فَتَحَت إِيلفِيَا البَابَ السِرِيَ المَخفِيَ خَلفَ الجِدَارِ الغَربِيِ، وَأَغلَقَته خَلفَهَا بِبطءٍ،
وَبِذَلِكَ انفَصَلَت عَنِ القَصرِ، وَعَنِ النورِ، وَعَنِ المَجلِسِ، وَعَنِ المَاضِي.
وَحدَهَا…
محَاطَةٌ بِحِيطَانٍ صَخرِيَةٍ بَارِدَةٍ، وَسَقفٍ منخَفِضٍ، وَعَتمَةٍ سَمِيكَةٍ لَا ينِيرهَا سِوَى مِشعَلٍ نَحِيلٍ فِي يَدِهَا.
طول المَمَرِ يَبلغ عِدَةَ أَميَال،
يَمر تَحتَ الجِبَالِ، وَيَتَفَرَع إِلَى أَزِقَةٍ ضَيِقَةٍ وَغرَفٍ نَسِيَهَا الزَمَن، كَانَ يستَخدَم قَدِيمًا لِلتَهرِيبِ وَالفِرَارِ فِي أَزمِنَةِ الحصَار.
كل خَطوَةٍ مِن قَدَمَيهَا عَلَى الأَرضِ الرَطبَةِ تخرِج صَوتًا خَفِيفًا، وَكل صَدًى فِي هَذِهِ الدهلزَاتِ يضَاعِف الوَحدَة.
وَرَغمَ أَنَهَا مَرَت هنَا مِرَارًا…
هَذِهِ المَرَة مختَلِفَة.
فَفِي دَاخِلِهَا…
شَيءٌ يَتَكَسَر بِبطء.
تَمر بِنقطَةٍ مَعروفَةٍ لَهَا، جِدَارٌ مَشقوقٌ بِطولِهِ تَتَوَقَف.
تَمر أَصَابِعهَا عَلَى الخَشونَةِ.
كَم مِن مَرَةٍ وَقَفَت هنَا؟
كَم مِن رِسَالَةٍ حَمَلَتهَا بَينَ جَيبِ قَلبِهَا وَلَم تَقلهَا؟
تشعِل مِشعَلًا آخَر، تَثَبِته فِي الجِدَارِ، وَتوَاصِل السَيرَ.
ثمَ… تَسمَع شَيئًا.
صَوتَ المَاءِ يقطِر فِي بقعَةٍ نَائِيَةٍ.
رَفِيفَ جَنَاحِ خفَاشٍ فَوقَ الرَأس.
أَنِينَ حَجَرٍ تَزَحزَحَ فِي الجِدَارِ.
كل شَيءٍ يَبدو طَبِيعِيًا… وَلَكِنَ نَفسَهَا لَا تَهدَأ.
إِستِرلِينَا.
الِاسم يَمر فِي ذَاكِرَتِهَا كَنَفَسٍ دَافِئٍ فِي هَذَا البَردِ.
تَبتَسِم… بَسمَةً صَغِيرَةً وَاحِدَة.
ثمَ تفَكِر:
"مَا الَذِي سَتَفعَله إِذَا استَعَادَت ذَاكِرَتَهَا…؟"
"هَل سَتَبكِي؟"
"هَل سَتَكرَهنَا؟"
"هَل سَتَغفِر لَنَا؟"
**
تَصِل نِهَايَةَ المَمَرِ، بَابًا حَدِيدِيًا يفتَح بِمِفتَاحٍ نَادِرٍ تخفِيهِ فِي كَعبِ حِذَائِهَا.
وَمَا إِن تَفتَحَه، حَتَى تَلتَفَ الرِيَاح البَارِدَة مِن جِهَةِ فِيرِلونَا عَلَيهَا…
خطواتهَا رَنَت عَلَى الدَرَجِ الحَجَرِيِ الضَيِقِ،
وَكل نَفَسٍ تَزفِره يَتَصَاعَد كَخيوطِ بخَارٍ فِي الجَوِ البَارِدِ.
عِندَمَا وَصَلَت إِلَى آخِرِ السِلسِلَةِ اللَولَبِيَةِ، وَدَفَعَتِ البَابَ الحَجَرِيَ الَذِي فتِحَ بِصَرِيرٍ خَفِيفٍ… استَقبَلَهَا الصبح الفِرِيلونِي بِرِيَاحِهِ الجَافَةِ وَبَردِهِ الَذِي يَلسَع الجِلدَ.
كَانَ رَبِيعًا، نَعَم،
وَلَكِنَ فِرِيلونَا لَا تبَالِي بِمَوَاسِمِ الشَمَالِ.
الأَرض تشبِه رَصِيفَ قَلبٍ بَارِدٍ،
قَاسِيَةً، نَدِيَةً، تَفوح مِنهَا رَائِحَة الطِينِ وَالرِيحِ وَالخشبِ القَدِيمِ.
خَطَت إِيلفِيَا خطوَاتٍ قَلِيلَةً، تَجَاوَزَتِ الحصونَ الصَخرِيَةَ المهمَلَةَ الَتِي تخفِي مَدخَلَ المَمَرِ، حَتَى بَلَغَتِ الإِسطَبلَاتِ الجَانِبِيَةَ.
كَانَت فرسَتهَا السَودَاء
تَنتَظِرهَا فِي الزَاوِيَةِ كَمَا تَفعَل فِي كلِ مَرَةٍ، تطلِق شَخِيرًا خَفِيفًا وَتَضرِب الأَرضَ بِقَدَمِهَا.
"هِيَا، يَا قَدِيمَتِي..."هَمَسَت لَهَا وَهِيَ تمرِر يَدَهَا عَلَى عنقِهَا الخَشِنِ.
تَسَلَقَتِ السَرجَ بِحَرَكَةٍ مِهنِيَةٍ، وَبِمجَرَدِ أَن استَوَت، أَطلَقَت لِلجَوَادِ حرِيَتَه فِي الطَرِيقِ الوَعِرِ الَذِي يَصعَد نَحوَ القَصرِ.
الرِيَاح تَصفِر بَينَ الأَشجَارِ العَارِيَةِ، وَأَصوَات صَخرٍ يَتَفَتَت تَتَرَاكَب مَعَ صَدَى الحَوَافِرِ عَلَى الأَرضِ الجَافَةِ.
فِي هَذَا الوَقتِ، لَا أَحَدَ يَسِير فِي الطرقَاتِ.
لَا أَحَدَ يَجرؤ عَلَى السؤَالِ.
وَإِن رَآهَا أَحَدٌ، أَنزَلَ بَصَرَه، أَو أَحنَى رَأسَه.
فَهِيَ إِيلفِيَا
سَيفٌ صَامِتٌ، وَقَائِدَةٌ تَحمِل الرتَبَ عَلَى كَتِفِهَا وَآثَارَ السيوفِ عَلَى جَسَدِهَا.
وَلَا أَحَدَ يَجرؤ عَلَى سؤَالِ امرَأَةٍ مِثلَهَا: "مِن أَينَ جِئتِ؟"
فتِحَ البَاب بِهدوءٍ، كَأَنَ الرِيَاحَ نَفَخَت عَلَيهِ حَتَى استَسلَمَ،
وَدَخَلَت إِيلفِيَا، وَمَعَهَا ظِل السفوحِ وَنَسَمَة اللَيلِ البَارِدِ، وَفِي عَينَيهَا بَقَايَا طَرِيقٍ طَوِيلٍ، وَشَيءٌ مِن صَمتٍ ثَقِيلٍ.
غرفَة إِستِرلِينَا كَانَت غَارِقَةً فِي هدوءٍ دَافِئٍ، تزَيِنه خَشخَشَة الشَمعَاتِ وَصَوت نَفَسِهَا العَمِيقِ.
تَقَدَمَت إِيلفِيَا بِخطًى ثَابِتَةٍ، وَجَلَسَت عَلَى طَرَفِ السَرِير، وَرَبَتَت عَلَى كَتِفِهَا بِلطفٍ:
"اِستِرلِينَا… اِستَيقِظِي."
تَأَوَهَت الفتاة، وَتَقَلَبَت فَوقَ وِسَادَتِهَا، وَفَتَحَت عَينَيهَا بِلَا قدرَةٍ عَلَى التَميِيزِ.
"آنِسَة إِيلفِيَا…؟" هَمَسَت وَهِيَ تَحك عَينَيهَا.
"نَعَم، عدت."
"لَقَد تَأَخَرتِ... كنت أَظنكِ لَن تَعودِي اليَوم."
إِيلفِيَا لَم تجِب فَورًا، بَل أَخرَجَت مِن جَيبِ مِعطَفِهَا قِطعَةً صَغِيرَةً، مغلَفَةً بِقِطعَةِ قِمَاشٍ نَاعِمَةٍ
وَفَتَحَتهَا...
قِلَادَةٌ
إِستِرلِينَا جَلَسَت، نَاظِرَةً بِحَيرَةٍ.
"مَا هَذِهِ؟"
إِيلفِيَا قَالَت بِهدوءٍ:
"شَيءٌ كَانَ مِلككِ… وَكنتِ تَرتَدِينَه دَائِمًا. وَقَد وَصَى أَحَدهم أَن أعِيدَه إِلَيكِ."
"مَن؟"
"لَا يَهم… خذِيهِ."
قَدَمَتهَا لَهَا، وَإِستِرلِينَا تَلَقَفَتهَا بِيَدَينِ تَرتَجِفَانِ بِدونِ سَبَبٍ.
فِي اللَحظَةِ الَتِي لَمَسَت فِيهَا القِلَادَةَ،
كَأَنَ نَبضَ قَلبِهَا اختَلَفَ، كَأَنَ شَيئًا فِي عمقِهَا نَبَضَ بِشَكلٍ غَيرِ مَألوفٍ.
"أَنَا... أَعرِف هَذِهِ..." هَمَسَت، وَجَبِينهَا قَدِ انقَطَبَ فِي حَيرَةٍ غَامِضَةٍ.
"لَا أَتَذَكَر كَيفَ، وَلَا مَتَى، وَلَكِن…
"كنت أَرتَدِيهَا، أَلَيسَ كَذَلِكَ؟"
إِيلفِيَا اكتَفَت بِإِيمَاءَةٍ خَفِيفَةٍ.
"نَعَم."
إِستِرلِينَا لَفَتهَا حَولَ عنقِهَا، وَحِينَ لَامَسَت القِلَادَة جِلدَهَا، شَعَرَت بِقشَعرِيرَةٍ خَفِيفَةٍ تَصعَد فِي جَسَدِهَا، كَأَنَ شَيئًا قَدِ انتَبَهَ مِن نَومٍ طَوِيل.
"شكرًا، آنِسَةَ إِيلفِيَا…" هَمَسَت بِصَوتٍ خَافِتٍ، "لَست أَعرِف لِمَاذَا… لَكِن هَذِهِ… تشعِرنِي بِشَيءٍ… جَمِيل."
إِيلفِيَا نَظَرَت إِلَيهَا بِنَظرَةٍ طَوِيلَةٍ، ثمَ قَالَت بِهدوءٍ:
"عَلِمت أَنَهَا سَتَفعَل."
كَانَ الصبح قَد أَرسَلَ خيوطَه البَاهِتَةَ تَتَسَلَل إِلَى غرفَةِ إِستِرلِينَا، تزَاحِم ضوءَ الشَمعِ وَرَائِحَةَ المِسكِ العَطِرَةِ،
وَصَوت الخَادِمَاتِ يَملَأ الغرفَةَ بِهَمَسَاتٍ هَادِئَةٍ، وَخَطَوَاتٍ نَاعِمَةٍ، وَأَصَابِعَ تَتَحَرَك بِدِقَةٍ.
كنَ ينَظِفنَ شَعرَهَا بِأَنوَاعِ الزيوتِ، وَيسَوونَه بِعِنَايَةٍ، ثمَ جَلَسنَ يزَيِنَ عنقَهَا بِتِلكَ القِلَادَةِ الَتِي بَدَت اليَومَ كَأَنَهَا تَلمَع أَكثَرَ،
وَمَا إِن أَتَمَمنَ ذَلِكَ، حَتَى جَلَبنَ لَهَا فستَانًا أَزرَقَ سَمَاوِيًا، مِن حَرِيرٍ نَاعِمٍ، ذيِلَ بِخيوطِ فِضِيَةٍ تحَاكِي الضَوءَ.
"يلَائِمكِ جِدًا، آنِسَتِي." – قَالَت إِحدَاهنَ وَهِيَ تَثَبِت الزِرَ الأَخِيرَ فِي الفستَانِ.
إِستِرلِينَا نَظَرَت إِلَى نَفسِهَا فِي المِرآةِ… وَصَمَتَت.
كَانَ شَيءٌ فِي المَنظَرِ يربِكهَا، كَأَنَهَا رَأَت ظِلًا قَدِيمًا فِي الصورَةِ، وَكَأَنَ هَذِهِ القِلَادَةَ… لَم تَكن غَرِيبَةً عَلَيهَا أَبَدًا.
خَرَجَت مِنَ الغرفَةِ بَعدَ قَلِيل، وَالشَمس قَد ارتَفَعَت قَلِيلًا، تَلمَع فِي السَاحَةِ الوسطَى، وَصَوت سيوفِ الفرسَانِ يدَوِي فِي البعدِ.
وَبَينَمَا كَانَت تَمشِي فِي الرِدهَةِ الكَبِيرَةِ، وَصَدَى خطوَاتِهَا يَتَرَدَد عَلَى الجِدَارَاتِ البَارِدَةِ، تَقَدَمَ رَجلٌ بِمِعطَفٍ أَسوَدَ، وَوَجهٍ هَادِئٍ، وَشَعرٍ دَاكِنٍ مَسروحٍ بِعِنَايَةٍ.
إِيفَان.
"صَبَاح الخير آنِسَتِي إِستِرلِينَا." قَالَهَا بِنَبرَةٍ هَادِئَةٍ، وَبِانحِنَاءَةٍ طَفِيفَةٍ، وَعَينَاه تَتَفَحَصَانِ القِلَادَةَ فِي عنقِهَا.
"هَل يمكِننِي أَن أَقولَ… أَنَ هَذَا الفستَانَ قَد خلِقَ لِيكمِلَ تِلكَ القِلَادَة؟ لَوحَةٌ فَنِيَةٌ، حَيَةٌ تَمشِي."
إِستِرلِينَا ابتَسَمَت لطفًا، وَهِيَ تخَفِض بَصَرَهَا بِلَا أَن تَردَ، كَأَنَهَا تَخشَى مِن شَيءٍ خَفِيٍ فِي نَبرَتِهِ.
"شكرًا." – قَالَتهَا بِلطفٍ، وَتَابَعَت طَرِيقَهَا.
وَظَلَ هوَ يشَاهِدهَا وَهِيَ تَبتَعِد،
وَصَوت خطوَاتِهَا عَلَى الحَجَرِ البَارِدِ كَأَنَه نَبضٌ يقَطِر فِي رَأسِهِ… وَعَينَاه، وَإِنِ ابتَسَمَت، لَم تَغِب عَنهمَا تِلكَ القِلَادَة الَتِي كَانَ يَعرِففِي أَعمَاقِ قَصرِ فِيرلونَا، فِي هَذَا الوَقتِ المبَكِرِ مِنَ الصَبَاحِ، كَانَ الهدوء يشبِه خطوطًا متَجَمِدَةً فِي الهَوَاءِ، وَيَنتَشِر كَالضَبَابِ البَارِدِ فِي الزَوَايَا الحَجَرِيَةِ.
كَانَ الضَوء الخَافِت الَذِي يَتَسَلَل مِن نَوَافِذِ القَاعَةِ الكبرَى لَا ينِير شَيئًا، بَل يَكشِف كلَ مَا يرِيد الظَل أَن يخفِيهِ.
فِي منتَصَفِ القَاعَةِ، جَلَسَ المَلِك عَلَى عَرشِهِ العَتِيقِ، يحَاصِره صَمتٌ ثَقِيلٌ وَرَائِحَة البَخورِ وَالدخَانِ. كَانَ يَبدو كَمَن لَم يَنَم لَيلَتَه، عَينَاه غَائِرَتَانِ، وَوَجهه مترَعٌ بِآثَارِ تَعَبٍ قَدِيمٍ، لَكِنَه تَعَبٌ ممتَزَجٌ بِالقوَةِ، كَأَنَه يَستَمتِع بِذبولِ الآخَرِينَ.
فتِحَ بَاب القَاعَةِ المَصنوع مِنَ الخَشَبِ الأَسوَدِ، وَدَخَلَ إِيفَان.
تَوَقَفَ فِي مَكَانِهِ، ثمَ انحَنَى بِهدوءٍ:
"سَيِدِي."
رَفَعَ مورفيل نَظَرَه، وَقَالَ بِنَبرَةٍ مَمزوجَةٍ بِالسخرِيَةِ وَالضَجَرِ:
"مَا الأَمر هَذِهِ المَرَةَ؟ أَتَرَانِي بِحَاجَةٍ إِلَى أَخبَارٍ أخرَى تعَكِر صَبَاحِي؟"
أَجَابَ إِيفَان بِصَوتٍ منخَفِضٍ:
"إِنَه يَخص... الفَتَاةَ."
"أَيَة فَتَاةٍ؟ أَلَا تَعلَم أَنَنِي أَملِك أَكثَرَ مِن وَاحِدَةٍ؟"
"أَقصِد إِستِرلِينَا، سَيِدِي."
فَتَحَ المَلِك عَينَيهِ بِشَكلٍ أَوسَعَ، وَقَطَعَ عَلَيهِ الضَجَر خيوطَه:
"قَلب أَخِي؟ الدمِيَة الَتِي حَرَصَ عَلَيهَا كَأَنَهَا مِفتَاح مَملَكَتِهِ؟ تَكَلَم."
قَالَ إِيفَان:
"صَبَاحَ اليَومِ، رَأَيت عَلَى عنقِهَا قِلَادَةً لَم أَرَ مِثلَهَا فِي أَرضِنَا. صنعهَا دَقِيقٌ، وَالجَوهَرَة فِيهَا... زَرقَاء."
"وَمَا فِي ذَلِكَ؟"
"يقَال إِنَ هَذِهِ الجَوَاهِرَ وَذَلِكَ المَعدَنَ لَا يوجَدَانِ إِلَا فِي أوستَاريَا."
خَيَمَ الصَمت. ثمَ قَالَ المَلِك بِنَبرَةٍ بَطِيئَةٍ:
"أَتَعنِي أَنَهَا تَوَاصَلَت مَعَ أَحَدٍ؟ أَو أَنَ أَحَدًا أَرسَلَ لَهَا شَيئًا؟"
"هنَاكَ شَكٌ قَوِيٌ فِي ذَلِكَ، سَيِدِي. قَد تَكون هَدِيَةً، أَو رِسَالَةً مبَطَنَةً. وَلَا يستَبعَد أَن تَكونَ لَهَا دَلَالَةٌ عَاطِفِيَةٌ."
مَالَ أوردوس إِلَى الأَمَامِ.
"وَهَل بَدَت عَلَيهَا أَي تَغيِيرٍ؟"
"لَا شَيءَ وَاضِحٌ. لَكِنَهَا كَانَت صَامِتَةً أَكثَرَ، كَأَنَهَا تَتَذَكَر شَيئًا مَا."
"وَإِذَا بَدَأَت تَتَذَكَر؟"
أَجَابَ إِيفَان بِنَبرَةٍ حَذِرَةٍ:
"قَد يشَكِل ذَلِكَ خَطَرًا، خصوصًا إِذَا تَعَلَقَ بِهَا أَحَدٌ مِن مَن هم خَارِج سَيطَرَتِنَا."
تَنَهَدَ المَلِك، ثمَ وَقَفَ بطئًا:
"يَا إِيفَان، كَانَ مِنَ المفتَرَضِ أَن تَكونَ هِيَ أَضعَف مَفصَلٍ فِي مَملَكَتِهِ، فَجَعَلنَاهَا فِي مَرَاقِبِنَا. وَلَكِنَ القلوبَ لَا تَخضَع لِلخطَطِ أَحيَانًا. إِن تَذَكَرَت، سَنَعرِف ذَلِكَ. وَإِن تَحَدَثَت، سَنَسمَع."
ثمَ قَالَ بِنَبرَةٍ أَمَرَ:
"تَقَرَب مِنهَا، اكسِب ثِقَتَهَا، اجعَلهَا تَفتَح قَلبَهَا لَكَ. وَعِندَمَا تَحِين السَاعَة، سَنَستَخدِمهَا لِتَكونَ سَهمًا نَصوبه إِلَى صَدرِ أوستَاريَا."
أَحنَى إِيفَان رَأسَه مجَدَدًا:
"أَمركَ، سَيِدِي."
فَصَاحَ مورفيل ، وَصَوته يَتَرَدَد فِي أَعمَاقِ القَاعَةِ الحَجَرِيَةِ:
"هَذِهِ اللعبَة لَم تَنتَهِ... بَل لَم تَبدَأ بَعد."
------
يتبع
syreiaelora