الوَدَاع الأخِير||النِّهاية

الوَدَاع الأخِير||النِّهاية

13 0

قَدِيمًا، فِي أَعْمَاقِ الزَّمَنِ الَّذِي لَا يُحْصَى، وُلِدَ إِلَهُ الحَرْبِ مِنْ نَفَسِ النَّارِ وَدَمِ الأَرَاضِي الْمُهْدِمَةِ، فَأَصْبَحَ سَيْفَهُ وَرِيحَهُ وَقُوَّتَهُ وَجَشَعُهُ يَسْكُنُ فِي كُلِّ سَاحَةِ قِتَالٍ. سُمِّيَ "أَرْمِيثْ"، وَكَانَتْ لَهُ عَيْنَانِ كَلَّا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، تَرَى فِيهِمَا نُبُؤَاتِ النَّصْرِ وَالْهَلاَكِ.

قِيلَ أَنَّهُ كُلَّمَا هَمَّ أَحَدٌ بِإشْعالِ حَرْبٍ، يَتَجَلَّى أَرْمِيثْ فِي صُورَةٍ غَامِضَةٍ عَلَى حُدُودِ السَّاحَةِ، وَيُمَلِّكُ الْمُحَارِبِينَ شَجَاعَةً لا تُقَاوَمُ وَغَضَبًا يَشْوِي أَعْضَاءَ العَدُوِّ. قَالَتِ الأُسْطُورَةُ: مَنْ رَأَى عَيْنَيْ أَرْمِيثْ فِي وَقْتِ الْقِتَالِ، فَإِنَّ نَفْسَهُ سَتَلْتَهِبُ وَسَيْفُهُ سَيَخْرِقُ الدِّمَاءَ بِلا تَرَدُّدٍ.

وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، يُحْكَى أَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ لِيَحْكُمَ، بَلْ لِيُرِي الْبَشَرَ مَدَى ضَعْفِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ كُلَّ سَاحَةِ قِتَالٍ تَحْمِلُ بَصَمَتَهُ، مِنَ الدِّمَاءِ وَالْخُيُولِ وَالصُّرَخَاتِ.

وَأَكْثَرُ مَا يُرْوَى، أَنَّهُ مَنْ يَسْتَحْضِرُ رُوحَهُ، يَغْمُرُهُ قُوَّةٌ تَجْعَلُهُ كَأَنَّهُ وَحْشٌ فِي السَّاحَةِ، وَكُلُّ ضَرْبَةٍ يَسْلُكُهَا، تُحَوِّلُ الأَعْدَاءَ إِلَى سُكَّرٍ مُتَفَتِّتٍ فِي وَسَطِ الدِّمَاء

الآن رَأَى إِيفَانُ فِيدُورَ كَإِلَهِ الحَرْبِ مُجَسَّدًا أَمَامَهُ، قُوَّتُهُ غَيْرُ مُعْقُولَةٍ، سَيْفُهُ يَخْرُقُ قُلُوبَ الجُنُودِ وَيَقْطَعُ رُقُبَ الفُرْسَانِ فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ. ارْتَعَشَ إِيفَانُ خَوْفًا كَمَا لَمْ يَرْتَعِشْ قَبْلًا.

بِدُونِ مُقَدِّمَاتٍ، غَرَسَ فِيدُورُ السَّيْفَ فِي عَيْنِ إِيفَانَ. صَرَخَ فِيدُورُ:

"هَذِهِ الْعَيْنُ كَيْ لَا تُعِيدَ النَّظَرَ إِلَى إِسْتَرْلِينَا!"

سَحَبَ فِيدُورُ السَّيْفَ، طَرَفُهُ لا يَزَالُ مُلْطَّخًا بِدَمِ إِيفَانَ، وَغَرَسَهُ فِي قَلْبِهِ. صَرَخَ:

"وَهَذِهِ لأَنَّكَ عَذَّبْتَ مَحْبُوبَتِي... مُتْ يَا أَيُّهَا الْقَذِرُ! مُتْ! مُتْ!"

تَدَفَّقَ الدَّمُ بِكَمِّيَّةٍ هَائِلَةٍ. سَقَطَ إِيفَانُ عَلَى رَكْبَتَيْهِ، يَتَخَلَّى جَسَدُهُ عَنِ الحَيَاةِ ثُمَّ اسْتَلْمَتْ أَرْضَهُ. فِيدُورُ تَقَدَّمَ بَيْنَ الجُنُودِ، السَّيْفُ مُلْطَّخٌ بِالدَّمِ، وَيَغْرِسُ فِي كُلِّ جُنْدٍ يُحَاوِلُ المَجَازَفَةَ.

كُلُّ ضَرْبَةٍ تُنهي حَيَاةً. كُلُّ ضَرْبَةٍ تُسقِطُ جُثَةً. لا مَرَاحِمَ، لا شَفَقَةَ، كُلُّ مَن يَقِفُ فِي طَرِيقِهِ يَسْقُطُ فِي ثَوَانٍ.

إِيفَانُ سَكَنَ، عَيْنَاهُ فَاغِرَتَانِ، جَسَدُهُ مَيِّتٌ، وَالدَّمُ يَغْرِقُ أَرْضَ السَّاحَةِ حَوْلَهُ. فِيدُورُ وَقَفَ، السَّيْفُ مُمْتَلِئٌ بِالدَّمِ، يَمْشِي بَيْنَ الجُثَثِ، وَكُلُّ ضَرْبَةٍ لَا تُخَلِّفُ أَيَّ أَثَرٍ إِلَّا المَوْتَ.

سَارَ فِيدُورُ بَيْنَ الأَرْضِ الْمُحَرَّقَةِ، يَدَاهُ مُمْلَأَتَانِ بِالدَّمِ وَغُبَارِ الْحَرْبِ، وَقَلْبُهُ يَخْتَنِقُ كُلَّ خُطْوَةٍ. كُلُّ مَا حَوْلَهُ كَانَ مَيْتًا، جُنُودٌ، فُرْسَانٌ، سَاحَةٌ تَغْمُرُهَا رِيحُ الصَّمْتِ وَرَوَائِحُ الدَّمِ.

تَعَرَّجَ فِيدُورُ ببطءٍ، عَيْنَاهُ تَتَفَحَّصَانِ الْمَكَانَ بِانْقِطَاعٍ. كُلُّ ضَحِكَةٍ، كُلُّ صَرْخَةٍ، كُلُّ خُطْوَةٍ مَضَتْ أَمَامَهُ غَابَتْ. كُلُّ مَن كَانَ يَحْمِلُ سَيْفًا، كُلُّ مَن كَانَ يَقَاتِلُ، سَقَطُوا وَسَقَطَتْ أَرْوَاحُهُمْ.

وَفَجْأَةً، رَكَعَ فِيدُورُ ببطءٍ، يَدَاهُ تَمُسُّانِ جُثَّةَ وَالِدِهِ. تَحَسَّسَ نَبْضَهُ، فَمَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَبْضٌ. جَسَدُهُ باردٌ، صَمْتُهُ أَطْبَقَ عَلَى فِيدُورَ.

"أَبِي... لِمَاذَا؟! كُلُّ شَيْءٍ دَمَّرَوهُ..."

وَقَفَ، عَيْنَاهُ تَتَجَسَّسَانِ فِي الأَرْضِ الْمُحَرَّقَةِ، يَرَى كُلَّ مَا تَرَكَتْهُ الْحَرْبُ وَرَاءَهُ. كُلُّ جُنْدٍ، كُلُّ فَرْسٍ، كُلُّ نَبْضٍ مَمْحُوٌّ.

أَخَذَ فِيدُورُ نَفَسًا عَمِيقًا، وَقَلْبُهُ يَتَفَجَّرُ أَلَمًا، وَيَدُهُ تَمُسُّ جَثَثَ أَحِبَّائِهِ وَالْمُقَارِبِينَ. بَكَى طَوِيلًا،بَكَى فِيدُورُ وَشَهَقَ، صَوْتُهُ يَتَخَلَّلُ صَمْتَ اللَّيْلِ. لَا يَسْمَعُ إِلَّا فِحِيشِ النَّارِ، وَصَوْتَ رِيَاحِ اللَّيْلِ وَتَحَرُّكِ الأَشْجَارِ. كُلُّ شَيْءٍ حَوْلَهُ كَانَ صَمْتًا مُرَاوِغًا، يَخْلِقُ فَرَاغًا يَمْتَلِئُ بِالْحُزْنِ وَالْخَوْفِ.

فَجْأَةً، تَعَكَّرَ صَفْوُ هَذَيْنِ الصَّوْتَيْنِ، وَصَدَرَ صَوْتُ خُطُوَاتٍ ثَقِيلَةٍ تَقْرَعُ عَلَى الأَرْضِ الْمُحَرَّقَةِ. اِسْتَدَارَ فِيدُورُ بِسُرْعَةٍ، وَوَجَّهَ سَيْفَهُ كُلَّ التَّوَجِيهِ، وَعَيْنَاهُ اتَّسَعَتَا فِي صَدْمَةٍ.

أَمَامَهُ، وَفِي وَضْعٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ، وَقَفَتْ هِيَ... إِسْتَرْلِينَا. كَانَتْ حَاضِرَةً، تَجْلِسُ بَيْنَ الدُّخَانِ وَالرِّيَاحِ، تَنْظُرُ إِلَيْهِ بِصَمْتٍ وَصَدْمَةٍ، وَفِيهَا شَيْءٌ مِنَ الحُزْنِ.

إِسْتَرْلِينَا تَحَرَّكَتْ بِبُطْءٍ، صَمْتُهَا يَكْسِرُ الصَّمْتَ، وَعَيْنَاهَا تَتَفَحَّصَانِ فِيدُورَ بِحِذْرٍ. كُلُّ شَيْءٍ حَوْلَهُمَا تَحَوَّلَ إِلَى وَقْتٍ مُتَوَقَّفٍ، كَأَنَّ الْحَرْبَ وَالْمَوْتَ وَاللَّيْلَ تَوَقَّفُوا لِحَظَةٍ وَحْدَهُمَا.

أَسْرَعَ فِيدُورُ نَحْوَهَا، كَأَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ تَحْمِلُهُ إِلَيْهَا مِنْ بَعْدِ أشهر مِنَ الفِرَاقِ وَالاشْتِيَاقِ. وَفِي لَحْظَةٍ رَمى كُلَّ شَيْءٍ مِنْ حِمْلِهِ عَلَى الأَرْضِ، وَاحْتَضَنَهَا بِشِدَّةٍ، وَجَسَدُهُ الضَّخْمُ يَرْتَجِفُ

شَعَرَ فِيدُورُ كَأَنَّ كُلَّ يوم فرَاقٍ تَتَلاَشَى فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، وَكُلُّ قَلْبِهِ يَخْفِقُ كَأَنَّهُ سَيَنْفَجِرُ مِنَ الشَّوْقِ. كُلُّ نَفَسٍ يَأخُذُهُ مَعَهُ كُلُّ هَمْسٍ كَانَ يَحْتَبِسُهُ لِسِنِينٍ، خَرَجَ الآن عَلَى لِسَانِهِ، مُخْرِجًا كُلَّ حُبِّهِ، كُلَّ وَجَعِهِ، كُلَّ شَوْقِهِ المُكَبوتِ:

"أُحِبُّكِ... أُحِبُّكِ... أَنَا..."

صَرَخَتِ الكَلِمَاتُ مِنْ دَاخِلِهِ كَأَنَّهَا تَحْرُقُهُ، كُلُّ حُرْفٍ يَنْبِضُ بِالاحْتِرَاقِ وَالْوَجَدَانِ. أَجْسَادُهُمَا تَلَامَسَتْ، وَفِيدُورُ كَانَ يَشْعُرُ كَأَنَّهُ سَيَذُوبُ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، يَتَلَطَّفُ بِكُلِّ شَيْءٍ قَدْ فَقَدَهُ، كُلُّ شَيْءٍ ضَاعَ فِي غَيَابِهَا.

"اِسْتَرْلِينَا، أَنْتِ تَتَذَكَّرِينَنِي صَحِيح؟ أَنْتِ تَتَذَكِّرِينَ مَنْ أَنَا صَحِيح؟ أَخْبِرِينِي أَنِّي عَلَى حَقٍّ يَا جَمِيلَتِي، هَيَا، لَا تَبْقِي صَامِتَةً!"

قَالَ فِيدُورُ كَلِمَاتِهِ وَهُوَ يَمْسَحُ عَلَى وَجْنَتَيْهَا بِطُرُفِ أَصَابِعِهِ، وَشَفَتَاهُ تَلَامَسَانِ بَشَرَتَهَا بِرِقَّةٍ وَحَنَانٍ

"اشْتَقْتُ لَكِ..."

تَكَلَّمَ بِاللُّطْفِ وَالشَّوْقِ، وَكُلُّ حَرَكَةٍ مِنْهُ كَانَتْ تَحْمِلُ اشهر مِنَ الغِيَابِ وَالأَلَمِ.

لَكِنَّ فَجْأَةً، دَفَعَتْهُ اِسْتَرْلِينَا بَعِيدًا عَنْهَا بِقُوَّةٍ، وَعَيْنَاهَا تَتَلَألَأُ بِمَشَاعِرٍ مُتَضَارِبَةٍ، بَيْنَ الصَّدْمَةِ وَالحَيْرَةِ وَشِعْورِهَا بِمَا فِي قَلْبِهُ.

وَقَفَ فِيدُورُ لِلْحَظَةٍ، يَشْهَقُ وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا، جَسَدُهُ لا يَزَالُ يَرْتَجِفُ مِنَ الشَّوْقِ وَالأَلَمِ، وَقَلْبُهُ يَخْطُو كُلَّ خَطْوَةٍ تِلْكَ لِيُقَرِّبَهَا مَرَّةً أُخْرَى، حَتَّى إِنَّهُ كَادَ أَنْ يَفْرِغَ كُلَّ مَا فِي دَاخِلِهِ فِي هَمْسٍ وَحَنَانٍ.

"أَنَا أَتَذَكَّرُ أَنَّكَ فِيدُور، لَكِنِ ابْتَعِدْ عَنِّي! ابْتَعِدْ!"

قَالَتْهَا وَهِيَ تُمْسِكُ رَأْسَهَا بِأَلَمٍ، وَصَوْتُهَا يَتَصَاعَدُ بِلَا وعيٍ، مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الهَوْنِ وَالرُّعْبِ:

ــ "ابْتَعِدْ... ابْتَعِدْ... ابْتَعِدْ..."

ظَلَّتْ تُرَدِّدُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ بِصَوْتٍ مُنخَفِضٍ، كَأَنَّهُ يُخْرِجُ مِنْهَا كُلَّ شَيْءٍ يُؤْلِمُهَا، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَجَسَدُهُ يَرْتَجِفُ مِنَ الشَّوْقِ وَالأَلَمِ، وَقَلْبُهُ يَخْطُو كُلَّ خُطْوَةٍ تِلْكَ لِيُقَرِّبَهَا مَرَّةً أُخْرَى.

"حَبِيبَتِي، هَلْ تُعَانِينَ مِنْ أَلَمٍ فِي رَأْسِكِ؟ لَا تَضْغَطِي عَلَى نَفْسِكِ كَثِيرًا… هَيَا، يَا حَبِيبَتِي، دَعِينَا نَبْنِي مَنْزِلًا فِي إِحْدَى الجِبَال… أُوسْتَارِيَا تَدَمَّرَتْ، وَكَمَا تَرِينَ، فِيرْلُونَا أَيْضًا مَدَمَّرَة، وَالكُلُّ مَيْتٌ، حَتَّى الجُنُودُ وَالسُّكَّان… دَعِينَا نَعِيشُ بَعِيدًا عَن هَذَا الأَلَمِ."

كَلِمَاتُهُ كَانَتْ مَمْلُوءَةً بِكُلِّ شَيْءٍ لَمْ يُقَالْ لِسِنِينٍ، كُلُّ هَمْسَةٍ تَحْمِلُ شَوْقَهُ وَأَمَلَهُ، وَجَسَدُهُ يَرْتَجِفُ كَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ طَرِيقٍ لِيُخْفِفَ مِنْ أَلَمِهَا، حَتَّى لَو كَانَ العَالَمُ كُلُّهُ مَدَمَّرًا حَوْلَهُمَا.

فَجْأَةً، التَقَطَتْ اِسْتَرْلِينَا سَيْفَهَا بِقُوَّةٍ، وَدَفَعَتْهُ فِي بَطْنِ فِيدُور، وَهِيَ تَصْرُخُ وَتَبْكِي:

"تَوَقَّفْ! تَوَقَّفْ!"

صَرَخَتْ هَذِهِ الكَلِمَاتِ وَهِيَ تُحَاوِلُ كَبْحَ الصَّوْتِ الَّذِي يَصْرُخُ فِي رَأْسِهَا، صَوْتٌ يُمْلِي عَلَيْهَا كَلِمَةَ "اقْتُلِيهِ"، وَكُلُّ شَيْءٍ دَاخِلَها كَانَ يَتَصَادَمُ

نَظَرَ فِيدُورُ إِلَى السَّيْفِ الْمَغْرُوسِ فِي بَطْنِهِ، وَهُوَ مُصْدُومٌ، لَيْسَ مِنَ الضَّرْبَةِ بِنَفْسِهَا، وَلَكِنَّ مِنْ شَخْصٍ وَضَعَ هَذَا السَّيْفَ فِيهِ… مِنْهَا… مِنْ اِسْتَرْلِينَا.

"اِسْتَرْلِينَا… لِمَاذَا؟" هَمَسَ بِصَوْتٍ يَخْتَنِقُهُ الْأَلَمُ، وَنَفْسُهُ تَتَشَظَّى كُلَّ شَيْءٍ حَوْلَهُ يَسْتَحِيلُ عَلَى الْوُصُولِ.

أَمْسَكَتِ اِسْتَرْلِينَا رَأْسَهَا بِيَدَيْهَا، وَهِيَ تَتَذَكَّرُ كُلَّ شَيْءٍ… كُلَّ لَحْظَةٍ أَلَمَتْهَا، كُلَّ صَرْخَةٍ وَكُلَّ دَمْعَةٍ.

تَذَكَّرَتْ لَحْظَةَ إِلْقَائِهَا فِي الْعَرَبَةِ، وَمَا تَلَاهَا مِنْ أَيَّامٍ كَانَتْ فِيهَا تُعَذَّبُ وَتُجَرَّبُ، وَتَذَكَّرَتْ وَقْتَ الَّذِي رَأَتْ فِيهِ إِيفَانَ كَمُنْقِذٍ، وَتَذَكَّرَتْ لَحْظَةَ لِقَائِهَا بِإِيلْفِيَا، كُلُّ هَذِهِ الذِّكْرَيَاتِ تَصُبُّ فِي رَأْسِهَا

تَذَكَّرَتْ أَنَّهَا هِيَ مَلِكَةُ أُوسْتَارِيَا… أَنَّهَا النُّبُؤَةُ، أَنَّ الْمُقَدَّرَ لَهَا أَنْ تَقُودَ الْعَالَمَ… وَلَكِنَّهُ لَيْسَ لِلْخَيْرِ، لَيْسَ لِلرَّفَاهِيَةِ، بَلْ لِلْهَلَاكِ. كُلُّ شَيْءٍ دَاخِلَها كَانَ يُصَرِّحُ أَنَّهُ هَلَاكٌ، وَأَنَّ هَذَا الْعَالَمَ مُحْتَقِرٌ أَنْ يَحْيَا.

فِيدُورُ أَمَامَهُ فِي صَمْتٍ، يَشْعُرُ بِالذُّهُولِ وَالْخَيَانَةِ وَالأَلَمِ، وَيَتَلاَطَمُ فِي نَفْسِهِ شَوْقٌ وَحُزْنٌ وَغَضَبٌ وَيَأْسٌ… كُلُّ هَذِهِ الْمَشَاعِرِ تَتَصَادَمُ دَاخِلَ قَلْبِهِ، حَتَّى يَكَادُ يَتَفَجَّرُ

نَظَرَتْ لَهُ اِسْتَرْلِينَا وَهِيَ تَبْكِي، وَصَوْتُهَا يَخْتَنِقُهُ الْحُزْنُ:

"فِيدُور… هُمْ… هُمْ مَن تَحَكَّمُوا بِي، أَقْسِم لَكَ… أَقْسِم لَكَ…"

تَنَفَّسَ فِيدُورُ بِصَعُوبَةٍ، وَصَوْتُهُ يَخْتَبِرُ الْأَلَمَ، وَدِمَاؤُهُ تَفْرُغُ مِنْ جَسَدِهِ:

"لَا بَأْسَ… أَنَا أَعْرِف… عَلَى الْأَقَلّ سَأَمُوتُ مُرْتَاحًا، لأَنَّكِ آخِرُ مَا تَشْهَدُهُ عَيْنَايَ…"

اِسْتَرْلِينَا رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا نَحْوَهُ، وَهِيَ تَرْتَجِفُ مِنَ الْخَوْفِ وَالذُّهُولِ، ثُمَّ انْحَنَتْ لِتُلَامِسَهُ، وَوَضَعَتْ يَدَيْهَا عَلَى جُرْحِهِ:

"لَا تَقُل هَذَا الْكَلَام… أَنْتَ بِخَيْرٍ، أَنْتَ بِخَيْرٍ… سَيَتَوَقَّفُ نَزِيفُكَ… سَنَعِيشُ مَعًا، صَحِيح؟!"

فِيدُورُ أَغْمَرَهُ شَعُورٌ غَرِيبٌ مِنَ الرِّقَّةِ وَالاطْمِئْنَانِ وَالْأَلَمِ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ. دَمَاؤُهُ لَا تَزَال تَفْرُغُ، وَلَكِنَّهُ شَعَرَ بِطِيبَةِ الْقُرْبِ وَالْحُبِّ تَتَدَفَّقُ مِنْ حَوْلِهِ.

أَمْسَكَ فِيدُورُ بِيَدَيْهَا بِقُوَّةٍ، وَأَبْعَدَهَا بِرِقَّةٍ عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي يَسْتَفِزُّ جُرْحَهُ، وَصَوْتُهُ يَخْتَنِقُهُ الأَلَمُ وَالْحُبُّ فِي آنٍ وَاحِدٍ:

"اِسْتَرْلِينَا… لَا بَأْسَ… تَقَبَّلِي الْحَقِيقَةَ… سَأَمُوتُ، وَلَنْ نَعِيشَ مَعًا… رُبَّمَا نَلْتَقِي فِي النَّعِيمِ، وَنَعِيشُ مَعًا بِهُدُوءٍ وَسَلَامٍ… وَنُنْجِبُ أَطْفَالًا يَحْمِلُونَ لَوْنَ عَيْنَيْكِ، وَفَتَاةً طَائِشَةً مِثْلِكِ وَفَتًى وَسِيمًا مِثْلِي… حَبِيبَتِي… أَرْجُوكِ، أَنْ نَلْتَقِي فِي النَّعِيمِ… كُونِي زَوْجَتِي، وَكُونِي مَلِكِي…أَعْلَمُ أَنَّ الدُّنْيَا لَا تَسْمَحُ لَنَا أَنْ نَكُونَ مَعًا، وَلَكِنَّ كُلَّ مَا فِيَّ يَتَمَنَّى أَنْ أَبْقَى بِجَانِبِكِ، أَنْ أُحِسَّ بِقُرْبِكِ، أَنْ أَمْسِكَ يَدَكِ وَأَعِيدَكِ إِلَى أَحْضَانِي مَرَّةً وَاحِدَةً… أَعْلَمُ أَنَّ الحُرِّيَّةَ لَن تَعُودَ، أَنَّ الْأَلَمَ قَدْ نَخَرَ قُلُوبَنَا، وَلَكِنَّ حُبِّي لَكِ أَقْوَى مِنَ الْحَرْبِ، أَقْوَى مِنَ الْمَوْتِ، أَقْوَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. أَعِدُكِ أَنَّ آخِرَ نَفَسٍ فِيَّ سَيَكُونُ مِنْ أَجْلِكِ، أَنَا… أَنَا أُحِبُّكِ، أَسْتَرْلِينَا… أَحِبُّكِ كُلَّ يَوْمٍ كُلَّهُ، كُلَّ ثَانِيَةٍ كُلَّهَا…أَحِبُّكِ… أَعشَقُكِ…هِيَامِي أَنْتِ"

اِرْتَجَفَتْ دُمُوعُهَا عَلَى وَجْنَتَيْهَا، وَصَوْتُهَا يَخْتَنِقُهُ الْحُزْنُ وَالْخَوْفُ:

"بِالطَّبْعِ، بِالطَّبْعِ… نَحْنُ.. "

لَمْ تَكْمِلْ كَلَامَهَا، فَلَمْ يَدَعَهَا تَتَمَكَّنُ مِنَ الْحَدِيثِ، فَوَضَعَ شَفَاهَهُ عَلَى شَفَتَيْهَا بِكُلِّ شِدَّةٍ، قَبْلَ أَنْ يَسْقُطَ جِسْدُهُ عَلَى الأَرْضِ، وَالدِّمَاءُ تَفْرُغُ مِنْ فَمِهِ وَجُرُوحِهِ بِلا تَوَقُّفٍ، وَقَلْبُهُ يَنْهَضُ آخِرَ دَفْقٍ مِنَ الْحُبِّ وَالْحَزَنِ.

رَجَفَ جِسْمُهُ ضِدَّ حِضْنِهَا، وَيَدَاهُ تَتَمَسَّكَانِ بِهَا كَمَا لَوْ أَنَّ هَذِهِ الْلَّحْظَةَ سَتَسْتَمِرُّ إِلَى الأَبَدِ. تَصَادَمَتْ فِكَرُهُ بَيْنَ الأَلَمِ وَالرِّقَّةِ، كُلُّ شَيْءٍ فِي الْعَالَمِ يَتَبَخَّرُ حَوْلَهُ وَيَبْقَى صَوْتُهَا وَشَفَتَاهَا وَحِضْنُهَا، هُوَ آخِرُ مَا يَمْلَكُهُ.

شَعَرَ بِحَرِيقٍ يَسْتَوْلِي عَلَى كُلِّ عَضَلَةٍ فِي جَسَدِهِ، وَدُموعُهُ الْمَخْنُوقَةُ تَمْزُجُ مَعَ دِمَائِهِ، كَأَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ يَبْكِي مَعَهُ. صَوْتُهُ يَتَهَدَّجُ فِي صَدَى النَّارِ وَالْحَرْبِ الَّتِي تَمُرُّ مِنْ حَوْلِهِ، وَيَهْسُسُ كَلِمَاتِ الْحُبِّ الَّتِي حَبَسَهَا لِسَنِينٍ طَوِيلَةٍ، كَأَنَّهُ يُوَجِّهُهَا لِلأَبَدِ:

"أَحِبُّكِ… أَحِبُّكِ… أَنَا…"

وَفَجْأَةً، يَشْعُرُ بِوَجْهِهُ يَلْمَسُهُ نَسِيمُ اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ، وَهُوَ يَرَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْحَيَاةِ وَقَفَ عِنْدَ هَذِهِ النَّفَسَةِ. لَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ سِوَى هَذَا الْحُضْنِ، هَذَا الصَّوْتِ، وَهَذِهِ الدُّموعِ، وَهُوَ يَرْتَجِفُ آخِرَ اهْتِزَازٍ مِنْ شَغَفِهِ وَأَلَمِهِ، قَبْلَ أَنْ يَسْقُطَ جِسْمُهُ عَلَى الأَرْضِ

أَمْسَكَتْ أَسْتَرْلِينا رَأْسَهُ وَوَضَعَتْهُ عَلَى حِجْرِهَا، وَأَسْنَدَتْ جَبِينَهُ إِلَى جَبِينِهَا، وَصَدَحَ صَوْتُهَا بِهَمسٍ رَقِيقٍ:

"أُحِبُّكَ يا فِيدور…"

تَسَلَّلَتِ الدُّمُوعُ مِنْ عَيْنَيْهَا، وَامْتَزَجَتْ بِالدَّمِ الَّذِي غَطَّى وَجْهَهُ وَيَدَيْهَا، فَبَكَتْ وَبَكَتْ لِلَّحَظَاتِ طَوِيلَةٍ، حَتَّى ظَنَّتْ أَنَّ العَالَمَ كُلَّهُ تَوَقَّفَ لِيُشْهَدَ حُزْنَهَا وَأَلَمَهَا.

وَلَحْظَاتٌ طَالَتْ، رَأَتْ فِيهَا ضَوءَ الشَّمْسِ يَشْرُقُ عَلَى السَّمَاءِ، كَأَنَّهُ يُنَبِّهُ قَلْبَهَا وَيُذَكِّرُهَا بِحَقِيقَتِهَا. هُوَ كَانَ حَرْبَهَا، الحَرْبَ الَّتِي تُخَاضُ كُلَّ يَوْمٍ دُونَ وعي، وَدُونَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهَا فَقَدَتْ ذَاكِرَتَهَا.

قَلْبُهُ كَانَ يَحَارِبُ بَعْدُ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَعُودَ لِمَالِكِه، وَمَالِكُهُ هِيَ أَسْتَرْلِينا. هِيَ لَيْسَتْ قُرْبَانًا لِلآلِهَةِ، بَلْ هِيَ صَدِيقَتُهُ، خَلِيلَتُهُ، حُبُّهُ، جَمِيلَتُهُ… هِيَ كُلُّ شَيْءٍ

نَظَرَتْ أَسْتَرْلِينا لِشُعَاعِ الشَّمْسِ الَّذِي كَانَ يَتَسَلَّلُ بَيْنَ حُطَامِ المَعْرَكَةِ، يَبْدُو كَأَنَّهُ يَحْتَسِبُ لَهَا وَقْتًا قَلِيلًا لِلتَّوَاصُل مَعَ الحَيَاةِ، وَلَكِنَّ أَعْيُنَهَا كَانَتْ مُمْتَلِئَةً بِالوَجَعِ وَالأَلَمِ. كُلُّ شَيْءٍ حَوْلَهَا كَانَ صَمْتًا غَرِيبًا، صَمْتُ المَيِّتِينَ وَالصَّوْتِ الْمُتَوَارِي لِلرِّيحِ الَّتِي تَمُرُّ بَيْنَ الجُثَثِ وَالأَسْلِحَةِ.

أَمْسَكَتِ الخَنَجَرَ بِيَدَيْهَا الرَّجِيفَتَيْنِ، تَشْعُرُ بِالقُوَّةِ الَّتِي تَسْرِي فِي وَرِيدِهَا، تَسْمَعُ فِي رَأْسِهَا صَرْخَاتِ مَنْ أَحَبَّتْ، أَبِي وَأُمِّي، فِيدور،… كُلُّ أَصْوَاتٍ مُتَقَطِّعَةٍ، كَأَنَّهَا تُخْبِرُهَا بِأَنَّنَا مُلْتَقُونَ فِي النَّعِيمِ.

وَتَرَتَّلَتْ أَفْكَارُهَا وَمَشَاعِرُهَا، تَتَرَادَفُ وَتَتَصَادَمُ، كُلُّ شَيْءٍ تَذَكَّرَتْهُ مِنْ سَبْقُ: لَحَظَاتُ الاِسْتِعَاذَةِ، لَحَظَاتُ العَذَابِ، لَحَظَاتُ القُوَّةِ، وَلَحَظَاتُ الضَّعْفِ. عَيْنَاهَا امْتَلَأَتْ بِالدُّمُوعِ وَتَرَكَتْهَا تَسِيلُ عَلَى وَجْنَيْهَا، تَمْزُجُ مَعَ دَمِ الحَرْبِ وَتَحْمِلُ أَوْجَاعَ القَلْبِ كُلَّهَا.

"أَبِي… أُمِّي… فِيدور… كُلُّ مَنْ أَحْبَبْتُ… أَنَا قَادِمَةٌ إِلَيْكُمْ…"

تَنَفَّسَتْ شَفَةً شَفَةً، وَكُلُّ نَبْضَةٍ فِي قَلْبِهَا كَانَتْ تُخْرِجُهَا مِنَ الدُّنْيَا بِبُطْءٍ، تَرْغَبُ أَنْ تُبْقِي لَحْظَةً أَخِيرَةً لِفِيدور، لِحَبِّهَا الَّذِي كَانَ أَوْحَشَ أَلَمٍ وَأَجْمَلَهُ فِي نَفْسِ الوَقْتِ.

أَمْسَكَتْ الخَنَجَرَ بِكامل قُوَّتِهَا، وَوَضَعَتْهُ عَلَى وَرِيدِهَا، حَرَكَتْ يَدَهَا بِثِقَلٍ وَسُرْعَةٍ، وَشَهَقَتْ شَهِقَةً تَحْمِلُ كُلَّ الُآمَانِي وَالأَحْلَامَ، وَنَحَرَتْ عُنُقَهَا. الدُّمُوعُ تَسِيلُ كَشَلَكِ النَّهْرِ، تَمْزُجُ مَعَ الدَّمِ وَتَغْسِلُ وَجْهَهَا وَيَدَيْهَا.

وَبِبطءٍ، تَرَكَتِ القُوَّةَ تَتَرَاجَعُ، وَجَسَدُهَا يَسْقُطُ عَلَى الأَرْضِ، كُلُّ نَفَسٍ وَكُلُّ خَفِيقَةٍ فِي قَلْبِهَا يَتَوَقَّفُ وَيُخْرِجُهَا مِنَ الدُّنْيَا

"دَعُونَا نَلْتَقِي فِي الحَيَاةِ الأُخْرَى…" هَكَذَا كَانَتْ كَلِمَاتُهُمُ الأَخِيرَةُ، مُوَجَّهَةً إِلَى بَعْضِهِمْ، نَحْوَ النَّعِيمِ الَّذِي لَمْ يَعْرِفُوهُ فِي الدُّنْيَا. كُلُّ شَيْءٍ اِنْتَهَى، وَكُلُّ رُوحٍ غَابَتْ عَنْ هَذَا الْعَالَمِ الَّذِي لَمْ يَرْحَمْهَا، لَكِنَّ الْحُبَّ الَّذِي جَمَعَهُم سَيَظَلُّ خَالِدًا، يَتَسَلَّلُ بَيْنَ النُّجُومِ، بَيْنَ هَمَسَاتِ الرِّيحِ، بَيْنَ كُلِّ مَكَانٍ يَتَذَكَّرُهُمْ فِيهِ مَنْ عَرَفَهُمْ أَوْ أَحَبَّهُمْ.

_____

تمت

بتاريخ

الاربعاء، 13 من الشهر الثامن

_____

معكم سيريا إلورا، اتمنى ان رواية انتي هي الهلاك قد نالت اعجابك

اتمنى ان النهاية لم تحزنكم كثيرا بالرغم من انني كنت ابكي و انا اكتبها، لكن اتمنى انها تركت اثرا جميلا فيكم

لكل من اراد ان يعرف اشكال الشخصيات تابعني على منصة الانستاغرام

@syreaelora

ستجد كل الشخصيات المذكورة في الرواية و بعض الاماكن

دمتم سالمين القاكم في رواية اخرى🤍🥹

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنتِي هِي الهَّلَاك

المؤلف syreiaelora
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة