لقاء مؤلم

لقاء مؤلم

19 0

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته -------------------------- أشرقت الشمس تنشر خيوطها الذهبية في يوم جديد يحمل معه الأمل. استفاق قاسم من نومه يتصبب عرقاً، ترتعش يده، لا يدري لماذا، هل من تلك الكوابيس التي طاردته كثيراً أثناء نومه؟ أخذ حماماً دافئاً لعله يزيل بعضاً من إرهاق روحه. بعدما انتهى، جاهد نفسه ليبدأ عمله ومتابعة حالات المرضى كي يتناسى بهم آلامه. خرج من غرفته بخطوات بطيئة، يعلو ملامحه الحزن. دلف إلى مكتبه وجلس على كرسي مكتبه بإهمال. أمسك بعض ملفات المرضى يتطلع عليها بعين تائهة وعقل شارد، غارقاً في وجع الذكريات المريرة، حتى أنه لم ينتبه لتلك الممرضة التي طرقت كثيراً على باب المكتب الذي تركه مفتوحاً. ظلت تطرق أيضاً على المكتب بدقات خفيفة متتالية: — دكتور قاسم... بلغوني بالاستقبال أن والد حضرتك الأستاذ ماهر رسلان قد وصل. لم يستمع إلى أي شيء مما قالته سوى ذلك الاسم الذي وقع كالصاعقة القوية على مسامعه. أفاقته. لم يعلق حتى بكلمة، فقط أشار لها بالخروج. تركته الممرضة وغادرت. وبسبب الاضطراب النفسي الذي كان أكبر أسبابه قسوة ذلك الأب، أخفى قاسم تماماً انهياره داخل أعماقه، يظهر عليه جلّياً هدوءاً ممزوجاً بالبرود رغم العاصفة الداخلية التي وصلت ذروتها عند معرفته أن بضع خطوات فقط تفصل بينه وبين رؤية والده التي كان دوماً يغشي عليها ويتناساها، ظناً منه أنها لن تحدث أبداً. دلف ماهر رسلان غاضباً من قاسم، من عدم استقباله له: — أنت شايف اللي عملته ده صح يا دكتور قاسم؟ معقول بعد سنين غيابي دي كلها مش عارف تفضي نفسك ساعة تكون في استقبالي أنا وأخواتك بالمطار؟ لم يرفع قاسم نظره عن تلك الورقة التي بيده، محاولاً ألا تضغط عليه عاصفة قلبه، متمسكاً بلامبالاة وبرود مزيفين: — حضرتك جيت فجأة... وماكنش عندي علم برجوعك أصلاً. وماعتقدش وجودي في استقبال حضرتك من عدمه هيفرق معاك أو مع اخواتي كتير. أثار برود قاسم المتعمد غضب ماهر رسلان، فخرج صوته حاداً: — لما أكلمك تبص عليا. والمفروض يا دكتور إن من الاحترام إني لما أكلمك تسيب اللي في إيدك. والمفروض إن دي الأصول والواجبات اللي عليك اتجاه أبوك. ولا أنت نسيت إني أبوك؟ مش كفاية عدم اتصالك وسؤالك عليا وعلى أخواتك؟ ترك قاسم الأوراق التي بيده غير مبالٍ بغضب والده، متمسكاً بهدوئه لأقصى درجة: — يمكن... بس لو كنت نسيت الأصول، أكيد في أسباب. وبالنسبة لاتصالي وسؤالي على حضرتك، أظن مكنش مهم. يكفيك وجود أولاد حضرتك جنبك، واللي بتقول عليهم اخواتي ميعرفونيش أصلاً ولا أنا أعرفهم. ولا فرق مع حضرتك السنين اللي فاتت دي كلها علشان يفرق دلوقتي. نظر إليه ماهر بعيون قاسية تملؤها التحدي، قائلاً بحدة: — أنا عارف إنك شايفني أب قاسي. ولكنك غلطان. وحتى فعلاً لو أنا قاسي، فده علشان مصلحتك، وده اللي خلاك توصل لللي أنت فيه. المفروض تشكرني بدل ما تعمل فيها الضحية. نهض قاسم من كرسي مكتبه واتجه بخطوات بطيئة للكرسي المقابل لماهر، ثم جلس واتكأ للخلف ناظراً إليه ببرود: — اللي أنا فيه دلوقتي بفضل أمي الله يرحمها وحلمها اللي كان بيشجعني أكمل. ولو كلامك صح بأن اللي انت عملته هو اللي خلاني أنجح، فصدقني كنت أتمنى أفشل. انفعل ماهر رسلان من ردود قاسم الباردة، وضع ساقاً فوق الأخرى بتعالٍ وضيق: — اللي بتقوله ده كلام فاضي. كلام ناس ضعيفة، وأنا مريتكش على الضعف. لو كانت أمك لسه عايشة وهي اللي ربتك، كان زمانك إنسان ضعيف بيتحكم فيه عواطفه وعمرك ما كنت وصلت لللي أنت فيه دلوقتي. والفضل كله لتربيتي اللي انت شايف إنها قاسية من وجهة نظرك. قطع قاسم حديثه بنبرة صارمة ولكنه حافظ على هدوئه: — الفضل كله لأمي. وإذا في حد تاني ليه فضل عليا، أكيد مش هيكون انت. وحضرتك، الضعف إن الإنسان يهرب من أخطائه. أنا قابلتك هنا احتراماً لوجودك في المستشفى بتاعتي. لكن لو جاي تعاتب وتثبت إنك صح، يبقى للأسف المقابلة انتهت. نهض ماهر مصدوماً من حديثه ونبرته غير المتوقعة ولا المقبولة: — انت بتطردني؟!! نهض قاسم واتجه إلى كرسيه المتحرك خلف مكتبه، ممسكاً تلك الأوراق مرة أخرى: — لا، أنا بس بحط حدود. حاجة يمكن متعلمتهاش منك. نظر قاسم إلى الأوراق بضجر، وغادر ماهر رسلان مكتب قاسم غاضباً. فور خروجه، أغلق الباب خلفه بقوة. فقد قاسم تماسكه وهدوءه وبروده المزيف. وقع قناع الاتزان، مستسلماً لكل تلك العواصف بداخله، بحالة هستيرية من البكاء ممزوج بالضحك، حالة غريبة من الانهيار. لم يعد يمتلك زمام أمره. قد فاض به الألم والوجع. انهار آخر أمل له في علاقته بوالده. كان ينتظر سنوات وسنوات ضمة حنان منه، كلمة تطيب خاطره، تعويضاً عن حرمانه وقسوته تلك السنوات. توقف عن الضحك وظل يبكي بمرارة وقهر. قطع والده آخر أمل له بأن يكون أباً كما تمنى ولو لمرة واحدة. وعلى حاله مع تلك الأميرة التي أعطته أملًا زائفاً، أو بالأحرى هو ما تمسك بأمل زائف من صنع خياله، أوهام أغرق فيها نفسه بإرادته. دلف حسام إلى مكتب قاسم مصدوماً مما رأى. أسرع إليه ممسكاً بذراع قاسم، يجذبه لحضنه، يمسد على ظهره، يحاول تهدئة جسده المرتعش. يقتلع قلبه حزناً شهقات رفيقه المكتومة. جذبه حاضناً إياه، متجهاً إلى غرفته. وضعه بهدوء داخل سريره، دثره بالغطاء، وتركه ثوانٍ. أتى بحقنة مهدئة أعطاها له، وظل بجانبه يقرأ عليه بعض آيات القرآن إلى أن تلاشت شهقات قاسم وسكن جسده، مستسلماً رغماً عنه لأثر ذلك المهدئ القوي. خرج حسام من الغرفة ببطء شديد، ثم أغلق الباب واتجه إلى مكتبه ليهاتف الطبيب النفسي. دلف إلى مكتبه وارتمى بجسده على تلك الأريكة الموضوعة بركن مكتبه، وضع يده على رأسه كأنه يحاول ترتيب أفكاره. ظل هكذا بضع دقائق، ثم أخرج هاتفه وقام بالاتصال بدكتور وائل الطبيب النفسي الذي كان يتابع لديه قاسم من قبل. فلم يتبق لديه خيار آخر. قد حاول كثيراً أن يجعل قاسم يذهب لطبيبه النفسي لكنه كان دوماً يتهرب ويطمئنه أنه بخير. ولكنه لم يعد يطيق هذا الانهيار الذي يهوي فيه رفيقه طيلة الأيام الماضية. انتظر رد الطبيب وائل ثوانٍ مرت على حسام ثقيلة: — الو... مساء الخير يا دكتور وائل. أخبار حضرتك إيه؟ أجاب الطبيب وائل: — الحمد لله بخير. بقالك زمان مكلمتينيش. طمني، أخبارك إيه؟ لم يعرف حسام كيف يرتب كلماته. كان وضع قاسم يخيم على تفكيره: — يا دكتور... قاسم رجع يتعب من تاني. خاصة الفترة الأخيرة دي، ديماً متوتر ومش بيعرف ينام غير بالمهدئات. ومنهار تماماً. وخايف الموضوع يكبر عن كده ويئذي نفسه. ورافض يرجع يتابع مع حضرتك. وأنا مش عارف أعمل إيه. تفهم وائل توتر حسام الواضح من نبرة صوته، وأجاب بهدوء: — أولاً يا حسام، حاول تقنعه يرجع يتعالج من تاني من غير ما تضغط عليه، لأنه لو فضل رافض كده ممكن وضعه يسوء جداً ويفكر بالانتحار. انتفض حسام من جلسته وشعر بغصة تملكت قلبه من آخر كلمات وائل. شل عقله لثوانٍ رعباً، واختنق صوته: — معقول يا دكتور؟ ممكن توصل لكده؟! انتحار؟! مش ممكن مش قاسم أراد وائل أن يطمئنه قليلاً، ولكن الوضع الذي وصفه لا يطمئن من الأساس، ويجب عليه أن يحذر حسام ويعلمه بخطورة الوضع: — مش هكذب عليك يا حسام. الوضع فعلاً خطير. والأفضل إن قاسم يبدأ العلاج بأسرع وقت. أجابه بصوت حزين منخفض: — بس هو رافض تماماً. حاولت والله. أجابه وائل بقلّة حيلة: — طيب يا حسام، أنا هكتبله أدوية مضادة للاكتئاب علشان يخفف حدة الأعراض دي. بس المهم تحاول تاني وتقنعه. ولازم تكون معاه معظم الوقت وتبلغني كل حاجة بالتفصيل. وهفضل معاك خطوة خطوة لحد ما يوافق وأشوفه. وبالفعل أملى عليه أدوية الاكتئاب ومواعيدها والجرعات. وشدد وائل على الالتزام بها. فتعجب حسام من قوة هذه الأدوية فتساءل بخوف: — بس يا دكتور الأدوية دي تأثيرها قوي ليه؟ مايرجعش ياخد الأدوية اللي كان بياخدها قبل كده؟ قاطعه وائل مفسراً: — الواضح إن قاسم أصلاً بياخد أدوية الاكتئاب اللي كان بياخدها قبل كده وبجرعات متلخبطة وطريقة عشوائية. وده اللي خمنته من الوضع اللي فيه دلوقتي. فالأفضل تلتزم باللي قلته. ولازم تراقبه كويس. أنهى حسام المكالمة وأطاح بهاتفه على الطاولة المقابلة له. ثم رفع قدمه وأسندها على تلك الطاولة، ورجع بجزعه للخلف وأسند رأسه على تلك الأريكة التي يجلس عليها. ورغماً عنه انسابت الدموع من عينيه. لم يحرك ساكناً، ناظراً إلى سقف الغرفة، ولكن عقله كان في صراع وقلبه كان يصرخ بداخله من الألم. بعد مرور بعض الوقت، توجه إلى كافيتريا المشفى. وجد ليليان تجلس على طاولة بجوار النافذة. ذهب يطلب لنفسه طبق المكرونة بالصلصة البيضاء والمشروم الذي يحبه كثيراً، وطلب لليليان مثله. ولكنه دوماً يطلب عدم إضافة صلصة الصويا من طبقه بسبب حساسيته منها. وعاد يجلس مقابلها. عندما وصلت الطلبات، وضع النادل الطبق أمام ليليان بابتسامة، بينما بدأ حسام في تناول طعامه. نظر لها مبتسماً وهو يأخذ لقمة: — ده بقى طبقى المفضل. أكلة جميلة هتعجبك. ابتسمت ليليان وهي تأخذ أول قضمة من المكرونة: — على فكرة ده طبقى المفضل أنا كمان. الطعم كان لذيذاً، لكن فجأة شعرت بحرقة في حلقها تبعتها حكة شديدة. وسرعان ما بدأت تشعر بصعوبة في التنفس: — حسام... مش قادرة أتنفس!! ترك حسام شوكته ونظر إليها بخوف: — إيه اللي حصل؟!! بدأت ليليان تشير إلى طبقها وهي تحاول أن تتكلم بصعوبة. نظر حسام إلى الطبق ثم استوعب فجأة: — عندك حساسية من حاجة في طبق المكرونة؟!! حسام وقد اتسعت عيناه: — يا خبر!!! ده فيه صلصة الصويا ومشروم؟!! نهض بسرعة واتجه إلى النادل: — هاتوا مضاد للحساسية بسرعة. هي عندها رد فعل تحسسي. عاد حسام إلى ليليان وهو يحاول تهدئتها: — هتكوني كويسة... ما كنتش أعرف إن عندك حساسية!! بعدما أعطاها الحقنة وهدأت قليلاً، نظر لها مبتسماً: — أنا أسف جداً... تعرفي إن عندي حساسية من صلصة الصويا وطلبت يشيلوها من طبقى. لكن انتى؟!! تعجبت كثيراً. ارتشفَت قليلاً من الماء مبتسمة: — مفيش داعي للاعتذار... أنا كمان عندي حساسية من صلصة الصويا!! بعد أن هدأت ليليان قليلاً، كان حسام يجلس بجوارها، يراقبها بعينيه الخضراء. ثم أخذ نفساً عميقاً وهو يفكر في نفسه: — إزاي ما كنتش أعرف؟! مش معقول، يعني أنا عندي نفس الحساسية دي وهي كمان عندها؟!!! شعر بحيرة غريبة داخله. حاول أن يتجاهل الفكرة التي بدأت تتكون في ذهنه. يمكن تكون صدفة... لكن دي مش أول مرة بحس إن في حاجة غريبة بيننا. ليه دايماً كل حاجة كأنها بتربطنا ببعض أكتر؟ ثم نظر إلى ليليان بابتسامة خفيفة بعدما اطمئن أنها سارت بخير. جلست إيناس النجار في صالون منزلها، تنتظر نوال السعداوي والدة نهى، بعدما هاتفَتها منذ أكثر من ساعة. لم تدم المكالمة سوى دقيقة واحدة، لكنها كانت كافية لتزرع القلق في قلبها بسبب نبرة صوت نوال المتوتره كانت كافيه لزرع شعور عدم الراحه بداخلها. ولأن عقلها كان شارداً، لم ترَ نوال حينما دلفت بعد أن فتحت لها الخادمة. قابلتها بترحاب شديد. جلست نوال بتوتر لا تعلم كيف تبدأ الحديث. أخذت رشفة من فنجان القهوة التي قدمته لها منذ قليل. ترددت للحظة تحاول تهدئة أفكارها المضطربة: — إيناس، انتِ عارفة غلاوتك عندي. انتِ وحسام. علشان كده أنا هدخل في الموضوع على طول. يعلم الله اللي خلاني أجي وأحكيلك. إنه مهم عندي مصلحة بنتي. وحسام غالي عليا كأنه ابني. علشان كده مش عايزة يكون في بينهم مشكلة تؤثر على علاقتهم ببعض. تركت إيناس فنجان القهوة بعدما ارتسم القلق على ملامح وجهها: — خير يا نوال؟ قلقْتيني. في إيه؟ تنهدت نوال بعمق ثم تحدثت بضيق غلب على نبرة صوتها: — مش قادرة أستوعب اللي حكته لي نهى... قالت لي إنها شافت حسام كان بيحضن ليليان!! مش بس كده، كمان سمعت ليليان بتقول كلام مش مقبول. أنا مش مصدقة إن حسام ممكن يتصرف كده!! تجمدت إيناس لثوانٍ تستوعب ما سمعت. تمسكت بهدوئها: — هدي نفسك يا نوال. أنا متأكدة إن الموضوع مش زي ما نهى فهمته. حسام مش من النوع اللي يتصرف بطريقة غلط. أكيد ده سوء تفاهم مش أكتر. هزت نوال رأسها بإصرار. غلبها الصمت لثوانٍ ثم تساءلت: — طيب إيه تفسير اللي شافته؟! واللي سمعته؟! وبعدين ليليان بتقرب من حسام أكتر من اللازم. وحسام ازاي يتقبل ده كأنه عادي؟! فكرت إيناس بعقلانية وتحدثت بهدوء: — يمكن لأن ليليان متربية في مجتمع مختلف تماماً. فالحضن هناك شيء طبيعي للتعبير عن الامتنان أو الراحة. وممكن حسام كان بس بيحاول يهديها... انتي عارفة قد إيه هو حساس. لم تستطع إيناس أن تبث الهدوء بداخل نوال. وغلب على نبرة صوتها الضيق: — حساس؟!! ده مش مبرر إحنا عارفين إن ده حرام وميصحش حسام لازم يفهم إن تصرفاته دي غلط وبتأثر على حياته مع نهى. تفهمت إيناس ضيقها وحدثتها بلطف وهدوء: — أكيد يا نوال عندك حق. وأنا فاهمة قلقك. بس صدقيني نهى يمكن تكون فهمت الأمور بطريقة غلط بسبب غيرتها أو لأنها مش معتادة على تصرفات ليليان. خليني أتكلم مع حسام بهدوء وأفهم منه. أنا واثقة إن الموضوع فيه سوء تفاهم. ترددت نوال قليلاً قبل أن تجيب بهدوء: — طيب يا إيناس. بس أنا مش قادرة أطمن. أنا متأكدة إن حسام عمره ما كان يعمل حاجة تغضب ربنا. بس الموقف اللي شافته نهى ما يتسكتش عليه. نظرت إيناس إليها بثقة ثم أجابتها بحزم: — أوعدك إني هتكلم معاه. ولو في حاجة فعلاً تستدعي القلق... لكن ثقي في حسام. دايماً بيحسب تصرفاته كويس. جلست إيناس بعد خروج نوال للحظات تفكر في كلماتها. لم يكن القلق عادة يسيطر عليها، لكنها لم تستطع تجاهل ما سمعته. كيف يمكن لحسام الذي يعرف تماماً الحدود بينه وبين الآخرين أن يضع نفسه في موقف كهذا؟ أخذت نفساً عميقاً، ثم قررت: — لازم أشوف حسام بنفسي وأفهم منه الموضوع. مش هرتاح غير لما أسمع الحقيقة من لسانه. حسمت أمرها وقررت التوجه إلى المستشفى. توجه حسام إلى غرفته. استكان بجسده على فراشه يحاول أن يتخلص من كل هذا الصراع. وقبل أن يغلق عينه، تذكر نهى. تشتت عقله أكثر. كيف لم يهاتفها كل تلك الأيام الماضية؟ وحتى هي لم تهاتفه ولو لمرة واحدة. اعتدل بجلسته وأمسك هاتفه وهاتفها مراراً وتكراراً دون جدوى. لم تجب عليه. تأفف محدثاً نفسه: — فينك يا نهى؟ محتاجك جنبي. محتاج أتسند عليكي. عاود الاتصال بها مرة أخرى ولكن بلا فائدة. فقرر أن أول شيء يفعله بعد الاطمئنان على قاسم أن يذهب لرؤية نهى. وقبل أن يستعد للنوم، صدع أذان الفجر. قام وتوضأ وأحسن صلاته، وظل يناجي الله أن يزيل هم رفيقه، وأن يستطيع إقناعه بالذهاب للطبيب، وأن يشفى تماماً. كفاه ألماً كل تلك السنوات. بعدما انتهى، توجه إلى سريره وتسطح بإهمال. استفاق في اليوم التالي بجسد متعب. فهو لم ينم سوى ثلاث ساعات. كاد أن يعود لنومه مرة أخرى ولكنه نهض وتوجه إلى غرفة قاسم ليطمئن عليه. قام بطرق باب الغرفة طرقات خفيفة. ثم فتح الباب ولكنه فوجئ بعدم وجود قاسم. تسارعت الظنون والأفكار السوداء داخل عقله. فهرول إلى مكتبه مرة أخرى. أمسك هاتفه وقام بمهاتفة قاسم ولكن هاتفه كان مغلقاً. أسرع إلى استقبال المستشفى وسأل موظف الاستقبال الذي أبلغه بأن قاسم قد غادر المستشفى منذ نصف ساعة. وضع يده على رأسه والتفت يميناً ويساراً وهم بمعاودة الاتصال، ولكنه وجد رسالة من قاسم يطمئنه بأنه خرج ليسير في الهواء الطلق دون هدف ولا مكان معين وسيعود وأن لا يقلق عليه. شعر حسام بالراحة قليلاً وقرر أن يبدل ملابسه ويذهب ليرى نهى. بعدما انتهى، توجه لسيارته وهو يحاول الاتصال بها ولكن هاتفها مغلقاً. ركب السيارة متجهاً إلى بيتها. بعد حوالي نصف الساعة، وصل حسام إلى فيلا أحمد رشدي والد نهى. دلف حسام إلى الداخل بعدما فتحت له تلك الخادمة وأجلسته بالصالون وأبلغت نوال بقدومه. التي تعجبت من مجيئه بهذا الوقت المبكر. لم ترد أن تتدخل بينهم وفضلت أن تتظاهر بعدم معرفتها بشيء وأن تتعامل معه بشكل طبيعي، خاصةً أنها ليست متأكدة إذا كانت إيناس تحدثت معه أم لا. فذهبت لترحب به. وعندما وصلت إليه وجدته يسير يميناً ويساراً بتوتر ظاهر عليه. كان وجهه شاحباً وعيناه يحيط بهما سواد كأنه لم يذق طعم النوم لأيام. نظراته حزينة وكأن الحزن أرهقه. وبشرته الباهتة تعكس ثقل ما يحمله داخله. فلان قلبها وتناست ضيقها منه: — إزيك يا حسام؟ عامل إيه؟ توقف وأرغم شفتيه على الابتسام: — الحمد لله يا طنط. بخير. حضرتك عاملة إيه؟ نظرت إليه بقلق ولكنها تبسمت قائلة: — اتفضل يا حبيبي اقعد. واقف ليه؟ جلس بحرج عندما أدرك لتوه أن الوقت لا يزال مبكراً: — أنا أسف إنى جيت بدرى ومن غير استئذان. بس اتصلت كتير بنهى مش بترد. وبعدها تليفونها كان مقفول. تقريباً فصل شحن. توترت قليلاً ولكنها حافظت على ثباتها: — لا يا حبيبي متقولش كده. انت تجي بأي وقت. بس شكلك متغير. ليه؟ ووشك أصفر. انت تعبان؟ شاح بنظره بعيداً وتلعثمت كلماته بسبب تفكيره وقلقه بماذا يفعل قاسم الآن: — مفيش حاجة. ممكن بس من ضغط العمليات وكمان مش بنام كويس. متقلقيش. ممكن أشوف نهى؟ توترت من طلبه ولكنها قررت أن لابد من المواجهة: — لسه نايمة. هروح أصحيها وأبلغها إنك هنا. روح استناها في الجنينه وأنا هبعتلك القهوة. ذهب حسام للانتظار في الحديقة الخلفية للفيلا. وذهبت نوال لتخبر نهى كي تقابل حسام وتتحدث معه دون تدخل أحد. ولكن كيف تقنعها بذلك؟ ذهبت لغرفة نهى وأيقظتها وأقنعتها بأنها ستعد الفطار وسيتناولونه معاً في الحديقة الخلفية، ويجب أن تسرع وتنتظرها هناك لحاجتها لها بأمر هام. وبالفعل ذهبت نهى بعدما بدلت ثياب النوم بملابس بيت مريحة، وهي عبارة عن تريننج رياضي ارتدته لتقوم ببعض التمارين قبل الإفطار. توجهت نهى إلى الحديقة وهي لا تعلم بوجود حسام هناك. شعرت بالذهول فور رؤيته وتبست مكانها بعيون متسعة وقلب تتسارع نبضاته. كان مشغولاً ناظراً لهاتفه يحاول الوصول لقاسم. التفت فوجدها تقف على بعد خطوات خلفه. نظر إليها بصدمة من هيئتها. وجهها الشاحب، تكسو عيناها تلك الهالة السوداء، وفقدت الكثير من وزنها. عصفت التساؤلات بعقله: كيف؟ متى؟ ولماذا؟ هل يعقل أن أصابها شيء خطير أوصلها لهذا الوضع في تلك الأيام الماضية وهو لا يعلم؟ ما الذي حدث؟ بثوانٍ هرول إليها واحتضنها بشدة: — طمنيني. مالك يا نهى؟ ابتعد عنها قليلاً ونظر إليها بحزن: — مالك يا نور عيني؟ إيه اللي حصل؟ أرجوكي اتكلمي. هموت من الخوف عليكي. كل هذا يحدث وهي بعالم آخر لا تشعر بأي شيء سوى بألم قلبها الذي باغتها. لم تعِ ولم تسمع أي كلمة مما قاله. ظل يتحدث. أمسك ذراعها يهزها بخفة ولكنها كانت كالتائهة. دقيقة مرت دون أي رد فعل منها. حتى عيناها تحجرتا. فجأة انتفض جسدها وأزاحت حسام بكل ما تملك من قوة، ولكنها هزيلة، لم يتزحزح سوى خطوة للوراء. رفعت يدها محذرة إياه بسبابتها بغضب يكسو مقلتيها: — ابعد عني! متلمسنيش! انت فاهم؟ صدمه حديثها. واتسعت عيناه بذهول من غضبها. اقترب خطوة منها: — فيه إيه يا نهى؟ لو زعلانة مني بسبب انشغالي عنك الأيام اللي فاتت، والله غصب عني. قاسم تعبان أوي ولازم… قاطعته بصفعة قوية على خده جعلته صامتاً دون حراك. فقط عينان يتطاير منها الغضب ممزوجاً بالصدمة. كور يده وقبض عليها بغضب. فتحدثت هى بحدة وصرامة: — انت واحد خاين. ومش عايزة أشوف وشك تاني. طلقني يا حسام. ثم تركته وغادرت مسرعة قبل أن يطغى انهيارها الداخلي ويرى ضعفها. ذهبت لغرفتها ارتمت على فراشها وانهارت بالبكاء كاتمة صوتها: — جي دلوقتي يكذب عليا. أنا عارفة إنه كان معاها. مش قادر يسيبها. ما فكرش يسأل عني ولا حتى حس بغيابي. بس خلاص. ده واحد خاين. مايهمينيش في شيء سواء معاها أو مع غيرها. أما حسام، فور أن اختفى أثرها من أمام عينه، غادر مسرعاً قبل أن يثور عليها ويخسر نفسه قبل أن يخسرها. ركب سيارته وقادها بسرعة جنونية لا يدري أين يذهب أو في أي طريق يسير. كانت صفعتها وكلمة الطلاق التي تفوهت بها أعمت بصره وشلت عقله. ******************************* "أحببتُ طيفاً" گ / الهام عمر شكرا جزيلا من قلبى لكل من يدعمنى بالتصويت اسعدكم الله اينما كنتم 🌹❤️ أرجو لكم قراءه ممتعه ويسعدنى إبداء رأيكم ودعمكم بالتصويت ❤️🌹 استودعكم الله دمتم بخير وسعاده سالمين 🌹

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أحببتُ طيفاً

المؤلف إِلْهَامُ القَلَمِ
2025/03/09 مكتملة
قائمة الفصول (36)
الفصل 1: المقدمه
2025/03/09
الفصل 19: شخصية جادة
2025/05/19
الفصل 20: قادر على التحدى
2025/05/19
الفصل 21: لهيب الغيرة
2025/05/19
الفصل 22: دفء اللحظات المنيسة
2025/05/19
الفصل 23: ظلال الماضي
2025/05/19
الفصل 24: أصداء الصدمه
2025/05/19
الفصل 25: وجع الفراق
2025/05/19
الفصل 26: ثبات زائف
2025/05/19
الفصل 27: بين الحنين والجفاء
2025/05/19
الفصل 28: لقاء مؤلم
2025/05/19
الفصل 29: أحببتُ طيفاً
2025/05/19
الفصل 30: صراع المشاعر
2025/05/19
الفصل 31: خطواتةنحو المواجهة
2025/05/19
الفصل 32: لقاء يبدد كل سنوات الفقد
2025/05/19
الفصل 33: لحظة المواجهة
2025/05/19
الفصل 34: اللحظة الحاسمة
2025/05/19
الفصل 18: كذبة بيضاء
2025/05/19
الفصل 17: فرحة القلب
2025/05/19
الفصل 1: الصدمة الخفيه
2025/03/09
الفصل 2: حادثة موت
2025/03/09
الفصل 3: غيبوبة غير متوقعه
2025/03/13
الفصل 4: قناع مزيف
2025/03/13
الفصل 5: لحظة ضعف
2025/03/13
الفصل 6: يوهم نفسه
2025/05/19
الفصل 7: اعتراف بالحب
2025/05/19
الفصل 8: حدث تاريخي
2025/05/19
الفصل 9: عفريته
2025/05/19
الفصل 10: خطة خبيتة
2025/05/19
الفصل 11: عقود شراكة
2025/05/19
الفصل 12: حالة جنون
2025/05/19
الفصل 13: قرار بالخطبة
2025/05/19
الفصل 14: جراح الماضي
2025/05/19
الفصل 15: حلم وردى ينعش قلبه
2025/05/19
الفصل 16: العوض الجميل
2025/05/19
الفصل 35: حيث ينتمي القلب
2025/05/19

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة