على شعره بغضب: — إزاي مازعلش؟ وتصرفها يشل أصلًا! وبعدين أنا متصل علشان تحددلي معاد مع باباها علشان أتقدم لها سعد قاسم لقراره وتحدث بفرح: — هو ده الصح! واللي كان لازم يحصل من أول ما فكرت فيها! مبرووك يا حبيب أخوك! نظر له حسام بحزن دفين: — مبروك إيه بس؟! بقولك مش طايقاني وقفلت في وشي! ما ادتنيش فرصة أتكلم. قام قاسم من مجلسه واقترب منه وربت على كتفه: — لأنك غلطان، المفروض تكلم والدها مباشر وتحدد معاه معاد. نظر له حسام بتشتت وحيرة: — أممم... أنا فكرت أفرّحها هي الأول... ماشي، حالًا هكلمه... إديني رقمه. أمسك هاتفه، وأخذ الرقم من قاسم، وقام بالاتصال بوالد نُهى، وقلبه يدعو بأن تكون هي أيضًا تحبه، وأن يجمع الله بينهما في الحلال. وبعد ثوانٍ أجابه: — السلام عليكم... أستاذ أحمد رشدي معايا؟ — وعليكم السلام... أيوة، مين حضرتك؟ غلب التوتر على صوته، وقال: — أنا دكتور حسام، صاحب دكتور قاسم، اللي متابع حالة آنسة أميرة. شعر أحمد رشدي بالقلق على أميرة، فتساءل: — أهلاً يا دكتور، خير؟ هو في حاجة حصلت لأميرة؟ توتر حسام قليلًا وتغيرت نبرة صوته: — لا يا فندم، هي بخير. أنا بكلم حضرتك علشان عايز أقابل حضرتك وأتكلم معاك في موضوع مهم. اطمأن أحمد رشدي وقال بهدوء: — تمام، إن شاء الله بكرة هكون في المستشفى. فأجاب حسام بهدوء: — لا يا فندم، مستشفى إيه بس! كنت عايز أجي لحضرتك البيت، أنا ودكتور قاسم. تعجب أحمد رشدي، لكنه أجاب: — إن شاء الله، بكرة هكون في انتظاركم، تشرّفوا في أي وقت. شعر حسام بالفرح: — تمام، إن شاء الله بكرة الساعة 8، هنجي لحضرتك. — في انتظاركم يا دكتور، مع السلامة. وأغلق الهاتف مستغربًا من هذه المكالمة، يفكر لماذا يريد مقابلته؟ ولماذا في البيت؟ نفض أفكاره، ونظر لزوجته محدثًا إياها: — اعملي حسابك، بكرة الساعة 8، الدكتور قاسم والدكتور حسام هييجوا يزورونا. وما إن سمعت نُهى اسم حسام، توترت وخفق قلبها بشدة، متسائلة بقلق وبدون تفكير: — هييجوا ليه؟ هو في حاجة؟ وبعدين حضرتك روح المستشفى قابلهم هناك! تعجب أحمد رشدي من حديثها قليلًا: — هو قال إنه عايز ييجي البيت يتكلم معايا في موضوع مهم. نوال بعدما فهمت سبب تغيّر ابنتها، وأحسّت بتغير حالتها عندما ذكر اسمه، لكنها لم تُظهر ذلك حتى لا تُحرج ابنتها أكثر، فتحدثت: — إيه يا نُهى! ده كلام؟! تقوليه على ضيوف جايين لبابا؟ يشرفوا طبعًا! مرت ساعات الليل عليها طويلة، تفكر لماذا يريد أن يأتي إلى بيتها؟ وكيف ستتعامل مع ذلك الأمر؟ فقررت ألّا تخرج من غرفتها حتى يغادر، فهي لن تسمح لقلبها أن يوقعها في أي خطأ. في اليوم التالي، بعدما أنهى قاسم عمله، توجه إلى "ساحرة قلبه". جلس بجوار سريرها، محدثًا إياها بحب وشوق يمتلك نياط قلبه: — عاملة إيه يا ساحرة قلبي؟ عارف إنك سامعاني وحاسة بوجودي... بس ليه طيفك اختفى ومش عايزة تظهري لي تاني؟ وحشني صوتك... اظهري بقى... طب عندي ليكي خبر حلو أوي: حسام هيخطب نُهى! على فكرة، هو بيحبها أوي... ربنا يتمملهم بخير، ويجمعني أنا وإنتي قريب يا رب. "غيابك عني يمزقني، والشوق إليك يحرقني، وقلبي يذوب من شدة الاشتياق، إلى متى ستظل تحرم قلبي من جمال لقياك؟" وقبل أن يكمل حديثه معها، دقّ الباب، ثم دلف حسام إليه قائلًا: — إنت لسه هنا؟ يلا يا قاسم، هنتأخر على معادنا! تزمر قاسم قليلًا: — لسه فاضل ساعة، وأنا أصلًا جاهز أهو فأجاب حسام بتعجل: — وأنا جاهز... يلا بقى نهض قاسم وحاوط كتف حسام بذراعه وهو يخطو به إلى الخارج: — هنروح بعربيتي، مش بحب سواقتك، تمام؟ نظر إليه حسام مبتسمًا: — خلاص، تمام، يلا. فتساءل قاسم: — طيب، كلمت مامتك تجهّز ولا لسه؟ فأجابه حسام: — ماما لسه متعرفش حاجة، لما أتكلم معاهم ويوافقوا هقولها. تضايق قاسم من تصرفه قائلًا: — لا طبعًا، المفروض كنت عرّفتها بدل ما تزعل منك. ابتسم له حسام قائلًا بهدوء: — إنت عارف ماما نفسها من زمان تجوزني ومش هتصدق. فرضنا نهى ما وافقتش، ماما هتزعل. خليها بعدين أحسن. بعد نصف ساعة دق جرس الباب يعلن عن وصولهم، وما إن سمعته نهى حتى أسرعت إلى غرفتها وأغلقت الباب. فتحت لهم الخادمة قائلة: — اتفضلوا، البيه في انتظاركم. دلفوا للداخل تحت ترحيب أحمد ونوال: — أهلًا وسهلًا يا دكتور قاسم، أهلًا وسهلًا يا دكتور حسام. فأجاب كلا من قاسم وحسام بابتسامة: — أهلًا بحضرتك. ثم ابتسمت نوال: — اتفضلوا اقعدوا، واقفين ليه؟ تساءل أحمد رشدي: — طمّنّي يا دكتور قاسم على وضع أميرة؟ فأجابه قاسم ليطمئنه: — الحمد لله، وضعها بيتحسن، ومؤشراتها الحيوية كويسة، والدكتور النفسي مستبشر خير، وإنها مسألة وقت وتفوق. ارتاحت نوال من حديثه قائلة: — الحمد لله، يا رب يعدي الوقت بسرعة وتفوق وترجع تنوّر وسطنا تاني. فأضاف حسام بثقة: — إن شاء الله... الدكتور قاسم مهتم جدًا بحالة الآنسة أميرة، ما تقلقوش. تحدث أحمد رشدي بامتنان: — أنا واثق في كده، وعرفت من نهى إنه متابع مع الدكتور النفسي أول بأول. تلفّت حسام بعينيه يبحث عن من سرق قلبه، ولكن دون فائدة، فانتابه القلق، ونظر لقاسم يحثّه على التحدث. فانتبه قاسم لنظراته وفهم ما يريد فقال: — بصراحة يا أستاذ أحمد، إحنا جايين نتكلم في موضوع خاص بيكم. شجّعه أحمد رشدي لاستكمال حديثه قائلًا: — خير يا دكتور، اتفضل اتكلم. فنظر إليه قاسم بابتسامة: — ممكن بلاش ألقاب؟ حضرتك في مقام والدي. فابتسم له أحمد رشدي: — طبعًا، دي شرف ليا يا قاسم يا بني. فأردف قاسم بامتنان قائلًا: — الشرف لينا يا عمي، وكلامك ده شجّعني أدخل في الموضوع على طول... حسام دكتور شاطر جدًا، وإنسان محترم وخلوق، وبما إني صديق عمره، يشرفني إني أطلب إيد الآنسة نهى بنت حضرتك لحسام. تفاجأ أحمد رشدي بهذا الطلب، فهو لم يعرف حسام من قبل، وتساءل كيف يعرف ابنته، فتحدث قائلًا: — ودكتور حسام عرف نهى بنتي فين وإزاي وإمتى علشان ييجي يتقدملها؟ شعر حسام بتوتر ظهر جليًا على صوته: — كنت بشوفها في المستشفى لما كنت بتابع مع قاسم حالة الآنسة أميرة. ساد الصمت لثوانٍ، زاد فيها توتر حسام وقلقه، فقررت نوال أن تقطع هذا الصمت وتخفف من توتر حسام، الذي بدا واضحًا عليه. فهي شعرت بتوتر ابنتها مثله تمامًا، عندما صدع هاتفها باسمه من قبل، فتيقّنت أن ابنتها كانت تُخفي عليها معرفتها بحسام. فتحدثت نوال: — الكلام خدنا والقهوة بردت... تحبوا تشربوا إيه؟ فابتسم حسام قائلًا: — شكرًا لحضرتك، ولا حاجة. وليزيل قاسم التوتر أعاد سؤاله بهدوء: — رأيك إيه يا عمي في طلب حسام؟ أجابه أحمد رشدي برزانة: — يا بني، الموضوع ما يبقاش كده، أنا معرفش عن حسام حاجة، ولا عن عيلته. معرفش غير إنه دكتور في المستشفى بتاعتك. فقال حسام بتوتر: — حضرتك عايز تعرف إيه عني، وأنا هجاوبك بصراحة. شعر أحمد رشدي بالحرج قليلًا وتساءل: — المفروض أعرف مين عيلتك؟ أهلك؟ والدك ووالدتك؟ المفروض يبقوا موجودين معاك وإنت بتتقدم لبنتي. وطبعًا مع احترامي لقاسم، المفروض والدك هو اللي يطلبها مني... دي الأصول. شعر حسام بتوتر شديد، ولكنه فضّل أن يكون صريحًا جداً من أول لقاء، فلا مفر من الحقيقة قائلًا بثقة: — هكون صريح جدًا مع حضرتك، والدي سابنا وسافر من زمان ومعرفش عنه حاجة. والدتي هي اللي ربتني لوحدها، هي اللي خلتني دكتور شاطر في مجالي، هي كل أهلي وعيلتي وناسي. لو حضرتك شايف إني بكده مش مناسب... هقبل ده وهمشي فورًا. نظر قاسم إلى حسام ليطمئنه، لأنه شعر بكسرة قلبه ووجعه، الذي لم ينطفئ رغم كل هذه السنوات. فهو مثله بلا أب، يختلف عنه فقط بأنه يعرف والده ويعرف مكانه، لكنه لم يعرف معنى الأبوة قط. فتحدث قاسم ليدعم صديقه: — يا أستاذ أحمد، حسام بجد إنسان محترم وصادق وشارِي الآنسة نهى جدًا، وهيصونها. ومش بقول كده علشان هو صديقي، لا أبدًا والله... هو بجد كده. تفهم أحمد رشدي وضعه وشعر بحرج، فتحدث قائلًا: — أنا يهمني أطمن على بنتي، وده ما يزعلش. طبيعي إني أسأل عن حسام. اطمأن حسام قليلًا، ولكن ما زال الخوف يصدع بداخله: — حق حضرتك طبعًا، وعلشان كده قلت لحضرتك كل حاجة بصراحة. شعر أحمد بصدق حسام، ولا يعلم لماذا اطمأن قلبه لحديثه، وأحس بكمّ الحزن الذي ظهر على صوته عندما تحدث عن والده. فقرر ألا يُعير هذه النقطة أي اهتمام، وأن يسمع لقلبه. نظر له أحمد رشدي مبتسمًا: — وأنا مصدقك يا بني، ومعنديش مشكلة في أي حاجة قلتها. وأنا ليّا نظرة في الناس، وشايف إنك فعلًا راجل وهتصون بنتي. انتاب حسام حالة من الذهول ممزوجة بالفرح، لأنه ظن أنه سيتُرفض من قِبل أحمد بسبب هذه النقطة السوداء التي تُنغص حياته من حين لآخر، ألا وهي والده الغامض. ولكن سيطر فرح قلبه وتراقص بداخله، قائلًا: — يعني حضرتك كده موافق، صح؟ فأجابه بابتسامة: — أكيد، معنديش مانع... بس الرأي الأول والأخير لنهى، دي حياتها والقرار قرارها. ومن شدة فرح حسام، تحدّث بدون تفكير: — ممكن يا عمي تسألها عن رأيها دلوقتي؟ تعجب أحمد رشدي من تسرّعه: — الموضوع ما يبقاش بالسرعة دي يا بني، سبني يومين أعرف رأيها وأرد عليك. رأى قاسم علامات الحزن تتسلل إلى وجه حسام، فأراد أن يُفرح قلبه فتحدث قائلًا: — يا عمي، حسام جاهز وعايز يرتبط بالآنسة نهى بأقرب وقت، وخير البر عاجله، ولا إيه؟ نظر أحمد رشدي لزوجته، فشجّعته بنظرتها على قبول طلبهم، لأنها علمت أن هناك حبًا خفيًا متبادلًا بينهما. فذهبت نوال إلى غرفة نُهى، دقّت على الباب ثم دخلت. رأتها جالسة على فراشها تمسك بالمصحف، وكأنها تقرأ القرآن، لكنها كانت شاردة. فحدثتها بمكر: — قومي غيري هدومك، والبسي حاجة شيك وتعالي سلّمي على الضيوف. نظرت لها نُهى بتوتر: — مش لازم، دول ضيوف بابا مش ضيوفي... ومعلش يا ماما، أنا تعبانة وهأنام. فأمرتها نوال بنبرة صارمة لا تقبل النقاش: — مينفعش، باباكي عايزك برا. يلا بسرعة علشان تقدّمي لهم العصير. خرجت نوال مسرعة، ولم تُعطِ لها فرصة للرد. قامت نُهى بتوتر، وفعلت ما طلبته منها والدتها. خرجت تحدث نفسها عن ضرورة السيطرة على دقات قلبها المتسارعة حتى لا يراها هكذا فتضعف مرة أخرى. وأخذت العصير وذهبت لتقدّمه بخطوات بطيئة، وفور أن رأته ارتبكت وأشاحت بنظرها بعيدًا عنه. ولم يكن حاله عنها مختلفًا كثيرًا، فقد انتفض قلبه فور أن رآها، لقد اشتاق لها كثيرًا جدًا. ولم يُبعد عينَيه العاشقتين عنها حتى قاطعه صوت نوال: — اتفضل يا حسام يا بني، العصير... اتفضل يا قاسم يا بني. بعد أن قدّمت العصير، جلست بجوار والدتها ناظرة إلى الأرض، تفرك بكفّيها، تحاول إخفاء توترها، إلى أن حدّثها والدها قائلًا: — يا نُهى، الدكتور حسام جاي يطلب إيدك مني، وحابب يعرف رأيك دلوقتي. انتفض قلبها فرحًا مما سمعت، وتحدثت بدون تفكير، وفرحة ظهرت على صوتها: — اللي تشوفه يا بابا. تملّكت الفرحة قلب حسام، فنظر لقاسم، ودون تفكير خرجت كلماته متسائلًا: — هي كده وافقت، صح يا قاسم؟ زاد خجلها أكثر، ولم تعد قادرة على الجلوس معهم، فذهبت مسرعة. رأت نوال الفرحة في عيون ابنتها، فسعد قلبها هي الأخرى. ولم يختلف حال أحمد رشدي عنهم، فهو الآخر سعد لسعادة ابنته الواضحة كالشمس للجميع، ولحب حسام الظاهر أمامهم. فتسرّع حسام بقوله: — نِقرا الفاتحة بقى تبسّم أحمد رشدي من حديثه: — إنت مستعجل قوي يا بني! بس مينفعش، لازم والدتك تكون موجودة وخالك... دي الأصول يا بني. تغيرت ملامح حسام للقلق في ثوانٍ: — أكيد طبعًا، والدتي هتيجي بنفسها... بس يا عمي زي ما قلت لحضرتك، أنا للأسف مليش لا عم ولا خال، أمي هي كل عيلتي. شعرت نوال بحب تجاه حسام ولا تدري لماذا، فقالت: — ربنا يباركلك فيها يا بني... إحنا يهمنا إن بنتنا تكون مع راجل يصونها ويتقي الله فيها. نظر إليها حسام بفرح: — تسلمي يا طنط. طب ممكن نحدد معاد الخطوبة في أقرب وقت؟ فأجاب أحمد رشدي مبتسمًا: — ماشي يا بني، بما إنك مستعجل ونُهى موافقة، يبقى إن شاء الله الخطوبة بعد أسبوعين. فرح حسام بشدة، وفرح قاسم لسعادة صديقه. وغادرا معًا. ولكن في طريق عودته إلى البيت، كان هناك ما يُنغّص داخله بسبب ذلك الحديث عن والده. فهو يهرب دائمًا من الحديث عنه، ويعتبره في عداد الأموات. لاحظ قاسم تغير ملامح صديقه، وتلاشت الابتسامة عن وجهه، فعرف أنه ما زال يعاني من تلك النقطة السوداء، التي طالما كانت تؤلمه عندما يأتي الحديث عن ذلك الأب المسجَّل بالشهادة فقط. حاول أن يُخرجه من ضيقه، ولكن دون جدوى. ففضّل قاسم أن يصمت، لأنه يعرف أن حسام وصل لنقطة الصمت المؤلم، الذي لا يقل عن ألمه الساكن قلبه. فوالده أيضًا يوجد في حياته بالاسم فقط، فقد تركه والده القاسي دومًا صغيرًا، وحيدًا، لينعم بحياته مع زوجته، غير مبالٍ به. ******************************* "أحببتُ طيفاً" گ / الهام عمر شكرا جزيلا من قلبى لكل من يدعمنى بالتصويت اسعدكم الله اينما كنتم 🌹❤️ أرجو لكم قراءه ممتعه ويسعدنى إبداء رأيكم ودعمكم بالتصويت ❤️🌹 استودعكم الله دمتم بخير وسعاده سالمين 🌹

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أحببتُ طيفاً

المؤلف إِلْهَامُ القَلَمِ
2025/03/09 مكتملة
قائمة الفصول (36)
الفصل 1: المقدمه
2025/03/09
الفصل 19: شخصية جادة
2025/05/19
الفصل 20: قادر على التحدى
2025/05/19
الفصل 21: لهيب الغيرة
2025/05/19
الفصل 22: دفء اللحظات المنيسة
2025/05/19
الفصل 23: ظلال الماضي
2025/05/19
الفصل 24: أصداء الصدمه
2025/05/19
الفصل 25: وجع الفراق
2025/05/19
الفصل 26: ثبات زائف
2025/05/19
الفصل 27: بين الحنين والجفاء
2025/05/19
الفصل 28: لقاء مؤلم
2025/05/19
الفصل 29: أحببتُ طيفاً
2025/05/19
الفصل 30: صراع المشاعر
2025/05/19
الفصل 31: خطواتةنحو المواجهة
2025/05/19
الفصل 32: لقاء يبدد كل سنوات الفقد
2025/05/19
الفصل 33: لحظة المواجهة
2025/05/19
الفصل 34: اللحظة الحاسمة
2025/05/19
الفصل 18: كذبة بيضاء
2025/05/19
الفصل 17: فرحة القلب
2025/05/19
الفصل 1: الصدمة الخفيه
2025/03/09
الفصل 2: حادثة موت
2025/03/09
الفصل 3: غيبوبة غير متوقعه
2025/03/13
الفصل 4: قناع مزيف
2025/03/13
الفصل 5: لحظة ضعف
2025/03/13
الفصل 6: يوهم نفسه
2025/05/19
الفصل 7: اعتراف بالحب
2025/05/19
الفصل 8: حدث تاريخي
2025/05/19
الفصل 9: عفريته
2025/05/19
الفصل 10: خطة خبيتة
2025/05/19
الفصل 11: عقود شراكة
2025/05/19
الفصل 12: حالة جنون
2025/05/19
الفصل 13: قرار بالخطبة
2025/05/19
الفصل 14: جراح الماضي
2025/05/19
الفصل 15: حلم وردى ينعش قلبه
2025/05/19
الفصل 16: العوض الجميل
2025/05/19
الفصل 35: حيث ينتمي القلب
2025/05/19

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة