حَرب

حَرب

11 0

كَانَتِ السُّهُولُ قُرْبَ الحُدُودِ تَغْرُقُ فِي سُكُونٍ مُرْعِبٍ، حَتَّى صَوْتُ الرِّيحِ بَدَا وَكَأَنَّهُ يَتَجَنَّبُ الاقْتِرَابَ. صَفُّوفُ السُّكَّانِ تَمْتَدُّ بِلَا نِهَايَةٍ، وُجُوهٌ ذَابِلَةٌ، أَكْثَرُهُمْ يَحْمِلُونَ أَدَوَاتِ حَقْلٍ صَدِئَةٍ عِوَضَ السُّيُوفِ، وَدُرُوعًا مُتَشَقِّقَةً أُخِذَتْ مِنْ مَوْتَى قَدَامَى.

خَلْفَهُمْ، يَقِفُ العَشَرَاتُ مِنَ الفُرْسَانِ المُدَرَّعِينَ، مُحْتَمِينَ بِخُيُولِهِمْ وَدُرُوعِهِمُ الثَّقِيلَةِ، يَنْظُرُونَ لِلْمَدَنِيِّينَ كَأَنَّهُمْ طُعْمٌ رَخِيصٌ. أَمَّا أَفْضَلُ الجَيْشِ، فَقَدْ غَادَرَ مُنْذُ سَاعَاتٍ لِلهُجُومِ عَلَى أَسْوَارِ أُوسْتَارِيَا، تَارِكِينَ هُنَا مَسْرَحَ المَذْبَحَةِ.

بَعِيدًا، بَدَأَ الأُفُقُ يَتَلَوَّنُ بِالغُبَارِ وَاللَّوْنِ الفُولَاذِيِّ، وَمَعَ اقْتِرَابِهُمْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ جَيْشٌ عَرِيمٌ، كُلُّهُ فُرْسَانٌ مُدَرَّعُونَ، يَسِيرُونَ كَأَنَّهُمْ كُتْلَةٌ وَاحِدَةٌ لا تُقْهَر. أَصْوَاتُ الحَوَافِرِ تَزْدَادُ، تَخْتَرِقُ الصُّدُورَ كَالرَّجْفَةِ، وَمَعَهَا تَصَاعَدَتْ هَمْسَاتُ الخَوْفِ بَيْنَ المَدَنِيِّينَ، قَبْلَ أَنْ يَصْرُخَ أَحَدُ القَادَةِ

"اِصْمُتُوا! أَنْتُمْ هُنَا لِتَمُوتُوا لِكَيْ نَنْتَصِرَ!"

فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَدْرَكَ الجَمِيعُ أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ مَعْرَكَةً… بَلْ إِعْدَامٌ جَمَاعِيٌّ مُقَنَّعٌ بِشِعَارِ النَّصْرِ.

وَقَفَ كَاسْيُوس وَدِيمُوس فِي المُقَدِّمَةِ، خُيُولُهُمَا تُطْلِقُ زَفِيرًا حَادًّا مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ، وَنَظَرَاتُهُمَا تَمْسَحُ المَكَانَ لَمْ يَلْبَثْ دِيمُوس أَنْ لَاحَظَ الوُجُوهَ النَّحِيلَةَ، الأَيْدِيَ المُرْتَجِفَةَ، وَالأَسْلِحَةَ البَائِسَةَ الَّتِي يَحْمِلُهَا أُولَئِكَ المَسَاكِينُ. عَرَفَ الحَقِيقَةَ فِي لَحْظَةٍ… هَذِهِ لَيْسَتْ قُوَّةَ جَيْشٍ، بَل جُدْرَانًا مِنَ الأَجْسَادِ البَشَرِيَّةِ

رَفَعَ يَدَهُ فَتَوَقَّفَ جَيْشُ أُوسْتَارِيَا عَنِ التَّقَدُّمِ، وَخَيَّمَ صَمْتٌ كَثِيفٌ عَلَى السُّهُولِ، حَتَّى أَصْوَاتُ الرِّيحِ بَدَتْ كَأَنَّهَا تَحْبِسُ أَنْفَاسَهَا.

أَمْعَنَ النَّظَرَ فِي صُفُوفِ المَدَنِيِّينَ، ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ كَالرَّعْدِ يَشُقُّ صُدُورَ الجُبَنَاءِ المُخْتَبِئِينَ خَلْفَهُمْ:

"لَنْ نَقْتُلَ هَؤُلَاءِ الأَبْرِيَاء! اِنْزِلُوا أَنْتُمْ، أَيُّهَا الجُبَنَاءُ، وَقَاتِلُونَا وَجْهًا لِوَجْه!"

تَرَدَّدَ صَدَى صَوْتِهِ فِي كُلِّ الأَرْجَاءِ، وَانْتَشَرَتْ هَمْسَاتُ الدَّهْشَةِ بَيْنَ الصُّفُوفِ. المَدَنِيُّونَ نَظَرُوا إِلَيْهِ بِعُيُونٍ زَائِغَةٍ، بَيْنَ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ مَا يَحْدُثُ، وَمَنْ لَمْ يَصْدِّقْ أَنَّ أَحَدًا يَدَافِعُ عَنْهُمْ فِي وَقْتٍ أَرَادَهُ كُلُّ مَنْ حَوْلَهُمْ مَصِيرًا لِلْمَوْتِ.

فِي الجَانِبِ الآخَرِ، تَحَرَّكَ قَادَةُ فِيرْلُونَا فِي غَضَبٍ مَكْبُوتٍ، وَعُيُونُهُم تَتَّقِدُ بِالقَتْلِ… لَمْ يَتَوَقَّعُوا أَنْ يَكْشِفَ أَحَدٌ لُعْبَتَهُمْ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ.

اِشْتَدَّ الصَّمْتُ لَحْظَةً بَعْدَ كَلِمَاتِ دِيمُوس، ثُمَّ تَقَدَّمَ مُورْفِيل خُطُوَةً، وَمَلامِحُهُ تَتَشَوَّهُ بِمَزِيجٍ مِنَ الغَضَبِ وَالاِزْدِرَاءِ. لَمْ يَتَكَلَّمْ، وَلَمْ يُجَادِلْ… كُلُّ مَا فَعَلَهُ أَنَّهُ رَفَعَ يَدَهُ بَحَرَكَةٍ بَطِيئَةٍ، ثُمَّ خَفَضَهَا فَجْأَةً كَالسَّيْفِ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الحَيَاةِ وَالمَوْتِ.

وَفِي لَحْظَةٍ، اِنْهَالَ وَابِلُ السِّهَامِ عَلَى رُؤُوسِ المَدَنِيِّينَ المُرْتَعِشِينَ، وَتَحَوَّلَ المَكَانُ إِلَى جَحِيمٍ مِنَ الأَصْوَاتِ… أَصْوَاتُ الأَجْسَادِ وَهِيَ تَسْقُطُ، وَأَنِينُ المُحْتَضِرِينَ، وَصَرَاخُ النِّسَاءِ وَالأَطْفَالِ.

الأَرْضُ، الَّتِي كَانَتْ مُغَطَّاةً بِالطِّينِ، غَرِقَتْ سَرِيعًا فِي بُحَيْرَةٍ مِنَ الدَّمِ، وَالأَجْسَادُ المُمَدَّدَةُ صَارَتْ كَأَنَّهَا سِتَائِرُ مَكْتُوبَةٌ بِالأَحْمَرِ.

وَمَنْ لَمْ يُقْتَلْ بِالسِّهَامِ، اِنْقَضَّ عَلَيْهِ جُنُودُ فِيرْلُونَا بِسُيُوفِهِم، يَذْبَحُونَ بِلا رَحْمَةٍ، وَكَأَنَّهُمْ يَقْطَعُونَ أَعْوَادَ قَشٍّ وَلَيْسَ بَشَرًا يَتَنَفَّسُونَ.

عَلَتْ ضَجَّةُ المَعْرَكَةِ وَصَارَتْ رَائِحَةُ الدِّمَاءِ تَخْتَلِطُ بِهَبَاتِ الرِّيحِ البَارِدَةِ، وَمَعَ كُلِّ صَرْخَةٍ، كَانَ دِيمُوس يَشْعُرُ أَنَّ شَيْئًا يَنْكَسِرُ فِي صَدْرِهِ… لَكِنَّ الغَضَبَ الَّذِي غَلَى فِي عُرُوقِهِ جَعَلَ يَدَهُ تَقْبِضُ بِقُوَّةٍ عَلَى مِقْبَضِ سَيْفِهِ، مُسْتَعِدًّا لِإِعَادَةِ هَذَا الجَحِيمِ عَلَى رُؤُوسِ صَانِعِيهِ.

وَقَفَ دِيمُوس عَلَى ظَهْرِ جَوَادِهِ الأَسْوَدِ فِي مُقَدِّمَةِ الصُّفُوفِ، وَعَيْنَاهُ تَلْمَعَانِ بِلَهِيبِ العَزِيمَةِ. كَانَ صَوْتُ الرِّيحِ يَصْفِرُ فِي أُذُنَيْهِ، وَصَرِيرُ الدُّرُوعِ وَصَهِيلُ الخُيُولِ يُحَاصِرُهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.

رَفَعَ يَدَهُ العَرِيضَةَ نَحْوَ السَّمَاءِ، فَخَيَّمَ الصَّمْتُ فَجْأَةً، كَأَنَّ الآلافَ حَبَسُوا أَنْفَاسَهُمْ فِي آنٍ وَاحِدٍ. كَانَتْ تِلْكَ الثَّوَانِي الثَّقِيلَةُ تُشْبِهُ حَبْلًا مَشْدُودًا عَلَى وَشَكِ أَنْ يَنْقَطِعَ.

ثُمَّ جَاءَ صَوْتُهُ كَالرَّعْدِ:

"اِهْجُمُوااااااا!"

اِنْفَجَرَتِ السُّهُولُ بِدَوِيِّ الصَّرَاخَاتِ، وَانْدَفَعَ الجَيْشُ كَسَيْلٍ هَائِجٍ، الخُيُولُ تَضْرِبُ الأَرْضَ بِحَوَافِرِهَا، وَالرِّمَاحُ مَوْجَةٌ فُولَاذِيَّةٌ تَتَقَدَّمُ، وَالغُبَارُ يَتَصَاعَدُ حَتَّى غَطَّى الأُفُقَ.

فِي الأَمَامِ، كَانَ دِيمُوس يَتَقَدَّمُ بِنَفْسِهِ، سَيْفُهُ مُشْرَعٌ، وَعَيْنَاهُ لَا تُرَكِّزَانِ إِلَّا عَلَى صَفُوفِ العَدُوِّ الَّتِي تَنْتَظِرُهُ.

اِعْتَرَضَ مُورْفِيل طَرِيقَ دِيمُوس و مَلامِحُهُ مُمْتَلِئَةٌ بِالاِسْتِهْزَاءِ، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ اِسْتِفْزَازِيَّةٍ وَبِاِبْتِسَامَةٍ بَارِدَةٍ:

"مَرْحَبًا يَا أَخِي… هَلْ هَكَذَا تُحَيِّينِي؟"

تَجَمَّدَتْ عَيْنَا دِيمُوس عَلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ يَتَأَمَّلُ وَجْهَ شَخْصٍ كَانَ يَعْرِفُهُ وَأَضَاعَهُ إِلَى الأَبَدِ. قَبَضَ عَلَى قَبْضَةِ سَيْفِهِ بِقُوَّةٍ حَتَّى بَرَزَتْ عُرُوقُ يَدِهِ، وَأَجَابَهُ بِنَبْرَةٍ مَمْتَلِئَةٍ بِالْغَضَبِ:

"كَانَ يَجِبُ أَنْ تَمُوتَ يَوْمَ خُنْتَ دِمَاءَنَا."

اِلْتَقَتْ سُيُوفُهُمَا بِصَدْمَةٍ عَنِيفَةٍ، وَالاِرْتِجَافَةُ الَّتِي اِنْتَشَرَتْ فِي أَسَاسِ المَعْرَكَةِ جَعَلَتْ بَعْضَ المَقَاتِلِينَ يَلْتَفِتُونَ نَحْوَهُم. اِنْدَفَعَا نَحْوَ بَعْضِهِمَا، وَكُلُّ ضَرْبَةٍ كَانَتْ تَحْمِلُ غِلًّا أَقْدَمَ مِنَ الحَرْبِ نَفْسِهَا.

أَصْوَاتُ سُيُوفِهِمَا كَانَتْ أَعْلَى مِنْ أَيِّ قِتَالٍ حَوْلَهُم، تَصَادُمَاتٌ مُتَتَالِيَةٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْرِفُ أَيْنَ سَيُوجِّهُ الآخَرُ الضَّرْبَةَ التَّالِيَةَ، وَيَصُدُّهَا بِقَدْرِ مَا يُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَغِلَّ فُرْصَةً لِلطَّعْنِ.

تَحَوَّلَ المَكَانُ حَوْلَهُم إِلَى دَوَّامَةٍ مِنَ الغُبَارِ وَالشَّرَرِ المُتَنَاثِرِ مَعَ كُلِّ صَدْمَةِ حَدِيدٍ، وَالأَصْوَاتُ مِنْ حَوْلِهِمْ بَدَتْ كَأَنَّهَا تَبْتَعِدُ

تَصَادَمَتْ سُيُوفُهُمَا بِقُوَّةٍ، وَانْدَفَعَتْ الشَّرَارَاتُ أَنْفَاسُهُمَا ثَقِيلَةٌ، وَالعَرَقُ يَتَسَاقَطُ عَلَى التُّرَابِ المُمْتَزِجِ بِالدِّمَاءِ.

صَاحَ دِيمُوس وَهُوَ يَحَاوِلُ أَنْ يَجْعَلَ صَوْتَهُ يَخْتَرِقُ قَلْبَ أَخِيهِ:

"هَلْ تَفْعَلُ كُلَّ هَذَا مِنْ أَجْلِ أَنْ تَسْتَوْلِيَ عَلَى العَرْشِ؟! هَلِ اخْتَطَفْتَ ابْنَتِي فَقَطْ لِأَنَّهَا النُّبُوءَةُ؟! أَنْتَ عَمُّهَا، مِنَ الدَّمِ نَفْسِهِ، أَنْتَ أَخِي!"

اِنْحَنَى مُورْفِيل إِلَى الأَمَامِ قَلِيلًا، مُبْتَسِمًا بِسُخْرِيَّةٍ كَأَنَّهُ يَسْتَمْتِعُ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تُعَذِّبُ أَخَاهُ، وَهَمَسَ بِنَبْرَةٍ مُسَمَّمَةٍ:

"أَخُوكَ؟ هَلْ تَذَكَّرْتَ الآن فَقَطْ أَنَّنِي أَخُوكَ؟"

تَقَدَّمَ خُطْوَةً، وَسَيْفُهُ يَجُرُّ عَلَى الأَرْضِ مُحْدِثًا صَرِيرًا يَشُقُّ الآذَانَ، ثُمَّ رَفَعَ عَيْنَيْهِ إِلَى دِيمُوس وَقَالَ:

"أَجَلْ، فَعَلْتُ كُلَّ هَذَا مِنْ أَجْلِ العَرْشِ، وَاخْتَطَفْتُ ابْنَتَكَ لِأَنَّهَا النُّبُوءَةُ الَّتِي اخْتَارَتْهَا الآلِهَةُ… لَا لِتَحْكُمَ، بَلْ لِتَكُونَ المِفْتَاحَ الَّذِي سَيَفْتَحُ لِي أَبْوَابَ السُّلْطَةِ."

اِشْتَدَّتْ قَبْضَتُهُ عَلَى سَيْفِهِ وَهُوَ يُكْمِلُ بِعَيْنَيْنِ يَلُفُّهُمَا جُنُونُ الطُّمُوحِ:

"أَنْتَ ضَعِيفٌ يَا دِيمُوس، دَائِمًا كُنْتَ هَكَذَا… وَلَوْ تَرَكْتَ الأَمْرَ لَك، لَضَاعَتِ المَمْلَكَةُ وَضَاعَتِ النُّبُوءَةُ."

اِنْدَفَعَ دِيمُوس بِغَضَبٍ، ضَرْبَاتُهُ تَتْبَعُهَا أَصْوَاتُ طَنِينِ الفُولَاذِ، وَكُلُّ ضَرْبَةٍ مِنهُ تُشْبِهُ صَرْخَةَ أَبٍ يَحَاوِلُ استِرْجَاعَ دَمِهِ مِنْ يَدِ الخِيَانَةِ. أَمَّا مُورْفِيل فَكَانَ يَتَلَاعَبُ بِالْمَوْقِفِ، يَصُدُّ ضَرْبَاتِ أَخِيهِ وَيَرُدُّهَا بِدِقَّةِ مَنْ يَعْرِفُ كَيْفَ يُقَاتِلُ مِثْلَهُ مُنْذُ الطُّفُولَةِ.

وَمَعَ كُلِّ تَصَادُمٍ لِلسُّيُوفِ، كَانَ صِرَاعُهُمَا يَخْرُجُ مِنْ حُدُودِ المَعْرَكَةِ… لِيُصْبِحَ صِرَاعًا بَيْنَ الدَّمِ وَالخِيَانَةِ، بَيْنَ أَخَوَيْنِ فَقَدَا مَعْنَى الأُخُوَّةِ مُنْذُ أَزْمِنَةٍ بَعِيدَةٍ.

كَانَ مُورْفِيل يَتَصَدَّى لِكُلِّ ضَرْبَاتِ دِيمُوس بِرَاحَةٍ تَكَادُ تُشْبِهُ الِاسْتِهْزَاء، وَالِابْتِسَامَةُ البَارِدَةُ لَا تُفَارِقُ وَجْهَهُ. لَكِنَّ دِيمُوس، وَبِعَيْنَيْنِ تَتَّقِدَانِ بِمِزِيجٍ مِنَ الأَلَمِ وَالإِصْرَارِ، لَمْ يَعُدْ يَضْرِبُ بِنَمَطٍ مُنَظَّمٍ… بَلْ أَطْلَقَ جُنُونَهُ كُلَّهُ فِي سَيْفِهِ.

ضَرْبَةٌ عَنْ يَمِينٍ، أُخْرَى عَنْ يَسَارٍ، طَعْنَةٌ سَرِيعَةٌ نَحْوَ الصَّدْرِ، ثُمَّ اِنْخِفَاضٌ مُفَاجِئٌ لِيَضْرِبَ رُكْبَةَ أَخِيهِ بِمِقْبَضِ السَّيْفِ. اِلْتَوَى مُورْفِيل بِالأَلَمِ، وَهُوَ يَتَرَاجَعُ خُطْوَةً، وَالْغَضَبُ يَتَفَجَّرُ فِي مَلامِحِهِ.

لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ بَدْءِ القِتَالِ، اِهْتَزَّ سَيْفُ مُورْفِيل فِي يَدِهِ، وَصَوْتُ الطَّرَقَاتِ عَلَى فُولَاذِهِ صَارَ يَحْمِلُ إيقَاعًا مُخْتَلِفًا… إيقَاعَ مَنْ يَفْقِدُ السَّيْطَرَةَ.

اِسْتَغَلَّ دِيمُوس هَذِهِ الفُرْصَةَ، وَبِحَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ كَالرِّيحِ، دَفَعَ سَيْفَ أَخِيهِ إِلَى الجَانِبِ بِكُلِّ قُوَّتِهِ، ثُمَّ وَجَّهَ الضَّرْبَةَ إِلَى جَانِبِهِ، فَشَقَّ دِرْعَهُ وَتَسَاقَطَتْ قَطَرَاتُ الدَّمِ عَلَى التُّرَابِ.

تَجَمَّدَتْ عَيْنَا مُورْفِيل فِي نَظْرَةِ صَدْمَةٍ وَغَضَبٍ، وَأَدْرَكْ أَنَّ الكِفَّةَ لَمْ تَعُدْ فِي صَالِحِهِ

صَوْتُ دِيمُوس خَرَجَ مَحْمُولًا بِكُلِّ مَا فِي قَلْبِهِ مِنْ غَضَبٍ وَحُزْنٍ:

"هَذَا مِنْ أَجْلِ كُلِّ مَنْ قَتَلْتَهُمْ!"

وَبِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ حَاسِمَةٍ، شَقَّ السَّيْفُ الحَلْقَ حَتَّى النِّهَايَةِ. اِنْفَجَرَ الدَّمُ كَشَلَّالٍ أَحْمَرَ، يَلْطَخُ وَجْهَ دِيمُوس وَدِرْعَهُ، فِيمَا جَسَدُ مُورْفِيل يَتَهَاوَى عَلَى التُّرَابِ بِلَا حَيَاةٍ، وَعَيْنَاهُ مُتَجَمِّدَتَانِ عَلَى صُورَةِ أَخِيهِ الأَخِيرَةِ.

صَمْتٌ قَاتِلٌ اِنْسَابَ لِلْحَظَةٍ، حَتَّى كَأَنَّ المَعْرَكَةَ تَوَقَّفَتْ لِتُشَاهِدَ نِهَايَةَ هَذَا الصِّرَاعِ الدَّامِي.

كَانَ دِيمُوس يَقِفُ فَوْقَ جَسَدِ مُورْفِيل، وَصَدْرُهُ يَصْعَدُ وَيَهْبِطُ مَعَ كُلِّ زَفِيرٍ مُثْقَلٍ بِالدَّمِ وَالغَضَبِ. أَسْقَطَ سَيْفَهُ جَانِبًا، وَمَدَّ يَدَهُ لِيَمْسَحَ بِهَا الدِّمَاءَ عَنْ وَجْهِهِ، وَعَيْنَاهُ مَثْقُولَتَانِ بِحُزْنٍ لَا يُوَصَف.

وَلَمْ يَكُنْ يَدْرِي… أَنَّ الخَطَرَ لَمْ يَنْتَهِ.

فِي الظِّلِّ، خَلْفَ ضَوْضَاءِ المَعْرَكَةِ، تَقَدَّمَ إِيفَان بِخُطًى هَادِئَةٍ، يُخْفِي فِي يَدِهِ خِنْجَرًا لَمَّاعًا لَمْ يَلْطَّخْهُ الدَّمُ بَعْد. تَوَقَّفَ خَلْفَ دِيمُوس لِلْحَظَةٍ، كَأَنَّهُ يَسْتَمْتِعُ بِلَحْظَةِ الغَدْرِ، ثُمَّ غَرَزَ الخِنْجَرَ بِكُلِّ قُوَّتِهِ فِي ظَهْرِهِ، مُخْتَرِقًا الدِّرْعَ وَاللَّحْمَ فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ.

صَوْتُ دِيمُوس خَرَجَ مَخْنُوقًا مَعَ نَفَسِهِ الأَخِيرِ، وَعَيْنَاهُ تَسْتَدِيرَانِ نَحْوَ الخَلْفِ، لِيَرَى وَجْهَ إِيفَان القَاسِي وَهُوَ يَهْمِسُ بِبُرُودٍ:

"انتهى دورك… أيها الملك."

اِنْهَارَ دِيمُوس عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ سَقَطَ أَمَامَ جُثَّةِ أَخِيهِ، وَكَأَنَّ القَدَرَ سَخِرَ مِنهُ فَجَمَعَهُمَا مَيِّتَيْنِ بَعْدَ أَنْ فَرَّقَهُمَا أَحْيَاء

تَغَيَّرَتْ رِيَاحُ السَّاحَةِ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ… رَائِحَةُ الدَّمِ وَالْبَارُودِ مَا زَالَتْ تَمْلَأُ الْهَوَاءَ، وَصَدَى صَرَخَاتِ الْمُحْتَضِرِينَ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ السُّهُولِ. كَانَتِ الْأَرْضُ تَشْرَبُ مِمَّا أُهْرِيقَ عَلَيْهَا، وَالْمَشْهَدُ يُشْبِهُ كَابُوسًا لَا نِهَايَةَ لَهُ.

وَبَيْنَمَا كَانَ مَنْ تَبَقَّى مِنْ جُنُودِ فِيرْلُونَا يُحَاوِلُونَ لَمْلَمَةَ صُفُوفِهِمْ بَعْدَ سُقُوطِ قَائِدَيْهِمْ، تَعَالَتْ أَصْوَاتُ الْخُيُولِ مِنْ بَعِيدٍ… صَخَبٌ مُنَظَّمٌ، نَغْمَةُ حَدِيدٍ يَقْطَعُ الْهَوَاءَ. وَمَا هِيَ إِلَّا دَقَائِقُ حَتَّى ظَهَرَتْ عَلَى الأُفُقِ أَرْوَاحٌ مِنْ حَدِيدٍ، صُفُوفٌ كَامِلَةٌ مِنْ فُرْسَانِ فِيرْلُونَا، رَايَاتُهُم تَرْتَفِعُ فِي الْهَوَاءِ وَدُرُوعُهُم تُلْمِعُ بِلَمَعَانٍ لَا يَتَّسِقُ مَعَ مَشَاهِدِ الْمَوْتِ حَوْلَهُمْ.

أَنْفَاسُ مَنْ فِي السَّاحَةِ انْحَبَسَتْ… هَؤُلَاءِ هُمُ الْفُرْسَانُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا لِتَدْمِيرِ أُوسْتَارِيَا، وَقَدْ عَادُوا بِلَا خَدْشٍ يُذْكَرُ، وَوُجُوهُهُمْ مُمْتَلِئَةٌ بِالْغُرُورِ وَالثِّقَةِ. وَيَالَ سُخْرِيَّةِ الْقَدَرِ… كُلُّ فُرْسَانِ أُوسْتَارِيَا كَانُوا هُنَا فِي مَعْرَكَةِ السُّهُولِ، وَلَمْ يَتَوَقَّعْ أَحَدٌ فِي فِيرْلُونَا أَنَّ مَوْرْفِيلَ بِخِسَّتِهِ سَيَسْتَغِلُّ هَذِهِ الْفُرْصَةَ لِيُرْسِلَ أَقْوَى فِرَقِهِ لِمُهَاجَمَةِ أَرَاضِيهِمْ قَبْلَ عَوْدَةِ أَعْدَائِهِمْ.

عَادُوا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَخْبَارًا مُرْعِبَةً: أُوسْتَارِيَا… مَسَحُوهَا مِنْ عَلَى الْخَرِيطَةِ. الْقُرَى أُحْرِقَتْ، الْحُصُونُ تَهَدَّمَتْ، وَمَنْ لَمْ يُقْتَلْ بِالسَّيْفِ زَحَفَتْ عَلَيْهِ النِّيرَانُ.

تَقَدَّمَتِ الكَتَائِبُ العَائِدَةُ مِنْ أُوسْتَارِيَا نَحْوَ السَّاحَةِ، خُيُولُهَا مُغَطَّاةٌ بِغُبَارِ الطَّرِيقِ، وَرَايَاتُ فِيرْلُونَا تَرْفَعُهَا أَيْدٍ مَلْطَّخَةٌ بِالدِّمَاءِ، وَقُلُوبُهُمْ مَمْلُوءَةٌ بِالثِّقَةِ وَالنَّصْرِ المُؤَقَّتِ الَّذِي يَظُنُّونَهُ فَرَحًا.

وَلَكِنَّ هَذَا الفَرَحَ لَمْ يَدُمْ ثَانِيَةً وَاحِدَةً.

صَرَخَ أَحَدُ القَادَةِ بِحَسْبِ صَوْتٍ مَلْتَهِبٍ:

"لِلْسِّلَاحِ! إِلَى المَعْرَكَةِ! لَا مَكَانَ لِلرُّجُوعِ!"

وَفِي لَحْظَةٍ، ارْتَفَعَتِ الصُّفُوفُ وَتَحَدَّثَ الصَّدَى بِصَوْتِ الخُيُولِ وَالسُّيُوفِ وَصَرْخَاتِ الجُنُودِ. السِّهَامُ وَالرِّمَاحُ انْهَالَتْ كَالْمَطَرِ عَلَى أَجْسَادِ العَائِدِينَ، خُيُولُهُمْ سَقَطَتْ، وَالدِّمَاءُ غَطَّتِ الأَرْضَ، فَتَحَوَّلَتِ السَّاحَةُ لِمِصْيَدَةٍ مَرْكَزِيَّةٍ لا يَرحَمُهَا أَحَدٌ.

تَقَادَمَ الفُرْسَانُ العَائِدُونَ، حَاوِلِينَ تَجْمِيعَ صُفُوفِهِمْ، لَكِنَّ الفَوْضَى وَالسُّيُوفَ الَّتِي تَقْتَحِمُ جُسُودَهُمْ لَمْ تَدَعْ لَهُمْ فُرْصَةً لِلتَّمَكُّن. صَرَخُوا، وَحاوَلُوا الصِّدِّ، وَمَعَ ذَلِكَ سَقَطُوا كَأَوْقَاتٍ مَعْدُودَةٍ، كُلُّ وَاحِدٍ يُبَادُ قَبْلَ أَنْ يَرَى أَصْدِقَاءَهُ.

وَفِي ثَانِيَاتٍ، تَحَوَّلَتِ السَّاحَةُ لِفَوْضَى كَامِلَةٍ، الدِّمَاءُ تَغْلِفُ كُلَّ شَيْءٍ، الصَّرَخَاتُ تَتَسَاقَطُ عَلَى الحَدِيدِ وَالطِّينِ، وَكُلُّ مَنْ وَقَفَ فِي طَرِيقِ ذَلِكَ الجَيْشِ الكَاسِحِ سَقَطَ بِلا تَرَكٍ.

العَائِدُونَ الَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ نَجُوا، وَجَدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي حَلَقَةِ المَوْتِ المُؤَقَّتَةِ، لا مَكَانَ لِلْهُرُوبِ، وَلا أَمَانَ، وَالأَرْضُ كَأَنَّهَا تَشْرَبُ الدِّمَاءَ بِجُوعٍ لَا يُشْبَعُ.

_____

يتبع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنتِي هِي الهَّلَاك

المؤلف syreiaelora
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة