بِدَايَةُ الظَّلَام

بِدَايَةُ الظَّلَام

14 0

غْمِيَ على فِيدور، وَكَأَنَّ وَقْعَ الجُرْحِ لَم يَكُنْ في الجَسَدِ فَحَسْب، بَل في قَلْبِه الَّذِي تَصَدَّعَ صَمْتًا.

جَثَا كَاسِيُوس عَلَى رُكْبَتَيْهِ بِجَانِبِهِ، وَوَضَعَ كَفَّهُ العَريضةَ عَلَى صَدرِ ابْنِه، كَأنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَجْمَعَ نَبْضَاتِهِ المُنْكَسِرَةِ.

نَظَرَ إِلَيْهِ وَحُزْنٌ صَامِتٌ فِي عَيْنَيْهِ، ذَاكَ الحُزْنُ الَّذِي لا يُعْبَّرُ عَنْهُ بِكَلِمَة، وَلا يَكْشِفُهُ إِلَّا الصَّمْتُ الثقيل.

كَارْلَا، اخْتُه الصُّغْرَى، كَانَت تَبْكِي بِهُدُوءٍ، عَاجِزَةً عَنْ فِهْمِ هَذَا الأَلَمِ الهَادِر، كَأَنَّ كُلَّ مَا عَاشُوهُ من قَبْلَ لَمْ يَكُنْ سِوَى حُلْمٍ قَصِيرٍ وَانْتَهَى

وَفِي عُمقِ غَيْبُوبَتِهِ، رَآهَا...

إِسْتِرْلِينَا.

تَمْشِي فِي حَقْلِ الزُّنْبَقِ الأَبْيَضِ كَمَا كَانَ يَرَاهَا فِي صِبَاهُ.

صَوْتُهَا يَأْتِي كَهَمْسِ النَّسِيمِ فِي خَرِيفٍ هَادِئ، تَضْحَكُ، وَتُلْقِي نَظْرَةً نَاحِيَتَهُ كَأَنَّهَا تَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاهَا.

"أَلَا زِلْتَ تَجْلِسُ فِي زَاوِيَةِ الظِّلِّ، يَا فِيدُور؟"

قَالَتْهَا وَهِيَ تَخْطُو نَحْوَهُ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَخْتَرِقُ فُؤَادَهُ.

كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَرُدَّ، أَنْ يَأْخُذَهَا فِي أَحْضَانِهِ، أَنْ يُخْبِرَهَا أَنَّهُ عَاشَ كُلَّ يَوْمٍ لِأَجْلِ أَنْ يَبْقَى جَانِبَهَا، وَلَكِنَّ لِسَانَهُ عَجَزَ.

وَبِبُطْءٍ، تَبَخَّرَتِ الصُّورَةُ.

تَغَيَّرَ الحَقْلُ، وَصَارَت الزُّنْبُقَاتُ مَحْرُوقَةً، وَهِيَ... لَم تَكُن هُنَاك.

وَعَادَ الظَّلَامُ.

فِيدور تَأَوَّهَ فِي نَوْمِهِ، وَقَبَضَ يَدَهُ عَلَى الفِرَاشِ كَمَنْ يُمْسِكُ بِأَثَرٍ قَدْ ضَاعَ.

كَانَ كُلُّ شَيْءٍ يُؤَلِمُهُ: النَّفَسُ، وَالصَّمْتُ، وَالأَمَلُ الَّذِي لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ إِنْ كَانَ خَيَانَةً أَمْ مَسِيحَةَ نَجَاة.

جَسَدُهُ المُثْقَلُ بِالضَّمَادَاتِ كَانَ يَرْتَجِفُ وَهُوَ عَلَى السَّرِيرِ ، وَنَفَسُهُ يَخْرُجُ مُتَقَطِّعًا كَأَنَّ رُوحَهُ تَتَحَامَلُ عَلَى نَفْسِهَا لِكَيْ تَظَلَّ فِيهِ.

وَبَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ، كَانَ يَهْمِسُ...

"إِسْتِرْلِينَا..."

ثُمَّ يَصْمُتُ، وَيَرْتَجِفُ.

"إِسْتِرْلِينَا... أَيْنَ أَنْتِ...؟"

ثُمَّ يَزْفِرُ كَمَنْ يَشْهَقُ الدَّمْعَ، وَيَتَلَفَّظُ بِكَلِمَاتٍ غَيْرِ مَفْهُومَةٍ، كَأَنَّهُ يُكَلِّمُ طَيْفَهَا، كَأَنَّهُ يُمْسِكُ بِيَدِهَا فِي ذِهْنِهِ، وَيَرْفُضُ تَرْكَهَا تَغِيبُ.

"لَا تَذْهَبِي... لَا... أَرْجُوكِ... كُنْتُ سَأُخْبِرُكِ... كُنْتُ سَأَقُولُهَا..."

وَكَانَتْ كَارْلَا، أُخْتُهُ، تَنْظُرُ إِلَيْهِ وَالدُّمُوعُ تُغَطِّي وَجْهَهَا، وَهِيَ تَشْعُرُ بِأَنَّهُ يَنْهَارُ فِي صَمْتٍ، يُكْسَرُ وَهُوَ نَائِمٌ، وَتَكْبُرُ فِيهِ هُوَّةٌ مَا كَانَ يَجِبُ أَنْ تَتَّسِعَ.

أَمَّا وَالِدُهُ كَاسِيُوس، فَكَانَ وَاقِفًا عَلَى البُعْدِ، يَضُمُّ يَدَيْهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَيَنْظُرُ إِلَى وَلَدِهِ الَّذِي يُنَازِعُ الحُزْنَ كَمَا يُنَازِعُ المَوْتَ، يُدْرِكُ أَنَّ كُلَّ ضَمَّادٍ عَلَى جَسَدِهِ لَا يُعَالِجُ مَا يَجْرِي فِي قَلْبِهِ.

ثُمَّ، وَفِي لَحْظَةٍ، رَجَفَ جَسَدُ فِيدور كُلُّهُ، كَأَنَّ قَلْبَهُ قُطِعَ مِنْ جَذْرِهِ، وَصَاحَ صَيْحَةً خَافِتَةً مَخْنُوقَةً:

"رَجَاءً... لَا تَمُوتِي..."

ثُمَّ سَكَنَ.

وَكَانَ صَمْتُهُ هَذِهِ المَرَّةِ أَثْقَلَ مِنْ كُلِّ مَا قِيلَ.

مملكة العَدُو-العَاصِمَة اِريَاس

لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أَذَا كَانَ الصَّبَاحُ قَدْ أَتَى أَمْ لَا. الضَّوْءُ الَّذِي كَانَ يَسْقُطُ مِنَ الشَّقِّ الضَّيِّقِ فِي أَعْلَى الْجِدَارِ، لَمْ يَعُدْ يَزُورُ الزَّنْزَانَةَ. كَأَنَّ الزَّمَنَ تَوَقَّفَ بَيْنَ هَذِهِ الْجُدْرَانِ

كَانَ الْهَوَاءُ رَاكِدًا، ثَقِيلًا، يَحْمِلُ فِي جَوْفِهِ رَائِحَةَ الْعَفَنِ وَالْبَوْلِ الْقَدِيمِ، وَكَأَنَّ الْجُدْرَانَ نَفْسَهَا تَتَنَفَّسُ عَلَيْهَا، تُخْرِجُ زَفِيرًا دَافِئًا رَطْبًا يُلَامِسُ جِلْدَهَا كَالطِّفْلِ الْمُحْتَضِرِ. الرُّطُوبَةُ كَانَتْ تَتَكَاثَفُ عَلَى جِلْدِهَا

طَوَالَ يَوْمَيْنِ... لَمْ يَقْتَرِبْ مِنْهَا أَحَدٌ.

وَذَلِكَ، بِحَدِّ ذَاتِهِ، كَانَ تَعْذِيبًا.

كَانَتْ تَتَوَقَّعُ الصَّرْخَةَ، الضَّرْبَةَ، الْإِهَانَةَ... وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُقَدِّمُوا لَهَا حَتَّى ذَلِكَ.

كَانَتْ تَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ، وَرُكْبَتَاهَا مَضْمُومَتَيْنِ إِلَى صَدْرِهَا، ذِرَاعَاهَا تُحَاوِلَانِ لَفَّ نَفْسِهَا كَغِطَاءِ نَاجٍ يَرْتَجِفُ تَحْتَ الرَّعْشَةِ.

جَسَدُهَا لَمْ يَعْتَدْ عَلَى هَذَا الْبَرْدِ، عَلَى هَذَا الْقُبْحِ، عَلَى هَذَا الصَّمْتِ الْمُطْبَقِ، سِوَى مِنْ خَرْخَرَةِ فِئْرَانٍ تَتَحَرَّكُ خَلْفَ الْجِدَارِ، وَفِكْرِهَا... الَّذِي بَدَأَ يُهَمْهِمُ بِأَشْيَاءِ لَا تَفْهَمُهَا.

ثُمَّ... فُتِحَ الْبَابُ.

لَمْ تَكُنْ فَتْحَةُ الْبَابِ مُفَاجِئَةً. بَلْ كَأَنَّ كُلَّ خَلِيَّةٍ فِيهَا كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا سَيَأْتِي.

دَخَلَ الرَّجُلُ.

لَا ضَجِيجَ. لَا خُطُوَاتٌ ثَقِيلَةٌ. لَا صَرِيرُ حَدِيدٍ. كَأَنَّ الظَّلَامَ نَفْسَهُ اِنْكَمَشَ حِينَ وَلَجَ الْغُرْفَةَ.

كَانَ طَوِيلًا، جَسَدُهُ مَشْدُودٌ كَوَتَرِ قَوْسٍ. لَا زِيٌّ مَلَكِيٌّ. لَا دِرْعٌ. بَلْ سُتْرَةٌ سَوْدَاءُ مَعْلُوقَةٌ عَلَى كَتِفَيْهِ كَجَنَاحَيْ غُرَابٍ، تُضْفِي عَلَيْهِ حُضُورًا يُشْبِهُ النُّذُرَ.

وَعَيْنَاهُ...

خَضْرَاوَانِ.

بِلَوْنِ الْحُقُولِ الَّتِي كَانَتْ تُحِبُّ أَنْ تَجْلِسَ عِنْدَهَا. لَوْنُ الْمَطَرِ عَلَى أَوْرَاقِ الشَّجَرِ.

وَلَكِنْ... لَا سَلَامَ هُنَا. لَا دِفْءَ. لَا شَيْءَ سِوَى الْبَرْدِ.

تَقَدَّمَ خُطْوَةً. ثُمَّ أُخْرَى. ثُمَّ تَوَقَّفَ.

صَوْتُهُ خَفِيفٌ... وَلَكِنَّهُ مَلَأَ الزَّنْزَانَةَ كَأَنَّهُ صَدًى قَدِيمٌ كَانَ يَنْتَظِرُ أَنْ يُقَالَ.

"تَعْرِفِينَ مَنْ أَنَا، أَلَيْسَ كَذَلِكِ؟"

تَذَكَّرَتْهُ...

وَجْهُهُ كَانَ آخِرَ شَيْءٍ رَأَتْهُ قَبْلَ أَنْ تَفْقِدَ وَعْيَهَا فِي العَرَبَةِ التِي تَمَ نَقْلُهَا فِيهَا

تَقَدَّمَ، بِثِقَةِ مَنْ تَعَوَّدَ عَلَى الْأَسْرِ، كَأَنَّهُ يَشُمُّ رَائِحَةَ الضَّعْفِ وَيَحْفَظُ طَعْمَهَا.

قَالَ وَهُوَ يَنْحَنِي قَلِيلًا:

"أَتَعْلَمِينَ؟

فِي الْحَرْبِ، لَا تَهُمُّ الْجُثَثُ.

الْأَسْرَى... هُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَصْمُتُونَ طَوِيلًا، قَبْلَ أَنْ يَنْهَارُوا.

وَأَنَا... أُجِيدُ الِانْتِظَارَ."

مَدَّ يَدَهُ، وَأَمْسَكَ بِذَقْنِهَا، وَضَغَطَ عَلَيْهَا. لَمْ تَكُنْ ضَغْطَةً قَوِيَّةً، بَلْ دَرَسِيَّة. كَأَنَّهُ يَقِيسُ مِقْدَارَ مَا تَسْتَطِيعُ تَحَمُّلَهُ.

"سَتَبْقَيْنَ هُنَا،

حَتَّى تَنْكَسِرَ كُلُّ فِكْرَةٍ فِي رَأْسِكِ.

حَتَّى يَصِيرَ اسْمُكِ بِلَا مَعْنًى.

وَسَتُرْجِعِينَ كُلَّ حَرْفٍ مِنْ هُوِيَّتِكِ إِلَيْنَا... حَرْفًا بَعْدَ حَرْفٍ."

أَطَالَ النَّظَرَ فِيهَا، ثُمَّ تَرَكَهَا.

خَرَجَ كَمَا دَخَلَ... بِصَمْتٍ، وَدُونَ أَنْ يَنْظُرَ خَلْفَهُ.

وَبَقِيَتْ... جَالِسَةً.

لَمْ تَصْرُخْ. لَمْ تَبْكِ. لَمْ تَجْفِلْ.

فَقَطْ نَظَرَتْ إِلَى الْأَرْضِ، كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تَجِدَ مَعْنًى لِهَذِهِ اللَّحْظَةِ.

بَعْدَ لَحَظَاتٍ لَمْ تَكُنْ كَافِيَةً لِتُرَتِّبَ مَا جَرَى، اِنْفَتَحَ الْبَابُ مَجَدَّدًا.

دَخَلَ رَجُلَانِ.

كُلٌّ مِنْهُمَا يَحْمِلُ شَيْئًا... أَشْبَهَ بِأَدَوَاتٍ، وَلَكِنْ لَا تَشْبِهُ أَيَّ شَيْءٍ مِمَّا رَأَتْهُ قَطُّ. مِلْقَاطَاتٌ، سِلْسِلَةٌ دَقِيقَةٌ، مِفَكٌّ صَدِئٌ، شُعَلَةٌ نَفْخِيَّةٌ صَغِيرَةٌ، وَقِطْعَةُ قُمَاشٍ رَثَّةٍ مُبَقَّعَةٍ بِشَيْءٍ لَا تُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ مَا هُوَ.

كُنْتُ أَرْتَجِفُ. لَا مِنَ الْبَرْدِ فَقَطْ، بَلْ مِنْ شَيْءٍ أَعْمَقَ، مِنْ نُذُرٍ صَامِتَةٍ كَانَتْ تَدُقُّ عَلَى جِدَارِ رُوحِي

تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا. عَيْنَاهُ خَالِيَتَانِ مِنْ أَيِّ تَعَاطُفٍ، كَأَنَّهُ تَعَلَّمَ أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ شَيْءٍ، دُونَ أَنْ يَشْعُرَ بِشَيْءٍ. وَالآخَرُ كَانَ يَضْحَكُ بِهِمْسٍ، ضَحِكَةً مُسْتَفَزَّةً تُقَطِّعُ صَمْتَ الْغُرْفَةِ إِلَى شُرُوحٍ نَازِفَةٍ.

مَا فَعَلَاهُ أَوَّلًا... لَمْ يَكُنْ ضَرْبًا.

بَلْ شَيْئًا أَقْسَى.

بِعُنْفٍ، وَبِدُونِ كَلِمَاتٍ، بَدَآ يَنْزِعَانِ عَنِّي مَلَابِسِي.

صَرَخْتُ. لَيْسَ لِأَنَّنِي ضُرِبْتُ.

بَلْ لِأَنَّ الْخِزْيَ كَانَ أَسْرَعَ مِنَ الْأَلَمِ.

فُسْتَانِي الْمَلَكِيُّ، ذَلِكَ الَّذِي كُنْتُ أَرْتَدِيهِ فِي آخِرِ يَوْمٍ لِي فِي أُوسْتَارِيَا... ذَلِكَ الَّذِي كَانَ يُشْبِهُ نَفْسِي، نَقِيًّا، مَلَفُوفًا بِالتَّرَفِ وَالْعِزِّ...

قَدْ صَارَ قَذِرًا. مُمَزَّقًا. مُتَّسِخًا بِآثَارِ التُّرَابِ وَالدَّمِ.

كَانُوا يَنْزِعُونَهُ كَأَنَّهُ لَا يَسْتُرُ شَيْئًا، كَأَنَّهُ غَلْطَةٌ يُجِبُ تَصْحِيحُهَا.

كُنْتُ أُحَاوِلُ أَنْ أَخْفِي جَسَدِي، أَنْ أُقَبِّضَ ذِرَاعَيَّ عَلَى صَدْرِي، وَلَكِنَّ يَدَيْهِمَا كَانَتَا أَقْوَى. كَانُوا يَشُدُّونَ قِطَعَ الْقِمَاشِ مِثْلَمَا تُنْزَعُ الْجِلْدَةُ مِنْ جُرْحٍ غَائِرٍ.

ثُمَّ... أَلْبَسُونِي ذَلِكَ الْقِطْعَةَ الرَّثَّةَ.

قِطْعَةٌ خَفِيفَةٌ، تَكَادُ لَا تُغَطِّي شَيْئًا. لَوْنُهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْمٌ، لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ مِنْ شِدَّةِ الْوَسَخِ، وَكَأَنَّهَا مَسْحُوقَةٌ بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ.

شَعَرْتُ أَنَّنِي لَمْ أَعُدْ أَمْلِكُ شَيْئًا. لَا مَلَابِسَ. لَا هُوِيَّةَ. لَا اسْمٌ. لَا حَتَّى خَطٌّ دَافِئٌ يُشِيرُ إِلَيَّ فِي هَذَا الْكَوْنِ.

أَسْدَلَا قِطْعَةَ قُمَاشٍ سَوْدَاءَ، وَرَبَطَاهَا عَلَى عَيْنَيَّ بِعُنْفٍ، كَأَنَّهُمَا يُرِيدَانِ اقْتِلَاعَهُمَا مِنْ جُذُورِهَا، لَا سَتْرَهُمَا.

فِي الظُّلْمَةِ الْمُفَاجِئَةِ، تَضَخَّمَ خَوْفِي... صَارَ أَثْقَلَ مِنْ رِئَتَيَّ، وَأَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى شَلِّي مِنْ أَيِّ قَيْدٍ.

كُنْتُ أَسْمَعُ نَفَسَيْهِمَا... مُتَقَطِّعَيْنِ، دَافِئَيْنِ، قَرِيبَيْنِ.

كَيْفَ سَتَأْتِي الضَّرْبَةُ؟ وَمِنْ أَيِّ اتِّجَاهٍ؟

وَمَا قَطَعَ أَفْكَارِي...

ضَرْبَةٌ عَلَى رَأْسِي.

لَمْ تَكُنْ قَوِيَّةً كَفَتْلِ الْعِظَامِ، لَكِنَّهَا كُنْتُ كَافِيَةً لِكَي أَسْمَعَ الطَّنِين... ذَاكَ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ الَّذِي يَصْدَحُ مِنْ جُمْجُمَتِكَ كَأَنَّهُ صَرْخَةٌ بَعِيدَةٌ جِدًّا مِنْ نَفْسِك.

أَمْسَكْتُ رَأْسِي، غَيْرَ قَادِرَةٍ عَلَى لَفْظِ كَلِمَةٍ. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ...

انْهَالَا عَلَيَّ.

بِالْأَسْلَاكِ، بِالْخَشَبِ، بِكُلِّ مَا يَسْتَطِيعُ تَفْجِيرَ وَجَعٍ فِي الْجَسَدِ.

ضَرْبَاتٌ عَلَى ظَهْرِي، وَكَتِفِي، وَفَخِذَيَّ.

كُلُّ نُقْطَةٍ فِيَّ أَصْبَحَتْ تُصَلِّي لِلرَّحْمَةِ، وَأَنَا...

كُنْتُ أَبْكِي.

أَتَوَسَّلُ، أَصِيحُ، أُقَبِّلُ الظُّلْمَةَ الَّتِي لَا تَرَى وَجْهَهُمَا، وَأُرَدِّدُ:

> "أَرْجُوكُم... لَا تَفْعَلُوا هَذَا... أُرِيدُ أَنْ أَعُودَ... أُرِيدُ أَنْ أَعُودَ..."

وَلَكِنَّهُم كَانُوا يَسْتَمْتِعُونَ.

كُلَّمَا انْكَسَرَ صَوْتِي، زَادُوا.

كُلَّمَا بَكَيتُ، ضَحِكُوا.

وَفَجْأَةً...

شَعَرْتُ بِشَيْءٍ دَافِئٍ... يَتَسَرَّبُ أَسْفَلِي، يَغْمُرُ فَخِذَيَّ، وَيُبَلِّلُ الأَرْضَ تَحْتِي.

نَعَم. بَلَا سَيْطَرَةٍ، بَلَا وَعْيٍ.

وَلَكِنْ مَنْ يُلَامُ... وَأَنَا أَغْرَقُ فِي ذُعْرٍ لَا يَتَحَمَّلُهُ أَكْبَرُ الْقُلُوبِ؟

بَعدَ ذٰلِكَ الوَابِلِ مِنَ الضَّربِ الّذِي ظَنَنتُهُ نِهايَةَ العَذابِ، سَحَبُونِي كَأنَّ جَسَدِي خِرقَةٌ بَالِيَةٌ، وَقَيَّدُونِي بِقُسوَةٍ عَلَى كُرسِيٍّ خَشَبِيٍّ قَديمٍ، كَانَ يَئِنُّ تَحتَ وَزني وَكَأنَّهُ يَشعُرُ مَعِي.

كُنتُ أَرتَجِفُ، وَالدُّموعُ تَنحَدِرُ كَنَهرٍ يَئِسَ مِنَ الجَفاف. فَمي مُغلقٌ لا يَعرفُ إِلَّا أَنينًا مَحبُوسًا، وَقَلبي يَنبِضُ بِذُعرٍ يَبلُغُ العَظم.

أَمسَكُوا يَدِي، وَبِسُخرِيَّةٍ هادِئَةٍ تَناوَلَ أَحَدُهُم مِلقَطًا طَويلًا صَدِئًا... لَم أَدرِ ما سَيَفعَلون، حَتَّى أَحسَستُ بِأَولِ ضَغطَةٍ تَحتَ ظُفرِي.

صرَختُ. لا، لَم أَصرُخ، بَل تَفجَّرَ مِن حَلقِي صَوتٌ كَأَنَّهُ لِغَيرِي، لِشَخصٍ يَرَانِي مِن بَعيد، وَلَا يَستَطِيعُ إِنقاذِي.

بِبُطءٍ شَيطانِيٍّ، بَدَؤوا بِاقتِلاعِ أَظافِرِي، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنها كَانَ يَختَلِطُ فِيهِ الدَّمُ بِالعَرقِ بِالخَوفِ.

كُنتُ أَتوسَّل، أَبكِي، أُرَدِّدُ كَلِمَاتٍ غَيرِ مَسمُوعَةٍ، وَكُلَّمَا بَدَأتُ أُفكِّرُ أَنَّهُم سَيَكتَفُونَ... كَانُوا يَبدَؤونَ مِن جَدِيد.

كُنتُ أُردِّدُ بِصَوتٍ مَكسُور:

"أَرجُوكُم... كَفى... أَرجُوكُم... رَحمَة..."

وَهُم لا يَرَونَ فِيني سِوَى دُميَةٍ مَكسُورَةٍ، يَلعَبُونَ بِتَفتِيتِهَا.

كان الألمُ يَعبُثُ بي كَوحشٍ جَائعٍ يَنهشُ لَحمي بِلا رحمة. دَمي... نَافورةٌ حَمْراءُ تَندفِقُ بِغَضَبٍ، كُلُّ نَبضَةٍ تَصرُخُ فِي وَجهِ الظُّلمة. اِحتَمَيتُ بِسُخونَتِه، فَكَأنَّ جَسَديَ اِشتَعَلَ مِنَ الدَّاخِل، وَلكِنَّ الحَرَّ لَم يَكُنْ إِلّا وَهْماً يَخدَعُني كَي لا أَموتَ قَتَلاً بِالبَردِ القَاسِي.

ثُمَّ جاءَتِ الرَّكلَةُ...

لَم أَستَطِعْ حَتَّى أَن أَتَنَفس، وَاِندَفَعتُ بِجَسَدي البَليدِ نَحوَ زَاوِيَةِ الزَّنزَانَةِ. صَوتُ العِظامِ وَهِيَ تَتَهَشَّمُ اِنْسَحَبَ فِي رُوحي كَصَفيرِ المَوتِ.

سَقَطتُ...

لَحظَةٌ وَاحِدَةٌ... فَقَط...

كَأنَّ الرُّوحَ اِنْسَحَبَتْ مِنّي كَخُيوطِ الضَّوءِ الخَفِيَّةِ. لَم أَعُدْ أَسمَعُ، لَم أَعُدْ أَرَى، لَم يَبقَ سِوى الظُّلمةِ... ظُلمةٌ تَبتَلِعُ كُلَّ شَيءٍ، تُذِيبُ حَتَّى خَوافِيَ فَتَجعَلُهَا عَدَماً. ثُمَّ... بَينَ اللَّحظةِ وَالَّتي تَليها، اِنْفَجَرَ الوَجعُ كَالبَحرِ الهَائجِ، فَاِستَيقَظتُ عَلَى صَرخَتي... صَرخَةٍ لَم تَخرُجْ، فَقَط اِحتَبَسَتْ فِي حَلْقي كَكُتْلَةٍ مِنَ الدَّمِ وَالرُّعبِ.

سَقَطَتْ أَسْتِرْلِينَا عَلَى الأَرْضِ القَذِرَةِ، كَأَنَّهَا خِرْقَةٌ دَمِيَّةٌ مَلْقَاةٌ بَعْدَ عَاصِفَةٍ. لَمْ تَكُنْ نَائِمَةً، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ مُحَاصَرَةً فِي مَنَاطِقِ الظُّلْمَةِ بَيْنَ الحَيَاةِ وَالمَوْتِ، حَيْثُ لَا يَمُوتُ الأَلَمُ وَلَكِنَّ الجَسَدَ يَتَوَقَّفُ عَنِ المُقَاوَمَةِ.

كَانَتْ تَتَنَفَّسُ بِصُعُوبَةٍ، كَأَنَّ الهَوَاءَ نَفْسَهُ يَتَحَوَّلُ إِلَى شَفَرَاتٍ فِي حَنْجَرَتِهَا. كُلُّ نَفَسٍ كَانَ يَجُرُّ مَعَهُ صَرِيرَ الضُّلُوعِ المُكَسَّرَةِ، كَأَنَّهَا شُظَايَا زُجَاجٍ تَتَحَرَّكُ فِي دَاخِلِهَا. حَتَّى الهَوَاءُ كَانَ خَائِناً، يَدْفَعُهَا إِلَى الحَدِّ الأَقْصَى مِنَ الوُجُودِ، حَيْثُ لَا تَسْتَحِقُّ حَتَّى رَاحَةَ المَوْتِ.

وَفِي هَذِهِ المَسَاحَةِ المُظْلِمَةِ، كَانَتْ تُحَاوِلُ أَنْ تَفْرَّ مِنْ جَسَدِهَا، وَلَكِنَّ الأَلَمَ كَانَ سَيْفاً مُسَلَّطاً عَلَى رَقَبَتِهَا، يُذَكِّرُهَا بِأَنَّهَا مَا زَالَتْ حَيَّةً. كَانَتْ تُحِسُّ بِدَفْقَاتِ قَلْبِهَا كَأَنَّهَا طَرْقَاتُ مِطْرَقَةٍ عَلَى صَفِيحٍ حَادٍ، كُلُّ طَرْقَةٍ تُفَجِّرُ المَزِيدَ مِنَ العَذَابِ.

حَتَّى الظُّلْمَةُ كَانَتْ تُؤْلِمُهَا.

كَانَتْ تَرَى وُجُوهاً مُشَوَّهَةً تَتَمَايَلُ حَوْلَهَا، أَصْوَاتاً مُبْهَمَةً تَهْمِسُ بِكَلِمَاتٍ لَا تَفْهَمُهَا، وَلَكِنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّهَا نَذِيرُ شَرٍّ. كَانَ الجُثُثُ تَزْحَفُ نَحْوَهَا، تَمَسُّهَا بِأَصَابِعٍ مُتَعَفِّنَةٍ، وَهِيَ عَاجِزَةٌ عَنِ الصُّرَاخِ، عَنْ حَتَّى طَلَبِ النَّجْدَةِ.

وَفِي لَحْظَةٍ مَا، اِسْتَيْقَظَتْ فَجْأَةً، لَكِنْ لَا بِالضَّرُورَةِ إِلَى الوَعْيِ، بَلْ إِلَى نَوْعٍ آخَرَ مِنَ الجَحِيمِ. فَمَا كَانَ إِلَّا أَنَّ رِجْلًا قَدْ دَاسَتْ عَلَى صَدْرِهَا، فَسَمِعَتْ صَوْتَ ضِلْعٍ آخَرَ يَنْكَسِرُ، وَانْفَجَرَ الأَلَمُ كَالنَّارِ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا.

كَانَتْ تُحِسُّ أَنَّهَا سَتَمُوتُ، وَلَكِنَّ المَوْتَ كَانَ يَلْعَبُ مَعَهَا كَالْهِرِّ مَعَ الفَأْرِ، يُقَرِّبُهَا ثُمَّ يَدْفَعُهَا إِلَى الخَلْفِ، يُعِيدُهَا إِلَى الحَيَاةِ لِيُعَذِّبَهَا مَرَّةً أُخْرَى.

-فِي قَصْرِ فِرَيْلُونَا-

الْعَاصِمَةُ: أَرِيَاس، لَيْلًا، فِي "غُرْفَةِ الْعَهْدِ"

كَانَتِ الْغُرْفَةُ كَأَنَّهَا قُدَّتْ مِنَ الصَّخْرِ وَالظِّلَالِ، وَفِي جَوْفِهَا يَكْتُمُ السُّكُوتُ أَنْفَاسَهُ.

اللَّهَبُ يَرْقُصُ عَلَى جُدْرَانٍ سَوْدَاءِ، وَالدِّمَاءُ الَّتِي سُفِكَتْ فِي هَذَا الْقَصْرِ قَدْ نَسَجَتْ لَهُ جِلْبَابًا مِنَ الرَّهْبَةِ.

الْمَلِكُ مُورْفِيل أَزْرِيس، ذُو الْوَجْهِ الَّذِي لَا تَبْلُغُهُ تَعَابِيرُ الْبَشَرِ، كَانَ يُحَدِّقُ فِي نَارِ الْمَوْقِدِ كَمَنْ يُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَخْرِجَ الْعَالَمَ مِنْ جَوْفِهَا.

خَلَفَ الْبَابِ الْفِضِّيِّ، صَدَحَ صَوْتُ الْحَرَاسِ، ثُمَّ دَخَلَ:

إِيفَان ڤَارْكُوف، قَائِدُ جُيُوشِ مَمْلَكَةِ فِرَيْلُونَا، يَجُرُّ خَطَوَاتِهِ عَلَى الْأَرْضِ الْبَازَلْتِيَّةِ، ثُمَّ انْحَنَى عَلَى رُكْبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَبَقِيَ رَأْسُهُ مُنْخَفِضًا.

مُورْفِيل - بِنَبْرَةٍ غَلِيظَةٍ تُشْبِهُ تَصَدُّعَ الْحَجَرِ:

"هَلْ بَدَأْتَ؟"

إِيفَان - صَوْتُهُ بَارِدٌ كَالْمَعْدِنِ الْمَسْحُوبِ مِنْ تَحْتِ الثَّلْجِ

"نَعَمْ، جَلَالَتُكَ."

مُورْفِيل - صَمْتٌ، ثُمَّ ابْتَسَامَةٌ ضَيِّقَةٌ، فِي عَيْنَيْهِ بَرْقٌ مِنْ مَاضٍ مَسْعُور:

"أَخِي... ذَلِكَ الْكَلْبُ الْمُتَوَجُّ الَّذِي سَلَبَنِي الْعَرْشَ.

كُنَّا دَمًا وَاحِدًا، حَتَّى صَارَتْ مَمْلَكَتَانِ لَا أُرِيدُ قَتْلَهُ، يَا إِيفَان.

الْمَوْتُ رَاحَةٌ... وَأَنَا لَا أُعْطِي الرَّاحَةَ لِمَنْ سَلَبَنِي العَّرشْ"

"أُرِيدُهُ أَنْ يَرَاهَا - بِنَفْسِ الْعَيْنَيْنِ الَّتَيْنِ رَبَّاهَا بِهِمَا -

وَهِيَ تُحَارِبُ فِي صُفُوفِنَا، وَتَصُبُّ نَارَهَا عَلَى اوسْتَارْيَا"

إِيفَان - عَيْنَاهُ ثَابِتَتَانِ كَأَنَّهُ صَنَمُ جَبَلٍ:

"سَأَسْتَدْعِي أَمْهَرَ السَّحَرَةِ، وَأَجْعَلُهُمْ يَحْفُرُونَ فِي ذَاكِرَتِهَا،

حَتَّى لَا تَتَبَقَّى لَهَا صُورَةٌ وَلَا اسْمٌ."

"وَسَأُعِيدُ تَشْكِيلَهَا كَالسَّيْفِ

حَادَّةً... صَامِتَةً... وَتَنْزِفُ فِي يَدِنَا."

مُورْفِيل - يُقْبِلُ عَلَيْهِ، وَيَتَكَلَّمُ بِوَقَارٍ يُثْقِلُ الْقَلْبَ:

"ذَاكَ هُوَ الْمَطْلُوبُ.

أُرِيدُهَا أَنْ تَنْسَى كُلَّ شَيء... وَتَنْسَى نَفْسَهَا.

أَنْ تُصْبِحَ عَبْدَةً لِظِلِّنَا."

"وَإِذَا رَآهَا يَوْمًا وَهِيَ تَطْعَنُ قَلْبَهُ بِنَفْسِ الْيَدِ الَّتِي كَانَتْ تُعَانِقُهُ...

سَيَعْرِفُ أَنَّهُ قَدْ خَسِرَ كُلَّ شَيْءٍ."

إِيفَان يُنْهِضُ نَفْسَهُ، وَيَتَحَدَّثُ دُونَ تَرَدُّد:

"سَتَكُونُ لَكُمْ."

مُورْفِيل - وَهُوَ يَتَفَاعَلُ مَعَ الظِّلَالِ الَّتِي تَرْقُصُ عَلَى وَجْهِهِ:

"وَعِنْدَمَا يَأتي ذَلِكَ الْيَوْمُ...

سَأَجْعَلُهُ يَسْجُدُ أَمَامَي، قَبْلَ أَنْ أَسْحَقَ رُوحَهُ."

ثُمَّ اسْتَدَارَ، وَقَالَ فِي صَوْتٍ يَشُقُّ النَّهَايَةَ:

"اِذْهَبْ، يَا إِيفَان.

وَابْدَأْ بِصُنْعِ سِلَاحِي."

------

يتبع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنتِي هِي الهَّلَاك

المؤلف syreiaelora
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة