الشَّــمْس الأوُلَـــى

الشَّــمْس الأوُلَـــى

13 0

اِسْتَمَرَّ أَبِي فِي إِلْقَاءِ كَلِمَاتِهِ بِصَوْتٍ وَاثِقٍ، تَشُوبُهُ نَبَرَاتُ الْحَمَاسِ وَالْوَعْدِ، بَيْنَمَا أَنَا كُنْتُ أَنْسَحِبُ بِخُطًى خَفِيَّةٍ، أَبْتَعِدُ بَعِيدًا عَنِ الْمَنْصَّةِ، وَعَنْ تِلْكَ الْأَصْوَاتِ الْمُبْتَهِجَةِ الَّتِي كَانَتْ تُوَجِّهُ صَخَبَهَا نَحْوَ سَمَاءِ لَيْلَةٍ مَخْمَلِيَّةٍ.

أَرَدْتُ فَقَطِ الْهُرُوبَ، أَنْ أَعُودَ إِلَى غُرْفَتِي، وَأُغْلِقَ الْبَابَ خَلْفِي، وَأَبْكِي... أَبْكِي بِصَمْتٍ كَفَصْلٍ سَاقِطٍ مِنْ كِتَابٍ قَدِيمٍ. كُنْتُ أُحَاوِلُ أَنْ أَتَخَيَّلَ، مَاذَا لَوْ... مَاذَا لَوْ دَقَّتْ طُبُولُ الْحَرْبِ؟ مَاذَا لَوْ جَاءَ الْوَقْتُ الَّذِي تَخْسَرُ فِيهِ أُوسْتَارِيَا كُلَّ شَيْءٍ؟

تَخَيَّلْتُ وُجُوهَ الْجَمِيعِ... وَجْهُ فِيدُور، وَالِدِي، أُولَئِكَ الْأَطْفَالُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْقُصُونَ قَبْلَ قَلِيلٍ، وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تُصْبِحَ الضَّحِكَاتُ صَرَخَاتٍ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ.

تَجَمَّعَتِ الدُّمُوعُ فِي عَيْنَيَّ، وَخَنَقَتْنِي عُقْدَةٌ فِي حَلْقِي، وَلَكِنَّنِي رَفَضْتُ أَنْ أَذْرِفَ دَمْعَةً وَاحِدَةً. لَا لِشَيْءٍ، وَلَكِنْ لِأَنَّنِي لَا أُرِيدُ أَنْ أَبْدُوَ ضَعِيفَةً، حَتَّى أَمَامَ نَفْسِي.

وَصَلْتُ إِلَى سُلَّمِ الْقَصْرِ، وَأَنَا أَجُرُّ فُسْتَانِي بِكَآبَةٍ، وَعِنْدَمَا وَصَلْتُ إِلَى الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ، كَانَتِ الْخَادِمَاتُ يَنْتَظِرْنَنِي. نَظَرْنَ إِلَيَّ بِانْتِبَاهٍ وَحَذَرٍ، وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَرَادَتْ أَنْ تَسْأَلَ، وَلَكِنَّهَا تَرَدَّدَتْ.

نَعَمْ، أَنَا هِيَ... أَمِيرَةُ أُوسْتَارِيَا، وَفِي النِّهَايَةِ، لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ الْعَائِلَةِ الْمَلَكِيَّةِ تَقَالِيدُهُ فِي هَذِهِ الْأَعْيَادِ. تَقَالِيدٌ بُنِيَتْ عَلَى ظُهُورِ الْخُرَافَاتِ، وَعُلِّقَتْ عَلَى جُدْرَانِ الْقُصُورِ كَأَنَّهَا حَقَائِقُ مُقَدَّسَةٌ، بَيْنَمَا فِي الْحَقِيقَةِ، لَمْ تَكُنْ سِوَى سُحُبٍ زَائِفَةٍ تَغْشَى الْأَبْصَارَ.

شَعَرْتُ كَأَنَّنِي قِطْعَةٌ مِنْ طُقُوسٍ لا تَخُصُّنِي، مُجَرَّدُ رَمْزٍ يُزَيِّنُ بِهِ الِاحْتِفَالُ، لا أَكْثَرَ.

أَلْبَسَنِي ثَوْبًا بِلَوْنِ الشَّمْسِ، يَنْسَابُ عَلَى جَسَدِي كَضَوْءٍ دَافِئٍ عِنْدَ الْمَغِيبِ. كَانَ خَفِيفًا كَنَسَمَةٍ، لَكِنَّهُ يَحْمِلُ شَيْئًا مِنَ الْجِدِّيَّةِ، شَيْئًا مِنَ الرَّمْزِيَّةِ الَّتِي لا أَفْهَمُهَا. وَقُمْنَ بِتَصْفِيفِ شَعْرِي عَلَى شَكْلِ ضِفَائِرَ مُتَشَابِكَةٍ، ثُمَّ زَيَّنُوهُ بِخُيُوطٍ ذَهَبِيَّةٍ صَغِيرَةٍ، تَنْعَكِسُ عَلَى شَعْرِي كُلَّمَا لَامَسَتْهُ شَمْعَةٌ أَوْ لَمْعَةٌ عَابِرَةٌ مِنَ الضَّوْءِ.

حِينَ انْتَهَيْنَ مِنْ تَجْهِيزِي، نَظَرْتُ إِلَى الْمِرْآةِ لِلْحَظَةٍ. لَمْ أَرَ نَفْسِي. رَأَيْتُ فَتَاةً تُشْبِهُنِي، نَعَمْ، لَكِنْ فِي عَيْنَيْهَا صَمْتٌ طَوِيلٌ، وَثَوْبٌ لا يَخُصُّهَا، وَاحْتِفَالٌ تَنْتَظِرُ أَنْ يَمُرَّ دُونَ أَنْ يَتْرُكَ فِيهَا شَيْئًا.

نَزَلْتُ دَرَجَاتِ الْقَصْرِ بِبُطْءٍ. لَمْ يَكُنْ فِي رَأْسِي شَيْءٌ، لا فِكْرَةٌ، لا تَوَقُّعٌ، فَقَطْ ذَلِكَ الصَّمْتُ الدَّاخِلِيُّ الَّذِي يَتَرَدَّدُ صَدَاهُ فِي أَضْلَاعِي. وَحِينَ وَصَلْتُ إِلَى الْمِنْصَّةِ، وَقَفْتُ إِلَى يَمِينِ أَبِي، وَعَلَى يَسَارِي كَانَتْ زَوْجَتُهُ، بِمَلَامِحِهَا الْمُعْتَادَةِ الَّتِي لا تَتَغَيَّر.

كَانَتِ اللَّيْلَةُ سَاحِرَةً، لَيْلٌ نَاعِمٌ بِنُجُومِهِ، لا بَرْدَ فِيهِ وَلا رِيحَ، كَأَنَّ السَّمَاءَ قَرَّرَتْ أَنْ تَمْنَحَ أُوسْتَارِيَا لَيْلَةَ اسْتِثْنَاءٍ. ضَحِكَ النَّاسُ يَمْلَأُ السَّاحَةَ، أَصْوَاتُ الْأَطْفَالِ، الْمُوسِيقَى، النِّيرَانُ الصَّغِيرَةُ الْمُوَزَّعَةُ، الْكُؤُوسُ الْمَرْفُوعَةُ، كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُضُ بِالْحَيَاةِ. كَأَنَّ الْحُزْنَ لا يَعْرِفُ طَرِيقَهُ إِلَى قُلُوبِهِمْ، وَكَأَنَّ الْحَرْبَ بَعِيدَةٌ... بَعِيدَةٌ جِدًّا.

دُونَ أَنْ أَشْعُرَ، تَسَلَّلَتْ نَظَرَاتِي نَحْوَ حَافَةِ السَّاحَةِ، حَيْثُ وَقَفَ الْجُنُودُ بِزِيِّهِمْ الرَّسْمِيِّ، أَعْيُنُهُمْ يَقِظَةٌ وَجِبَاهُهُمْ مَشْدُودَةٌ. بَيْنَهُمْ، لَمَحْتُهُ... وَالِدُ فِيدُورَ، صَدِيقُ وَالِدِي الْقَدِيمُ، قَائِدُ الْجَيْشِ، وَاقِفًا كَعَادَتِهِ، صَلْبًا، جَادًّا، كَأَنَّ لا شَيْءَ يَمُرُّ عَلَيْهِ دُونَ أَنْ يُلَاحِظَهُ.

لَكِنَّنِي لَمْ أُطِلِ النَّظَرَ إِلَيْهِ، لِأَنَّ عَيْنَيَّ تَوَقَّفَتَا عِنْدَ شَخْصٍ آخَرَ... شَخْصٍ وَاحِدٍ فَقَطْ.

فِيدُورُ.

كَانَ وَاقِفًا هُنَاكَ، لَيْسَ بَعِيدًا، لَكِنَّهُ بَدَا كَأَنَّهُ فِي عَالَمٍ خَاصٍ بِهِ. رَأَيْتُهُ يَلْتَفِتُ نَحْوِي، وَكَأَنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِهِ نَادَانِي. وَعِنْدَمَا التَقَتْ أَعْيُنُنَا، حَدَثَ شَيْءٌ لا أَسْتَطِيعُ وَصْفَهُ بِسُهُولَةٍ... لَحْظَةٌ مِنْ سُكُونٍ تَامٍّ، كَأَنَّ الزَّمَنَ تَوَقَّفَ احْتِرَامًا لِتِلْكَ النَّظْرَةِ.

ابْتَسَمَ لِي. تِلْكَ الابْتِسَامَةُ... لَمْ تَكُنْ فَقَطْ حَرَكَةَ شَفَاهٍ، بَلْ رِسَالَةٌ مَكْتُوبَةٌ بِعَيْنَيْهِ الرَّمَادِيَّتَيْنِ، كَأَنَّهَا هَمْسَةُ حُبٍّ لا تَحْتَاجُ إِلَى صَوْتٍ. شَعَرْتُ بِهَا تَخْتَرِقُ الْمَسَافَةَ بَيْنَنَا وَتَصِلُ إِلَيَّ، حَنُونَةً، صَادِقَةً، دَافِئَةً كَأَنَّهَا تُحِيطُ قَلْبِي بِذِرَاعَيْهَا.

ابْتَسَمْتُ لَهُ مِنْ بَعِيدٍ. ابْتِسَامَةٌ صَغِيرَةٌ، لَكِنَّهَا كَانَتْ كُلَّ مَا أَسْتَطِيعُ مِنْحَهُ لَهُ وَسْطَ هَذَا الْمَشْهَدِ الْمَسْرَحِيِّ.

فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ...

كُنْتُ أَتَخَيَّلُ فَقَطْ... جَسَدَهُ مَقْطُوعًا، أَوْ رَأْسَهُ مَفْصُولًا عَنْ جَسَدِهِ، كَأَنَّ الْحَرْبَ سَبَقَتِ الزَّمَنَ وَتَجَاوَزَتِ الْخَيَالَ لِتُقِيمَ مَذَابِحَهَا فِي أَفْكَارِي.

تَجَمَّعَتِ الدُّمُوعُ فِي عَيْنَيَّ مُجَدَّدًا، كَسَحَابَةٍ ثَقِيلَةٍ لَمْ تَجِدْ مَنْ يُنْقِذُهَا، كُنْتُ أُحَاوِلُ أَنْ أَتَمَالَكَ نَفْسِي، أَنْ لَا يَرَانِي أَحَدٌ وَأَنَا عَلَى حَافَّةِ الانْهِيارِ، وَلَكِنَّنِي فَشِلْتُ.

لِشِدَّةِ انْغِمَاسِي فِي تِلْكَ الصُّوَرِ الْمُرَوِّعَةِ، لَمْ أَلْحَظْ نَظَرَةَ وَالِدِي إِلَّا عِنْدَمَا قَالَ بِصَوْتٍ خَفِيٍّ وَمُسْتَرِيبٍ:

ـ"اِسْتِرْلِينَا... مَا بِكِ؟ لِمَ تَبْكِينَ؟"

اِرْتَبَكْتُ، وَكَأَنَّ يَدًا خَفِيَّةً قَطَعَتْ خُيُوطَ خَيَالِي، فَرَفَعْتُ يَدِي سَرِيعًا لِأَمْسَحَ مَا تَبَقَّى مِنْ آثَارِ الْخَوْفِ فِي زَاوِيَةِ عَيْنِي، وَقُلْتُ وَأَنَا أُزِيفُ ابْتِسَامَةً:

"لَا شَيْءَ... عَيْنَايَ تُحْرِقَانِي فَقَطْ... الرِّيَاحُ تَحْمِلُ شُوَيْهَاتٍ مِنَ الرَّمَادِ."

نَظَرَ إِلَيَّ بِشَكٍّ صَامِتٍ، ثُمَّ أَعَادَ وَجْهَهُ نَحْوَ الْجَمَاهِيرِ، وَتَرَكَنِي أُغَالِبُ وَجَعًا خَفِيًّا لَا أَجِدُ لَهُ لُغَةً وَلَا عُذْرًا.

وَبَيْنَمَا كُنْتُ أُحَاوِلُ أَنْ أُقْنِعَ قَلْبِي بِأَنَّ تِلْكَ الصُّوَرَ الَّتِي تَسَلَّلَتْ إِلَى ذِهْنِي لَا تَزِيدُ عَنْ هَوَاجِسِ فَتَاةٍ مُتَعَبَةٍ، كَانَ ضَوْءُ النِّيرَانِ يَلْتَهِبُ فِي الْبُعْدِ، وَصَوْتُ النَّاسِ يَرْتَفِعُ بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّصْفِيقِ، وَكُلُّ شَيْءٍ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ اللَّيْلَةَ سَتَكُونُ سَالِمَةً.

لَكِنَّ شُعُورًا ثَقِيلًا ظَلَّ يُزَاحِمُنِي... كَأَنَّ زَمْنًا آخَرَ كَانَ يَتَسَلَّلُ خَلْفَ هَذِهِ اللَّحْظَةِ، يُدَبِّرُ أَمْرًا لَا نُبْصِرُهُ بَعْدُ.

فَجْأَةً... تَوَقَّفَ كُلُّ شَيْء.

الْأَصْوَاتُ سَكَنَتْ، وَالْهَوَاءُ أَصْبَحَ أَثْقَلَ، كَأَنَّهُ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ نَذِيرَ شُؤْمٍ قَدِيمٍ.

ثُمَّ... دَوَّتْ طُبُولٌ فِي الْبُعْدِ.

وَلَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ طُبُولًا لِلِاحْتِفَالِ، بَلْ كَانَتْ تَدُقُّ كَمَا تَدُقُّ الْقُلُوبُ عِنْدَمَا تَشْعُرُ بِالْخَوْفِ.

وَبَيْنَمَا كُنَّا نَتَبَادَلُ النَّظَرَاتِ الْقَلِقَةَ، هَطَلَ وَابِلٌ مِنَ الرِّمَاحِ الْمُشْتَعِلَةِ، مُخْتَرِقًا السَّمَاءَ كَنُجُومٍ سَاقِطَةٍ، وَمُتَّجِهًا نَحْوَ السَّاحَةِ الَّتِي غَصَّتْ بِالنَّاسِ.

الصُّرَاخَاتِ... وَالأَلَمَ... وَالدُّمُوعَ... وَالْهَلَعَ... وَالْخَوْفَ... وَالرُّعْبَ... وَالدَّهْشَةَ الَّتِي كَانَتْ أَشْبَهَ بِصَرْخَةِ زَمَنٍ مُفَاجِئٍ.

كَأَنَّ كُلَّ تَعْبِيرٍ مَوْجُودٍ عَلَى وَجْهِ الْحَيَاةِ، كُلَّ خَلْجَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ، كُلَّ نَبْضَةٍ مَرَّتْ فِي الْقُلُوبِ، قَدْ غَزَتِ الْمَدِينَةَ فِي لَحْظَاتٍ مَعْدُودَةٍ... أَوْ لَعَلَّهَا كَانَتْ دُهُورًا مُمْتَدَّةً.

رَأَيْتُ الْفُرْسَانَ يَخْرُجُونَ سُيُوفَهُمْ بِسُرْعَةٍ، وَالذُّعْرُ يَشُقُّ وُجُوهَهُمْ، بَعْضُهُمْ انْتَشَرَ بَيْنَ النَّاسِ، يُحَاوِلُ تَحْدِيدَ مَصَادِرِ الْهُجُومِ، وَالْآخَرُ أَخَذَ يُنَظِّمُ الْحُشُودَ، يُرَاوِغُ الذُّعْرَ بِالنِّدَاءِ وَالصَّوْتِ الْعَالِي، وَيُخْفِي الْهَلَعَ الَّذِي كَانَ يَخْتَبِئُ فِي جُذُورِ صَوْتِهِ.

السِّهَامُ الْمُشْتَعِلَةُ كَانَتْ تَهْوِي كَأَمْطَارِ الْجَحِيمِ، تُحْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ، تَلْتَهِمُ الْأَخْشَابَ، وَتُحَوِّلُ الزِّينَاتِ إِلَى رَمَادٍ... وَنَفْسِي.

وَأَنَا... وَاقِفَةٌ عَلَى الْمِنَصَّةِ كَتِمْثَالٍ تَارَكَتْهُ الرِّيَاحُ، عَيْنَايَ مُوَسَّعَتَانِ، وَرُكْبَتَايَ تَرْتَجِفَانِ، وَالتَّنَفُّسُ... نَسِيتُ كَيْفَ؟!؟!

نَعَم... نَسِيتُ كَيْفَ أَتَنَفَّس.

كَأَنَّ جَسَدِي قَدْ تَجَمَّدَ فِي الزَّمَانِ، وَأَنَّ نَفْسِي انْشَقَّتْ عَنِّي، تُشَاهِدُ مَا يَجْرِي وَهِيَ تَهْتِفُ: "اهْرُبِي! تَحَرَّكِي!"

وَلَكِنَّ قَدَمَيَّ كَانَتَا كَجِذْعَيْ شَجَرَةٍ مَغْرِسَةٍ فِي الْأَرْضِ... لَا تَسْتَجِيبَانِ.

كَانَ أَحَدُ السِّهَامِ الْمُشْتَعِلَةِ مُتَّجِهًا نَحْوِي، يَشُقُّ الْهَوَاءَ كَنَفْثَةِ نَارٍ خَارِجَةٍ مِنْ جَحِيمٍ مُتَعَجِّلٍ.

وَأَنَا... كُنْتُ قَدْ تَمَنَّيْتُ الْمَوْتَ.

نَعَم... فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي تَسَارَعَ فِيهَا كُلُّ شَيْءٍ، وَتَوَقَّفَ فِيهَا كُلُّ شَيْءٍ... خَطَرَ فِي بَالِي أَنَّ الْمَوْتَ أَسْهَلُ.

قَبْلَ أَنْ يَخْتَرِقَ السَّهْمُ جَسَدِي، رَأَيْتُ وَجْهَ طِفْلٍ يَحْتَرِقُ، وَآخَرَ يَسْتَجْدِي أُمَّهُ بِلُغَةٍ لَا تُشْبِهُ إِلَّا نَشِيجَ الْقُلُوبِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: "أَنْقِذِينِي".

شَعَرْتُ بِنَبْضَاتِي تَسْتَسْلِمُ... وَسَلَّمْتُ نَفْسِي.

أَغْلَقْتُ عَيْنَيَّ، كَأَنَّنِي أَتَرَجَّى الْمَوْتَ، أَتَوَسَّلُ إِلَى إِلٰهٍ صَامِتٍ أَنْ يُخْرِجَنِي مِنْ هَذِهِ الْفَوْضَى، مِنْ هَذَا الْمَشْهَدِ الَّذِي لَا يُطَاقُ.

وَلٰكِنَّ الْمَوْتَ لَمْ يَأْتِ.

بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ... شَعَرْتُ بِذِرَاعٍ تَشُدُّنِي بِقُوَّةٍ مِنْ عَلَى الْمِنَصَّةِ، تَجُرُّنِي جَرًّا إِلَى حَيَاةٍ لَمْ أَطْلُبْهَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.

عَرَفْتُ الْمَلْمَسَ مُبَاشَرَةً.

ذٰلِكَ اللَّمْسُ... تِلْكَ الْقُوَّةُ الدَّافِئَةُ الَّتِي تَخْتَبِئُ خَلْفَهَا رِقَّةٌ خَفِيَّةٌ... لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ إِلَّا لَهُ.

فِيدُور.

سَحَبَنِي وَرَاءَ إِحْدَى الْأَشْجَارِ الْكَثِيفَةِ، الَّتِي كَانَتْ أَوْرَاقُهَا تَشْتَعِلُ فِي أَعْلَاهَا، بَيْنَمَا جِذْعُهَا لا يَزَالُ صَالِبًا، كَأَنَّهُ يُقَاتِلُ الْحَرِيقَ مِنْ أَجْلِنَا.

أَسْنَدَنِي بِظَهْرِي إِلَى الْجِذْعِ، وَجَثَا أَمَامِي، يَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهُ، وَعَيْنَاهُ تَتَّقِدَانِ بِمَشَاعِرَ غَاضِبَةٍ وَقَلِقَةٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ.

"أَسْتِرْلِينَا!" هَمَسَ بِصَوْتٍ يَكْتُمُ صَرْخَةً، "أَكُنْتِ تُحَاوِلِينَ أَنْ تَقْتُلِي نَفْسَكِ؟! لِمَاذَا لَمْ تَهْرُبِي؟ لِمَاذَا وَقَفْتِ كَذَلِكَ؟!"

كُنْتُ صَامِتَةً... لَا أَجِدُ كَلِمَاتٍ، فَقَطْ نَظَرْتُ إِلَيْهِ، وَالدُّمُوعُ الَّتِي خَانَتْنِي كَانَتْ تَتَجَمَّعُ عَلَى حَافَّةِ عَيْنَيَّ.

وَقَبْلَ أَنْ أُجِيبَهُ، كَانَ قَدْ مَدَّ يَدَيْهِ نَحْوَ وَجْهِي، يُمْسِكُهُ بِرِقَّةٍ مُتَنَاقِضَةٍ مَعَ غَضَبِهِ، وَيَمْسَحُ بِإِبْهَامِهِ أَثَرَ الدُّمُوعِ الَّتِي تَفَلَّتَتْ مِنْ عَيْنَيَّ.

هَمَسَ صَوْتُهُ وَهُوَ يَقْتَرِبُ أَكْثَرَ:

"لَا تُرْعِبِينِي هَكَذَا، أَسْتِرْلِينَا... أَنْتِ لَا تَعْرِفِينَ... لَوْ أَصَابَكِ شَيْءٌ، لَـ..."

تَوَقَّفَ، كَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتِمَّ الْجُمْلَةَ، وَأَخْفَى صَوْتَهُ بَيْنَ أَسْنَانِهِ.

أَحْنَى جَبِينَهُ نَحْوَ جَبِينِي، كَأَنَّهُ يَبْتَغِي أَنْ يَسْمَعَ نَفَسِي، كَأَنَّ فِي اقْتِرَابِهِ طَمَأْنِينَةً لَهُ، لَا لِي.

قُلْتُ بَصَوْتٍ مَخْنُوقٍ وَأَنَا أُحَاوِلُ جَمْعَ أَشْلَاءِ كَلِمَاتِي:

"لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ الْمَوْتَ... لَـكِنْ... كُنْتُ أَشْعُرُ أَنَّنِي لَا أَسْتَحِقُّ الْحَيَاةَ وَسَطَ كُلِّ هٰذَا الْجَحِيمِ... كُنْتُ ضَعِيفَةً."

فَهِمَ كُلَّ مَا لَمْ أَقُلْهُ.

تَاهَتْ عُيُونُنَا فِي بَعْضِهَا لَحْظَةً، لَا تُشْبِهُ أَيَّ لَحْظَةٍ مَرَّتْ مِنْ قَبْلُ. لَمْ يَكُنْ فِيهَا حُبٌّ مُعْلَنٌ، وَلَا وَدَاعٌ وَاضِحٌ، بَلْ نَظْرَةٌ حَادَّةٌ، كَأَنَّ كُلَّ مَا نُرِيدُ قَوْلَهُ عَالِقٌ فِي الحَلْقِ.

ثُمَّ الْتَفَتَ فِيدُورُ بِسُرْعَةٍ إِلَى أَحَدِ الجُنُودِ الَّذِينَ كَانُوا يَخْتَبِئُونَ خَلْفَ عَرَبَاتٍ مَقْلُوبَةٍ، وَأَشَارَ لَهُ بِحَرَكَةٍ حَاسِمَةٍ وَهُوَ يَقُولُ بِصَرَامَةٍ:

"خُذْهَا. أَخْرِجْهَا مِنَ المَدِينَةِ، الْآنَ. أَيُّ اتِّجَاهٍ، فَقَطِ ابْتَعِدُوا عَنِ العَاصِمَةِ. لَا تَتَوَقَّفْ، إِلَّا إِذَا كُنْتَ مَيِّتًا."

رَمَقَتْهُ بِدَهْشَةٍ مَشُوبَةٍ بِالخُذْلَانِ، وَصَرَخَتْ وَهِيَ تُمْسِكُ بِذِرَاعِهِ:

"أَنْتَ لَا تَفْهَمْ... لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تُرْسِلَنِي وَأَنْتَ تَبْقَى! هَذَا جُنُونٌ!"

كَانَ يَضْغَطُ عَلَى أَسْنَانِهِ، يُحَاوِلُ أَنْ يَبْدُوَ هَادِئًا، لَكِنَّ وَجْهَهُ كَانَ مُشَدًّا، وَصَوْتُهُ خَرَجَ أَكْثَرَ قَسْوَةً مِمَّا قَصَدَ:

"وَهَلْ تَظُنِّينَ أَنَّنِي أُرِيدُ هَذَا؟ لَوْ كَانَ القَرَارُ بِيَدِي، لَمَا تَرَكَتْ أَحَدًا يَلْمِسُكِ حَتَّى. لَكِنْ لَيْسَ هَذَا وَقْتَ الضَّعْفِ."

سَقَطَتْ دُمُوعُهَا، دُونَ أَنْ تَسْتَأْذِنَ كِبْرِيَاءَهَا. كَانَتْ ثَقِيلَةً، دَافِئَةً، تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا خَوْفًا وَوَجَعًا لَا يُقَالُ.

وَفِي لَحْظَةٍ نَادِرَةٍ، تَغَيَّرَ شَيْءٌ فِي وَجْهِ فِيدُورَ.

لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَكَانٌ لِلسُّخْرِيَةِ، وَلَا لِلتَّعْلِيقَاتِ السَّاخِرَةِ الَّتِي يَعْتَادُ أَنْ يُخْفِيَ بِهَا مَشَاعِرَهُ، وَلَا لِلحِدَّةِ الَّتِي تَسْكُنُ صَوْتَهُ فِي الأَوْقَاتِ الجَادَّةِ.

تَقَدَّمَ خُطُوَةً، بَصَمْتٍ يُشْبِهُ رُوحَ المَعْرَكَةِ قَبْلَ أَنْ تَنْفَجِرَ.

مَدَّ يَدَهُ بِحَذَرٍ، كَأَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يُلَامِسَ وَجْعَهَا، وَقَالَ، بِهَمْسَةٍ هَادِئَةٍ مَخْنُوقَة:

"اِهْرُبِي... أُرْجُوكِ، يَا إِسْتِرْلِينَا... اِهْرُبِي."

صَوْتُهُ كَانَ يَخْتَنِقُ فِي آخِرِ كُلِّ كَلِمَةٍ، كَأَنَّ كُلَّ حَرْفٍ فِيهِ يُوجِعُهُ.

"إِنْ سَقَطَتِ العَاصِمَةُ... فَسَتَسْقُطُ بَقِيَّةُ المُدُنِ وَالقُرَى. وَأَرْجُو أَنْ لَا يَحْدُثَ ذَلِكَ."

تَنَفَّسَ بِثِقَلٍ، وَأَنْزَلَ عَيْنَيْهِ لِلحَظَةٍ، ثُمَّ عَادَ وَنَظَرَ فِيهَا، بِصِدْقٍ خَالٍ مِنْ أَيِّ قِنَاعٍ:

"أُرِيدُكِ حَيَّةً... لِذَلِكَ أَقُولُ لَكِ: أَنْقِذِي نَفْسَكِ."

سَكَتَ، ثُمَّ هَمَسَ كَمَنْ يُقْسِمُ وَهُوَ يَتَفَصَّدُ أَلَمًا:

"إِنِ اسْتَقَرَّتِ الأُمُورُ... عُودِي. أُرِيدُ أَنْ تَكُونِي هُنَاكِ... أُرِيدُ أَنْ تَعِيشِي."

أَشَاحَ بِنَظَرِهِ، وَأَشَارَ بِصَمْتٍ لِلْجُنْدِيِّ الَّذِي كَانَ يَنْتَظِرُ، فَفَهِمَ الأَمْرَ دُونَ كَلَامٍ.

أَمَّا هِيَ، فَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا... كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ كَمَنْ يُحَاوِلُ أَنْ يَثْبُتَ الصُّورَةَ فِي قَلْبِهِ قَبْلَ أَنْ تَتَبَدَّدَ

أَمْسَكَ الجُنْدِيُّ بِيَدِهَا بِقُوَّةٍ، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَسْرِقَهَا مِنْ قَلْبِ المَكَانِ قَبْلَ أَنْ يَفْتِكَهُ الخَطَرُ. وَفِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ، كَانَ فِيدُورُ يَشُدُّ قِبْضَتَهُ عَلَى قَبْضَةِ سَيْفِهِ، وَقَدِ ارْتَسَمَ عَلَى وَجْهِهِ ذَاكَ الثَّبَاتُ العَنِيدُ الَّذِي لا يُقَاوِمُ المَوْتَ، بَلْ يُقَابِلُهُ.

وَقَبْلَ أَنْ يَنْطَلِقَ الحِصَانُ، وَمِنْ خَلْفِهِ إِسْتِرْلِينَا، الَّتِي كَانَتْ دُمُوعُهَا تَتَدَفَّقُ كَأَنَّهَا شَلَّالٌ مِنْ وَجَعٍ قَدِيمٍ، تَقَدَّمَ فِيدُورُ خُطْوَةً، وَهَمَسَ بِلُطْفٍ، صَوْتُهُ كَانَ مَخْنُوقًا وَهُوَ يُخَاطِبُهَا لِلْمَرَّةِ الأَخِيرَةِ

لَا تَبْكِي... لَا تُسْقِطِي هَذِهِ الجَوَاهِرَ عَلَى تُرَابٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا... فَكُلُّ دَمْعَةٍ مِنْكِ، تُطْفِئُ شَيْئًا فِيَّ."

وَكَمَا جَاءَ، تَرَاجَعَ خُطْوَةً، وَبِهَدُوءٍ صَامِتٍ مَشَى نَحْوَ الظِلِّ، نَحْوَ القِتَالِ، كَأَنَّهُ يُخْفِي فِي ظَهْرِهِ كُلَّ مَا لَمْ يَقُلْهُ.

أَمَّا هِيَ، فَقَدْ كَانَتْ تَحْمِلُ صَوْتَهُ فِي صَدْرِهَا كَمَا تُحْمَلُ صَلَاةٌ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَالدُّمُوعُ تَتَدَفَّقُ فِي عَيْنَيْهَا رَغْمًا عَنْهَا

وَبَيْنَ صَهِيلِ الحِصَانِ، وَطَرَقَاتِ الحَوَافِرِ، وَصَوْتِ اللهِيبِ وَالصُّرَاخِ، كَانَ شَيْءٌ غَامِضٌ يُخَيِّمُ فِي الجَوِّ... كَأَنَّ حَتَّى الحِصَانَ أَصْبَحَ خَائِفًا.

وَمَعَ ٱخْتِفَاءِ صَدَى حَوَافِرِ ٱلْحِصَانِ، كَانَ لَهِيبُ ٱلْحَرْبِ قَدِ ٱلْتَهَمَ ٱلسَّاحَةَ.

ٱنْتَشَرَ ٱلْجُنُودُ فِي كُلِّ ٱتِّجَاهٍ، وَعَلَتْ أَصْوَاتُ ٱلتَّصَادُمِ بَيْنَ ٱلسُّيُوفِ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَدِ ٱمْتَلَأَتِ ٱلسَّمَاءُ بِٱلرَّمَادِ وَٱلنَّارِ. كَانَ كَاسْيُوسُ، وَالِدُ فِيدُورَ، يُقَاتِلُ بِجَسَارَةٍ، كَصَخْرَةٍ قَدِيمَةٍ لَمْ تَنَلْ مِنْهَا ٱلْعَوَاصِفُ. لَمْ يَتَرَدَّدْ لَحْظَةً، يَصُدُّ ٱلْهَجَمَاتِ وَكَأَنَّهُ آخِرُ جِدَارٍ يَحْمِي ٱلْمَدِينَةَ مِنَ ٱلِٱنْهِيَارِ.

أَمَّا فِيدُورُ، فَكَانَ يُقَاتِلُ بِصَمْتٍ دَاخِلِيٍّ عَمِيقٍ. كَانَتْ عَيْنَاهُ تَبْحَثَانِ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ، كَأَنَّهُ لَا يُحَارِبُ ٱلْعَدُوَّ فَقَطْ، بَلِ ٱلْقَدَرَ نَفْسَهُ. لَمْ يَكُنْ يَحْمِلُ سَيْفَهُ لِأَجْلِ ٱلْمَجْدِ، وَلَا يَضْرِبُ لِأَجْلِ ٱسْمِهِ، بَلْ كَانَ يُقَاتِلُ مِنْ أَجْلِ وَعْدٍ لَمْ يُنْطَقْ، مِنْ أَجْلِ شَخْصٍ رَحَلَ بَعِيدًا... لٰكِنَّهُ يَأْمَلُ أَنْ يَعُودَ.

كَانَ كُلُّ مَنْ يَعْتَرِضُ طَرِيقَهُ يَسْقُطُ. لَا بِدَافِعِ ٱلْغَضَبِ، بَلْ بِدَافِعٍ لَا يَعْرِفُ ٱسْمَهُ تَمَامًا... دَافِعٍ أَشْبَهَ بِٱلشَّوْقِ. كَانَ يُقَاتِلُ لِأَجْلِ وَطَنِهِ، نَعَمْ، وَلٰكِنَّهَا... كَانَتْ هِيَ ٱلْوَطَنَ ٱلَّذِي يُرِيدُ ٱسْتِعَادَتَهُ.

_____

يُتبَع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنتِي هِي الهَّلَاك

المؤلف syreiaelora
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة