"لَا..."
خَرَجَتِ الكَلِمَةُ مِنْهَا هَمْسًا مُتَشَقِّقًا، أَشْبَهَ بِزَفِيرِ جُرْحٍ قَدِيمٍ. تَقَهْقَرَتْ خُطْوَةً، ثُمَّ أُخْرَى، ثُمَّ جَلَسَتْ بِلَا وِعْيٍ عَلَى الأَرْضِ البَارِدَةِ، كَأَنَّ قَدَمَيْهَا لَمْ تَعُدَا تَحْمِلَانِهَا.
تَمَسَّكَتْ بِذِرَاعَيْهَا، تَضُمُّ نَفْسَهَا كَمَنْ يُطَفِّئُ نَارًا فِي جَوفِهِ، وَلَكِنْ النَّارَ كَانَتْ تَكْبُرُ. كَيْفَ؟ كَيْفَ تُوصَفُ بِالخِيَانَةِ؟ كَيْفَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا "جَاسُوسَةٌ"؟ وَمَنْ سَيُصَدِّقُ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ سِوَى جُنْدِيَّةٍ وَفِيَّةٍ؟
وَجْهُهَا... تِلكَ العُيُونُ التِي لَا تَخَافُ، وَالصَّوْتُ الذِي لَمْ يَرْتَجِفْ حَتَّى أَمَامَ العَذَابِ... سَيُخْمَدُ غَدًا؟
بَدَأَ نَفَسُهَا يَتَسَارَعُ، ثُمَّ يَتَقَطَّعُ، وَتَسَلَّلَ البُكَاءُ إِلَى حَنْجَرَتِهَا، وَقَفَ هُنَاكَ، كَجُرْثُومَةٍ تُخَنِقُهَا، ثُمَّ خَرَجَ فِي نَشِيجٍ كَتِمٍ، بِلَا صَوْتٍ.
كُلُّ شَيْءٍ فِي الغُرْفَةِ أَصْبَحَ غَرِيبًا. كَأَنَّهَا نَفْسُهَا لَا تَعْرِفُ مَنْ تَكُونُ. أَمَامَهَا اليَوْمُ وَخَلْفَهَا المَوْتُ، وَإِيلْفِيَا... سَتَرْحَلُ.
نَهَضَتْ إِسْتِرْلِينَا عَقِبَ جَوَلَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْبُكَاءِ، وَقَدْ غَرُبَتِ الشَّمْسُ وَتَغَلْغَلَتِ الظُّلْمَةُ فِي كُلِّ شِبْرٍ مِنْ حُجْرَتِهَا. مَسَحَتْ خَدَّيْهَا بِذِيلِ كُمِّهَا، وَنَهَضَتْ فَزِعَةً، كَمَنْ أُشْعِلَ فِي دَمِهَا جَمْرُ الْقَهْرِ. لَمْ تَتْرُكْ لِنَفْسِهَا فُرْصَةً لِلتَّفْكِيرِ، بَلِ انْقَضَّتْ عَلَى خِزَانَتِهَا، وَارْتَدَتْ ثَوْبًا أَسْوَدَ كَاللَّيْلِ، ضَيِّقَ الْخَصْرِ، مُمَزَّقَ الْكُتْفِ، وَكَأَنَّهُ نَاحِبٌ مِثْلَهَا.
تَقَدَّمَتْ نَحْوَ الدُّرْجِ الْحَجَرِيِّ، وَفِي يَدِهَا سِكِّينٌ أَوْ سَيْفٌ قَصِيرٌ، مَا عَادَتْ تُفَرِّقُ، كُلُّ شَيْءٍ فِي عَيْنَيْهَا مُضَبَّبٌ، مَغْمُورٌ بِالدُّمُوعِ وَالسُّخْرِيَةِ مِنْ قَدَرٍ يَسْتَمِيتُ لِسَلْبِهَا كُلَّ مَنْ تُحِبُّ.
نَزَلَتْ الدَّرَجَ كَعَاصِفَةٍ مُتَفَجِّرَةٍ، لَمْ تَنْتَبِهْ لِلنَّظَرَاتِ، وَلَا لِصَرِيخِ الْحُرَّاسِ، وَلَا لِصَوْتِ قَلْبِها
تَقَدَّمَتْ نَحْوَ الزَّنْزَانَةِ، وَفِي وَجْهِهَا كُلُّ مَعَانِي الْخَوْفِ وَالْغَضَبِ وَالْعَجْزِ، وَحِينَ رَأَتْهَا... إِيلْفْيَا، جَالِسَةً فِي سِجْنٍ بَارِدٍ... تَشَقَّقَ صَدْرُهَا بِكُلِّ مَا فِيهِ.
خَرَّتْ "إِسْتِرْلِينَا" عَلَى رُكْبَتَيْهَا، وَهِيَ تُحَاوِلُ كَبْتَ نَشِيجٍ يَكْتَسِحُ صَدْرَهَا كَالْعَاصِفَةِ. وَضَعَتْ يَدَيْهَا عَلَى الْأَرْضِ، وَبَدَأَتْ تَبْكِي كَطِفْلَةٍ مَسْلُوبَةِ الْحِضْنِ.
تَقَدَّمَتْ إِيلْفْيَا نَحْوَ الْقُضْبَانِ، عَيْنَاهَا نَاعِسَتَانِ وَلَكِنْ دَافِئَتَانِ، وَامْتَدَّتْ يَدُهَا النَّحِيلَةُ مِنْ بَيْنِ الْحَدِيدِ كَأَنَّهَا تَسْتَدْعِي شَيْئًا أَضَاعَتْهُ.
وَبِصَوْتٍ خَفِيفٍ كَنَسِيمِ سَحَرٍ قَالَتْ:
"لَا تَبْكِي، يَا جَمِيلَتِي..."
تَشَبَّثَتْ إِسْتِرْلِينَا بِتِلْكَ الْيَدِ، كَأَنَّهَا آخِرُ نَبْضٍ فِي هٰذَا الْعَالَمِ، وَصَرَخَتْ بِلَا صَوْتٍ، بِلَا كَلِمَاتٍ... لَكِنَّهَا كَانَتْ تُنَادِي:
"لَا تَرْحَلِي... لَا تَتْرُكِينِي أَيْضًا..."
كَانَتْ أَعْمِدَةُ الْحَدِيدِ الْبَارِدَةُ هِيَ الْفَاصِلَ الْوَحِيدُ بَيْنَ جَسَدَيْهِمَا، كَجِدَارٍ أَسْوَدَ يُقَيِّدُ الحَقِيقَةَ وَيَكْتُمُ الأَسْرَارَ فِي جُوفِهِ. جَثَتْ إِسْتِرْلِينَا عَلَى رُكْبَتَيْهَا، وَأَنْهَارَتْ فِي بُكَاءٍ مُرٍّ، لِلْمَرَّةِ الَّتِي لَمْ تَعُدْ تَعْرِفُ فِيهَا الْعَدَدَ. كَانَ صَوْتُهَا يَخْتَنِقُ مَعَ كُلِّ نَشِيجٍ، وَعَيْنَاهَا تَتَشَبَّثَانِ بِوَجْهِ إِيلْفِيَا وَكَأَنَّهُ طَوْقُ نَجَاةٍ أَخِيرٍ.
"أَخْبِرِينِي أَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ... أَخْبِرِينِي أَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ... أَنْتِ لَسْتِ خَائِنَةً، صَحِيح؟!"
صَرَخَتْ إِسْتِرْلِينَا وَالدُّمُوعُ تَتَدَفَّقُ عَلَى خَدَّيْهَا كَنَهْرٍ فَاضَ عَلَى ضِفَّتَيْهِ، وَكَأَنَّهَا تُحَاوِلُ التَّشَبُّثَ بِمَا تَبَقَّى مِنْ عَالَمِهَا الْمُنْهَارِ.
صَمَتَتْ إِيلْفِيَا طَوِيلًا، عَيْنَاهَا الْمُظْلِمَتَانِ تُحَاوِلَانِ أَنْ تَجِدَا فِي وَجْهِهَا الشَّابِّ مَا يُخَفِّفُ الْوَقْعَ، ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، كَمَنْ يَتَلَفَّظُ بِوَصِيَّتِهِ:
أَنَا لَسْتُ خَائِنَةً... أَنَا فَقَطْ... أُؤَدِّي مُهِمَّتِي... أَنَا... مِنْ أُوسْتَارْيَا.
رَجَفَ قَلْبُ إِسْتِرْلِينَا، وَبَرَدَتْ أَطْرَافُهَا، وَكَأَنَّ رُوحَهَا انْسَلَخَتْ فَجْأَةً. شَهِقَتْ شَهْقَةً مَذْعُورَةً، وَتَرَاخَتْ أَصَابِعُهَا الَّتِي كَانَتْ تَتَمَسَّكُ بِالْقُضْبَانِ.
أُوسْتَارْيَا... هَمَسَتْ، وَالذِّكْرَيَاتُ تَنْهَالُ عَلَيْهَا وَكُلُّ مَا أَخْفَاهُ إِيفَانُ فِي ظِلِّ أَكَاذِيبِهِ الْمَصْنُوعَةِ بِحِرْفَةٍ.
قَاطَعَ أَفْكَارَهَا صَوْتُ إِيلْفِيَا، وَكَانَ هَادِئًا، وَمَغْمُورًا بِالْمُرِّ:
"لَقَدْ كَذَبُوا عَلَيْكِ، يَا إِسْتِرْلِينَا... لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَكِ أَيَّ شَيْءٍ، وَلَكِن... لَا تُصَدِّقِي مَا يَقُولُونَ لَكِ... أَيَّ شَيْءٍ، حَسَنًا؟"
كانت إِسْترلينا على وشكِ أن تُكملَ تَذمُّرها، لولا أنَّ إيلفيا رفعت كفَّها بلطفٍ وأبعدتْها قليلًا، وهمست:
"اِذهبي إِلى غُرفَتِكِ يا صغيرتي... وغدًا، من فضلك، أريد أن أراكِ عند إعدامي. على الأقل... أستطيعُ أن أُبصرَ شيئًا جميلًا قبل أن أَموت."
نظرتْ إِليها إِسترلينا، وعيناها تَغرقانِ في صمتٍ مُرتجفٍ بين الحزنِ والارتباك، قبل أن تداعبَ ابتسامةٌ خفيفةٌ أطرافَ شَفَتَيها.
"أنا جميلة؟" همستْ بسذاجةٍ حزينة.
رفعتْ إيلفيا نَظرها نحوها، وفي عينيها وَجَعٌ يفيض من كُلِّ صمت:
"بل أنتِ الأجمل... كما قال فيدور."
تجمَّدتْ ملامحُ إسترلينا لحظةً، وارتجفَ قلبُها حين عبر الاسمُ ذهنَها كوميضٍ قديمٍ مألوف... نفس الاسمِ الذي ظهرَ في أحلامِها مرارًا...
أومأتْ برأسِها في صمتٍ، ونهضتْ ببطءٍ تُودّع إيلفيا بعينيها، وكأنها تَحمِلُ معها نظرةً أخيرةً
صعدتْ إلى غرفتِها بخُطى مُرتعشة، وأغلقتِ البابَ خلفها، والدموعُ لا تزالُ تنهمر بلا هوادة. جلستْ على سريرِها تحاولُ أن تُحلِّل كُلَّ كلمة، كُلَّ نَظرة، كُلَّ ذكرى.
فبكَتْ، وبَكَتْ، حتى غفتْ أخيرًا على وَسادتِها، وصوتُ إيلفيا يهمسُ لها في الحُلم:
"بل أنتِ الأجمل... كما قال فيدور."
وَقتُ الإِعدَام
اِصْطَفَّ الحَرَسُ عَلى الجَانِبَيْنِ، وَفِي المُنْتَصَفِ نُصِبَ خَشَبُ الإِعْدَامِ، خَشَبَةٌ بَاهِتَةُ الأَطْرَافِ، تَلَطَّخَتْ بِقَطْرَاتِ مَنْسِيَّةٍ مِنْ دِمَاءِ مَنْ سَبَقُوهَا.
تَقَدَّمَتْ إيلفيا بِخُطًى ثَابِتَةٍ، وَثَوْبُهَا البَيضَاوِيُّ يَتَأَرْجَحُ مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ كَسَفِينَةٍ تَتَمَوَّجُ فِي لَجَّةِ النِّهَايَةِ.
كَانَتْ فِي عَيْنَيْهَا سَكِينَةٌ لَا تُشْبِهُ سِوَى ذَلِكَ السُّكُونِ الَّذِي يَسْبِقُ العَوَاصِفَ.
وَفِي حِينَ كَانَ أَهْلُ المَمْلَكَةِ يَتَجَمْهَرُونَ، نَظَرَتْ إيلفيا نَظْرَةً أَخِيرَةً لِلسَّمَاءِ، كَأَنَّهَا تَبْتَغِي وَجْهَ مَنْ خَلَقَهَا.
تَقَدَّمَ الكَاهِنُ، وَقَرَأَ عَلَيْهَا صَلَاةَ النِّهَايَةِ، وَكُلَّمَا نَطَقَ بِكَلِمَةِ "الغُفْرَانِ"، أَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا وَهَزَّتْ رَأْسَهَا بِصَمْتٍ.
ثُمَّ رَفَعَ القَائِدُ يَدَهُ وَأَعْلَنَ:
"سَيَتَوَلَّى إِعْدَامَهَا جَلَّادٌ مَاهِرٌ مِنْ البِلَادِ الجَنُوبِيَّةِ"
وَفي تِلكَ اللَّحْظَةِ، تَقَدَّمَ احَد الخَدَم وَحَمَلَ قُطْعَةَ القِماشِ لِيُغَطِّي عَيْنَيْهَا، فَهَزَّتْ رَأْسَهَا نَفْيًا:
"لا... أُرِيدُ أَنْ أَرَاهُ، أُرِيدُ أَنْ أُواجِهَهُ..."
أَوْقَفَهَا الجَلَّادُ عَلَى رُكْبَتَيْهَا، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِهَا، ثُمَّ تَراجَعَ خَلْفَهَا.
صَمْتٌ مُرْعِبٌ... ثُمَّ صَرَخَ بِلَهْجَةٍ مُزَيَّفَةٍ وَهُوَ يَلْتَفِتُ لِزُمَلائِهِ:
"أَيْنَ سَيْفِي؟! أَيْنَ ذَهَبَ سَيْفِي؟!"
اِلْتَفَتَتْ إِيلْفِيَا بِفَضُولٍ بَسيطٍ وَبِسُؤَالٍ مَكْنُونٍ فِي نَظَرَتِهَا.
وَفِي تِلكَ اللَّحْظَةِ، فِي انْحِناءَةِ رَقَبَتِهَا، بَاغَتَهَا...
تَرَنَّحَ الجَسَدُ لَحْظَةً، ثُمَّ سَقَطَ بِهُدُوءٍ.
وَكَأَنَّ الرِّيحَ تَوَقَّفَتْ عَنِ الهُمُسِ... وَكَأَنَّ الوَقْتَ تَجَمَّدَ، وَالْأَصْوَاتَ خَرَسَتْ.
تَجَمَّدَتْ إِسْتِرْلِينَــا فِي مَكَانِهَا، وَعَيْنَاهَا تَتَّسِعَانِ بَطَاءً كَمَنْ يُسْقِطُ قَلْبَهُ فِي هُوَّةٍ لَا قَاعَ لَهَا.
تَشَنَّجَتْ أَطْرَافُهَا، وَسَرَى فِي جَسَدِهَا بُرُودٌ مَرِيعٌ، كَأَنَّ الدَّمَ نَسِيَ طَرِيقَهُ فِي عُرُوقِهَا.
رَأَتْ رَأْسَ إِيلْفِيَا... ذَلِكَ الوَجْهُ الَّذِي كَانَ يَبْتَسِمُ لَهَا صَبَاحًا، الَّذِي عَلَّمَهَا أَنْ تَقِفَ عَلَى قَدَمَيْهَا و تُحَارب، مَقْطُوعًا، بَاهِتًا، مُنْفَصِلًا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ... يُوضَعُ بَطَرِيقَةٍ وَضِيعَةٍ فِي صُنْدُوقٍ مُزَخْرَفٍ كَأَنَّهُ هَدِيَّةٌ شَيْطَانِيَّة.
أَخَذَتْ تَتَرَاجَعُ خَطْوَةً، فَأُخْرَى، حَتَّى ارْتَطَمَ ظَهْرُهَا بِجِدَارِ الحَلْقَةِ، وَكَأَنَّهُ يُوَبِّخُهَا عَلَى عَجْزِهَا.
انْفَلَتَتْ مِنْهَا أَنْفَاسٌ مُتَقَطِّعَةٌ، وَارْتَجَفَ صَدْرُهَا بِعُنْفٍ، وَسَقَطَتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا كَمَنْ خَانَتْهُ الأَرْضُ.
وَبِصَوْتٍ مَخْنُوقٍ، مَذْبُوحٍ، وَبِدُمُوعٍ مَسْجُونَةٍ فِي جَفْنَيْهَا، هَمَسَتْ:
"أَخَذُوهَا... أَخَذُوا نُورَهَا... هَذِهِ لَيْسَتْ عُدَالَةً، هَذِهِ لَعْنَةٌ!"
ضَحِكَ مُورْفِيل…
ضَحِكَةً مَمْسُوخَةً، خَامِدَةً، كَأَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ قَفَصِ صَدْرِ وَحْشٍ نَسِيَ كَيْفَ يَتَنَفَّسُ بَشَرًا.
ثُمَّ انْحَنَى، وَغَرَزَ أَصَابِعَهُ فِي شَعْرِ أَيْلِفْيَا، وَرَفَعَ رَأْسَهَا المَبْتُورَ عَالِيًا أَمَامَ الجُمْهُورِ…
وَصَاحَ بِفُجُورٍ:
"يَا لَهُ مِنْ جَمَالٍ صَامِتٍ! أَلَا تَرَوْنَ؟... حَتَّى وَهِيَ مَيْتَةٌ، تُحَاوِلُ التَّعَالِي عَلَيَّ!"
ثُمَّ تَفَحَّصَ مَلامِحَ وَجْهِهَا بِلَامُبَالَاةٍ، كَمَنْ يَفْتِّشُ فِي تُحَفٍ قَدِيمَةٍ.
"ضَعُوهُ... فِي صُنْدُوقٍ... نَعَم، أُرِيدُهُ جَمِيلًا... صُنْدُوقًا مِنَ العَاجِ وَالذَّهَبِ. لِنُرْسِلْهُ إِلَى أوستاريا... كَهَدِيَّةِ مِنِّي."
تَقَدَّمَ اثنانِ منَ الخَدَمِ بِخُطىً مُتَثاقِلَةٍ، وجِباهُهُم تُلامِسُ الأرضَ مِنَ الرَّهْبَةِ، يُحَمِلانِ بِأيدٍ مُرتَجِفَةٍ ذٰلِكَ الصُّندوقَ الخَشَبِيَّ المُزَيَّنَ بِنُقوشِ ذَهَبِيَّةٍ وورودٍ كَأنَّها أُنتِزِعَتْ مِنْ جَنَّةٍ، وُلِدَتْ لتُخْفِي رُعْباً.
تَصَدَّعَتِ الأنفاسُ في حَلْقِ الخَدَمِ وهُمْ يَنظُرونَ إلى الرَّأسِ المُفصولِ، الشَّعرُ الفَحْمِيُّ يَنسَدِلُ بُرُودًا على الجانِبِ، والعَينُ مُغْمَضَةٌ كَأنَّها لَمْ تَعُدْ تَحْتَمِلُ مَهانَةَ النَّظَرِ. وَضَعَ أَحَدُهُم الرَّأسَ بِلُطْفٍ شاذٍّ وسطَ الحريرِ القِرْمِزِيِّ
تَكلَمَ مُورفِيل مُجَددا وَ هُوَ يُشيرُ لِخَدمٍ آخرِين
"خُذُوا جَسَدَهَا... اغْمِسُوهُ فِي مَاء البُحَيرَة المُقَدَسةِ، وَاجْلِبُوهُ إِلَيَّ قَبْلَ اللَّيْلِ و لَا تَجعَلوا جَسدَهَا يَفقِد الكَثير مِن الدَّم فنَحن نَحتاجُ دَمهَا بالطَبع"
تَلَاحَقَتْ أَنْفَاسُ الخَدَمِ وَهُمْ يَسْتَعِدُّونَ لِرَفْعِ الجُثَّةِ
بَسَقَ مُورفِيل عَلَى الأَرْضِ، وَاسْتَدَارَ مُغَادِرًا كَمَنْ فَرَغَ مِنْ صَلَاةٍ قُدِّمَتْ فِيهَا أَحْلَى القُرْبَانَاتِ.
-----
يتبع
syreiaelora