فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْقَاسِيَةِ، حِينَ صَرَخَتْ إِيفْلِيَا كَيْ يَسْتَطِيعَ فِيدُور الْهَرَبَ، اِنْقَضَّ عَلَيْهَا اثْنَانِ مِنَ الْفُرْسَانِ كَالذِّئَابِ الْجَائِعَةِ.
"أَخِيرًا... أَمْسَكْنَاكِ!" هَزَمَرَ أَحَدُهُمَا وَهُوَ يَلْوِي ذِرَاعَهَا بِعُنْفٍ، حَتَّى سَمِعَتْ صَوْتَ عَظْمِهَا يَصْرُخُ دَاخِلًا.
"لَنْ تَنْجُوَ هَذِهِ الْمَرَّةَ!"اضْطَرَبَتْ أَنْفَاسُهَا بَيْنَمَا يَجُرُّونَهَا نَحوَ الْقَصْرِ، كَأَنَّهَا غَنِيمَةُ حَرْبٍ، وَقَدْ تَخَلَّلَ صَمْتَهَا صَوْتُ أَجْنِحَةِ الْغُرَبَاءِ فِي السَّمَاءِ، كَأَنَّهَا تَنْعَى قَلْبَهَا قَبْلَ أَوَانِهِ.
دَفَعُوهَا إِلَى دَاخِلِ زِنْزَانَةٍ مُظْلِمَةٍ، حَيْثُ لَا صَوْتَ إِلَّا قَطَرَاتُ الْمَاءِتَتَسَاقَطُ مِنْ سَقْفٍ عَفِن
فَجْأَةً، اِنْفَتَحَ الْبَابُ بِصَوْتٍ يُفَزِّعُ الْقُلُوبَ، وَظَهَرَ
إِيفَان بِعَيْنَيْنِ تَتَفَجَّرَانِ غَضَبًا. لَمْ يَنْطِقْ بِكَلِمَةٍ، بَلْ اِنْقَضَّ عَلَيْهَا، وَأَصَابِعُهُ الْغَلِيظَةُ الْتَفَّتْ حَوْلَ عُنُقِهَا!
"إِنَّتي... يَا أَيَّتُهَا الْجَاسُوسَةُ! أَيُّ جُرْأَةٍ تَمْلِكِينَ حَتَّى تَتَدَخَّلِي فِي أَرَاضِينَا؟!" زَمْجَرَ وَرَاحَ يُحَكِّمُ قَبْضَتَهُ
ضَحِكَتْ إِيفْلِيَا!
ضَحِكَةً مَسْمُوعَةً،رُبَما كَانَت ضَحكَة سُخرِية
"بَلْ... أَيُّ غَبَاءٍ تَمْتَكِلُونَهُ؟ لَمْ تَلْحَظُونِي طِيلَةَ هَذِهِ الْأَيَّامِ!" قَالَتْهَا بِلُهْجَةٍ تَمْزِجُ بَيْنَ السُّخْرِيَةِ وَالْحَنَقِ، ثُمَّ ضَحِكَتْ مَرَّةً أُخْرَى، كَأَنَّهَا تَسْتَمْتِعُ جدا!
رَمَاهَا إِيفَان بِقُوَّةٍ عَلَى أَقْرَبِ حَائِطٍ، حَتَّى سَمِعَ جَسَدُهَا يَصْدُمُ الْحَجَرَ. وَلَكِنَّهَا، كَالْوَحْشِ الْجَرِيحِ، عَاوَدَتِ الْقِيَامَ!
لَنْ أَسْقُطَ دُونَ قِتَالٍ! صَرَخَتْ وَهِيَ تُهَاجِمُهُ بِيَدَيْهَا الْعَارِيَتَيْنِ، كَأَنَّهَا تَحْمِلُ سِكِّينًا خَفِيًّا.
تَشَابَكَ الاثْنَانِ فِي قِتَالٍ وَحْشِيٍّ، لَكِنَّهَا فَتَاةٌ فِي النِّهَايَةِ، وَالْغَلَبَةُ لَهُ بِالطَّبْعِ.
وَما إِنْ أَغْلَقَ إِيفَانُ بَابَ الزَّنْزَانَةِ خَلْفَهُ حَتَّى انْفَلَتَتْ أَنْفَاسُهُ مِلْءَ صَدْرِهِ، كَمَنْ يُخَفِّفُ عَنْ كَتِفِهِ وَقْرًا مِمَّا فَعَلَ سَارَ فِي الرِّدْهَةِ الْمُعْتِمَةِ، يَخْطُو بِحَذَرٍ وَصَمْتٍ
وَبَيْنَمَا هُوَ يَصْعَدُ الدَّرَجَ الْحَجَرِيَّ الضَّيِّقَ، المُؤدي إِلَى الرِّوَاقِ الرَّئِيسِيِّ لِلْقَصْرِ، تَوَقَّفَ فَجْأَةً. صَوْتُ خُطُوَاتٍ هَادِئَةٍ يَتَقَدَّمُ نَحْوَهُ، وَنَفْحَةٌ خَفِيفَةٌ مِنْ عِطْرِ أُسْتَرْلِينَا، تَسْبِقُهَا.
رَفَعَ بَصَرَهُ بَحَذَرٍ، فَإِذَا بِهَا تَقِفُ فِي الْمَمَرِّ الْمُنَارِ بِالْمَشَاعِلِ، تُقَلِّبُ نَظَرَهَا فِي الْجِهَاتِ، كَمَنْ تَبْحَثُ عَنْ طَرِيقٍ تُضِلُّهُ العيون قَصْدًا. عَيْنَاهَا كَانَتْ مُرْتَبِكَتَيْنِ، وَلَكِنْ وَقَارَهَا لَمْ يُمَسَّ.
تَلَاحَقَتْ خَطَوَاتُهُ، وَمَا إِنْ بَاتَ قَرِيبًا مِنْهَا حَتَّى أَمَالَ رَأْسَهُ بِانْضِبَاطٍ وَهُوَ يَهْمِسُ:
"سَيِّدَتِي..."
ثُمَّ مَرَّ
ظَلَّتْ أُسْتَرْلِينَا تَنْظُرُ فِي أَثَرِهِ، قَلْبُهَا يَضْرِبُ نَقْرَاتٍ غَيْرِ مَفْهُومَةٍ، كَأَنَّهَا شَعَرَتْ بِشَيءٍ فِي هَيْئَتِهِ لَمْ تَأْلَفْهُ.
أَمَّا إِيفَانُ، فَلَمْ يَتَوَقَّفْ. تَوَجَّهَ مُبَاشَرَةً إِلَى غُرْفَةِ الْمَلِكِ مُورْفِيل، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ، لَا لِرَهْبَةٍ، بَلْ لِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيُفْجِّرُهُ.
فِي قَاعَةِ الْعَرْشِ، كَانَ مُورْفِيلُ جَالِسًا وَحْدَهُ، يُقَلِّبُ بَيْنَ الرُّسُومِ الْحَرْبِيَّةِ، وَعَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةُ سُخْرِيَّةٍ بَارِدَةٍ. دَخَلَ إِيفَانُ، وَوَقَفَ عِنْدَ الْبَابِ بِلَا انْكِسَارٍ، ثُمَّ قَالَ بِهُدُوءٍ خَفِيٍّ:
"أَمْسَكْنَا بِالْمَرْأَةِ الَّتِي تَجَسَّسَتْ عَلَيْنَا. إِنَّهَا إيلفيا هاركورت وَلَا رَيْبَ أَنَّهَا أَرَادَتْ تَسْرِيبَ مَوَاعِيدِ الْحَرَكَةِ."
لَمْ يَرْفَعِ الْمَلِكُ بَصَرَهُ لِلْبِدَايَةِ، بَلْ ظَلَّ يُثَبِّتُ نَظَرَهُ فِي الْوَرَقِ، كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ. ثُمَّ، وَبِحَرَكَةٍ فَجَائِيَّةٍ، ضَرَبَ الطَّاوِلَةَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَنِيفَةً، فَارْتَجَّتِ الْمَجَامِعُ.
ارْتَعَشَتِ الْمَشَاعِلُ، وَتَقَافَزَ غُبَارُ الْوُثَائِقِ، وَصَرَخَ صَوْتُ الْخَشَبِ فِي أَرْضِ الْقَاعَةِ.
رَفَعَ مُورْفِيلُ رَأْسَهُ، وَعَيْنَاهُ تَقْطُرَانِ نَارًا.
"ٱعْدِمُوهَا."
نُطِقَ الْأَمْرُ بِنَبْرَةٍ لَا تَقْبَلُ نِقَاشًا، وَلَا تَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا. كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، كَفِيلَةٌ بِتَغْيِيرِ مَصِيرٍ، وَمَحْوِ وُجُودٍ. تَنَفَّسَ إِيفَانُ عَمِيقًا، وَأَطْبَقَ جَفْنَيْهِ، ثُمَّ هَزَّ رَأْسَهُ إِيجَابًا.
تَقَدَّمَ إيفان بخُطًى ثَقِيلةٍ، يَسُوقُ في مِشْيَتِهِ صَمْتَ الأوامرِ التي لَم تُنطَقْ بَعد. لَم يَكُن وجهُهُ يُبْدِي سِوى القُسُوَةِ التي اعتادها الجميع، ولا عَينَاهُ تُفْصِحان عن أكثرَ من الضِّيقِ الكَتُومِ الذي سَكَنَهُ منذ أن غادر مجلسَ الملك.
وَقَفَ في إحدى الرِّدهاتِ الحجرِيَّةِ الضَّيِّقَةِ، حَيثُ اجْتَمَعَ ثلاثةٌ من خَدَمِ الكِتابَةِ حول مِرْكَزٍ مُنخَفِضٍ وُضِعَت عليه ألواحٌ من الورقِ الخشِنِ، وأدَوَاتُ الحِبْرِ وأقلامُ الرِّيشِ اليابِسَة.
بِصوتٍ صارِمٍ لا يَحْتَمِلُ التَّراخِي، قال:
"أمسِكوا الأقلام. سَتَكْتُبُونَ ما أُمليهِ الآن، بِدُونِ سُؤال، وَبِدُونِ لَفٍّ أو تَأويل."
تَجَمَّدَ الخَدَمُ في أماكِنِهِم، نَظَروا إلى بعضِهم بِهِمْسِ العُيونِ، لكنَّ أَحَدًا منهم لَم يَجْرُؤ على النُّطْق.
«اِكْتُبُوا: بِأمرٍ مِن جَلالةِ الملكِ مورفِيل، وتَحقيقًا للعدالَةِ المُطلَقَة...»
تَوَقَّف قليلًا، كما لو أنَّهُ يَزِنُ كُلَّ كلمةٍ بِميزانِ الحديد، ثم أضاف:
«...سَتُنفَّذُ عُقوبةُ الإعدامِ في الخائنةِ: إيفليَا هاركُورت، بتُهمَةِ التَّواطُؤِ مع أعداءِ المملكة، وٱخْتِراقِ أروقةِ الحُكمِ بمعلوماتٍ مُضَلِّلَةٍ.»
اِرْتَجَفَت يَدُ أحدِ الكَتَبَةِ وهُو يَنقُلُ الكلماتِ إلى الورق، لكنَّهُ لَم يَجِد في نَفْسِهِ الجرأَةَ ليُبْدِي أيَّ اعتراض.
«سَتُعلَّقُ المنشوراتُ في كلِّ ساحةٍ ومَمَرٍّ، ويَتِمُّ إعلانُ ساعةِ الإعدامِ عندَ انتصافِ الظَّهيرةِ غَدًا، في المَيدانِ الجَنُوبِيّ.»
صَمَتَ إيفان بُرهَةً، ثم قال بنبرةٍ أقسَى:
" لا تُحاولوا تَجمِيلَ العِبَارات. لِيَرَ الشَّعبُ بشَاعةَ الخِيانَةِ كما هِيَ."
ثُمَّ دَارَ على عَقِبَيهِ، وغادَرَ الرُّكنَ دون أن يُنْبِهَهُ أحدٌ، ودون أن يلتَفِتَ ليرى التوتُّرَ الَّذي بَذَرَهُ في صُدُورِهم.
وَقَفَ الخادِمُ الشّابُّ على بابِ القَصرِ، وَفي يَدِهِ رُزْمَةٌ مِنَ الوَرَقِ العَتيقِ، مُخْتومَةٌ بشِعارَ مَملكةِ فِريلونا.
فِي السّاحةِ الكُبرى، تَحَلَّقَ سُكّانُ المَدينَةِ حَولَ النّافُوراتِ المُطفَأَةِ، وَالأكشاكِ الخاويةِ، يُحاوِلونَ فَهمَ هُدوءِ الصّباحِ الثّقيلِ، حَتّى أطلَّ الخادِمُ بِهَيئَتِهِ الباهِتَةِ وَصَوتِهِ الجافِّ.
"بِأمْرٍ مِن جَلالَةِ المَلِكِ مورفِيل... يُعلَنُ فِي جَميعِ أرجاءِ المَملَكَةِ، أَنَّهُ بَعدَ الظُّهرِ، سَتُنفَّذُ حُكمُ الإعدَامِ فِي حَقِّ إيفليَا هاركُورت، بِتُهَمِ الخِيَانَةِ وَإِخفَاءِ العَدُوّ، وَالمُشارَكَةِ فِي مُخَطَّطٍ لِزعزَعَةِ أمنِ التّاجِ الفِرِيلُونِيّ."
سَكَتَ الجَميعُ، لَمْ يَعلُو سِوى حَفيفِ الرّياحِ وَخَريرِ الورَقِ وَهُو يُعلَّقُ عَلى الجُدرانِ وَالأعْمِدَةِ وَأبوابِ المتاجِرِ.
سَقَطَت أُمٌّ عَجوزٌ عَلى رُكبَتَيْها تُحدِّقُ فِي الإعْلانِ وَهِي تَهْمِسُ:
"إيفليَا؟ هِي؟ لكِنَّهَا نَصَرَت جُنودَكُم... أَلَيسَتْ هِي الّتي حَمَت السّورَ الجَنُوبيَّ؟"
رَجُلٌ آخَرُ فِي أوَاخِرِ خَريفِ عُمرِهِ، قَرَأَ بِعَيْنَيْنِ مُرتَجِفَتَيْنِ:
"الخِيانَة؟... مَنْ قال؟ مَنِ الشّاهِدُ؟"
وَبَينَما تَصاعَدَتِ الهَمَساتُ، وَعَبَقَتِ الشّكُوكُ فِي الطُّرُقاتِ كَالدُّخانِ، ظَلَّ الخادِمُ يُعلِّقُ الورقاتِ وَيَعودُ لِيُعلِّقَ غَيرَها، دُونَ أَن يَرفعَ عَيْنَيْهِ، كَأنَّ الخَجَلَ سَمَّرَ جَبينَهُ للأرضِ.
كَانَ النّاسُ يَقرؤونَ الإعْلانَ مَرارًا، كَأنَّهُم يَبحَثُونَ فِيهِ عَن كَذِبَةٍ، عَن خَطَأٍ إملائيٍّ يَنسِفُ حَقيقَتَه، وَلَكِنَّ الحُروفَ بَقيَت صَلْبَةً كَالعَدمِ، وَالخَبرُ سَاكِنًا كَصَخْرَةٍ هَوَت فِي قَلبِ المَدينَةِ.
وَفِي زَاوِيَةٍ قَريبةٍ، كَانَ طِفلٌ صَغيرٌ يَشدُّ جُبَّةَ أُمِّهِ وَيَسأَلُ بِبَساطَةٍ:
"ماما... مَن هِيَ إيفليَا؟ وَلِماذا سَيَقتُلُونَها؟"
وَلَمْ تَجِبْهُ... لِأَنَّها أَيْضًا لَمْ تَفهَم.
فِي سَاحَاتِ ٱلْقَصْرِ ٱلْوَاسِعَةِ، حِينَ كَانَتْ أَصْوَاتُ ٱلْفَارِسَاتِ تَتَرَاكَبُ مَعَ خَفَقَانِ أَقْدَامِهِنَّ فِي ٱلتَّمَارِينِ، تَوَقَّفَ كُلُّ شَيْءٍ كَأَنَّ ٱلزَّمَنَ تَجَمَّدَ فِي نَبْضَةٍ وَاحِدَةٍ.
خَادِمٌ مَكْسُوٌّ بِثِيَابٍ رَمَادِيَّةٍ قَدِمَ وَفِي يَدِهِ دُزْنَةٌ مِنَ ٱلْوَرَقِ ٱلْبَالِي، عَيْنَاهُ لَا تَرْتَفِعَانِ عَنْ ٱلْأَرْضِ، وَوَجْهُهُ مَشْدُودٌ كَمَنْ يُخْفِي صَاعِقَةً فِي صَدْرِهِ. وَفِي صَمْتٍ قَاتِلٍ، بَدَأَ يُثَبِّتُ ٱلْمَنَاشِيرَ عَلَى ٱلْجُدْرَانِ، وَيُسَلِّمُهَا لِأَيْدٍ حَائِرَةٍ تَمُدُّ نَفْسَهَا كَأَنَّهَا تَخْشَى مَا سَتَقْرَأُ.
ٱلْهَمَسَاتُ تَصَاعَدَتْ، وَصَوْتُ ٱلْوَرَقِ وَهُوَ يُفْرَدُ كَانَ أَعْلَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
تَقَدَّمَتْ إِحْدَاهُنَّ، وَأَخَذَتْ ٱلرِّسَالَةَ بِيَدٍ تَرْتَجِفُ، ثُمَّ قَرَأَتْ، وَعَيْنَاهَا تَتَّسِعَانِ بِبُطْءٍ كَأَنَّهَا تَغْرَقُ فِي كَابُوسٍ.
هَمَسَتْ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
"لَا... هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً..."
فِي ٱلرُّكْنِ، تَسَاقَطَتْ مِلَفَّاتُ ٱلتَّنْظِيفِ مِنْ يَدِ إِحْدَى ٱلْخَادِمَاتِ. نَظَرَتْ حَوْلَهَا، وَكَأَنَّ ٱلْجُدْرَانَ تَتَفَقَّدُهَا، وَهَمَسَتْ لِنَفْسِهَا بِصَوْتٍ يَخْنُقُهُ ٱلدَّمْعُ:
"مَا ٱلَّذِي فَعَلَتْهُ لِتُعَامَلَ هَكَذَا؟"
ٱلصَّدْمَةُ كَانَتْ جَامِعَةً. ٱلْفَارِسَاتُ تَوَقَّفْنَ، وَٱلْأَسْيَافُ هَبَطَتْ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَأَنَّهَا فَقَدَتْ وَجْهَتَهَا. بَعْضُهُنَّ تَقَدَّمْنَ لِيَقْرَأْنَ، وَبَعْضُهُنَّ بَقِينَ فِي ٱلْخَلْفِ، يَحْتَضِنَّ صَمْتَهُنَّ وَيُحَاوِلْنَ أَنْ يُصَدِّقْنَ ٱلرُّؤْيَا ٱلْمُرَّةَ.
فِي زَاوِيَةٍ بَعِيدَةٍ، كَانَتْ عَيْنَانِ تُحَاوِلَانِ ٱلِٱخْتِفَاءَ فِي ٱلظِّلَالِ، وَيَدٌ تَمْسَحُ عَنِ ٱلْخَدِّ دَمْعَةً فَارَّةً، كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تُبْقِي ٱلْكَرَامَةَ صَامِدَةً فِي وَجْهِ ٱلْخَذْلَانِ.
لَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ عَلَى ٱلتَّعْلِيقِ، وَلَا ٱلِٱعْتِرَاضِ، كُلُّ شَيْءٍ كَانَ يُقَالُ فِي ٱلْعُيُونِ، وَيُتَرْجَمُ فِي ٱلصَّمْتِ، وَيُحْفَرُ فِي ٱلصُّدُورِ.
ٱلْهَوَاءُ فِي ٱلْقَصْرِ غَدَا أَثْقَلَ، وَكُلَّ مَنْ مَرَّ بِتِلْكَ ٱلْوَرَقَاتِ ٱلْمُثَبَّتَةِ عَلَى ٱلْجُدْرَانِ، كَأَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ بِجُثَّةٍ مَمْدُودَةٍ، يُنْكِرُ مَوْتَهَا وَلَا يَجِدُ سَبِيلًا لِٱلنَّجَاةِ.
------
يتبع
syreiaelora