أُوسْتَارِيَا - ٱلْجِهَةُ ٱلْجَنُوبِيَّةُ
كَانَتْ إِسْتِرْلِينَا تَتَمَسَّكُ بِخَصْرِ ٱلْجُنْدِيِّ بِضَعْفٍ، كَمَنْ فَقَدَ نَفْسَهُ فِي زَمَنٍ لَا يَنْتَظِرُ أَحَدًا. كَانَ وَجْهُهَا شَاحِبًا، وَعَيْنَاهَا تَفِيضَانِ بِصَمْتٍ، كَأَنَّ ٱلْبُكَاءَ نَفْسَهُ أَصَابَهُ ٱلْوُهْنُ. لَمْ تَكُنْ تَصْرُخُ، لَمْ تَنْوَحْ، بَلْ كَانَتْ تَبْكِي فِي دَاخِلِهَا، حَيْثُ ٱلْوَجَعُ يَكُونُ أَعْمَقَ.
كَانَتْ ذَاكِرَتُهَا تَتَدَفَّقُ كَسَيْلٍ لَا يُمْكِنُ كَبْحُهُ. صَوْتُ ضَحِكَاتِ ٱلْأَطْفَالِ وَهُمْ يَضَعُونَ ٱلْوُرُودَ فِي شَعْرِهَا، صَوْتُ ٱلْبَائِعِينَ فِي ٱلسُّوقِ، نِدَاءَاتُ وَالِدِهَا، خُطَى ٱلْجُنُودِ، وَهَمَسَاتُ ٱلْخَادِمَاتِ... كُلُّ شَيْءٍ كَانَ يَرْتَجِفُ فِي قَلْبِهَا وَيُؤْلِمُهَا.
تَحَسَّرَتْ بِشِدَّةٍ عَلَى هٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلَّتِي ٱنْفَلَتَتْ مِنْهَا كَمَا يَنْفَلِتُ ٱلرَّمْلُ مِنْ بَيْنِ ٱلْأَصَابِعِ. كَانَتْ تُحَاوِلُ ٱسْتِبْقَاءَ صُورَةِ فِيدُورَ فِي ذَاكِرَتِهَا، تَتَمَسَّكُ بِمَلامِحِهِ كَمَنْ يَتَمَسَّكُ بِآخِرِ نَفَسٍ.
تَذَكَّرَتْ أَوَّلَ لِقَاءِ... كَانُوا أَطْفَالًا. هِيَ فِي ٱلْخَامِسَةِ، وَهُوَ فِي ٱلسَّابِعَةِ، تَحْتَ شَجَرَةِ ٱلْقَيْقَبِ ٱلْحَمْرَاءِ، تِلْكَ ٱلشَّجَرَةُ ٱلَّتِي كَانَتْ شَاهِدًا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بَيْنَهُمَا. كَانَتْ تَجْلِسُ عَلَى ٱلْعُشْبِ وَتُقَدِّمُ لَهُ حُلْوَاهَا ٱلصَّغِيرَةَ، بَيْنَمَا هُوَ يَدَّعِي ٱلْمَجِيءَ لِقِرَاءَةِ ٱلْكُتُبِ فِي ٱلْقَصْرِ، لَكِنَّهُ كَانَ يَأْتِي لِعَيْنَيْهَا، لِصَوْتِهَا، لِضَحْكَتِهَا.
كَانَتْ تَتَذَكَّرُ كَيْفَ كَانَ يُصْغِي لَهَا وَهِيَ تَحْكِي عَنْ أَحْلَامِهَا، كَيْفَ كَانَ يُخْبِئُ لَهَا كُتُبًا، كَيْفَ كَانُوا يَضْحَكُونَ بِلَا سَبَبٍ، وَيَحْلُمُونَ بِلَا حُدُودٍ.
وَآلَمَهَا أَنَّهَا لَا تَعْرِفُ إِنْ كَانَتْ سَتَرَاهُ مَرَّةً أُخْرَى، لَا تَعْرِفُ إِنْ كَانَ سَيَبْقَى فِي ٱلْحَيَاةِ، أَمْ سَيَكُونُ مِثْلَ كُلِّ شَيْءٍ جَمِيلٍ... رَحَلَ فِي لَيْلَةٍ مُمَزَّقَةٍ بِٱلنَّارِ.
فِي لَحْظَةِ أَلَمٍ، قَطَعَ حَبْلَ أَفْكَارِهَا صَوْتُ صَهِيلِ ٱلْحِصَانِ، وَتَوَقُّفُ حَوَافِرِهِ عَنِ ٱلْمَشْيِ، يَتْبَعُهُ صَرِيرٌ حَادٌّ لِسَيْفٍ يُسْحَبُ مِنْ غِمْدِهِ، كَأَنَّهُ يُمَزِّقُ ٱلْهُدُوءَ ٱلْمُصْطَنَعَ. رَفَعَتْ استرلينا عَيْنَيْهَا بُبْطْءٍ، وَٱلرُّعْبُ يَتَدَفَّقُ فِي عُرُوقِهَا.
أَمَامَهَا وَقَفَ سَبْعَةُ رِجَالٍ، يُمْسِكُونَ سُيُوفَهُمْ كَأَنَّهَا ٱمْتِدَادٌ لِغَضَبِهِمْ. عَلَى دُرُوعِهِمْ شِعَارُ مَمْلَكَةِ "فيرلونا"، تِلْكَ ٱلْمَمْلَكَةُ ٱلَّتِي أَحْرَقَتْ أُوسْتَارِيَا قَبْلَ دَقَائِقَ مَعْدُودَةٍ، وَسَفَكُوا دِمَاءَ ٱلْأَبْرِيَاءِ.
رَأَتْ أَحَدَهُمْ يَنْزِلُ مِنْ عَلَى فَرَسِهِ. كَانَ طَوِيلًا، عَرِيضَ ٱلْمَنْكِبَيْنِ، وَيَسِيرُ بِخُطًى ثَقِيلَةٍ كَأَنَّهُ يُمْلِكُ ٱلْأَرْضَ. كَانَ وَجْهُهُ مَخْفِيًّا تَحْتَ خُوذَةٍ سَوْدَاءَ، وَلَكِنَّ شَخْصِيَّتَهُ ٱلطَّاغِيَةَ وَهَيْبَتَهُ ٱلْمُظْلِمَةَ أَكَّدَتْ لَهَا أَنَّهُ قَائِدُهُمْ... أَوْ لَعَلَّهُ ٱلظِّلُّ ٱلَّذِي يَسْبِقُ ٱلْمَوْتَ.
ٱقْتَرَبَ ثَلَاثَةٌ مِنَ ٱلرِّجَالِ مِنَ ٱلْحِصَانِ، وَٱلْجُنْدِيُّ يُحَاوِلُ ٱلدِّفَاعَ عَنْهَا، يُلَوِّحُ بِسَيْفِهِ كَمَنْ يُقَاتِلُ ٱلْمَوْتَ نَفْسَهُ. لَكِنْ، كُلُّ مَا تَمَكَّنَتْ إِسْتِرْلِينَا مِنْ رُؤْيَتِهِ كَانَ رَأْسًا مَفْصُولًا عَنْ جَسَدٍ، يَتَدَحْرَجُ عَلَى ٱلْأَرْضِ كَكُرَةٍ شَاحِبَةٍ.
وَفِي لَحْظَةٍ، أَيْدٍ مُتَوَحِّشَةٍ أَحَاطَتْ بِهَا بِعُنْفٍ، تَجُرُّهَا مِنْ عَلَى ٱلْحِصَانِ كَأَنَّهَا صَيْدٌ نَادِرٌ. صَرَخَتْ، ضَرَبَتْ، لَكِنَّ ٱلْقُوَّةَ ٱلْغَاشِمَةَ أَخْمَدَتْهَا. وَقُرِّبَتْ إِلَى ٱلرَّجُلِ ٱلْقَائِدِ، ذَلِكَ ٱلطَّوِيلُ ٱلْمُتَمَاسِكُ كَمَنْ يَعْرِفُ مَا يُرِيدُ.
مَدَّ يَدَهُ وَأَمْسَكَ بِفَكِّهَا، رَافِعًا وَجْهَهَا نَحْوَهُ، وَنَبَرَتُ صَوْتِهِ بَارِدَةٌ كَسَكِينَ:
"هَذِهِ هِيَ؟... أَمِيرَةُ ٱلْقَصْرِ ٱلْمُحْتَرِقِ؟"
تَفَحَّصَ مَلَامِحَهَا، ثُمَّ أَضَافَ بِسُخْرِيَّةٍ بَارِدَةٍ:
"لَمْ تَبْدُ أَخْطَرَ مِمَّا تَبْدُو. وَلَكِنْ... سَنَرَى كَيْفَ يُفَكِّرُ ٱلْبَاقُونَ عِنْدَمَا يَفْقِدُونَ وَجْهَ مَمْلَكَتِهِمْ."
ثُمَّ أَطْلَقَ ٱبْتِسَامَةً خَالِيَةً مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقَالَ:
"قَيِّدُوهَا... وَلَا تَكْسِرُوهَا... لَيْسَ بَعْدُ."
تَشَنَّجَ جَسَدُهَا، وَهِيَ تَسْمَعُ ٱلْأَمْرَ، كَأَنَّ ٱلْكَلِمَاتِ ٱلْبَارِدَةَ ٱلَّتِي نَطَقَهَا ذَلِكَ ٱلرَّجُلُ ٱلْغَرِيبُ كَانَتْ أَثْقَلَ مِنَ ٱلْقُيُودِ. ٱنْقَضَّ عَلَيْهَا رَجُلَانِ، وَٱلْحِبَالُ تَلْتَفُّ حَوْلَ مِعْصَمَيْهَا، وَصَدَى صَوْتِ ٱلْأَلْيَافِ تَشُقُّ ٱلْهَوَاءَ كَأَنَّهُ يُقَطِّعُ شَيْئًا مِنْهَا.
لَمْ تَتَكَلَّمْ. لَمْ تَصْرُخْ. كَانَ وَجْهُهَا شَاحِبًا، وَعَيْنَاهَا كَبِئْرٍ غَارِقٍ فِي ٱلصَّمْتِ. قَلْبُهَا يَدُقُّ، لَكِنَّ ٱلدَّمَ يَتَجَمَّدُ فِي عُرُوقِهَا. هَلْ هَذَا حُلْمٌ؟ أَمْ كَابُوسٌ خَرَجَ مِنْ كُتُبِ ٱلْقِصَصِ ٱلْمَمْنُوعَةِ؟
دُفِعَتْ إِلَى ٱلْأَرْضِ، ثُمَّ جُرَّتْ كَالدُّمَى، وَهِيَ تَتَلَفَّتُ بَحَثًا عَنْ وَجْهٍ مَأْلُوفٍ، عَنْ شَيْءٍ يُطَمْئِنُهَا، لَكِنَّ ٱلْوُجُوهَ كُلَّهَا كَانَتْ غَرِيبَةً، صَلْبَةً، مُظْلِمَةً.
وَفِي زَاوِيَةٍ مِنَ ٱلطَّرِيقِ، رَأَتْ ٱلْجُنْدِيَّ ٱلَّذِي نَقَلَهَا، سَاقِطًا عَلَى ٱلْأَرْضِ، ٱخْتَنَقَتْ ٱلصَّرْخَةُ فِي حَلْقِهَا، وَٱنْقَطَعَ نَفَسُهَا لِثَوَانٍ.
وَبَيْنَمَا هُمْ يَجُرُّونَهَا إِلَى ٱلْعَرَبَةِ ٱلْحَدِيدِيَّةِ، ٱلَّتِي تَبْدُو كَتَابُوتًا مَفْتُوحًا، ٱسْتَمَعَتْ إِلَى ٱلْقَائِدِ وَهُوَ يَتَحَدَّثُ لِأَحَدِ رِجَالِهِ:
"خُذُوهَا إِلَى ٱلْمَعْقَلِ. سَنُرِي ٱلْعَالَمَ كَيْفَ تَسْقُطُ ٱلْمَمَالِكُ..."
أُغْلِقَ بَابُ ٱلْعَرَبَةِ عَلَيْهَا، وَصَدَى ٱلصَّدْمَةِ يَرِنُّ فِي أُذُنَيْهَا كَجَرَسٍ نَعْيٍ. وَفِي ظُلْمَةِ ٱلْقَفَصِ، ضَمَّتْ رُكْبَتَيْهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَكُتْلَةُ ٱلْخَوْفِ فِي صَدْرِهَا كَانَتْ تَكْبُرُ... وَتَكْبُرُ.
كَانَتِ ٱلطَّرِيقُ طَوِيلَةً... مُرْهِقَةً... كَأَنَّهَا تَتَمَدَّدُ فِي زَمَنٍ لَا نِهَايَةَ لَهُ.
تَتَرَجَّحُ ٱلْعَرَبَةُ عَلَى ٱلطَّرِيقِ ٱلْوَعِرِ، وَكُلَّمَا قَفَزَتْ عَلَى حَجَرٍ أَوْ هَبَطَتْ فِي حُفْرَةٍ، ٱصْطَدَمَ جِسْمُهَا بِجُدْرَانِهَا ٱلْحَدِيدِيَّةِ كَأَنَّهُ خُرْدَةٌ تُلْقَى فِي صُنْدُوقٍ صَدِئٍ.
كَانَ ٱلْهَوَاءُ قَلِيلًا، وَٱلظُّلْمَةُ تُقَبِّلُ كُلَّ زَاوِيَةٍ، وَرَائِحَةُ ٱلصَّدَأِ مُمْتَزِجَةٌ بِدِمَائِهَا تُثِيرُ ٱلْغَثَيَانَ فِي جَوْفِهَا.
فِي كُلِّ مَرَّةٍ يُفْتَحُ فِيهَا بَابُ ٱلْعَرَبَةِ، تَتَجَمَّدُ عُرُوقُهَا. لَمْ تَعُدْ تُرِيدُ أَنْ تَرَى وَجْهًا، أَوْ تَسْمَعَ صَوْتًا. كُلُّ مَنْ يَدْخُلُ، يَدْخُلُ وَفِي يَدِهِ ٱلْخَوْفُ، وَفِي لِسَانِهِ ٱلْغَضَبُ، وَفِي قَلْبِهِ ٱلْقَسْوَةُ.
"ٱنْهَضِي! قِفِي!"، صَوْتٌ كَسَوْطٍ عَلَى ظَهْرِهَا، وَضَرْبَةٌ تُسْقِطُهَا عَلَى ٱلْأَرْضِ، وَيَدٌ تَجُرُّهَا مِنْ شَعْرِهَا لِكَيْ تَفْتَحَ عَيْنَيْهَا.
فِي كُلِّ مَرَّةٍ... كَانَ ٱلْخَوْفُ يَزِيدُ، وَٱلْأَمَلُ يَخْتَنِقُ، وَٱلْجُرْحُ يَتَسَعُ. كَانَ ٱلصُّدَاعُ كَصَخَبِ ٱلطُّبُولِ فِي جُمْجُمَتِهَا، وَكُلَّمَا صَرَخَ أَحَدُهُمْ، ٱرْتَجَفَ جِسْمُهَا كَطِفْلٍ تَحْتَ ٱلْبَرْدِ.
وَفِي لَحْظَاتٍ كَثِيرَةٍ، كَانَ يُغْمَى عَلَيْهَا... فَلَا تَعُودُ تَدْرِي أَيْنَ ٱلْمَكَانُ، وَلَا كَمْ مَرَّةً ضُرِبَتْ، وَلَا كَمْ مَرَّةً بَكَتْ. وَحِينَ تَفِيقُ، تَجِدُ نَفْسَهَا فِي ٱلنَّفْسِ ٱلزَّاوِيَةِ، وَعَيْنَاهَا تَبْكِيَانِ بِلَا صَوْتٍ، كَأَنَّ ٱلْحَزَنَ أَصْبَحَ جُزْءًا مِنْ كِيَانِهَا.
هَذِهِ لَمْ تَكُنْ رِحْلَةً... كَانَتْ ٱنْهِيَارًا بَطِيئًا، كُلُّ دَقَّةِ عَجَلَةٍ عَلَى ٱلطَّرِيقِ كَانَتْ تَقْرَعُ ٱلنِّهَايَةَ فِي نَفْسِهَا.
أُغْمِيَ عَلَيْهَا عِدَّةَ مَرَّاتٍ، حَتَّى لَمْ تَعُدْ تُفَرِّقُ إِنْ كَانَ ٱللَّيْلُ قَدْ طَالَ... أَمْ أَنَّهُ فِي ٱلْأَصْلِ أَيَّامٌ مَضَتْ؟
كَانَ ٱلزَّمَنُ مَمْسُوحًا، وَٱلنَّفْسُ مَطْحُونَةً، وَٱلْجِسْمُ كَالطِّفْلِ ٱلْمَهْجُورِ عَلَى جَانِبِ ٱلطَّرِيقِ. رَأَتْ نُورَ ٱلصَّبَاحِ يَتَسَلَّلُ مَرَّتَيْنِ، ضَعُفَ ٱلضَّوْءُ وَقَوِيَ، وَهَكَذَا عَلِمَتْ أَنَّهَا أَيَّامٌ... أَيَّامٌ مِنَ ٱلْعَذَابِ... لَمْ تَكُنْ سَوَى حَبْسَةٍ فِي صَدْرِ ٱلْأَسْوَأِ.
كَانَ كُلُّ شَيْءٍ يَصْدَأُ فِيهَا... عَيْنَاهَا تَحْرِقَانِ، جَسَدُهَا يَؤْلِمُهَا، وَرُوحُهَا كَأَنَّهَا تَتَكَوَّمُ فِي رُكْنٍ بَعِيدٍ مِنْهَا.
ٱلْحَثَالَةُ ٱلَّذِينَ جَرُّوهَا لِهَذِهِ ٱلْهُوَّةِ، جَاءُوا بِشَيْءٍ يُشْبِهُ ٱلطَّعَامَ، بَقَايَا خُبْزٍ صَلْبٍ، وَمَاءٍ كَأَنَّهُ مُسْتَقًى مِنْ مُسْتَنْقَعٍ. وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ، كَانُوا يَرْمُونَهُ نَحْوَهَا كَمَا يُرْمَى لِعَبْدٍ مَهْمَلٍ، ثُمَّ يَضْحَكُونَ، أَوْ يَصْرُخُونَ، أَوْ يَضْرِبُونَ جُدْرَانَ ٱلْعَرَبَةِ لِكَيْ تَرْتَجِفَ.
وَهِيَ... كَانَتْ تَرْتَجِفُ.
فِي كُلِّ صَرْخَةٍ، تَشْتَدُّ قَبْضَةُ ٱلرُّعْبِ عَلَى صَدْرِهَا. فِي كُلِّ ضَرْبَةٍ، تَتَشَقَّقُ ذَاكِرَتُهَا وَيَنْهَارُ صَبْرُهَا. وَلَمْ تَعُدْ تَعْرِفُ، هَلْ هِيَ تَحْيَا، أَمْ تُسْحَقُ تَحْتَ ٱلنَّفْسِ؟
"إِذَا كَانَ هَذَا فِي عَرَبَةٍ... فَمَاذَا سَيَكُونُ فِي قَصْرِ ٱلْعَدُوِّ؟" - كَانَ هَذَا ٱلسُّؤَالُ يَتَرَدَّدُ فِي دَاخِلِهَا، كَجَلْجَلَةِ نَذِيرٍ فِي صَحْرَاءٍ مَوْحِشَةٍ.
وَلَمْ تَجِدْ جَوَابًا... سِوَى ٱلصَّمْتِ، وَٱلرُّكْبَةِ ٱلْمَطْوِيَّةِ، وَٱلنَّفْسِ ٱلْمُنْخَفِقَةِ، وَٱلرَّغْبَةِ ٱلْمَكْبُوتَةِ فِي ٱلْفِرَارِ.
عَوْدَةٌ إِلَى عَاصِمَةِ مَمْلَكَةِ أُوسْتَارِيَا - قَبْلَ يَوْمَيْنِ
بَعْدَ أَنْ سَقَطَتْ صُفُوفُ ٱلْعَدُوِّ، وَبِصُعُوبَةٍ تَكَبَّدَهَا ٱلْجُنُودُ وَٱلشَّعْبُ، تَرَكَتِ ٱلْمَعْرَكَةُ أَثَرَهَا كَمَا تَفْعَلُ ٱلنَّارُ فِي ٱلْقَمِيصِ ٱلْأَبْيَضِ-دِمَارٌ فِي كُلِّ جَانِبٍ، وَجُثَثٌ مَمْدُودَةٌ، وَآخَرُونَ يَتَأَوَّهُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ، وَرَائِحَةُ ٱلْدَّمِ وَٱلْدُّخَانِ تَمْلَأُ ٱلْهَوَاءَ.
وَقَفَ ٱلْمَلِكُ ، وَالِدُ إِسْتِرْلِينَا، عَلَى ٱلْأَطْلَالِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى مَا آلَتْ إِلَيْهِ عَاصِمَتُهُ... كَأَنَّهُ يَرَى وَجْهَهُ فِي مِرْآةٍ مَكْسُورَةٍ، كُلُّ قِطْعَةٍ فِيهَا تَعْكِسُ وَجْعًا مُخْتَلِفًا.
عَلَى ٱلْجِهَةِ ٱلْأُخْرَى، كَانَ كَاسْيُوس، وَالِدُ فِيدُور، يُوَجِّهُ ٱلْجُنُودَ ٱلْمُتَبَقِّينَ، يُصِيحُ عَلَيْهِمْ وَيُرْشِدُهُمْ لِإِخْمَادِ ٱلْحَرَائِقِ، يَتَنَقَّلُ بَيْنَ ٱلْأَزِقَّةِ وَٱلسَّاحَاتِ وَكَأَنَّهُ يُحَاوِلُ بِنَفْسِهِ إِعَادَةَ قَلْبِ ٱلْمَدِينَةِ إِلَى ٱلْخَفْقِ.
فِي زَاوِيَةٍ مُظَلَّلَةٍ تَحْتَ شَجَرَةِ سِرْوٍ نَاجِيَةٍ مِنَ ٱلنِّيرَانِ، كَانَ فِيدُور جَالِسًا عَلَى ٱلْعُشْبِ، مُتَّكِئًا عَلَى جِذْعِهَا، وَعَلَامَاتُ ٱلْإِرْهَاقِ وَٱلْجِرَاحِ تَخُطُّ وَجْهَهُ. كَانَ ٱلدَّمُ قَدْ جَفَّ عَلَى جَبِينِهِ، وَعَيْنَاهُ نَصْفُ مُغْمَضَتَيْنِ مِنَ ٱلتَّعَبِ. أَحَدُ زُمَلَائِهِ فِي ٱلْجَيْشِ كَانَ يُقَدِّمُ لَهُ قِرْبَةَ مَاءٍ، يُسَاعِدُهُ عَلَى ٱلشُّرْبِ، وَيَمْسَحُ جَبِينَهُ بِقِطْعَةِ قِمَاشٍ قَدِيمَةٍ.
تَقَدَّمَ ٱلملك نَحْوَ فِيدُور، وَبِصَوْتٍ مَخْنُوقٍ بَيْنَ ٱلْأَلَمِ وَٱلْقَلَقِ، قَالَ:
ــ «فِيدُور...» (تَوَقَّفَ قَلِيلًا، نَظَرَ إِلَى ٱلْفَتَى كَمَنْ يَبْحَثُ فِي عَيْنَيْهِ عَنْ رَدٍّ قَبْلَ ٱلسُّؤَالِ)
ــ «أَيْنَ... أَيْنَ إِسْتِرْلِينَا؟»
نَظَرَ فِيدُورُ إِلَيْهِ، وَفِي عَيْنَيْهِ خَلِيطٌ مِنَ ٱلتَّعَبِ وَٱلذَّنْبِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ بِنَبْرَةٍ خَافِتَةٍ، مَخْنُوقَةٍ كَأَنَّهُ يَسْتَجْمِعُ مَا تَبَقَّى مِنْ نَفَسِهِ:
ــ «لَقَدْ طَلَبْتُ... مِنْ أَحَدِ ٱلْجُنُودِ... أَنْ يَأْخُذَهَا إِلَى ٱلْبَرِّ... ٱلْآمِن...»
وَمَا إِنْ أَكْمَلَ كَلِمَاتِهِ، حَتَّى ٱنْطَوَى جِسْمُهُ بَبْطَءٍ كَأَنَّهُ وَرَقَةٌ سَقَطَتْ بَعْدَ ٱلْعَاصِفَةِ، وَأُغْمِيَ عَلَيْهِ تَحْتَ ظِلِّ ٱلشَّجَرَةِ، وَٱلْجُرُوحُ تَنْزِفُ فِي صَمْتٍ...
___بَعْدَ يَوْمَيْنِ...___
ٱسْتَيْقَظَ فِيدُورُ بَتَثَاقُلٍ، وَأَلَمٌ دَافِقٌ يَخْفِقُ فِي رَأْسِهِ كَقُرُوعِ طُبُولٍ بَعِيدَةٍ. تَفَتَّحَتْ عَيْنَاهُ بِبُطْءٍ، فَوَجَدَ سَقْفَ ٱلْغُرْفَةِ ٱلْمَعْرُوفَ، وَإِلَى جَانِبِهِ وَجْهًا صَغِيرًا مَغْمُورًا بِٱلْفَرَحِ.
"فِيدُور! فِيدُور!" هَتَفَتْ كَارْلَا، أُخْتُهُ ٱلصَّغِيرَةُ، وَعَيْنَاهَا تَلْمَعَانِ بَالدُّمُوعِ. ٱلْتَفَتَ نَحْوَهَا، فَرَآهَا تُشِيرُ نَحْوَ وَالِدِهِمَا بِحَمَاسٍ:
"لَقَدْ ٱسْتَيْقَظَ!"
ٱقْتَرَبَ كَاسْيُوسُ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِ ٱبْنِهِ بِصَمْتٍ، وَفِي عَيْنَيْهِ بَرْقٌ مَكْبُوتٌ مَا بَيْنَ ٱلرَّاحَةِ وَٱلْقَلَقِ.
ٱنْزَاحَتْ نَظَرَاتُ فِيدُورَ نَحْوَ ٱلشُّرْفَةِ، وَكَانَ ٱلشَّمْسُ تُقَبِّلُ ٱلْأُفُقَ فِي مَوْعِدِ ٱلْمَغِيبِ. تَمَنَّى لَوْ كَانَ كُلُّ مَا مَضَى كَابُوسًا ثَقِيلًا... وَلَكِنَّ ٱلضِّمَادَاتِ ٱلَّتِي تَلُفُّ جِسْمَهُ كَانَتْ تَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ.
تَنَهَّدَ بِوَجَعٍ، وَقَالَ بِصَوْتٍ مَخْنُوقٍ وَمُتَأَلِّمٍ:
"كَمْ... مَضَى... مِنَ ٱلزَّمَن؟"
نَظَرَتْ لَهُ أُخْتُهُ بِعَيْنَيْنِ غَامِرَتَيْنِ بِٱلْقَلَقِ، وَهَمَسَتْ بِصَوْتٍ هَادِئٍ:
"يَوْمَانِ... قَضَيْتَ يَوْمَيْنِ فِي ٱلْغَفْوَةِ."
فَتَحَ فِيدُورُ عَيْنَيْهِ بِاتِّسَاعٍ، وَرَغْمَ ٱلْأَلَمِ ٱلْمُنْغَرِسِ فِي كُلِّ عَظْمٍ وَعَصَبٍ، نَهَضَ بَتَثَاقُلٍ مِنْ فِرَاشِهِ. ٱنْتَصَبَ جِسْمُهُ كَأَنَّهُ يَقْتَلِعُ نَفْسَهُ مِنْ أَسِرَّةِ ٱلْعَجْزِ.
أَمْسَكَ بِحَافَةِ ٱلسَّرِيرِ، يَتَنَفَّسُ بِصُعُوبَةٍ، ثُمَّ تَفَلَّتَتْ مِنْهُ كَلِمَاتٌ مُتَقَطِّعَةٌ، مَخْنُوقَةٌ بِٱلْوَجَعِ وَٱلْهَلَعِ:
"أَسْتِرْلِينَا... أَيْنَ... هِيَ... أَيْنَ؟..."
صَمَتَتْ كَارْلَا، وَنَظَرَتْ لِوَالِدِهَا ٱلَّذِي تَقَدَّمَ خَطْوَةً، وَفِي صَوْتِهِ نَبْرَةٌ خَافِتَةٌ:
"لَمْ تَعُدْ... بَعْدُ."
تَجَمَّدَ فِيدُورُ فِي مَكَانِهِ، كَأَنَّ ٱلْكَلِمَاتِ كَانَتْ طَعْنَةً جَدِيدَةً فِي جُرْحٍ لَمْ يَلْتَئِمْ.
"كَيْفَ لَمْ تَعُدْ؟!"
قَالَهَا فِيدُورُ بِصَوْتٍ مُنْفَجِرٍ، وَعَيْنَاهُ تَتَقَلَّبَانِ فِي وُجُوهِهِمْ، كَأَنَّهُ يَفْتِّشُ عَنْ كَذِبَةٍ يُمْسِكُهَا، أَوْ حَقِيقَةٍ يُنْكِرُهَا.
كَانَ ٱلْإرْتِبَاكُ يَسْكُنُ مَلَامِحَهُمْ، أُنَاسٌ تَشَاجَرُوا مَعَ ٱلْمَوْتِ فِي سَاحَةِ ٱلْحَرْبِ، وَلٰكِنَّهُمْ ٱلْآنَ يَخْشَوْنَ كَلِمَةً أَوْ حَقًّا.
تَقَدَّمَ كَاسْيُوسُ، وَبِيَدِهِ رِقٌّ مَطْوِيٌّ، عَلَيْهِ خَتْمٌ غَرِيبٌ، خَتْمٌ يُشْبِهُ نَصْلًا فِي وَرَقٍ.
قَالَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
"جَاءَتْ هٰذِهِ ٱلرِّسَالَةُ... ٱلْيَوْمَ."
أَخَذَهَا فِيدُورُ بِيَدٍ تَرْتَجِفُ، وَفَتَحَهَا كَأَنَّهُ يَفْتَحُ جُرْحًا.
"أَمِيرَتُكُمْ رَهِينَةٌ لَدَيْنَا، فَٱنْسَوْا أَنَّ هُنَاكَ أَمِيرَةً لِمَمْلَكَةِ أُوسْتَارِيَا. لَا طَرِيقَ لِٱسْتِرْجَاعِهَا."
تَوَقَّفَ زَمَنُهُ. تَوَقَّفَ ٱلدَّمُ فِي عُرُوقِهِ. تَوَقَّفَ ٱلْكَوْنُ.
نَهَضَ بَأَلَمٍ، وَصَوْتُ أَضْلَاعِهِ تَتَحَطَّمُ فِي صَدْرِهِ، وَنَظَرَ إِلَيْهِمْ بِنَظَرَةٍ تُوَعِّدُ بِٱلْجَحِيمِ.
دَفَعَ أُخْتَهُ كَارْلَا بِلُطْفٍ جَانِبًا وَهُوَ يَعْرُجُ فِي خُطَاهُ، كَأَنَّ كُلَّ جُرْحٍ فِيهِ قُطِعَ وَصْلُهُ بِٱلْوَجْعِ.
صَاحَ بِغَضَبٍ:
"أَعْطُونِي ٱلسَّيْفَ... أَيْنَ هُوَ سَيْفِي؟!"
وَصَدَاهُ تَرَدَّدَ فِي ٱلْقَصْرِ كَأَنَّهُ نَذِيرُ ٱلْعَاصِفَةِ.
تَـقَـدَّمَ فِـيـدور خُطوةً أُخرى، مُتَجاهِلًا ألمَ ساقِهِ الّذي كانَ يَمزِقُهُ كَنصلٍ بَليدٍ عالقٍ في العَظم.
كانَت أَنفاسُهُ مُتَسارِعَةً، وصَدرُه يَنهَضُ ويَنخَفِضُ بِشَكلٍ غيرِ مُنتَظِم، كأنَّ قَلبَهُ لا يَجِدُ نَمطًا للحَياةِ بَعدَ أنِ اختَفَت إسْتِرلينَا مِنها.
مَدَّ والدُهُ كَاسِيُوس يَدَهُ لِيُمسِكَ بِهِ، وَقالَ بِصَوتٍ مُنخَفِضٍ مُتَردِّد:
"فِيدور... "
لَم يُكمِل، وَلَم يُرِد.
وَلَم يَنتَظِر فِيدور الكَلام. نَزَعَ ذِراعَهُ بِقُوَّةٍ مِن تَحتِ كَفِّ وَالدِه، وَقالَ وَكأَنَّهُ يَتفَجَّر:
"هَل كُنتُم تَظُنُّونَ أَنَّكُم تُخْفُونَني عَن وَجعِي؟! أَنَّ صَمتَكُم سَيَجعَلُنِي أجهَلُ مَصِيرَهَا؟! أَنَا مَن أرسَلَهَا! أَنَا!"
صَوتُه تَشقَّقَ في النِّهايَةِ، كأنَّهُ يُكافِحُ بَينَ صِيَاحِهِ وَنَشيجِهِ.
جَثا عَلى رُكبتَيهِ بَعْدَ ذَلِك، وَأسنَدَ جَبينَهُ إِلى أَرضيَّةِ الغُرفَةِ، وَكَأنَّهُ يَعتَذِرُ لِشَيءٍ لا يُغتَفَر.
كَارلَا، شَقيقتُهُ الصُّغرى، خَطَت نَحوهُ، تَمدُّ يَدَينِ رَفِيقَتينِ، وَقالَت بِهُمسٍ دامِع:
"سَتَعود... أَرجوكَ، سَتَعود."
لَم يَرُد. لَم يَرْفَع وَجهَهُ.
بَل شَهَقَ ببطء، وَقال:
"هِي لَيسَت أَمِيرَةً... هِي نَبضِي... هِي وطني."
"إن كانَ لا بُدَّ مِن وَقودٍ لِهذِهِ الحَرب... فَدَعوهُ يَكونُ أنا.لَكِن ارجُوكم... دَعُوني اُعيد... أَميرَتي.. "
قَالها و اُغمي عَليه مَرةً اُخرى
syreiaelora