سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته -------------------------- وإن كان أمل العشاق القرب، أنا أملي في حبك هو الحب. حبى ليس ضعف،احتاج إليك كما يحتاج القلب إلى النبض تأنق قاسم بارتداء بدلة باللون الجمل وقميص أسود، وهندم شعره البني، وارتدى حذاءه اللامع، ثم نثر عطره. أخذ عقود الشراكة وقرار التعيين متجهاً إلى الشركة بمشاعر مختلطة؛ توتر وقلق، وفي نفس الوقت ثقة بأنه قادر على مواجهة أي شيء لإنقاذ الشركة. أثناء خروجه من غرفته الخاصة بالمستشفى، رأى حسام يقبل عليه، فتحدث إليه قائلاً: — أنا رايح الشركة دلوقتي. المستشفى مسؤوليتك، وأنا متأكد إنك قدها. نظر له حسام بثقة وأراد أن يطمئنه قائلاً: — متقلقش، وإن شاء الله ربنا يوفقك. هتنجح وتحقق هدفك. ارتسمت الراحة على ملامح قاسم وازدادت ثقته، فرد قائلاً: — إن شاء الله يا حسام. ادعيلي. هفضل مقيم بالمستشفى، لكن تركيزي هيكون للشركة في أول فترة. ربت حسام على كتفه قائلاً: — إن شاء الله خير. وعلى فكرة، نهى معاك وهتساعدك. كلمتني إمبارح وبلغتني بموافقتها. أجابه قاسم بنبرة هادئة: — كويس أوي. طمنتني. فكر حسام بتوتر قليلاً: هل يخبره بما قالته نهى عن علاقته بأميرة أم يصمت حتى لا يغضبه الآن ويخبره بعد ذلك؟ أم الأفضل أن يعرف الآن حتى لا يقع في أي مشكلة؟ ثوانٍ مرت عليه بحيرة وقلق. حسم حسام قراره بأن يخبره حالاً، فتحمحم قائلاً بتوتر: — ...نهى قالت لعمو أحمد إنك إنت وأميرة كنتوا تعرفوا بعض قبل الحادثة، وإنك كنت هتتقدملها، بس هي أجلت علشان تبلغ عمو أحمد، وبعدها تحدد لك معاد تقابله، والحادثة غيرت كل حاجة، وإنك ما حبيتش حد يعرف اللي بينكم إلا لما أميرة تفوق. انتابت قاسم حالة من الذهول، وسيطر عليه الصمت لثوانٍ. تشوش تفكيره وتوتر قليلاً، ولكن سريعاً ما سيطر على حاله واستجمع شتات عقله لأنه واثق تماماً في نفسه وعلى استعداد لأي شيء. إن ما حدث أفضل وعزز موقفه عند أحمد رشدي، فتحدث بثقة: — طيب، إنت متوتر ليه؟ نهى عملت الصح، واللي قالته ده هيفيدني جداً. لأني كنت قلقان إن عمو أحمد يعترض بشدة على وجودي ويحصل مشكلة بيني وبينه ما أعرفش أحلها. فاللي حصل في صالحي. اطمَن. ارتاحت ملامح حسام وزال التوتر عنه، فأجابه قائلاً: — طمنتني. روح إنت علشان ما تتأخرش. وهتلاقي نهى بانتظارك. أما ترجع، طمني عملت إيه. غادر قاسم المستشفى متجهاً إلى الشركة. وأثناء قيادته السيارة، ظهر طيفها المحبب لقلبه بالمقعد الذي بجواره، فشعر بالفرحة قائلاً: — كنت حاسس إنك هتظهري دلوقتي ومستنيكي. فالتفت طيف أميرة باستغراب متحدثاً: — غريبة . كل مرة بتتخض إزاي؟ المرة دي كنت متوقع ظهوري. ابتسم قاسم بحب قائلاً: — إحساس قلبي بيكي. توقعت وجودك معايا من دلوقتي. قاطعه طيفها بجدية: — المهم دلوقتي، عايزاك تكون واثق بكل كلمة تقولها، وتبان قوي، وبلاش تتوتر خالص. وخلي بالك إن وجودك مش هيكون مقبول بشكل كبير، فياريت ده ما ياثرش عليك ويخليك تتراجع أو يحسوا إنك مش واثق من نفسك. تحولت ملامح قاسم وكأنه تحول لشخص آخر في ثوانٍ؛ شخص جاد وصارم، عكس ذلك العاشق الذي كان عليه منذ ثوانٍ: — مش عايزك تقلقي. أنا واثق إني هقدر أواجه أي حد وأي مشكلة طول ما إنتي معايا. اطمني. وصل قاسم لمقر الشركة. دخل بخطوات ثابتة، مع نبرة من الثقة المفرطة التي جعلت الموظفين يلتفتون إليه بدهشة. ارتسمت الجدية على ملامحه، وقبل أن يصل إلى مكتب الاستقبال، توجهت نهى نحوه، وبدت كأنها تريد أن تستقبله بطريقة رسمية. دلف قاسم للمكتب والحقت به، شعرت بالارتياح من ثقته. بنفس تلك الجدية تحدث: — .آنسة نهى، بلغي إن فيه اجتماع مجلس إدارة بعد ساعة، وكل مدراء الإدارة ورؤساء الأقسام يكونوا موجودين. تفاجأت نهى، مترددة للحظة قبل أن ترد: — حاضر، حالاً. عندما نظرت إليه، لم تستطع إخفاء دهشتها. كان مختلفاً عن الصورة التي كونتها عنه في ذهنها؛ بدا وكأنه رجل أعمال متمرس أكثر من كونه طبيباً. لكن ملامحه الصارمة لم تترك مجالاً للشك. فحدثها بصرامة أكثر: — .آنسة نهى، اتفضلي اعملي اللي طلبته حالاً. ومش عايز أقابل حد لوقت الاجتماع. أي حد مهما كان. مفهوم؟ ارتبكت نهى من نبرته الصارمة، ولكنها تداركت الأمر: — حاضر يا فندم. وحالاً هبلغ بالاجتماع. تراجعت نهى بخطوات مرتبكة، تحدثت نفسها: — معقول قاسم يكون كده؟! كأن أميرة هي اللي في المكتب!! فور إغلاقها لباب المكتب، سمع قاسم صوت ضحكات صادرة من طيفها، ولكنه وقت العمل يكون صارماً لأبعد الحدود فنظر لها بملامح جادة: — ممكن أعرف بتضحكي ليه؟ أجابه طيفها بمرح: — أصل صراحة التحول اللي حصل لك غير متوقع! كأنك واحد تاني خالص لم يتخل عن جديته رغم ابتسامتها التي خطفت قلبه، ولكنه عندما يتعلق الأمر بالعمل، يتغير لشخص آخر. فحدثها بنفس نبرته الجادة: — يا ريت نخلينا في الشغل أفصل، وبلاش كلام ملوش لزمة. فتحمس طيفها قائلاً: — .تمام. دلوقتي لازم يكون عندك فكرة شاملة عن شغل الشركة علشان الاجتماع اللي طلبته، واللي أصلاً متفقناش عليه، وحضرتك اتسرعت شعر بالضيق لأنه لا يحب التدخل في طريقة عمله: — بصي بقى علشان نكون واضحين من البداية: أولاً، أنا عارف بعمل إيه وعندي شوية خبرة بالإدارة، وما هتفرق شركة عن مستشفى. ثانياً، الشغل هيمشي بطريقي بدون تدخل منك إلا إذا احتاج الأمر لده. المطلوب منك تعرفيني شغل الشركة عامل إزاي. إنما الشركة هتشتغل إزاي، وإيه اللي مفروض يتعمل علشان ترجع زي الأول وأحسن، ده قراري. تعجب طيفها من ثقته وهذا الجانب من شخصيته التي لم تعرفه بعد، ولكن أعجبها ذلك وتأكدت أنه اختيارها الصحيح، واطمأنت أن الشركة سيُحسن وضعها، فتحدثت قائلة: — أنا موافقة على كل اللي قلته، وبرضه هفضل معاك. اعتبريني سكرتيرتك الخاصة الخفية. فأجاب قاسم بملامح جادة ونبرة صارمة: — دلوقتي، عرفيني أسماء وطباع كل مدراء الشركة ورؤساء الأقسام وطريقة شغلهم. وبالفعل، قصت عليه أسماءهم وطريقتهم في العمل وطباعهم التي عرفتها من خلال التعامل معهم طوال السنوات الماضية. دلفت نهى للمكتب ثانية تبلغه بأن الاجتماع قد حان موعده، قائلة: — .باقي 10 دقائق على بداية الاجتماع يا فندم. فأشاح قاسم نظره لثوانٍ عن تلك الأوراق التي كان يتفحصها، قائلاً: — الأستاذ حازم لسه ما وصلش؟ شعرت نهى بالتوتر من ذكر هذا الاسم، فهي لم تتوقع أن يسأل عليه، فتحدثت قائلة: — لا يا فندم، الأستاذ حازم بلغ إنه مش جي النهاردة. شعر قاسم بتوترها، فحدثها بهدوء قائلاً: — تمام. بلغي الأستاذ أحمد رشدي يحضر الاجتماع. انتابها القلق منه، فكيف يكون بهذا الثبات وهذه الثقة والصرامة من أول يوم؟ فأجابته بتوتر قائلة: — لا يا فندم، لأن فيه مشكلة خاصة بالمصنع وهو مشغول بحلها. تذمر من تلك الإمبالاة، فأكثر ما يغضبه عدم الالتزام بالعمل، فحدثها بحدة: — آنسة نهى، اللي حصل ما يتكررش تاني. متتصرفيش من نفسك. واللي أطلبه منك تنفذيه بالظبط. شعرت نهى بالضيق من نبرته الحادة، فأجابته بضيق: — تمام يا فندم. خطأ مش هيتكرر تاني. بعدما اطلع قاسم على كثير من الملفات واستعد لذلك الاجتماع الذي صار كما أراد، انبهر كل المدرين بطريقته في العمل، عكس ذلك الحازم الذي لم يبال بسير العمل في الشركة ولم يهتم بالمشاكل التي وقعت في بعض إدارات الشركة بالفترة الأخيرة. وجه قاسم تعليماته لهم بكيفية سير العمل بطريقته الجديدة بالشركة من هذه اللحظة، وألزمهم بالتنفيذ وفق ما طلب بالظبط، وعمل تقارير أسبوعية له. فانبهر كل من كان بالاجتماع بطريقته في العمل، حتى نهى. وبعدما انتهى الاجتماع، توجه للمكتب طالباً من نهى أن تأتي معه. جلس على كرسيه يطلع على بعض الأوراق، محدثها دون النظر إليها: — اطلبي من الحسابات كل ملفات الحسابات الخاصة ب8 شهور اللي فاتت تكون موجودة على مكتبي في خلال نص ساعة. شعرت بالتوتر كون أن الحسابات تحتفظ بها هدير بمكتبها، وهي الآن ليست بالشركة، ولكنها قررت أن تعلمه بأي شيء يحدث مهما كان، فتحدثت قائلة: — حاضر يا فندم، بس رئسية قسم الحسابات مش موجودة. هي بتحتفظ بكل ملفات الحسابات في درج مكتبها، والمفتاح ديماً بيكون معاها. انفعل قاسم من ذلك الاستهتار القائم بالشركة، فكانت نبرته صارمة: — الدرج يتفتح بأي طريقة، والملفات تكون عندي من غير تأخير. فانصاعت لأوامره وأجابته: — تمام يا فندم. ظهر ذلك الطيف مرة أخرى متحدثاً: — طلبت الحسابات ليه؟ هو إنت بتفهم في شغل الحسابات؟ حدثها وهو يكمل اطلاعه على بعض الأوراق دون النظر إليها: — آه شوية. بس مش أنا اللي هُراجعها. أمسك قاسم هاتفه وقام بالاتصال بأحد أمهر المحاسبين بالبلد، وهو مدير حسابات المستشفى. بعدما أجاب الطرف الآخر، تحدث قاسم: — عزت، عايزك تجيلي حالاً. محتاجك تراجع حسابات مهمة. ظن عزت أنه بالمستشفى، فأجابه قائلاً: — حاضر يا دكتور. هجهز الحسابات اللي محتاج مراجعتك، ودقائق وأكون عندك. فحدثه قاسم ليوضح له الأمر الذي اختلط عليه: — مش حسابات المستشفى. أنا أقصد حسابات تانية خاصة بشركة واحد صاحبي، وإنت أشطر محاسب ممكن أثق فيه. وأنا مش موجود في المستشفى. هبعتلك اللوكيشن، تجيلي دلوقتي لو سمحت. قلق عزت أن يرفض، خاصة أنه لا يستطيع ترك العمل الذي يقوم به الآن بالمستشفى، ولعلمه جيداً أن قاسم جاد بالعمل، فاعتذر قائلاً: — للأسف مش هينفع يا دكتور دلوقتي، لأن في حسابات مهمة براجعها خاصة بالمستشفى. ممكن تخليها بكرة؟ علم قاسم مدى انشغاله، ورغم أنه يحب الالتزام بالعمل وقد اختار عزت لمعرفته كم هو جاد وذو ثقة، فأجابه قائلاً: — لا، بكرة إيه؟! لازم النهاردة. الساعة 7 بالليل هكون بمكتبي بالمستشفى. فأجابه عزت بهدوء: — تمام يا دكتور. هكون عندك في الميعاد. أنهى مكالمته وعاود مراجعة تلك الملفات الموضوعة أمامه بالمكتب. فحدثه طيفها قائلاً: — هتروح المصنع إمتى؟ أغلق قاسم تلك الملفات التي بيده ثم وضعها على المكتب ونظر إليها قائلاً: — مش هروح المصنع، لأن المفروض إن الأستاذ أحمد رشدي هو المسؤول عنه من زمان، وما يصح إطلاقاً إني أتدخل فيها. مش عايز يكون فيه ضغينة بيني وبينه. بس أكيد هتابع معاه، ولو فيه مشكلة هساعده في حلها. اقتنع طيف أميرة وازدادت ثقتها بأن قاسم سيكون عند حسن ظنها، فأجابته قائلة: — فعلاً عندك حق. لازم تكسب ثقة عمو أحمد، لأن ده هيساعدك كتير في إن الشركة ترجع زي الأول وتعدي الأزمة بسرعة. فحدثها بثقته المعهودة قائلاً: — أنا عارف هعمل إيه بالظبط علشان أخليه يثق فيا. بعد يوم طويل مرهق ذهنياً لقاسم، غادر الشركة ذاهباً للمستشفى. وما إن وصل، توجه إلى مكتبه ثم دلف وجلس على الأريكة المقابلة لمكتبه يريح جسده. وبعد دقائق، دلف إليه حسام محدثاً إياه: — طمني، حصل معاك إيه في الشركة؟ ظل قاسم على وضعيته ومسح على وجهه المتعب قائلاً: — ياه يا حسام، كان يوم متعب. بجد، اجتمعت بكل مدراء الشركة ورؤساء الأقسام أكتر من 3 ساعات، ده غير مراجعة أوراق وملفات كتير خاصة بالشركة والمصنع. أراد حسام أن لا يضغط على نفسه، فحدثه قائلاً: — .طيب وليه يا حبيبي ضغطت نفسك كده؟ كان ممكن تكتفي بالاجتماع بس وما تتعبش نفسك أوي كده. تفهم قاسم قلق حسام عليه، فطمئنه قائلاً: — كان لازم أعمل كده علشان أفهم كل حاجة ماشية في الشركة إزاي، وأعرفهم طريقي في الشغل، وألزمهم بيها من أول لحظة. يعني تعب كان لابد منه علشان ارتاح بعدين. تفهم حسام مقصده، فأجابه: — طيب، قوم غير هدومك وارتاح. واطمَن، الشغل في المستشفى ماشي تمام. اعتدل قاسم بجلسته يقاوم النعاس الذي بدأ يتسلل إليه قائلاً: — ارتاح إيه؟ مش هينفع، عندي اجتماع بعد نص ساعة مع عزت مدير الحسابات. طمأنه حسام قائلاً: — قلت ارتاح إنت، وأنا هراجع الحسابات مع عزت و... فقاطعه قاسم موضحاً سوء الفهم: — مقصدش حسابات المستشفى. أنا محتاجها علشان حسابات الشركة. تعجب حسام منه، فكيف رغم الإرهاق الواضح عليه يصر على إتمام ذلك الاجتماع؟ فقال: — أجلها لبكرة. شكلك مرهق جداً. أراد قاسم أن ينال قسطاً من الراحة، فلقد أرهق نفسه بشدة، ولكنه أصر أن يكمل حتى يطمئن على سير الأمور، فأجابه: — مش هينفع. إنت بس ابعتلي فنجان قهوة دوبل علشان أفوق وأعرف أركز. نظر حسام إلى حاله الإرهاق التي تسيطر على قاسم، فقرر أن يتركه ينال قسطاً من الراحة، وقام بالاتصال بعزت وتأجيل الميعاد الذي طلبه منه قاسم بحجة أنه ما جاءش بعد وسيكون موجود بالساعة 9 في انتظاره. بعدما انتهت من عملها بالشركة، رجعت نهى إلى البيت مرهقة من هذا اليوم الطويل المكتظ بالأعمال، حتى أنها لم ترد على مكالمات حسام لها من شدة انشغالها. اكتفت فقط بإرسال رسالة له تعتذر فيها عن عدم الرد وأخباره بمدى انشغالها. فور وصولها للبيت، وما إن رأتها والدتها التي خرجت من المطبخ للتو جالسة على الأريكة يرتسم على ملامحها الإرهاق، فحدثتها قائلة: — اتأخرتي ليه يا نهى؟ أجابت نهى بتعب: — .والله يا ماما، الشغل النهاردة كان كتير أوي في الشركة. تعجبت نوال من حالة الإرهاق البادية عليها: — وإشمعنى النهاردة يعني؟ ما كل يوم بترجعي بدري وتقولي مفيش شغل وملية وراجعة؟ نظرت نهى إليها بعيون يتسلل إليها النوم قائلة: — لا، النهاردة ما كانش يوم عادي في الشركة. النهاردة حصل حاجة شقلبت الشركة كلها على بعضها. تساءلت نوال بقلق: — إيه اللي حصل تاني؟ مش كفاية باباكي لسه راجع من شوية وبيقول إن المصنع كمان الشغل فيه مش تمام خالص؟ احكيني بالتفصيل. قامت نهى وتوجهت إلى غرفتها بخطوات بطيئة قائلة: — لا، أحكيلك إيه؟ أنا هروح آخد شاور أفوق... هو احنا مش هنتغدى ولا إيه؟ فأجابتها نوال وهي تتجه لإعداد السفرة: — يا حبيبتي، الغدا جاهز. ادخلي خدي شاور وغيري هدومك، وتكون السفرة جاهزة. رجعت نهى خطوتين للخلف وطبعت قبلة على وجنتها قائلة: — ممكن يا نوني يا قمر، إنتي نتغدى في الجنية برا؟ فأجابتها بحنان قائلة: — حاضر يا حبيبتي زي ما تحبي. جلس ثلاثتهم على مائدة الطعام الموضوعة بالحديقة الخلفية للفيلا، يتناولون الغداء باستمتاع بمنظر الورود الملتفة حولهم واستنشاق الهواء النقي المحمل برائحة الياسمين. وبعد أن انتهوا واحتسوا عصير المانجو المحبب لهم، قصت عليهم نهى كل ما حدث بالشركة من أول دخول قاسم المكتب إلى وقت مغادرته، تحت ذهول وصدمة نوال وأحمد رشدي. فأكملت حديثها لتهدئ من صدمة والدها حتى لا يقع جدال بينه وبين قاسم قائلة: — عارف يا بابا، الموظفين في الشركة كانوا مبهورين بقاسم ومعجبين بطريقته، وتوقعوا إن وضع الشركة هيتحسن في وقت قريب. اتسعت عيناه مصدومًا مما سمع، فتحدث بحدة قائلاً: — .إزاي؟ وإمتى؟ وليه قاسم يكون رئيس مجلس الإدارة وكمان شريك في الشركة والمصنع؟ حصل إمتى كل ده؟ حاولت نهى أن تكون هادئة قدر الإمكان حتى لا تثير غضبه قائلة: — إنت ناسي يا بابا إني حكيتلك عن علاقة أميرة بقاسم. استغربت نوال أيضاً، فكيف لأميرة أن تفعل كل ذلك دون أن تخبرها، فتساءلت: — معقول أميرة كانت تثق فيه للدرجة دي؟ طب إزاي وهي ما جابت سيرته خالص ولا كنا نعرفه؟ ازداد شعور أحمد رشدي بالضيق مما يحدث، فتحدث بحدة: — لا، العقود دي أكيد مزورة. أميرة مستحيل تخبي عليَّا حاجة زي دي. إزاي قاسم يبقى شريكها وما أعرفش؟ تمسكت نهى بنبرتها الهادئة لتخفف حدة الموقف، وأردفت قائلة: — يا بابا يا حبيبي، أنا شفت نسخة من العقود، تأكدت إنها أمضت أميرة، وكمان تاريخها كان قبل الحادثة بشهر، وده يؤكد إنها فعلاً ارتبطت بقاسم وكانت مستنية الوقت المناسب اللي تبلغك فيه. ومتنساش إن دي شركتها ومصنعها، وهي حرة. شعر أحمد بشيء من الهدوء أثر كلماتها الأخيرة، فأجابها: — عارف إنها شركتها ومصنعها، ماليش إني أتدخل في قراراتها... بس حقها عليَّا أنصحها وأحافظ عليها وعلى الشركة والمصنع. بالعقل كده، إيه اللي يخليني أثق زيك كده في قاسم يا بنتي؟ احنا ما تعاملناش معاه غير قليل... أيوه، هو باين عليه ابن ناس ومحترم وعنده مستشفى كبيرة، بس ما بنعرفش طباعه إيه. استغلت نهى هدوئه، فأرادت أن تنقل صورة قاسم التي رأتها اليوم قائلة: — والله يا بابا، لو كنت شفته عامل إزاي في الاجتماع، واهتمامه بكل مشكلة في الشركة، والتعليمات اللي الزم بيها الكل لتحسين وضع الشركة، هتعرف فعلاً إنه شخص كويس ونيته خير. اطمأنت نوال لحديثها ولتطمئن زوجها أيضاً قالت: — يا أحمد، ما تقلقش. ما يمكن فعلاً ده قرار أميرة، ونهى بتأكد إنه مهتم لمصلحة الشركة. ورغم حديثها، لم يقتنع أحمد رشدي بشكل كامل، وعزم على أن يرى بنفسه ما يحدث: — أنا لازم أروح الشركة بكرة وأفهم منه كل حاجة، وهعرف بطريقي إذا كان فعلاً زي ما بتقول نهى ولا بيداري حقيقته زي ما عمل حازم قبل كده وخدعنا كلنا. غفا قاسم على نفس وضعيته، ولم يشعر بالوقت الذي مر. أيقظه من نومه صوت دقات خفيفة متكررة على الباب. رمش بأهدابه عدة مرات حتى يستيقظ من نومه، واعتدل في جلسته، وأذن بالدخول لمن بالخارج. وكان حسام يحمل صينية بها بعض الطعام: كوبان من القهوة، فجلس بجواره ووضع ما بيده على الطاولة المقابلة لقاسم قائلاً: — قبل ما تتكلم وتتعصب، جيت أصالحك بفنجانين قهوة وسندوتشات كفتة. إنما إيه حكاية هناكل مع بعض؟ كان لازم أعمل كده. ما ينفعش أسيبك تضغط على نفسك أكتر من كده. كان لازم تنام علشان تعرف تركز. سعد قاسم بداخله، فهكذا دوماً تربطهم علاقة أخوة يخافون على بعضهم ويفعلون الصواب لبعض دائماً: — مش هتعصب. بالعكس، إنت عملت الصح. أنا فعلاً كنت مرهق جداً لدرجة إني ما حسيتش بنفسي ونمت. بس كنت بعاند... هتصل بقى بعزت؟ أمسك حسام بطبق الطعام الخاص بقاسم ومد يده ليحثه على تناوله قائلاً: — أنا كلمت عزت بعد ما خرجت من عندك وغيرت الميعاد، خليته 9 يعني فاضل 10 دقائق. يلا بقى ناكل قبل ما تشرب القهوة، أنا جعان أوي. انتهوا من تناول طعامهم، وقبل أن يحتسوا القهوة، صدرت دقات خفيفة على الباب، وكان هذا عزت مدير الحسابات. دلف إلى المكتب، جلس قاسم بمقعد مكتبه، وحسام وعزت بالمقاعد المقابلة له. فتحدث قاسم بتفهم: — ديماً مواعيدك مضبوطة يا عزت... المهم دلوقتي، لازم نراجع الحسابات اللي قلتلك عليها حالاً. فأجابه بهدوء: — تمام يا دكتور، تحت أمرك. هات الملف أراجعه بمكتبي وأكتب لحضرتك تقرير وأبعته بعد ساعة. أراد قاسم أن يقوم بالمراجعة معه حتى يعرف كيف تسير الأمور بكل تفاصيله، فتحدث قائلاً: — لا، احنا هنراجع مع بعض هنا في مكتبي، لأنه مش ملف واحد ده. أكتر من ملف، دي حسابات شهور. تعجب عزت من طلبه، فالأول مرة يهتم قاسم لمراجعة حسابات، فأجابه: — بس يا دكتور، صعب نراجع كل ده دلوقتي. ده محتاج يومين على الأقل. تفهم قاسم صعوبة مراجعة كل تلك الملفات بوقت قصير، ولكنه أصر على ذلك لأنه يحب أن يكون على علم بكل شيء قبل ذهابه مرة أخرى للشركة، فتحدث: — لااا، مش هينفع. لازم تتراجع كلها النهاردة، حتى لو سهرنا للصبح مش مشكلة. الحسابات دي مهم أعرف التلاعب فيها وصل لفين، وإذا نقدر نعوض الخسائر ولا لا. مهم جداً جداً الليلة أعرف. فاستسلم عزت لإصراره وأجابه بهدوء: — تمام يا دكتور. طالما مهم بالنسبالك أوي كده، يبقى نبدأ دلوقتي. وبالفعل، ظل ثلاثتهم يراجعون الحسابات بدقة متناهية حتى الفجر. قام ثلاثتهم بأداء صلاة الفجر، وبعد أن انتهوا من أداء الفريضة، عادوا لاستكمال التقرير وتسجيل الملاحظات الخاصة بالحسابات. وعند الانتهاء من كتابة التقرير، تحدث عزت: — التلاعب اللي في الحسابات ده مش أي شخص يعمله. ده شخص شاطر جداً، لأن مش من السهل إن أي محاسب يكشفه. ولأني بحب شغلي وشاطر فيه جداً، عرفته. تأكدت ثقة قاسم به التي طالما كانت كبيرة، فتحدث قائلاً: — كنت متأكد إنك هتظهر التلاعب بسهولة. كان حسام يجلس مذهولاً غير مصدق قائلاً: — أنا مش مصدق كمية التلاعب اللي حاصل. ده خسائر معدية 5 مليون جنيه! هتعمل إيه يا قاسم في المشكلة دي؟ فكر قاسم لثوانٍ فيما يجب فعله قائلاً: — أولاً، هحتاج عزت معايا في الشركة فترة مؤقتة علشان أتأكد إن اللي حصل ما يحصلش تاني. قاطعه عزت بهدوء: — بس يا دكتور، صعب إني أتابع حسابات المستشفى والشركة في وقت واحد. أعطى له قاسم كل الملفات قائلاً: — لا، إنت من النهاردة هتكون مسؤول عن حسابات الشركة بس، والمستشفى خلي أي حد من قسم الحسابات مكانك تكون واثق فيه، لأن الأهم في الوقت الحالي الشركة. استسلم عزت لطلبه وأجابه: — حاضر يا دكتور، بس ممكن تخليها من بكرة؟ شعر قاسم بالراحة حينما وافق عزت، فهو لا يريد إرغامه على العمل، ولكنه تيقن من موافقته، فحدثه: — تمام، مفيش مشكلة. اتفضل دلوقتي روح البيت ارتاح، وبكرة إن شاء الله تكون في الشركة. كان حسام يشعر بالتعب ولن يستطيع الاهتمام بالمرضى لو ظل مستيقظاً أكثر من ذلك، فقال: — نلحق بقى ننام ساعتين علشان عندي عمليات الصبح أنا وليليان. وإنت كمان نام علشان الواضح إنك قدامك شغل كتير في الشركة. لم يختلف شعور قاسم كثيراً عنه، فأجابه: — أنا فعلاً محتاج أنام. يا ريت تصحيني الساعة 10. فأجابه حسام بمرح سيطر عليه النعاس: — هو أنا كنت المنبه بتاعك؟! على العموم ماشي يا باشا. عد الجمايل بقى... تصبح على خير. غادر حسام متجهاً إلى غرفته لينال قسطاً من الراحة. تسطح قاسم على سريره بنفس ملابسه من شدة تعبه، طارداً من عقله التفكير في أي شيء، غارقاً في أحلام. رأها قاسم بهيئتها الخاطفة لقلبه؛ ترتدي فستاناً فضفاضاً زيتونياً رقيقاً يزيدها جمالاً، وتدور حول نفسها بسعادة بحديقة مليئة بالزهور الرائعة. وإذا بها تتوقف، ناظرة إليه بعينيها الزرقاوتين الصافيتين كصفاء السماء، ترتسم على شفتيها ابتسامة رقيقة أضفت على وجهها نوراً اجتاح كيانه. اتسعت عيناه ناظراً إليها بعشق يملأ عسليتيه، توجه نحوها بقلب يكاد يطير فرحاً برؤيتها هكذا، متغزلاً فيها قائلاً: أَسُوحُ بتلكَ العيُونْ على سُفُنٍ من ظُنُونْ هذا النقاءِ الحَنُونْ أَشُقُّ صباحاً أَشُقُّ وتَعْلَمُ عيناكِ أنِّي أُجَدِّفُ عَبْرَ القُرُونْ جُزْرَاً فَهَلْ تُدركينْ أنا أوَّلُ المُبْحِرينَ ******************************* "أحببتُ طيفاً" گ / الهام عمر شكرا جزيلا من قلبى لكل من يدعمنى بالتصويت اسعدكم الله اينما كنتم 🌹❤️ أرجو لكم قراءه ممتعه ويسعدنى إبداء رأيكم ودعمكم بالتصويت ❤️🌹 استودعكم الله دمتم بخير وسعاده سالمين 🌹
إِلْهَامُ القَلَمِ