أَمِيرَة مَمْلَكَتِنَا

أَمِيرَة مَمْلَكَتِنَا

11 0

خَرَجَ فِيدُور مِنْ غُرْفَةِ العَرْشِ وَالبَابُ يَغْلَقُ خَلْفَهُ بِصَدًى خَفِيفٍ، لَكِنَّهُ كَانَ كَافِيًا لِيَقْطَعَ عَلَاقَتَهُ بِكُلِّ مَا تَرَكَ وَرَاءَهُ.

أَخَذَ نَفَسًا عَمِيقًا، لَمْ يَكُنْ لِيُهَدِّئَهُ، بَلْ لِيُسْكِتَ مَا يَغْلِي فِي صَدْرِهِ.

المَمَرَّاتُ الطَّوِيلَةُ الَّتِي مَرَّ بِهَا كَانَتْ مُضَاءَةً بِمَصَابِيحِ زَيْتٍ شَاحِبَةٍ، تَرْتَجِفُ ضُوُؤُهَا عَلَى الحِجَارَةِ، كَأَنَّهَا تَهْرُبُ مِنْ خُطُوَاتِهِ.

لَمْ يَكُنْ يَنْظُرُ لِأَحَدٍ، لَمْ يَكُنْ يَسْمَعُ شَيْئًا. كُلُّ مَا كَانَ فِيهِ يَسِيرُ... كَأَنَّهُ يُطَارِدُ شَيْئًا، أَوْ يَفِرُّ مِنْهُ.

خَرَجَ إِلَى الحَدِيقَةِ الكُبْرَى.

لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ هُنَاكَ.

الرِّيَاحُ كَانَتْ تَهُبُّ بِلُطْفٍ، وَتُحَرِّكُ أَوْرَاقَ الشَّجَرِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُبَالِ. كَانَ عَابِسَ الوَجْهِ، وَعَيْنَاهُ خَالِيَتَانِ مِنَ التَّفَاعُلِ.

سَارَ بَيْنَ أَشْجَارِ التُّفَّاحِ وَالكَرَزِ، مُتَجَاهِلًا كُلَّ مَا حَوْلَهُ، حَتَّى وَصَلَ.

هُنَاكَ، تَقِفُ، وَاحِدَةٌ. وَحْدَهَا.

شَجَرَةُ القَيْقَبِ الحَمْرَاء.

سَاقُهَا السَّوْدَاءُ الْمَائِلَةُ، وَأَغْصَانُهَا الَّتِي تَتَشَعَّبُ كَأَصَابِعِ قَدَرٍ قَدِيمٍ.

وَرَقُهَا الْأَحْمَرُ كَانَ يَتَسَاقَطُ بِلَا رِيحٍ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَذْكُرَ مَا نَسِيَ الزَّمَنُ.

وَقَفَ أَمَامَهَا.

ثَبَتَتْ قَدَمَاهُ عَلَى التُّرَابِ، وَأَسْنَدَ كَفَّهُ إِلَى الجِذْعِ.

كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ كَانَ هَادِئًا... سِوَى عَيْنَيْهِ.

كُنْتَ لِتَقْرَأَ فِيهِمَا كَمْ جُثَّةً سَيَسْقُطُ، وَكَمْ رُؤُوسًا سَتُقْطَعُ... فِي طَرِيقِهِ لِاسْتِرْجَاعِهَا.

كَانَ غَضَبُهُ لَا يُفْهَمُ، لَا يُشْرَحُ.

لَمْ يَكُنْ حُبًّا... كَانَ حِكْمَةً بَاطِنَةً فِي جَوْفِهِ، تُقْنِعُهُ أَنَّهَا لَا تَنْتَمِي إِلَّا لَهُ.

أَدَارَ فِيدُور نَظَرَهُ نَظْرَةً أَخِيرَةً نَحْوَ شَجَرَةِ القَيْقَبِ الحَمْرَاءِ.

وَلَوْلَا أَنَّ مَا حَوْلَهَا يُخْبِرُكَ بِالْحَقِيقَةِ، لَظَنَنْتَ أَنَّ العَاصِفَةَ لَمْ تَمُرَّ مِنْ هُنَا.

كَانَتْ وَحِيدَةً، وَاحِدَةً، بَاقِيَةً... وَكُلُّ مَا سِوَاهَا احْتَرَقَ.

كُلُّ أَشْجَارِ الحَدِيقَةِ احْتَرَقَتْ أَوْ تَكَسَّرَتْ فِي لَيْلَةِ السُّقُوطِ، سِوَى هِيَ... لَمْ يُصِبْهَا خَدْشٌ وَاحِد.

ارْتَفَعَ طَرَفُ شَفَتَيْهِ بِابْتِسَامَةٍ خَفِيفَةٍ.

شَيْءٌ صَغِيرٌ، شَبَهُ سُخْرِيَّةٍ، أَوْ شَبَهُ تَذَكُّرٍ، أَوْ شَيْءٍ أَكْثَرَ خَطَرًا مِنْ هٰذَا كُلِّهِ.

ثُمَّ أَدَارَ ظَهْرَهُ، وَسَارَ عَائِدًا نَحْوَ الجِنَاحِ الغَرْبِيِّ، وَفِي صَدْرِهِ يَتَصَاعَدُ شَيْءٌ وَاحِد: الغَد.

لِأَنَّ الغَدَ سَيَكُونُ يَوْمَ التَّجْهِيزِ، وَفِيدُور لَمْ يَعُدْ يَحْتَمِلُ هٰذِهِ الفَجْوَةَ الَّتِي خَلَّفَهَا اخْتِفَاؤُهَا.

سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا... وَهُوَ يَنْهَارُ صَامِتًا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ.

سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا... وَعَقْلُهُ يَحْسِبُ كَمْ سَيَسْقُطُ قَتِيلٌ، وَكَمْ سَيُفْتَحُ مِنْ بَابٍ، لِيَصِلَ إلَيْهَا.

لَيْلَةٌ أُخْرَى مَرَّتْ، وَصَبَاحُ الْحَرْبِ قَدِ اقْتَرَبَ.

وَهُوَ... لَمْ يَعُدْ يَنْوِي الرُّجُوعَ دُونَهَا.

قَاعَةُ العَرْشِ –مَمْلَكَةُ فِرِيلُونَا

فِي الزَّوَايَا الغَارِقَةِ فِي الظِّلَالِ، وَتَحْتَ أَقْدَامِ تِمَاثِيلِ الحُرْبَةِ وَالْمَوْتِ،

رَكَعَ إِيفَان عَلَى قَدَمٍ وَاحِدَةٍ أَمَامَ مَلِكِهِ، وَصَوْتُهُ خَافِتٌ، لَكِنَّهُ يَحْمِلُ وَقْعًا كَالسَّيْفِ.

"سَيِّدِي…

السَّاحِرُ دُورِيلَان أَكْمَلَ مَا بَدَأْنَا بِهِ.

ذَاكِرَتُهَا… أُفْرِغَتْ كَكَأْسٍ تَحْتَ السِّكِّينِ.

لَمْ تَسْتَيْقِظْ بَعْد، لَكِنَّهَا... لَا تَعْرِفُ شَيْئًا."

ظَلَّ مُورْفِيلُ جَالِسًا بِهُدُوءٍ، يُقَلِّبُ خَاتَمًا فِي إِصْبَعِهِ، وَفِي صَمْتِهِ تَكُونُ الكَلِمَاتُ أَشَدَّ مِنْ النُّطْقِ.

"وَالغُرْفَة؟" سَأَلَ، وَنَبْرَتُهُ كَالحَجَرِ.

"كَمَا أَمَرْتُمْ.

أُعِدَّتْ لَهَا غُرْفَةٌ فِي الجَنَاحِ العُلْوِيِّ…

فَاخِرَةٌ، وَدَافِئَةٌ، كَأَنَّهَا أَمِيرَةٌ… لَيْسَتْ أَسِيرَةً.

حَتَّى المِرْآةُ فِيهَا لَا تَعْكِسُ مَنْ كَانَتْ."

لَمْ يَرُدَّ مُورْفِيل فِي البِدَايَة.

بَلْ نَهَضَ بُطْئًا، وَمَشَى خُطُوَاتٍ نَحْوَ النَّافِذَةِ العَالِيَةِ الَّتِي تُطِلُّ عَلَى جِبَالِ الجَلِيدِ.

ثُمَّ تَكَلَّمَ، كَمَنْ يُلْقِي حُكْمًا:

"إِذًا… سَنَبْدَأُ بِبِنَاءِ وَهْمٍ جَدِيدٍ.

سَنُقْنِعُهَا أَنَّهَا ابْنَتِي، وَأَنَّ فِرِيلُونَا هِيَ وَطَنُهَا،

وَأَنَّ أَوْسْتَارِيَا كَانَتْ مَمْلَكَةً خَائِنَةً… تُرِيدُ أَذِيَّتَهَا."

إِيفَان أَطْرَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ بِثِقَةٍ:

"بِقَلِيلٍ مِنَ الهَمْسِ وَقَلِيلٍ مِنَ الرِّقَّةِ…

سَنَجْعَلُهَا تُقَاتِلُ فِي صُفُوفِنَا."

"وَذٰلِكَ…" – تَكَلَّمَ مُورْفِيل –

"سَيَكُونُ كَفَايَةً لِيَكْسِرَ مَا بَقِيَ مِنْ دِيمُوس."

ثُمَّ اسْتَدَارَ بِلُطْفٍ بَارِدٍ، وَقَالَ:

"أَتْرُكْهَا تَسْتَيْقِظُ عَلَى أَكْذُوبَةٍ جَمِيلَةٍ.

فَالوَهْمُ، إِذَا زُرِعَ فِي دِمَاغٍ خَالٍ… يُزْهِرُ بِسُرْعَةٍ."

الخادم دخل بخطى مُرتبكة، وانحنى:

"سَيِّدِي مُورفِيل… الأَسِيرَةُ قَدِ اسْتَيْقَظَت."

لم يتحرّك مورفيل في البداية.

كان يُحدّق في كأس النبيذ بيده كما لو أن النبأ لم يكن سوى تفصيل مُنتظَر.

ثم رفع عينيه ببطء، وقال ببرودٍ محسوب، موجّهًا حديثه إلى إيفان:

"جيِّد. الآن تبدأ المرحلة الأهم."

اقترب خطوة من العرش، وصوته صار أكثر انخفاضًا... وأكثر خبثًا:

"اذهب إليها… واجعلها ترى فيك منقذًا، لا سجانًا.

لا تأتِها كسيدٍ، بل كظلّ الحنان… ككذبةٍ أنيقة تخفي سكينًا.

سوف نُلبسها الحقيقة التي نريد… ونعلّق الوهم في عنقها كما لو كان تاجًا."

ابتسم نصف ابتسامة:

"اجعلها تُحب قيدها، يا إيفان… وعندها فقط، لن ترغب في التحرر."

انحنى إيفان برأسه، ثم نهض وغادر.

خطواته كانت هادئة… لكنها تحمل في طيّاتها وعدًا… بكارثة قادمة

الجَنَاحُ العُلْوِيّ – غُرْفَةٌ فَاخِرَة، بِلا قَلْب

فِي بَدَايَةِ الأَمْرِ، كَانَ الضَّوْءُ خَافِتًا… أَشْبَهَ بِضَوْءِ مَاءٍ مُتَجَمِّدٍ.

شَيْءٌ مَا فِي السَّقْفِ يَتَحَرَّكُ… أَوْ رُبَّمَا كَانَ ذِهْنُهَا هُوَ الَّذِي يَهْتَزُّ.

جَفْنَاهَا تَفَتَّحَا ببطء.

وَعِنْدَمَا وَقَعَ نَظَرُهَا عَلَى الزُّخْرُفِ الذَّهَبِيِّ فِي السَّقْفِ… لَمْ تَتَعَرَّفْ عَلَيْهِ.

وَلَا عَلَى السَّرِيرِ، وَلَا عَلَى الشُّرْفَةِ، وَلَا عَلَى نَفْسِهَا.

ثُمَّ… جَاءَ الأَلَم.

جَسَدُهَا لَمْ يَكُنْ جَسَدًا… بَلْ كَانَ مَجْمُوعَةً مِنَ التَّشَقُّقَاتِ وَالكُدَمَاتِ.

ذِرَاعُهَا اليُسْرَى تَفُورُ كَالنَّارِ، وَظَهْرُهَا يَشْتَعِلُ كَمَا لَوْ كَانَ قَدِ احْتَرَقَ.

شَفَتَاهَا… كَانَتَا مُتَوَرِّمَتَيْنِ، وَمَذَاقُ الدَّمِ لَا يَزَالُ عَلِقًا فِي لِسَانِهَا.

بُقَعٌ بَنِيَّةٌ وَزَرْقَاءُ تَغَطِّي جِلْدَهَا، وَكُلُّ مَفْصَلٍ فِيهَا يَئِنُّ.

تَحَرَّكَتْ قَلِيلًا… وَالشَّرِيطُ الحَرِيرِيُّ الَّذِي يَلْفُّ مِعْصَمَهَا أَصْدَرَ صَوْتًا خَفِيفًا.

وَهُنَاك… بَيْنَ التَّنَفُّسِ وَالصَّدْرِ المُثْقَلِ،

جَاءَ السُّؤَالُ الأَوَّلُ:

«مَنْ أَنَا؟»

صَدًى غَرِيبٌ، كَأَنَّهُ يُطْلَقُ فِي بُئْرٍ فَارِغَةٍ.

نَظَرَتْ حَوْلَهَا، وَلَمْ تَجِدْ سِوَى أَسِرَّةٍ نَاعِمَةٍ، وَسِتَائِرَ مَخْمَلِيَّةٍ، وَمِرْآةٍ كَبِيرَةٍ… لَكِنَّهَا لَمْ تَجْرُؤْ عَلَى النَّظَرِ فِيهَا.

كَانَ صَوْتُهَا وَهُوَ يَخْرُجُ، مَخْنُوقًا، مَجْرُوحًا:

«أَيْنَ… أَيْنَ أَنَا…؟»

وَلَا جَوَاب.

كُلُّ شَيْءٍ فِي الغُرْفَةِ يُقَابِلُهَا بِهُدُوءٍ مُرْعِبٍ.

كُلُّ شَيْءٍ نَاعِمٌ… وَلَكِنَّ الوَجَعَ يَصْرُخُ فِي كُلِّ ذَرَّةٍ مِنْهَا.

وَمِنْ بَعِيدٍ… بَدَأَ صَوْتُ خَطَوَاتٍ يَقْتَرِبُ.

بِقُوَّةٍ غَرِيزِيَّةٍ وَرُعْبٍ فِطْرِيّ، تَشَبَّثَت إِسْتِرْلِينَا بِمِلَاءَةِ السَّرِيرِ.

أَصَابِعُهَا كَانَتْ تَرْتَعِشُ، وَضَعْفُهَا يُقَاوِمُهُ خَوْفٌ صَافٍ، بِلَا وَجْهٍ وَبِلَا اسْمٍ.

البَابُ فُتِحَ بِصَمْتٍ… وَخَطَا فَتًى فِي زِيٍّ أَسْوَدَ إِلَى الدَّاخِل.

كَانَ وَسِيمًا…

عَيْنَاهُ خَضْرَاوَانِ، بَارِدَتَانِ كَغَابَةٍ فِي يَوْمٍ شَتَوِيّ،

وَقَلَنْسُوَتُهُ السَّوْدَاء تُغَطِّي شَعْرَهُ، وَظِلُّهُ يَتَمَدَّدُ عَلَى أَرْضِيَّةِ الرُّخَامِ كَمَا لَوْ كَانَ مَصِيرًا يَتَقَدَّمُ.

لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي البِدَايَة… كَأَنَّهُ يُعْطِيهَا فُرْصَةً لِتَرْتِّبَ رُعْبَهَا.

وَإِسْتِرْلِينَا… نَظَرَتْ إِلَيْهِ، وَفِي عَيْنَيْهَا ذُهُولٌ غَرِيبٌ.

شَيْءٌ مَا فِيهِ… كَانَ يُبْهِرُهَا.

رُبَّمَا لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَجْهٍ تَرَاهُ،

وَرُبَّمَا لِأَنَّ عَيْنَيْهِ… تَحْمِلُ شَيْئًا لَمْ تَفْهَمْهُ.

مَنْ هُوَ؟ وَمَنْ هِيَ؟

السُّؤَالَانِ كَانَا يَصْرُخَانِ فِي ذِهْنِهَا،

لَكِنَّ الشَّابَّ الْغَامِضَ لَمْ يُجِبْ، وَلَا اقْتَرَبَ كَثِيرًا.

بَلْ وَقَفَ قُرْبَ حَافَّةِ السَّرِيرِ، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ نَاعِمَةٍ، لَكِنْ تَحْتَهَا صَلَابَةٌ دَفِينَةٌ:

"لَا خَوْفَ عَلَيْكِ... أَنْتِ فِي أَمَانٍ الآن."

كَلِمَاتُهُ، عَلَى بَسَاطَتِهَا، بَدَتْ لَهَا كَحَبْلٍ نَاعِمٍ يُلْقَى فِي بَحْرٍ مِنَ الفَوْضَى.

وَعَيْنَاهَا… لَمْ تَزَلْ مُشَدُوهَتَيْنِ، تَبْحَثُ عَنْ جَوَابٍ.

وَلَمْ تَجِدْهُ.

إِسْتِرْلِينَا رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا إِلَيْهِ… وَبِصَوْتٍ مَشْرُوخٍ، خَرَجَ السُّؤَالُ الأَوَّل:

"مَنْ... أَنَا؟"

لَمْ يُجِبْ فَوْرًا.

اقْتَرَبَ بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَيْنَاهُ تَلْمَعَانِ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الشَّفَقَةَ… لَكِنَّهَا شَفَقَةٌ مَزِيفَةٌ، مَصْنُوعَةٌ بِدِقَّةٍ كَالسُّمِّ فِي قَارُورَةٍ زُجَاجِيَّةٍ أَنِيقَةٍ.

ثُمَّ قَالَ:

"أَنْتِ..."

تَوَقَّفَ، وَتَنَهَّدَ، وَكَأَنَّهُ يُحَاوِلُ كَبْحَ غَضَبٍ كَبِيرٍ:

"...أَلَا تَتَذَكَّرِينَ شَيْئًا؟ لَا وَجْهٌ... لَا صَوْتٌ... لَا وَطَنٌ؟"

هَزَّتْ رَأْسَهَا بِصَمْتٍ، وَعَيْنَاهَا تَرْتَجِفَانِ.

عِنْدَهَا، عَقَدَ حَاجِبَيْهِ، وَتَكَلَّمَ كَمَا لَوْ أَنَّ الغَضَبَ يُوشِكُ أَنْ يَنْفَجِرَ:

"اللَّعْنَةُ عَلَيْهِمْ... تِلْكَ الدَّوْلَةُ النَّجِسَةُ الَّتِي سَرَقَتْكِ مِنَّا!

أُولَئِكَ الأَوْغَادُ... خَطَفُوكِ، وَعَذَّبُوكِ، وَمَحَوْا ذَاكِرَتَكِ… لِمَاذَا؟ لِأَنَّكِ أَمِيرَتُنَا. حَبِيبَةُ شَعْبِ فِرِيلُونَا… وَوَرِيثَةُ عَرْشِهَا."

إِسْتِرْلِينَا اتَّسَعَتْ عَيْنَاهَا. تَرَاجَعَتْ قَلِيلًا، كَأَنَّ الكَلِمَاتِ ضَرَبَتْهَا.

وَلَكِنْ صَوْتُهُ لَمْ يَعْلُ… بَلْ خَفَتَ، كَمَنْ يُوَاسِي طِفْلًا فَقَدَ أُمَّهُ:

"هُنَا، فِي هَذَا القَصْرِ، كُنْتِ تَجْرِينَ وَتَضْحَكِينَ، وَالشَّمْسُ تَتْبَعُكِ كَمَا يَتْبَعُ الضَّوْءُ ظِلَّهُ… كُنَّا نَخَافُ عَلَيْكِ مِنَ الرِّيحِ."

اقْتَرَبَ أَكْثَرَ، وَجَلَسَ عَلَى حَافَّةِ السَّرِيرِ… وَبِصَوْتٍ نَاعِمٍ، هَمَسَ:

"سَيَعُودُ كُلُّ شَيْءٍ… سَأُعِيدُهُ لَكِ، وَسَتَعُودِينَ أَمِيرَتَنَا أسترلينا… لِأَنَّ هَذَا مَكَانُكِ، وَلَسْتِ مِلْكًا لِأَحَدٍ سِوَانَا."

ثُمَّ وَقَفَ، وَتَوَجَّهَ إِلَى البَابِ بِبُطْءٍ.

وَقَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ، قَالَ:

"اسْتَرِيحِي... سَنَبْدَأُ غَدًا فَصْلًا جَدِيدًا. وَأَعِدُكِ… لَنْ تَشْعُرِي بِالأَلَمِ مَرَّةً أُخْرَى."

ثُمَّ خَرَجَ.

وَبَقِيَتْ إِسْتِرْلِينَا تُحَدِّقُ فِي السَّقْفِ... تَسْأَلُ نَفْسَهَا مَنْ تَكُونُ.

وَلَكِنَّ الأَجْوِبَةَ الوَحِيدَةَ الَّتِي فِي عَقْلِهَا، كَانَتْ تِلْكَ الَّتِي دَسَّهَا هُوَ

سَادَ الصَّمْتُ.

ظَلَّتْ إِسْتِرْلِينَا مُتَجَمِّدَةً، كَأَنَّ صَدْمَةَ حُضُورِهِ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ تَزُولَ بِسُرْعَةٍ.

نَظَرَتْ نَحْوَ البَابِ الَّذِي أُغْلِقَ خَلْفَهُ، وَفِي عَيْنَيْهَا بَقَايَا دُهُولٍ وَذُعْرٍ مُبْهَم.

ثُمَّ، كَمَنْ تَتَذَكَّرُ أَنَّ لَهَا جَسَدًا، نَظَرَتْ إِلَى نَفْسِهَا…

كَانَتْ تَرْتَدِي ثَوْبًا أَبْيَضَ حَرِيرِيًّا، نَاعِمًا كَنَسِيمِ صَبَاحٍ، يُلَامِسُ جِلْدَهَا بِلُطْفٍ.

ثَوْبٌ يَفْتَرِضُ أَنْ يُجَسِّدَ النَّقَاءَ، الرَّاحَةَ، وَالْهُدُوءَ…

وَلَكِنْ...

عِنْدَمَا أَبْعَدَتْ حَافَّتَهُ، وَنَظَرَتْ إِلَى مَا تَحْتَهُ، شَعَرَتْ كَأَنَّ نَفَسَهَا يَنْقَطِعُ.

كَدَمَاتٌ زَرْقَاءُ، وَخُدُوشٌ حَمْرَاءُ، وَجِرَاحٌ لَمْ تَلْتَئِمْ…

آثَارُ قُيُودٍ عَلَى مِعْصَمَيْهَا، وَسُيُولَاتٌ مِنَ الْأَلَمِ مُنْزَرِعَةٌ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا.

ذَلِكَ الجَسَدُ الَّذِي يَفْتَرِضُ أَنْ يَحْمِلَ تَارِيخًا، كَانَ فَقَطْ دَلِيلًا عَلَى وَحْشِيَّةٍ نَسِيَتْ أَنْ تَتَذَكَّرَهَا.

أَخَذَتْ نَفَسًا عَمِيقًا… وَهُوَ يُؤْلِمُهَا.

ثُمَّ هَمَسَتْ لِنَفْسِهَا، وَالدُّمُوعُ تُلَوِّنُ صَوْتَهَا:

"أُولَئِكَ الَّذِينَ فَعَلُوا هَذَا... هَلْ كَانُوا أَعْدَائِي؟"

تَذَكَّرَتْ كَلِمَاتِ ذَلِكَ الرَّجُلِ... عَيْنَاهُ الخَضْرَاوَانِ، وَصَوْتُهُ الذِي كَانَ يَتَقَطَّرُ حُنُوًّا… وَسُمًّا.

"سَرَقُوكِ… عَذَّبُوكِ… لِأَنَّكِ أَمِيرَتُنَا."

غَرَزَتْ أَظَافِرَهَا فِي كَفِّهَا، كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تُصَدِّقَ ذَلِكَ…

وَفِي قَلْبِهَا، نَبَتَتْ بِذْرَةُ حِقْدٍ صَامِتَةٍ، تَجَاهَ مَنْ لَا تَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ… وَلَكِنَّ وُجُودَهُمْ جَعَلَ جِسْمَهَا هَكَذَا.

وَكَأَنَّهَا، وَبِدُونِ أَنْ تَدْرِي، بَدَأَتْ تُصَدِّقُ أَكْبَرَ كِذْبَةٍ فِي حَيَاتِهَا.

بَعْدَ سَاعَاتٍ مِنِ الاضْطِرَابِ الدَّاخِلِيّ، وَالْعُيُونِ الْمُسْتَدِيرَةِ فِي أَفُقِ الذُّهُولِ، قَامَتْ إِسْتِرْلِينَا عَنِ السَّرِيرِ بِبُطْءٍ.

خُطُواتُهَا كَانَتْ خَفِيفَةً، كَأَنَّهَا تَخْشَى أَنْ تُوقِظَ ذَاكِرَةً مَا فِي الزَّوَايَا.

اقْتَرَبَتْ مِنِ الشُّرْفَةِ، وَفَتَحَتِ الْبَابَ الزُّجَاجِيَّ بِهُدُوءٍ.

ضَرْبَاتُ الرِّيحِ الْبَارِدَةِ اسْتَقْبَلَتْهَا، وَمَعَهَا ثَلْجٌ يَتَسَاقَطُ بِشِدَّةٍ، يُغَطِّي قِمَمَ جَبَلٍ أَسْوَدَ عَظِيمٍ يَقِفُ فِي الْبُعْدِ كَأَنَّهُ مَلِكٌ نَائِمٌ تَحْرُسُهُ السُّيُوفُ.

أَسْنَدَتْ يَدَيْهَا إِلَى حَافَّةِ الشُّرْفَةِ، وَاسْتَنشَقَتْ هَوَاءً قَارِسًا لَفَحَ صَدْرَهَا وَأَنْعَشَهُ.

كُنَّتْ تَبْحَثُ فِي هَذَا الْمَنْظَرِ عَنْ وَجْهٍ مَعْرُوفٍ، عَنْ ذَاكِرَةٍ مَدْفُونَةٍ، عَنْ صَوْتٍ يُنَادِيهَا فِي ذَاتِ الْعُمْقِ...

وَلَكِنَّ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ صَامِتًا كَالصَّخْرِ وَبَارِدًا كَالثَّلْجِ.

أَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا لَحْظَةً، وَتَرَكْتْ لِلنَّسِيمِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ فِي خُصْلَاتِ شَعْرِهَا.

ثُمَّ، وَبِدُونِ كَلِمَةٍ، دَارَتْ وَعَادَتْ إِلَى دَاخِلِ الْغُرْفَةِ.

انْسَلَّتْ تَحْتَ الغِطَاءِ بِصَمْتٍ، كَأَنَّهَا تُجَرِّبُ إِحْسَاسَ الْحَمَايَةِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.

وَقَبْلَ أَنْ تُغْمِضَ عَيْنَيْهَا، هَمَسَتْ دَاخِلَهَا، بِلُغَةٍ لَمْ تَفْهَمْهَا… لَكِنَّهَا أَحَسَّتْ بِهَا:

"هُنَاكَ شَيْءٌ نَاقِصٌ… وَلَكِنِّي لَا أَعْرِفُ مَا هُو."

ثُمَّ نَامَتْ.

)(

ضَرَبَ ضَوْءُ الشَّمْسِ الزُّجَاجَ المُزَخْرَفَ، وَتَسَلَّلَ فِي خُيُوطٍ ذَهَبِيَّةٍ إِلَى جُدْرَانِ الْغُرْفَةِ الفَاخِرَةِ.

صَوْتُ الْأَقْدَامِ النَّاعِمَةِ كَانَ أَوَّلَ مَا أَيْقَظَ إِسْتِرْلِينَا، وَهِيَ تَفْتَحُ عَيْنَيْهَا عَلَى وَقْعِ حَرَكَةٍ هَادِئَةٍ، مُنَظَّمَةٍ.

فُتِحَ البَابُ بِلُطْفٍ، وَدَخَلَتْ ثَلَاثُ خَادِمَاتٍ، يَرْتَدِينَ ثِيَابًا بِيضَاءَ نَقِيَّةً، وَفِي أَعْيُنِهِنَّ ذَلِكَ الِانْخِفَاضُ المُمَثَّلُ لِأَجْلِ أَمِيرَةٍ لَا تَعْرِفُهُنَّ.

قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ، بِصَوْتٍ رَقِيقٍ:

"صَبَاحُ الْخَيْرِ، سُمُوَّ الأَمِيرَةِ… حَانَ وَقْتُ الاِسْتِحْمَامِ وَالتَّعْبِئَةِ."

إِسْتِرْلِينَا لَمْ تُجِبْ، كَأَنَّهَا مَا زَالَتْ تَسْتَكْشِفُ دَوْرَهَا فِي هَذِهِ الْمَسْرَحِيَّةِ الكَبِيرَةِ.

أَخَذُوهَا بِلُطْفٍ، وَسَانَدُوهَا حَتَّى وَصَلُوا بِهَا إِلَى غُرْفَةِ الاسْتِحْمَامِ.

وَهُنَاكَ، وَرَاءَ سِتَارٍ شَفَّافٍ، جَلَسَتْ فِي مِقْصُورَةٍ مِنْ الرُّخَامِ الأَبْيَضِ، وَبَدَأَتِ المِيَاهُ الدَّافِئَةُ تَنْهَمِرُ عَلَى جِلْدِهَا.

صَمَتَتْ الخَادِمَاتُ طَوِيلاً… كُنَّ يُغَسِّلْنَ شَعْرَهَا، وَيُمَسِّدْنَ جِسْمَهَا بِلُطْفٍ، وَلَكِنَّ كُلَّ لَمْسَةٍ كَانَتْ تُلَامِسُ جُرْحًا.

وَتَحْتَ كُلِّ لَطْخَةِ دَمٍ جَافٍّ، تَنْكَشِفُ كَدْمَةٌ، وَتَحْتَ كُلِّ كَدْمَةٍ، حِكايَةُ عَذَابٍ… وَهِيَ لَا تَعْلَمُ مِمَّنْ.

قَالَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، وَهِيَ تَضَعُ مَرَاهِمَ عِشْبِيَّةً عَلَى كَتِفِهَا:

"سَتَلْتَئِمُ جُرُوحُكِ قَرِيبًا، يَا أَمِيرَتَنَا…"

وَلَمْ تَجِبْ إِسْتِرْلِينَا.

لَا لِأَنَّهَا تَشُكُّ… بَلْ لِأَنَّهَا تَبْدَأُ بِالتَّصْدِيقِ.

بَعْدَ ذَلِكَ، أَلْبَسُوهَا ثَوْبًا فَاخِرًا وَرَقِيقًا، بِلَوْنِ الأُرْجُوَانِ الْهَادِئِ، مُرَصَّعًا بِتَطْرِيزٍ فِضِّيٍّ عَلى الحَوافِّ.

وَفِي خِصْرِهَا، رَبَطُوا حِزَامًا مِنَ السِّلْكِ، كَأَنَّهَا تُزَفُّ إِلَى قَدَرٍ لَا يَشْبِهُهَا.

ثُمَّ أَجْلَسُوهَا أَمَامَ مِرْآةٍ كَبِيرَةٍ.

وَرَأَتْ نَفْسَهَا.

وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، كَانَ وَجْهُهَا جَمِيلًا… لَكِنَّهُ غَرِيبٌ.

وَعَيْنَاهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي جَسَدِهَا، لَمْ تَبْدُ لَهَا أَنَّهَا تَنْظُرُ فِي نَفْسِهَا

فُتِحَ البَابُ بِهُدُوءٍ، وَدَخَلَ إِيفَان، يَسِيرُ بِخَطًى واثِقَةٍ.

وَقَفَتْ إِحْدَى الخَادِمَاتِ عَلَى جَانِبِ الْغُرْفَةِ، وَعِنْدَمَا رَآهَا، تَبَادَلَتْ مَعَهُ نَظْرَةً صَامِتَةً وَإِيمَاءَةً خَفِيفَة، كَمَنْ يُقِرُّ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ جَاهِزٌ.

إِسْتِرْلِينَا كَانَتْ جَالِسَةً فَوْقَ الْمِهَادِ، وَعَيْنَاهَا تَسْبَحَانِ فِي فَرَاغٍ دَافِئٍ.

اقْتَرَبَ إِيفَان بِهُدُوءٍ، وَعِنْدَمَا صَارَ أَمَامَهَا، انْحَنَى بِلُطْفٍ، وَأَخَذَ يَدَهَا فِي يَدِهِ، وَرَفَعَهَا نَحْوَ شَفَتَيْهِ دُونَ أَنْ يُقَبِّلَهَا، إِنَّمَا نَظَرَ إِلَيْهَا طَوِيلًا.

ثُمَّ قَالَ، بِنَبْرَةٍ نَاعِمَةٍ تُخْفِي خُبْثًا

"إِذَا كَانَتِ الدُّنْيَا قَدْ أَعْطَتْ كُلَّ جَمَالِهَا لِشَخْصٍ وَاحِدٍ... فَلَا بُدَّ أَنَّهَا كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَيْكِ حِينَهَا."

تَوَقَّفَ قَلِيلًا، كَأَنَّهُ يَمْتَصُّ رَدَّ فِعْلِهَا

إِسْتِرْلِينَا لَمْ تُجِبْ.

ظَلَّتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ كَمَنْ يَسْتَمِعُ لِمُوسِيقَى غَرِيبَةٍ لَا يَعْرِفُ إنْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحِبَّهَا أَمْ يَخَافَ مِنْهَا.

عَيْنَاهَا… هَاتَانِ العَيْنَانِ اللَّتَانِ لَا تَحْمِلَانِ اسْمًا، وَلَا تَارِيخًا، وَلَا وُجُوهًا سَابِقَة، اتَّسَعَتَا لَحْظَةً كَمَا لَوْ أَنَّ شَيْئًا بَدَأَ يَتَحَرَّكُ فِي أَعْمَاقِهَا... ثُمَّ خَمَدَ.

سَحَبَتْ يَدَهَا بِلُطْفٍ، وَنَظَرَتْ نَحْوَ فَرَاغٍ بِجَانِبِهِ، كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ الهُرُوبَ مِنْ وَجْهِهِ دُونَ أَنْ تَقُومَ.

وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا.

فَقَطْ، وَضَعَتْ يَدَهَا بَيْنَ كَفَّيْهَا، كَأَنَّهَا تَتَأَكَّدُ أَنَّهَا مَازَالَتْ تُشْبِهُ شَيْئًا مَسَّهُ أَحَدٌ.

وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُصْغِي لِقَلْبِهَا، لَسَمِعَ ضَوْضَاءً هَادِئَةً، كَسُؤَالٍ يُكَرَّرُ فِي أَعْمَاقِهَا بِكُلِّ خَفْقَةٍ:

"لِمَاذَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ… وَأَنَا لَا أَعْرِفُ نَفْسِي؟"

تَأَمَّلَهَا إِيفَان بِصَمْتٍ، وَفِي نَظْرَتِهِ تَفَاصِيلُ غَيْرُ مَرْئِيَّة… كَأَنَّهُ يَقْرَأُ مَا بَيْنَ جُرُوحِهَا، وَيُسَجِّلُ كُلَّ تَشَقُّقٍ فِي مَلامِحِهَا فِي دَاخِلِهِ.

بِهُدُوءٍ خَفِيفٍ قَالَ، وَهُوَ يَخْطُو قُرْبَهَا:

"لَرُبَّمَا… لَوْ تَجَوَّلْنَا قَلِيلًا…

لَعَلَّ مَشْهَدًا، صَوْتًا، رَائِحَةً… تُخْبِرُكِ مَنْ أَنْتِ."

أَمَالَ رَأْسَهُ قَلِيلًا، صَوْتُهُ يَتَدَفَّقُ بِحَنَانٍ صَنْعِيٍّ، تَحْتَهُ تَخْتَبِئُ قُوَّةٌ لَا تُرَى:

"هَذَا الْقَصْرُ... كَانَ يَحْتَفِظُ بِظِلِّكِ عَلَى جُدْرَانِهِ.

كُلُّ زَاوِيَةٍ فِيهِ تُنَادِيكِ... أَلَا تُرِيدِينَ أَنْ تَسْمَعِي؟"

بِإِيمَاءَةٍ خَفِيفَةٍ دَعَاهَا لِلنُّهُوضِ، عَيْنَاهُ تَسْتَقِرَّانِ عَلَى وَجْهِهَا كَمَنْ يُخَفِّفُ الْخَطَرَ بِكَلِمَاتٍ مُطَمْئِنَةٍ:

"سَتَكُونِينَ مَعِي، وَذَاكِرَتُكِ… إِذَا أَرَادَتِ الرُّجُوعَ، سَتَجِدُ طَرِيقَهَا."

ثُمَّ أَضَافَ، بِنَبْرَةٍ دَافِئَةٍ، وَلَكِنَّهَا لَا تَتَخَلَّى عَنْ بَرْدٍ خَفِيٍّ فِي أَعْمَاقِهَا:

"وَإِذَا لَمْ تَعُدْ؟

فَلَا بَأْس… سَأَصْنَعُ لَكِ ذَاكِرَةً أَجْمَل."

تَوَجَّهَتْ نَظَرَاتُ إِسْتِرْلِينَا عَلَى يَدِهِ المَمْدُودَةِ، 

كَطَيرٍ يَتَرَدَّدُ قُبَيلَ الاِنْطِلَاقِ. 

صَمَتُهَا لَمْ يَكُنْ فَرَاغًا، بَلْ كَانَ لُغْزًا يَثْقُلُ الْهَوَاءَ. 

ثُمَّ، بِحَرَكَةٍ أَبْطَأَ مِنْ دَقَّةِ قَلْبٍ خَائِفٍ، 

وَضَعَتْ كَفَّهَا فِي كَفِّهِ. 

انْثَنَتْ رَأْسُهَا إِيمَاءَةً

تَسَلَّلَ الضَّوْءُ الْبَاهِتُ مِنْ نَوَافِذِ الزُّجَاجِ الْمُلَوَّنِ، يُلْقِي بِظِلَالٍ زَرْقَاءَ وَحَمْرَاءَ عَلَى جُدْرَانِ الْقَصْرِ الرُّخَامِيَّةِ. كَانَ الْمَمَرُّ طَوِيلًا، هَادِئًا كَأَنَّهُ مَعْزُولٌ عَنْ زَمَنِ الْحَرْبِ وَالذِّكْرَيَاتِ.

سَارَ إِيفَانُ بِخُطًى وَاثِقَةٍ، كَأَنَّهُ يُعْرَفُ كُلَّ نَفْسٍ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْجُدْرَانِ. وَبَيْنَ كُلِّ خَطْوَةٍ وَأُخْرَى، كَانَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا نَظْرَةً سَرِيعَةً، يُخْفِي خَلْفَهَا نِيَّةً لَا تَظْهَرُ فِي عَيْنَيْهِ إِلَّا لِمَنْ يَتَأَمَّلُ طَوِيلًا.

إِسْتِرْلِينَا تَبِعَتْهُ بِتَرَدُّدٍ، كَأَنَّهَا تَمْشِي عَلَى أَطْرَافِ الذُّهُولِ. كُلُّ شَيْءٍ حَوْلَهَا كَانَ غَرِيبًا. الزُّخْرُفَاتُ، التَّمَاثِيلُ، رَائِحَةُ الْخَشَبِ الْعَتِيقِ… كُلُّ مَا تَرَاهُ أَعْيُنُهَا لَا يُشْبِهُهَا، وَلَا تَشْعُرُ أَنَّهُ لَهَا.

اقْتَرَبَ إِيفَانُ مِنْ إِحْدَى الْقَاعَاتِ، وَتَوَقَّفَ، وَبِصَوْتٍ يَتَدَفَّقُ بِلِينٍ مَسْمُومٍ، قَالَ:

"هُنَا... كُنْتِ تَجْلِسِينَ، تُغَنِّينَ أَغَانِي الطُّفُولَةِ، وَتَجْعَلِينَ الْحَاشِيَةَ تَضْحَكُ. كَانَ صَوْتُكِ يَصْعَدُ مَعَ الضَّوْءِ، وَيَسْقُطُ عَلَى قُلُوبِنَا كَالْعَسَلِ."

تَوَقَّفَ قَلْبُهَا لَحْظَةً… وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ، عَيْنَاهُ تُحَدِّقَانِ فِيهَا بِثِقَةٍ تَكَادُ تَخْنُقُهَا.

"وَلَكِنِّي..." هَمَسَتْ، وَصَوْتُهَا يَرْتَعِشُ،

"أَنَا... لَا أَتَذَكَّرُ شَيْئًا."

ارْتَسَمَتْ ابْتِسَامَةٌ خَفِيَّةٌ عَلَى وَجْهِهِ، مَلِيئَةٌ بِالرِّقَّةِ الْمُفْتَعَلَةِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ أَشْبَهَ بِالْوُعُودِ الْكَاذِبَةِ:

"لَا تُقْلِقِي، سَتَعُودُ الذِّكْرَيَاتُ مَعَ الْوَقْتِ. الْأَمَاكِنُ تَتَحَدَّثُ... وَالْجُدْرَانُ تَسْتَحْضِرُ الْقُدَمَاءَ. سَتَرَيْنَ، سَتَعُودِينَ... كَمَا كُنْتِ."

كَانَ يُقَطِّبُ حَاجِبَيْهِ، كَأَنَّهُ يَتَظَاهَرُ بِالْأَلَمِ مِنْ أَجْلِهَا، وَبَيْنَ عَيْنَيْهِ خَطٌّ رَفِيعٌ مِنَ الْغَضَبِ الْمَكْبُوتِ.

"إِذَا كَانَ هَذَا الْقَصْرُ لَا يَبْدُو مَأْلُوفًا، فَذَلِكَ لِأَنَّ قَلْبَكِ قَدْ عَاشَ الْأَلَمَ… لَكِنَّهُ سَيَتَذَكَّرُ."

إِسْتِرْلِينَا شَعَرَتْ بِثِقَلٍ يَهْبِطُ عَلَى كَتِفَيْهَا. كَلِمَاتُهُ كَانَتْ كَالسِّتَارِ، تَحْجُبُ ضَوْءَ الْحَقِيقَةِ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَجِدْ مَلَاذًا سِوَى هَذَا الظِّلِّ الَّذِي يَمْشِي بِجَانِبِهَا.

قَالَ وَهُوَ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى حَافَّةِ نَافِذَةٍ قَدِيمَةٍ:

"فِي هَذِهِ الْغُرْفَةِ، كُنَّا نَخَافُ عَلَيْكِ حَتَّى مِنَ النَّسِيمِ. كُنْتِ أَكْثَرَ مِنْ أَمِيرَةٍ… كُنْتِ نُورَ الْقَصْرِ وَصَوْتَ حَيَاتِهِ."

إِسْتِرْلِينَا بَدَتْ كَشَخْصٍ مَشْيُودٍ بَيْنَ حُلْمٍ وَكِذْبَةٍ. عَيْنَاهَا تَرْتَجِفُ، وَأَنفَاسُهَا تَخْتَلِطُ بِرَائِحَةِ الرُّطُوبَةِ وَالذِّكْرَيَاتِ الْمُزَيَّفَةِ.

وَقَبْلَ أَنْ يُواصِلَ، اسْتَدَارَ إِلَيْهَا، وَقَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ، وَلَكِنَّهُ يَحْمِلُ فِي جَوْفِهِ سُمًّا بَطِيئًا:

"أَنْتِ لَسْتِ غَرِيبَةً… أَنْتِ مِنَّا. وَكُلُّ خُطُوَةٍ تَسِيرِينَ فِيهَا، سَتُقَرِّبُكِ إِلَى مَنْ أَنْتِ حَقًّا."

وَبَيْنَمَا كَانَ إِيڨَانُ يُسَافِرُ فِي كَلِمَاتِهِ، يَسْرُدُ لَهَا تَفَاصِيلَ «مَا يُفْتَرَضُ» أَنْ تَكُونَ ذَاكِرَتَهَا، كَانَ شَيْءٌ فِي عَيْنَيْهَا يَتَغَيَّرُ.

عَيْنَاهَا ثَبَتَتْ عَلَى نُقْطَةٍ صَغِيرَةٍ فِي الجِدَارِ، كَأَنَّهَا تَرَى فِيهَا مَخْرَجًا لِلْهَرَبِ…

وَبِبُطْءٍ، اخْتَفَتْ مَعَالِمُ الغُرْفَةِ، وَصَوْتُهُ بَدَأَ يَتَحَوَّلُ إِلَى هَمْهَمَاتٍ بَعِيدَةٍ، كَأَنَّهُ صَدًى فِي غَارٍ مُظْلِم.

"كُنْتِ تَرْكُضِينَ فِي هَذَا المَمَرِّ… وَهُنَاكِ… كُنَّا نَضْحَكُ..."

وَلَكِنَّهَا لَمْ تَسْمَعْ.

عَقْلُهَا انْسَحَبَ، كَأَنَّهُ تَعِبَ مِنْ مُحَاوَلَةِ التَّصْدِيقِ.

وَجَدَتْ نَفْسَهَا تُفَكِّرُ:

لِمَاذَا يَبْدُو كُلُّ شَيْءٍ… نَاعِمًا لَكِنْ يُؤْلِمُنِي؟

لِمَاذَا تَبْتَسِمُ الْوُجُوهُ حَوْلِي، وَلَكِنْ صَدْرِي يَضِيقُ كَأَنَّ جُدْرَانًا تَسْقُطُ عَلَيَّ؟

يَقُولُونَ إِنَّنِي أَمِيرَةٌ… أَنَّ هَذَا مَقَامِي… وَهَذَا عَرْشِي… فَلِمَاذَا أَشْعُرُ أَنَّنِي غَرِيبَةٌ فِي قَصْرٍ مَصْنُوعٍ مِنْ أَشْوَاكٍ مُزَخْرَفَةٍ؟

كَانَ يَتَكَلَّمُ كَأَنَّهُ يُخْفِي الْأَجْوِبَةَ وَيَصْنَعُ لِي ذَاكِرَةً جَدِيدَةً…

عَيْنَاهُ، كَانَ فِيهِمَا شَيْءٌ يَشُدُّنِي… لَكِنْ أَيْضًا يُرْعِبُنِي.

كَيْفَ يُمْكِنُ لِشَخْصٍ أَنْ يَبْدُو رَقِيقًا فِي كُلِّ تَفَاصِيلِهِ، وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ… يُشْبِهُ سَيْفًا مُغْمَدًا؟

هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ حَقِيقَتِي؟

هَلْ كُنْتُ حَقًّا أَرْقُصُ فِي هَذِهِ الْقَاعَةِ؟

هَلْ صَوْتِي كَانَ يَمْلَأُ هَذِهِ الْجُدْرَانَ… أَمْ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حُلْمٌ يُزْرَعُ فِي رَأْسِي بِبُطْءٍ؟

لَا أَتَذَكَّرُ… وَلَكِنَّ قَلْبِي لَا يَصْمُتُ.

يَنْبِضُ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِهَذَا الْمَكَانِ.

يَتَأَلَّمُ، وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ فَقْدِ ذَاكِرَةٍ… بَلْ مِنْ شَيْءٍ آخَر. شَيْءٍ مَفْقُودٍ فِي الدِّمَاءِ.

مَنْ أَنَا؟

مَنْ كَانَ يُنَادِينِي بِاسْمِي فِي الظِّلِّ؟

مَنْ كَانَ يُمْسِكُ يَدِي؟

مَنْ كَانَ يُرْعِبُنِي وَيُطَمْئِنُنِي فِي نَفْسِ الْوَقْتِ؟

كُلَّمَا نَظَرْتُ فِي الْمِرْآةِ… أَرَى وَجْهًا… لَكِنِّي لَا أَرَاهُ.

أَرَى عَيْنَيْنِ… وَلَكِنَّنِي لَا أَعْرِفُ لِمَنْ هُمَا.

هَذَا الْجَسَدُ… هُوَ لِي؟ هَذِهِ الْجِرَاحُ… مِمَّنْ؟

قَالُوا: "خَطَفُوكِ"،

وَلَكِنْ هَلْ يُمْكِنُ لِمَنْ خَطَفَنِي أَنْ يَكُونَ أَقْرَبَ لِي مِنْ هَذَا الْقَصْرِ؟

لِمَاذَا يَرْتَجِفُ صَدْرِي كُلَّمَا خَطَوْتُ خُطْوَةً نَحْوَ "ذَاكِرَتِي"؟

وَلِمَاذَا يُرْهِقُنِي الْوَقُوفُ مَعَ "الْحَقِيقَةِ"؟

كَيْفَ يُمْكِنُ لِكَلِمَاتِ شَخْصٍ لَا أَعْرِفُهُ… أَنْ تَلُفَّنِي كَبِطَّانِيَّةٍ دَافِئَةٍ فِي الشِّتَاءِ، وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ… تُغْرِقَنِي؟

هَلْ أَصْبَحْتُ دُمْيَةً؟

هَلْ هَذِهِ الدِّمَاءُ عَلَى جِلْدِي… هِيَ دَمِي؟

وَإِنْ كَانَتْ… فَلِمَاذَا لَا أَتَذَكَّرُ طَعْمَهَا؟

أَنَا ضَائِعَةٌ… بَيْنَ كِلْمَاتِهِ وَصَمْتِي،

بَيْنَ الْقَصْرِ وَقَفَصِ الْمَشَاعِرِ،

وَبَيْنَ مَنْ يَقُولُونَ إِنِّي "أَمِيرَتُهُمْ"… وَقَلْبِي الَّذِي لَا يَنْتَمِي لِأَحَدٍ.

-------

يتبع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنتِي هِي الهَّلَاك

المؤلف syreiaelora
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة