لَحظَات

لَحظَات

15 0

نظرتْ إليه عمّتُه، ثمّ رفعت حاجبَيها بحدّة، وضربت مؤخرةَ رأسِه بخفّةٍ وعبوس.

"حَسَنًا، أيُّها العاشقُ البائس، لكن إنْ حدثَ خَطَأٌ صغيرٌ أثناءَ تَسَلُّلِنا... لنْ أتردَّدَ في قَتْلِك."

قالتها بصوتٍ خافتٍ مملوءٍ بالحزمِ، لا يَخلو من لمحةِ تحذيرٍ جادّة.

تنهّد فيدور، ثمّ تمهَّلَ في التفاتتِه نحوَها، ونظرةُ عينَيه كانت تَحملُ شيئًا لم تَفهمْه بعدُ.

"دَعيني أراها..." همسَ بصوتٍ مُتكسِّر، "وسأكونُ راضيًا بالموتِ، إنْ كانَ النّصيبُ هو رؤياها فقط."

نظرت إليه إيلفيا بذهولٍ لثوانٍ، كأنها لا تدري: هل هذا فَارِسٌ أم شَاعِر؟ أيُّ خَليطٍ هذا الذي يسكنُ ابنَ أخيها؟

لكنّه لم يُطِلِ الوقوف، واستدارَ سريعًا وكأنّ شيئًا ناداه من الأعماقِ. دلفَ إلى ممرٍّ جانبيٍّ في القصر، قاصدًا غرفةَ العرش، حيثُ ما يزالُ الملكُ ديموس مُنهكًا، شاحبَ الوجه، غارقًا في أخبارِ الخيانةِ واختفاءِ ابنته.

انحنى فيدور فورَ أن دخل، وصوتُه بدا مستعجِلًا، يكادُ يتفجّر بما فيه:

"سَيِّدي... حينَ تعودُ إِسْتِرْلينا، أَتوسّلُ إليك... دعْني أَتزوَّجْها."

صمتَ، كأنّ الكلماتِ التي خرجتْ قد سبقتْ تفكيرَه، ثمّ أدركَ ما قاله، فانسحبَ منه الحماس، وبدت عليه الدهشةُ من نَفْسِه، كما لو أنه لم يُدرك أنّه يُريدها إلى هذه الدّرجة حتى تلك اللحظة.

الملكُ ديموس، رغم تَعَبِه، حدَّقَ به كأنّه تلقّى لكمةً غير متوقَّعة.

"أهذا وقتُ الزواج؟!" قالها بصوتٍ متعبٍ، لكنّ نبرته كانت خليطًا من الدهشةِ والإنكار.

انكمشَ فيدور، وانحنى أكثر، يُحاولُ التماسَ العذرِ لصراحته الطائشة.

"أَعذرْني، سَيّدي... لم أكنْ... أقصدُ إثقالَكَ بشيءٍ كهذا..."

وفي الطرفِ الآخر من القاعة، تَبادَل الخدمُ النظراتِ، وبعضُهم عضَّ شفتَه يكتمُ ضحكةً صغيرة، بينما آخرون رمقوا فيدور بنظرةِ إعجابٍ ساخرة.

خَرَجَ فيدورُ من غرفةِ العرشِ ووجهُهُ محمرٌّ من شدَّةِ الخجل، وكأنَّ الدمَ توهّجَ في وجنتَيه من فَرْطِ ما اقترَفَ من كلمات.

"ما الذي قُلتُهُ لتوِّي؟!"، همسَ لنفسِه، يُحاول أن يلتقطَ أنفاسَه بينما يَخْطُو مسرعًا في الممرات.

لقد تجرّأَ على التلفُّظِ بطلبٍ كهذا... أمامَ مَن؟! أمام الملكِ ديموس ذاته!

دَخَلَ غرفتَهُ وأغلقَ البابَ خلفَه بهدوءٍ مشحونٍ بالتوتّر، ثم توجَّه إلى خزانته، وراحَ يُقَلِّبُ ثيابَه بنظراتٍ مُشتّتة.

اختارَ أكثرَ زيٍّ قاتمٍ يملكه، سترةً سوداءَ من صوفٍ ثقيلٍ مطرَّزٍ بخيوطٍ فضِّيَّةٍ دقيقةٍ عندَ الياقةِ والأكمام، وكأنَّه أرادَ أن يُطفئَ حمرةَ وجهِه بلونِ الغيابِ نفسِه.

وما إنْ حلَّ الليلُ، حتى كان واقفًا عندَ مدخلِ النفقِ السريِّ، حيثُ التقى بإيلفيا، عينُها مُتَّقدةٌ كعادتها، تمسكُ شعلةً صغيرةً تُضيءُ الظلالَ من حولِهما.

قالت بصوتٍ خافتٍ حازم: "اتبعْني... ولا تُحدِثْ صوتًا."

أومأ برأسه، مُتمسِّكًا بهدوءٍ لا يُشبِهُ ما في داخله من فوضى، ثم تبعَها داخلَ الممرِّ الحجريّ الطويل.

كان الهواءُ باردًا، رطبًا، وله رائحةُ الطينِ المعتّق. مشى فيدور خلفَها وهو يَفركُ كفّيه ويُغمغمُ بشيءٍ من التذمُّر:

"هَلِ الجَوُّ باردٌ عندَهم دائمًا... أم أنَّني وَحْدي من يتجمَّد؟"

رمقَتهُ إيلفيا بنظرةٍ صامتةٍ ثم قالت: "اصمتْ وامشِ، نحنُ لم نصل بعد."

استمرَّا في التقدُّمِ حتى وصلا إلى بوابةٍ صغيرةٍ تؤدِّي إلى الإسطبلاتِ المهجورةِ خلفَ القصر. هناكَ، كانت إيلفيا قد أخفتْ خيلَيْنِ في ظِلِّ الأشجارِ الكثيفة.

ركبتْ فرسَها البيضاء، وأشارتْ لفيدور أن يمتطي الأخرى، ثم همستْ: "اتبعْني ولا تتركِ المسار."

امتطى جوادَه، وأمسكَ باللجامِ بحزمٍ رغمَ ارتجافِ يدَيه. طارَ قلبُه كلما اقتربا أكثر من القصر، وكلّما تذكَّرَ صورتَها وهي تختفي في الضباب.

كان الليلُ هادئًا، تُنيرُه النجومُ البعيدة، لكن قلبَ فيدور كان صاخبًا بألفِ ضجَّةٍ.

وحينَ وصلا، تَسلَّلتْ إيلفيا عبرَ بوابةٍ جانبيةٍ تعرفها وحدَها، ثم همست: "ربما الجميعُ نائمٌ الآن... لكن كنْ حذرًا. لا تَخُنْ خطواتِك."

أومأَ فيدور بثقلٍ، وتبعَها حتى دخلا إلى ممرٍّ ضيِّقٍ في الجناحِ الشرقيّ.

خرجتْ إيلفيا بعد لحظاتٍ لتتفقَّد المكان، ثم قبضتْ على ذراعِ إحدى الخادماتِ المارّة، وهمست لها:

"أينَ استرلينا؟ هل هي في غرفتِها؟"

نظرتِ الخادمةُ حولَها بخوف، ثم أشارت بإصبعِها نحوَ البُحَيرةِ المُقَدَسة

"إنها هناك... في البحيرةِ المقدّسة... كانت تقولُ إنّ الماءَ يُريحُ قلبَها."

التفتَت إيلفيا نحوَ فيدور، بعينينِ ضيِّقتين، وقالت:

"إنها وحدَها..."

رفعَ فيدور رأسَه، وصوتُ دمِه يَخفقُ في أذنَيه كطبلٍ في معركةٍ، ثم قال بصوتٍ مبحوح:

"دَعيني أراها... فقط أراها... ولو للحظةٍ واحدة."

تَسَلَّلَتْ إيلڤيا مجدَّدًا عبر الممرّاتِ المظلمةِ، وقد خفَتَ ضوءُ المشاعلِ في القصرِ الخلفيّ، حتّى لم يَبْقَ سوى السُّكونِ يُرافقُ خُطاها. لَحِقَ بها فيدور بهدوءٍ، وقبل أن يَصِلَ إليها، همس ساخرًا:

"هَلْ كُنْتِ تَعْمَلِينَ مُجْرِمَةً؟ أَوْ قَاتِلَةً مُتَسَلْسِلَةً؟ كَيْفَ تَسْتَطِيعِينَ التَّحَرُّكَ بِهٰذِهِ الْخِفَّةِ؟"

اِلتَفَتَتْ إيلڤيا إِلَيْهِ بِنَظْرَةٍ قَاطِعَةٍ وَهَمَسَتْ بِغَضَبٍ:

"أَلَا يُوجَدُ اِحْتِرَامٌ لِعَمَّتِكَ؟! اِصْمُتْ، وَاتْبَعْنِي."

ضَحِكَ فيدور بِنُعُومَةٍ، وَلَمْ يُجِبْ، بَلْ خَطَا خَلْفَهَا حَتَّى وَصَلَا إِلَى مَكَانٍ يَشْبَهُ غَابَةً مُصَغَّرَةً، تُطَوِّقُهُ الأَشْجَارُ وَتَخْتَبِئُ فِيهِ بُحَيْرَةٌ صَافِيَةٌ كَأَنَّهَا قَطْعَةُ سَمَاءِ سَاقِطَةٌ.

اِخْتَبَآ بَيْنَ الأَغْصَانِ، وَعَيْنَا فيدور تَتَسَمَّرُ عَلَيْهَا...

هِيَ.

لَقَدْ رَآهَا أَخِيرًا.

تَقِفُ عَلَى ضِفَّةِ الْغَدِيرِ، تَرْتَدِي فُسْتَانًا أَبْيَضَ خَفِيفًا، رُبَّمَا هُوَ فُسْتَانُ نَوْمٍ فِي حَقِيقَةِ الأَمْرِ. شَعْرُهَا... لَمْ يَعُدْ كَمَا كَانَ. أَصْبَحَ أَبْيَضَ نَاصِعًا كَالثَّلْجِ، وَمَعَ ذٰلِكَ، لَمْ تَفْقِدْ جَمَالَهَا... بَلْ، زَادَتْ جَلَالًا وَغُمُوضًا.

وَقَفَ فيدور صَامِتًا، يَتَأَمَّلُهَا كَأَنَّهَا حُلْمٌ لَمْ يَعُدْ يَجْرُؤُ عَلَى لَمْسِهِ. هِيَ تَتَحَرَّكُ بِخِفَّةٍ، تَخْطُو فَوْقَ الْعُشْبِ، وَعَيْنَاهَا غَارِقَتَانِ فِي الْمَاءِ، تُفَكِّرُ... وَكَمْ تَمَنَّى لَوْ أَنَّهُ هُوَ مَنْ يَشْغَلُ أَفْكَارَهَا.

ثُمَّ... حَدَثَ مَا لَمْ يَتَوَقَّعْهُ.

هَمَسَتْ، وَالشَّفَتَانِ تَلْفِظَانِ بِحُرْقَةٍ:

"فِيدور..."

اتَّسَعَتْ عَيْنَاهُ. خَطَا نَحْوَ الأَمَامِ دُونَ وَعْيٍ. ظَنَّهَا نَادَتْهُ. ظَنَّهَا تَذَكَّرَتْهُ.

وَلَكِنَّهَا، بِهُدُوءٍ غَامِضٍ، تَابَعَتْ تُهَمْهِمُ:

"مَنْ هٰذَا الَّذِي ظَهَرَ لِي فِي حُلْمِي... وَاسْمُهُ فِيدور؟"

عِنْدَهَا... تَحَطَّمَ شَيْءٌ مَا فِي صَدْرِهِ.

وَبَكَى.

لَمْ يَبْكِ صَوْتًا، بَلْ خَرَجَتْ الدُّمُوعُ بِهُدُوءٍ كَمَا يَخْرُجُ الشُّرُوقُ بَعْدَ عَاصِفَةِ لَيْلٍ طَوِيلٍ. وَفِي وَسَطِ كُلِّ هٰذَا، هَمَسَ صَوْتُهُ، خَفِيفًا، لَمْ تَسْمَعْهُ سِوَى إيلڤيا:

"إِنَّهُ أَنَا... يَا أَمِيرَةَ قَلْبِي... أَنَا."

نَظَرَ إلَيها فيدورُ، وعيناهُ تَشتَعِلانِ بأسىً صامِتٍ، كأنَّهُ يُؤَرِّخُ في داخِلِهِ خَطايا العالَمِ كُلِّها في جَسدِها الرقيقِ هذا.

كَيْفَ لَهُ أَنْ يَترُكَها هاهُنا؟ كَيْفَ استطاعوا أنْ يَمَسُّوها؟ أنْ يُسقِطوها أرضًا ويَطمِسُوا ذاكرَتَها وكأنَّها مَحضُ لُعبةٍ لا تَشعُر؟

أَهُمْ بَلا قلوبٍ؟ أَم بلا أَرواحٍ؟

أَيُّ قَسوةٍ هَذِه الّتي لا تَعرِفُ عَينَيْها؟ أَيُّ أَرضٍ تَحمِلُ أولئكَ الّذينَ نَسُوا أنَّ مَن يَملِكُ مِثلَ هٰذا الجَمالِ لا يُؤذى... بَل يُصَلَّى له؟

نَظَرَتْ إيلفيا إلى نَظَراتِ فيدورَ المُتَّجِهَةِ نَحْوَ إِسْترلينا، وكأنَّهُ لا يَرَى شيئًا سِواها، وكأنَّ العالَمَ بأَسْرِهِ قد تَوقَّفَ عنِ الدَّوَرانِ عِندَ صُورَتِها.

هَمَسَتْ تُوقِظُهُ مِن شرودِهِ، وهِيَ تَهُزُّ كَتِفَهُ برِفْقٍ:

"فِيدور... فِيدور!"

لَمْ يَسْمَعْهَا سِوَى مِنَ النِّداءِ الثَّاني، فَالْتَفَتَ إِلَيْها ببطءٍ وكأنَّهُ يعودُ مِنْ عالمٍ آخر:

"نَعَم؟"

نَظَرَتْ إِليهِ بِجِدِّيَّةٍ، عيناها لا تُخْفِيَانِ القَلَق:

"يَجِبُ أَنْ... "

قَاطَعَها فَجْأَةً صَوْتُ اخْتِرَاقٍ حَادٍّ، واهْتَزَّ الهَوَاءُ من حَولِهِم، حِينَ اسْتَقَرَّ سَهْمٌ فِي جِذْعِ شَجَرَةٍ بَيْنَ رَأْسِ إِيلفيا وَرَأْسِ فيدور.

طَقّ!

صَوْتٌ خَشِنٌ صَدَحَ في الغَابَةِ الصَّامِتَةِ، سَهْمٌ كَادَ أَنْ يَقْتُلَ إِيلفيا.

تَجَمَّدَتْ مَلامِحُ فيدور، وفي عَيْنَيْهِ بَرْقٌ مِن غَضَبٍ كَاسِرٍ، وَتَوَتَّرَتْ يَدُهُ عَلَى قَبَضَةِ سَيْفِهِ.

بِصَوْتٍ غَلِيظٍ غَاضِبٍ  "اِخْتَبِئِي خَلْفِي."

ثُمَّ اِنْحَنَى، وَسَحَبَ سَيْفَهُ دُونَ تَرَدُّدٍ، وَبَدَأَتْ عَيْنَاهُ تَمْسَحَانِ الغَابَةَ مِنْ حَوْلِهِمْ، كَأَنَّهُ ذِئْبٌ أُوقِظَ مِنْ نَوْمِهِ وَعَادَ لِيَفْتَرِسَ

كَانَ يُفَحِّصُ الغَابَةَ بِعَيْنَيْهِ بِسُرْعَةٍ، كَمَنْ يَبْحَثُ عَنْ طَرِيدَتِهِ فِي ظُلْمَةِ الْخِيَانَةِ. حَتَّى رَآهُ... ذَاكَ الرَّجُلُ بِالْعَيْنَيْنِ الْخَضْرَاوَيْنِ! تَجَمَّدَ الدَّمُ فِي عُرُوقِهِ، وَكَلُّ عَضْلَةٍ فِيهِ انْتَبَهَتْ.

وَجْهٌ لَا يُنْسَى... ذَلِكَ الْوَجْهُ الْعِينُهُ الْخَضْرَاءُ الَّذِي سَلَّمَ الرِّسَالَةَ لِلْمَلِكِ دِيمُوس، وَتَجَرَّأَ أَنْ يَقُولَ لَهُ لا سبيل لإِعَادَة استرلينا

تَفَجَّرَ الْغَيْظُ فِي صَدْرِهِ كَالجَحِيمِ، وَلَكِنْ صَوْتُ إِيلْفِيَا كَسَرَ تَفْكِيرَهُ:

"فِيدُور! يَجِبُ أَنْ نَهْرُبَ! لَيْسَ هُنَاكَ مَفَرٌّ!"

قَالَتْهَا بِنَبْرَةٍ مُسْتَوْحِشَةٍ، وَبِدُونِ تَرَدُّدٍ، بَدَآ يَرْكُضَانِ، يَخْتَرِقَانِ أَسِرَّةَ الوَحْلِ وَالأَغْصَانِ الكَثِيفَةِ، وَصَوْتُ أَقْدَامِهِمَا يَرْتَجُّ عَلَى الأَرْضِ.

وَرَاءَهُم، كَانَ إِيفَان قَدْ لَاحَقَهُم، وَمَعَهُ كَتِيبَةٌ مِنَ الفُرْسَانِ.

رَكِضَا بِكُلِّ مَا أَوْتِيَا مِنْ قُوَّةٍ، وَغَايَتُهُم وَاحِدَة: الوُصُولُ إِلَى الأَحْصِنَةِ. وَأَخِيرًا، بَعْدَ جُهْدٍ شَاقٍّ، وَصَلَا. تَسَلَّقَا السُّرْجَ بِنَبَضَاتٍ مُتَسَارِعَةٍ، وَنَظَرَ «فِيدُور» لِمَرَّةٍ أَخِيرَةٍ إِلَى «إِسْتِرْلِينَا»... كَانَتْ تَنْظُرُ نَحْوَهُ، كَأَنَّهَا سَمِعَتْ خَطَاهُم.

وَانْطَلَقَا.

إِلَّا أَنَّ القَدَرَ كَانَ لَهُ رَأْيٌ آخَر.

سَهْمٌ مَجْنُونٌ انْطَلَقَ فِي الفَضَاءِ، وَانْغَرَسَ فِي ظَهْرِ إِيلْفِيَا

إِيلْفِيَا! يَا عَمَّتِي!"

وَلَكِنَّهَا أَشَارَتْ لَهُ بِيدهَا، تَدْفَعُهُ لِلْمَضِيِّ.

"تَقَدَّمْ، أَيُّهَا الأَحْمَقُ!"صَرَخَتْ بِصَوْتٍ مُمْتَلِئٍ بِالْوَجَعِ وَالْغَضَبِ.

وَهُوَ... لَمْ يَسْتَطِعْ. كَانَ سَيَقِفُ، كَانَ سَيَعُودُ... وَلَكِنَّهُ رَآهُم. فَارِسَانِ أَمْسَكَا بِهَا، وَأَسْقَطَاهَا مِنْ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهَا. وَالآخَرُونَ يُطَارِدُونَهُ.

فَصَاحَ بِكُلِّ قُوَّتِهِ، وَضَرَبَ جَنْبَيْ فَرَسِهِ، وَانْدَفَعَ فِي ذَلِكَ المَمَرِّ، بَيْنَ أَغْصَانِ الأَشْجَارِ وَأَصْوَاتِ السُّيُوفِ وَالصِّيَاحِ.

طَالَ الرَّكْضُ، وَالسِّهَامُ تَتَنَاثَرُ حَوْلَهُ، وَكَانَتِ الأَصْوَاتُ تَقْتَرِبُ... وَلكِنَّهُ أَخِيرًا، وَصَلَ.

قَفَزَ مِنْ عَلَى ظَهْرِ حِصَانِهِ، وَاخْتَفَى فِي ظِلَالِ ذَلِكَ المَمَرِّ الضَّيِّقِ الَّذِي كَانَ أَشْبَهَ بِمَتَاهَةٍ.

تَوَقَّفَ «إِيفَان» فِي نِهَايَةِ الطَّرِيقِ، يَنْظُرُ بِعَيْنَيْنِ مُشْتَعِلَتَيْنِ. وَقَالَ بِنَبْرَةٍ مَخْنُوقَةٍ بِالحَنَقِ:

"تَبًّا... كَيْفَ فَلَتَ مِنْ يَدِي؟!"

أَمَّا «فِيدُور»، فَكَانَ يُهَرْوِلُ فِي ذَاكَ المَمَرِّ، يَكادُ يَسْقُطُ مِنَ الإِرْهَاقِ، وَنَبَضُهُ يَخْتَنِقُ فِي صَدْرِهِ. كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ نَسِيَ حِصَانَهُ... وَأَنَّهُ خَسِرَ «إِيلْفِيَا».

وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَوَقَّفْ.

عِنْدَمَا وَصَلَ إِلَى أَرَاضِي أُوْسْتَارْيَا، لَمْ يَكُنْ سِوَى شَبَحٍ... يَجْرِي.

إِلَى القَصْرِ. إِلَى دِيمُوس

-------

يتبع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنتِي هِي الهَّلَاك

المؤلف syreiaelora
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة