إِعتِذَارَات

إِعتِذَارَات

8 0

أُوسْتَارْيَا

مَقْبَرَة هَارْكُورْت

بَعْدَ يَوْمَيْنِ مِنَ الحَادِثَةِ المُرَوِّعَةِ

بَعْدَ يَوْمَيْنِ مِنَ الحَادِثَةِ المُرَوِّعَةِ الَّتِي ضَرَبَتْ وَهَزَّتْ كُلَّ أَنْحَاءِ المَمْلَكَتَيْنِ، وَلَيْسَتْ أُوسْتَارْيَا وَحْدَهَا، كَانَ فِيدُور رِفْقَةَ أَبِيهِ كَاسِيُوس يَتَمَشَّيَانِ فِي أَرْجَاءِ المَقْبَرَةِ وَهُمَا صَامِتَانِ. كَانَتْ خُطَاهُمَا بَطِيئَةً، وَكُلَّمَا اجْتَازَا قَبْرًا تَحَرَّكَ فِيدُور بِلَا وَعْيٍ لِيَقْرَأَ الِاسْمَ الْمَنْقُوشَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَصْرِفَ نَظَرَهُ سَرِيعًا كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُثْبِتَ ذَاكِرَتَهُ فِي مَكَانٍ آخَرَ غَيْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي يُطَارِدُهُ.

حَتَّى الآنَ، لَا يَعْلَمُ فِيدُور كَيْفَ سَوْفَ يَغْفِرُ لَهُ أَبَاهُ، بَعْدَ أَنْ كَانَ هُوَ السَّبَبَ فِي أَنْ يَتَّخِذَ مُورْفِيل قَرَارَ إِعْدَامِهَا. كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ كَاسِيُوس لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الأَمْرِ مُنْذُ وَقُوعِهِ، وَهٰذَا الصَّمْتُ كَانَ أَشَدَّ وَقْعًا عَلَيْهِ مِنْ أَيِّ كَلِمَاتِ غَضَبٍ أَوْ لَوْمٍ.

لَمْ يَصِلْهُمْ مِنْ جَسَدِهَا إِلَّا رَأْسُهَا، أَمَّا بَقِيَّةُ الجَسَدِ فَلَا يَعْلَمُونَ مَكَانَهُ، وَرُبَّمَا لَنْ يَعْلَمُوا أَبَدًا، بِسَبَبِ مُورْفِيل الَّذِي لَهُ عَادَاتٌ غَرِيبَةٌ فِي تَقْطِيعِ جِلْدِ الجُثَثِ وَصُنْعِ الأَثَاثِ مِنْهَا، وَتَحْطِيمِ العِظَامِ لِصُنْعِ بَعْضِ المَجُوهَرَاتِ أَوِ الثُّرَيَّاتِ أَوْ حَامِلَاتِ الشُّمُوعِ. كَانَ لا يَرِفُّ لَهُ جَفْنٌ، وَيُشْرِفُ هُوَ بِنَفْسِهِ أَوْ أَحَدُ الأَيْدِي المَاهِرَةِ الَّتِي يَخْتَارُهَا  عَلَى تِلْكَ العَمَلِيَّاتِ.

تَوَقَّفَ فِيدُور بَعْدَ بُرْهَةٍ أَمَامَ قَبْرٍ جَدِيدٍ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ بَعْدُ، وَحَدَّقَ فِيهِ طَوِيلًا، فَأَدْرَكَ أَنَّ هٰذَا المَكَانَ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَحْتَوِيَهَا لَوْ أَنَّ مُورْفِيل تَرَكَ لَهُمْ جَسَدَهَا. حِينَئِذٍ شَعَرَ بِخُطُوَاتِ أَبِيهِ تَتَوَقَّفُ خَلْفَهُ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ كَلِمَةً وَاحِدَةً.

تَوَقَّفَ كَاسِيُوس فَجْأَةً وَأَطْلَقَ زَفِيرًا طَوِيلًا كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ إِخْرَاجَ ثِقَلٍ عَالِقٍ فِي صَدْرِهِ.

"فِيدُور... دَعْنَا نَتَكَلَّمْ."

تَجَمَّدَ خُطَى الابْنِ، وَالتَفَتَ نَحْوَ أَبِيهِ بِبُطْء، وَسَكِينَةُ المَقْبَرَةِ تُحَاصِرُهُمَا، حَتَّى صَوْتُ الرِّيَاحِ بَدَا أَخَفَّ مِنْ صَمْتِهِمَا.

تَوَقَّفَا فِي مُنْتَصَفِ طَرِيقِ مَقْبَرَةِ عَائِلَةِ هَارْكُورْت، وَتَحَرَّكَتْ أَنْظَارُ كَاسِيُوس بَيْنَ شَوَاهِدِ القُبُورِ كَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ كَلِمَاتٍ ضَاعَتْ مِنهُ.

بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ وَنَبْرَةٍ تَخْتَلِطُ فِيهَا القَسْوَةُ بِالخَيْبَةِ، قَالَ

"أَنْتَ تُدْرِكُ خَطَأَكَ، أَلَيْسَ كَذٰلِكَ؟"

انْخَفَضَ بَصَرُ فِيدُور، وَكَأَنَّ جَفْنَيْهِ يَحْمِلَانِ حِمْلَ كُلِّ الذُّنُوبِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا.

"نَعَم... أَعْرِفُ. وَأَنَا مُسْتَعِدٌّ لِتَحَمُّلِ أَيِّ عُقُوبَةٍ سَوْفَ تُفْرَضُ عَلَيَّ، سَوَاءٌ مِنْ طَرَفِ المَلِكِ أَوْ مِنْ طَرَفِكَ، يَا أَبِي."

وَضَعَ كَاسِيُوس كَفَّهُ الثَّقِيلَةَ عَلَى كَتِفِ ابْنِهِ، وَشَدَّ عَلَيْهَا بِلُطْفٍ مُتَصَنَّعٍ

"بِالطَّبْعِ أَنَا لَنْ أُسَامِحَكَ... إِنَّهَا عَمَّتُكَ وَهِيَ أُخْتِي. وَهٰذَا... لَيْسَ أَمْرًا يُمْكِنُ تَجَاوُزُهُ. أَوَّلًا، لِأَنَّكَ اخْتَرَقْتَ أَرَاضِي فِيرْلُونَا، وَثَانِيًا، لِأَنَّكَ كُنْتَ سَبَبًا فِي مَوْتِهَا، وَفِي إِشْعَالِ الحَرْبِ مِنْ جَدِيدٍ... إِنَّهُ خَطَأٌ كَبِيرٌ يَا فِيدُور، أَكْبَرُ مِمَّا تَتَصَوَّرُ."

شَعَرَ فِيدُور بِصَدْرِهِ يَضِيقُ مَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ، وَعَقْلُهُ يَتَأَرْجَحُ بَيْنَ كَرَاهِيَةٍ غَامِضَةٍ لِوَالِدِهِ وَكَرَاهِيَةٍ أَعْمَى لِحُبِّ إِسْتِرْلِينَا الَّذِي جَعَلَهُ يَخْطُو تِلْكَ الخُطْوَاتِ المَجْنُونَةِ.

"أَبِي... لَقَدْ ذَهَبْتُ مِنْ أَجْلِهَا، مِنْ أَجْلِ رُؤْيَتِهَا، وَأَنَا أَتَحَمَّلُ كُلَّ المَسْؤُولِيَّةِ النَّاجِمَةِ عَنْ هٰذَا... وَلَا تَنْسَ أَنَّكَ فِي المَاضِي أَيْضًا خَطَفْتَ أُمِّي مِنْ مَمْلَكَةٍ أُخْرَى فَقَطْ لِأَنَّكَ تُحِبُّهَا!"

تَجَمَّدَ وَجْهُ كَاسِيُوس لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ تَحَوَّلَتْ مَلامِحُهُ إِلَى ابْتِسَامَةٍ مُفَاجِئَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَرَى فِي ابْنِهِ مِرْآةً لِشَبَابِهِ.

"يَبْدُو أَنَّ عِبَارَةَ ذَاكَ الشِّبْلُ مِنْ ذَاكَ الأَسَدِ صَحِيحَةٌ؟"

"رُبَّمَا..."

رَفَعَ كَاسِيُوس بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ المُثْقَلَةِ بِالغُيُومِ، وَأَطْلَقَ تَنَهُّدًا طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ:

"رُبَّمَا سَأُسَامِحُكَ فِي المُسْتَقْبَلِ، وَلَكِنْ لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ المَلِكُ دِيمُوس سَيَسْنُ عُقُوبَاتٍ عَلَيْكَ أَمْ لَا. هٰذَا أَمْرٌ يَخْرُجُ عَنْ يَدِي."

تَرَدَّدَ فِيدُور لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ يَخْتَلِطُ فِيهِ القَلَقُ بِالإِصْرَارِ:

"أَبِي... إِنَّ المَلِك... وَافَقَ عَلَى أَنْ تُصْبِحَ إِسْتِرْلِينَا لِي، بَعْدَ أَنْ نُعِيدَهَا إِلَى أَرْضِنَا."

تَجَمَّدَ كَاسِيُوس وَحَاجِبَاهُ يَرْتَفِعَانِ بِدَهْشَةٍ.

"هَلْ هٰذَا مَكَانٌ تُقَالُ فِيهِ هذِهِ الكَلِمَاتُ؟ بَلْ هَلْ هٰذَا الوَقْتُ مُنَاسِبٌ لِهَا؟ أَنْتَ لَا تَزَالُ تُفَاجِئُنِي فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَتَكَلَّمُ فِيهَا. وَلَكِنْ، هَلْ حَقًّا وَافَقَ؟ أَنْتُمَا فِي الثَّانِي وَالعِشْرِينَ وَالخَامِسِ وَالعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعِكُمَا، وَهِيَ النُّبُوءَةُ وَالمَلِكَةُ المُسْتَقْبَلِيَّةُ لِهٰذِهِ البِلَادِ... هَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌّ لِلْمَتَاعِبِ الَّتِي سَتَأْتِي مَعَهَا؟"

"بِالطَّبْعِ يَا أَبِي، وَهَلْ تَظُنُّ أَنَّ فَارِقَ العُمْرِ يَمْنَعُنِي مِنْ أَنْ أَعْشَقَ امْرَأَتِي؟!"

قَالَ فِيدُور كَلَامَهُ بِنَبْرَةٍ جَهُورَةٍ، كَأَنَّهُ يُلْقِي قَسَمًا لَا يَرْجِعُ فِيهِ. أَمَّا كَاسِيُوس، فَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى صُدْغَيْهِ وَفَرَكَهُمَا بِبُطْء، وَهُوَ يَتَنَفَّسُ عَمِيقًا.

"فِيدُور، فِي المَرَّةِ القَادِمَةِ، قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ، أَرْجُوكَ أَعْطِنِي وَقْتًا لِأُهَيِّئَ قَلْبِي لِلصَّدْمَاتِ، حَسَنًا؟"

لَمْ يَتَمَالَكْ فِيدُور نَفْسَهُ، فَانْفَجَرَ بِضَحْكَةٍ خَفِيفَةٍ، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ يَخْتَلِطُ فِيهِ الجِدُّ بِالعَاطِفَةِ:

"أَبِي... أَنَا جَادٌّ. جَادٌّ حَقًّا فِي حُبِّي لَهَا، فِي اسْتِرْجَاعِهَا، فِي العَلَاقَةِ الَّتِي بَيْنَنَا... لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أُعَبِّرُ لَكَ، لَكِنَّكَ أَنْتَ أَكْثَرُ مَنْ يَفْهَمُنِي. نَحْنُ آلُ هَارْكُورْت، إِنْ أَحْبَبْنَا أَحْبَبْنَا بِصِدْقٍ وَقُوَّةٍ. أَتَتَذَكَّرُ يَا أَبِي؟"

أَوْمَأَ كَاسِيُوس بِرَأْسِهِ، وَبَدَتْ فِي عَيْنَيْهِ لَمْعَةُ ذِكْرَى قَدِيمَةٍ، وَهُوَ يَسْتَحْضِرُ أَيَّامَ شَبَابِهِ، حِينَ أَحَبَّ امْرَأَةً فَخَطَفَهَا وَتَزَوَّجَهَا، غَاضًّا طَرْفَهُ عَنِ الصِّرَاعَاتِ السِّيَاسِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَشْتَعِلُ بَيْنَ المَمَالِكِ. وَبِالطَّبْعِ، جَرَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا مَشَاكِلَ جَمَّةً، لَكِنَّهَا هَدَأَتْ بَعْدَ أَنْ أَنْجَبَا كَارْلَا وَفِيدُور.

اقْتَرَبَ فِيدُور خُطْوَةً مِنْ وَالِدِهِ، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ خُفُوتًا:

"أَبِي، أَعْرِفُ أَنَّنِي لَسْتُ الاِبْنَ الَّذِي كُنْتَ تَتَوَقَّعُهُ يَوْمًا... لَكِنَّنِي..."

قَاطَعَهُ كَاسِيُوس، وَنَظَرَ فِي عَيْنَيْهِ نَظْرَةً حَازِمَةً يَمْزِجُهَا الحَنَانُ:

"أَنْتَ هُوَ الاِبْنُ الَّذِي كُنْتُ أَتَمَنَّاهُ، فَلَا تَقُلْ هَذَا الكَلَامَ. أَنْتَ تُشْبِهُنِي فِي كُلِّ شَيْءٍ، أَمَّا أُخْتُكَ فَتُشْبِهُ أُمَّهَا. أَنْتُمَا ثَمَرَةُ حُبِّنَا."

ابْتَسَمَ فِيدُور لِوَالِدِهِ، ثُمَّ انْحَنَى لَهُ بِاحْتِرَامٍ، وَمَضَى مُبْتَعِدًا، لِيَتْرُكَهُ فِي خُلْوَتِهِ مَعَ أَفْكَارِهِ.

وَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ فِي طَرِيقِهِ، لَفَتَتْ أَنْظَارَهُ شَجَرَتُهُمُ المُعْتَادَةُ. تَقَدَّمَ نَحْوَهَا، وَجَلَسَ تَحْتَ ظِلِّهَا، وَعَيْنَاهُ تَجُولَانِ بَيْنَ النُّقُوشِ الَّتِي حَفَرَاهَا مَعَهَا عَلَى جِذْعِهَا؛ نُقُوشُ طُولِهِمَا، كَلِمَاتُ الحُبِّ الَّتِي كَانَتْ تَقُولُهَا لَهُ عَلَى سَبِيلِ الصَّدَاقَةِ، بَيْنَمَا كَانَ هُوَ يَحْمِلُ فِي قَلْبِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ: كَانَ لَهَا الأَخَ، وَالحَبِيبَ، وَالرَّفِيقَ، وَكُلَّ مَا تَحْتَاجُهُ.

ثَمَّةَ رَقْمٌ صَغِيرٌ حَفَرَاهُ مَعًا  "11" تَوَقَّفَ عِنْدَهُ، وَابْتَسَمَ بِرِفْقٍ، ثُمَّ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ وَتَسَلَّلَتْ إِلَيْهِ مَلَامِحُهَا فِي ذَاكِرَتِهِ. هَمَسَ:

"أَنَا... أَهِيمُ بِكِ... إِسْتِرْلِينَا."

تَسَلَّلَتِ ابْتِسَامَةٌ خَفِيفَةٌ عَلَى ثَغْرِهِ. أَيُّ حُبٍّ هَذَا الَّذِي يَجْعَلُهُ مُسْتَعِدًّا لِإِحْرَاقِ العَالَمِ كُلِّهِ مِنْ أَجْلِ اسْتِرْجَاعِهَا؟ لَقَدْ تَحَدَّى القَدَرَ وَالمَوْتَ مَعًا، وَمَعَ ذَلِكَ، لَا يَزَالُ يُرِيدُهَا.

فَتَحَ عَيْنَيْهِ ببطء، فَإِذَا بِقِطَّةٍ بَيْضَاءَ تَقْفِزُ إِلَى حِجْرِهِ. ابْتَسَمَ لَهَا بِلُطْفٍ، وَبَدَأَ يُدَاعِبُهَا، مُسْتَحْضِرًا طَرِيقَةَ إِسْتِرْلِينَا عِنْدَمَا كَانَتْ تَرَى قِطَّةً؛ كَانَتْ تُصْدِرُ أَصْوَاتًا غَيْرَ مَفْهُومَةٍ وَتُقَبِّلُهَا بِكُلِّ مَا أُوتِيَتْ مِنْ حَنَانٍ. أَمَّا هُوَ، فَتَمَنَّى أَلْفَ مَرَّةٍ لَوْ كَانَ قِطًّا لِتُقَبِّلَهُ هَكَذَا.

تَلَوَّتِ القِطَّةُ تَحْتَ يَدَيْهِ، طَالِبَةً مِنْهُ أَنْ يُدَاعِبَ بَطْنَهَا أَكْثَرَ، فَحَمَلَهَا بِلُطْفٍ وَتَوَجَّهَ نَحْوَ القَصْرِ. وَبِالرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ العَائِلَةِ المَلَكِيَّةِ، إِلَّا أَنَّ آلَ هَارْكُورْت دَائِمًا مَا يَعِيشُونَ فِي القَصْرِ الإِمْبِرَاطُورِي، لِقُرْبِهِمُ الخَاصِّ مِنَ المَلِكِ وَأُسْرَتِهِ.

دَخَلَ إِلَى المَطْبَخِ، وَتَسَلَّلَتِ الدَّهْشَةُ إِلَى وُجُوهِ الطَّبَّاخِينَ وَالعَامِلَاتِ وَهُمْ يَرَوْنَهُ يَحْمِلُ قِطَّةً. تَوَجَّهَ إِلَى رُكْنٍ فِيهِ أَسْمَاكٌ وَقِطَعُ لَحْمٍ، وَقَرَّبَ قِطْعَةَ سَمَكٍ إِلَى القِطَّةِ، فَمَا كَادَتْ تَشُمُّهَا حَتَّى انْقَضَّتْ عَلَيْهَا وَأَخَذَتْ تَنْهَشُهَا بِنَهَمٍ.

جَلَسَ يُرَاقِبُهَا بِاِبْتِسَامَةٍ دَافِئَةٍ، وَالعَامِلَاتُ يُحَاوِلْنَ كَبْتَ ضَحِكِهِنَّ مِنْ هَذَا المَشْهَدِ الطَّرِيفِ. ثُمَّ قَالَ بِلُطْفٍ:

"آسِفٌ عَلَى طَلَبِي، لَكِنْ هَلْ يُمْكِنُ لأَحَدِكُنَّ أَنْ تُجَهِّزَ لِهَذِهِ القِطَّةِ مَأْكُولَاتِهَا اليَوْمِيَّةِ... إِنْ كَانَ هَذَا لَا يُشْغِلُكُنَّ، طَبْعًا."

  قَالَهَا بِنَبْرَةِ اِحْتِرَامٍ، فَهُوَ مُنْذُ صِغَرِهِ لَا يُحِبُّ أَنْ يَخْدِمَهُ أَحَد، وَلَكِنَّهُ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ طَلَبَ طَلَبًا طَرِيفًا أَدْخَلَ بَعْضَ البَسْمَاتِ فِي وَجْهِ الخَادِمَات. اِبْتَسَمَتْ إِحْدَاهُنَّ وَأَوْمَأَتْ لَهُ بِهُدُوءٍ.

ــ «سَوْفَ أَتَكَفَّلُ بِأَمْرِ القِطَّةِ، يَا سَيِّدِي فِيدُور.»

أَوْمَأَ لَهَا بِاِمْتِنَان، ثُمَّ غَادَرَ المَطْبَخَ وَالهِرَّةُ مَا زَالَتْ تَتَقَلَّبُ فِي أَحْضَانِ ذَاكَ الوَاقِعِ الجَدِيد، تَبْحَثُ عَنْ مَأْمَنٍ وَدِفْءٍ. صَعِدَ الدَّرَجَ بِخُطًى هَادِئَةٍ، وَدَخَلَ غُرْفَتَهُ، ثُمَّ بَدَأَ كَعَادَتِهِ يُمَارِسُ تَمَارِينَهُ بِإِتْقَان، مَرَّةً بِوَزْنِ جَسَدِهِ، وَمَرَّةً بِحَرَكَاتٍ تَطْلُبُ نَفَسًا عَمِيقًا وَصَبْرًا طَوِيلًا. لَمْ يَمْضِ وَقْتٌ طَوِيلٌ حَتَّى سَمِعَ طَرَقَاتٍ هَادِئَةً عَلَى بَابِ الغُرْفَةِ.

"ادْخُل."

قَالَهَا وَهُوَ مَا يَزَالُ فِي وَضْعِيَّةِ الضَّغْطِ، فَفُتِحَ البَابُ بِبُطْء، وَدَخَلَتْ أُخْتُهُ كَارْلَا. كَانَ فِي عَلاقَتِهِمَا فِي الآوِنَةِ الأَخِيرَةِ بَعْضُ التَّوَتُّرِ؛ مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي رَأَتْ فِيهَا رَأْسَ عَمَّتِهَا وَعَلِمَتْ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ كَانَ أَخَاهَا.

ظَلَّتْ عَيْنَاهَا مُثَبَّتَتَيْنِ عَلَى الأَرْضِ، وَفِيدُور يُوقِفُ حَرَكَاتِهِ، يَنْهَضُ عَنِ الأَرْضِ، يَمْسَحُ عَرَقَ جَبِينِهِ، وَيَقُولُ بِنَبْرَةٍ دَافِئَةٍ:

"كَارْلَا… اجْلِسِي."

رَبَتَ بِكَفِّهِ عَلَى جَانِبِ السَّرِير، فَتَقَدَّمَتْ بِخُطًى بَطِيئَةٍ، وَجَلَسَتْ بِجَانِبِهِ. سَادَ الصَّمْتُ لَحَظَاتٍ بَدَتْ أَطْوَلَ مِمَّا هِيَ عَلَيْهِ، كَأَنَّ كُلًّا مِنهُمَا يُفَكِّرُ كَيْفَ يَبْدَأُ، أَيَّ كَلِمَةٍ تَكُونُ أُولَى، أَيُّ لَوْمٍ يُقَالُ، وَأَيُّ تَبْرِيرٍ يُعْطَى.

قَطَعَتْ كَارْلَا هَذَا الصَّمْتَ، وَصَوْتُهَا يَرْتَجِفُ:

"أَنَا آسِفَة…"

كَانَتِ الغُصَّةُ فِي حَنْجَرَتِهَا تُحَطِّمُ كُلَّ كَلِمَةٍ، فَخَرَجَتْ مَكْسُورَةً. فِيدُور بَدَا مُرْتَبِكًا، لَا يَدْرِي لِمَاذَا تَعْتَذِرُ، وَلِمَاذَا تَبْكِي هَكَذَا. جَلَسَ أَقْرَبَ إِلَيْهَا، يَمُدُّ يَدَهُ لِيَلْمَسَ كَفَّهَا بِلُطْفٍ.

"كَارْلَا… لَا تَبْكِي… وَلَا تَعْتَذِرِي… هَذَا خَطَئِي أَنَا… أَنَا مَنْ يَجِبُ أَنْ يَعْتَذِر."

لَمْ تَتَمَالَكْ نَفْسَهَا، فَانْهَارَتْ فِي حِضْنِ أَخِيهَا، تَبْكِي وَتَرْتَجِفُ، وَهِيَ تَقُولُ بَيْنَ شَهَقَاتِهَا:

"آسِفَةٌ لِأَنَّنِي لَمْ أَتَكَلَّمْ مَعَكَ، وَلِأَنَّنِي أَلْقَيْتُ كُلَّ اللَّوْمِ عَلَيْكَ… لِأَنَّهَا مَاتَتْ… لِأَنَّنِي صَرَخْتُ فِي وَجْهِكَ وَقُلْتُ إِنَّكَ سَبَبُ مَوْتِهَا… آسِفَة."

وَضَعَ كَفَّهُ عَلَى رَأْسِهَا، يُرَبِّتُ بِلُطْفٍ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ وَهُمَا أَطْفَال، وَقَالَ:

"أَنْتِ أُخْتِي الكُبْرَى، وَطُولُ عُمُرِي اِعْتَدْتُ أَنْ تَلُومِينِي لِأَنَّنِي كَسَرْتُ لُعْبَتَكِ المفضلة، أَوْ لِأَنَّنِي أَكَلْتُ حِصَّتَكِ مِنَ الطَّعَام… لَا بَأْسَ يَا أُخْتِي. اِمْسَحِي دُمُوعَكِ الآن."

مَدَّ يَدَهُ وَمَسَحَ الدُّمُوعَ عَنْ وَجْنَتَيْهَا، فَابْتَسَمَتْ لَهُ بِلُطْفٍ، وَقَالَتْ:

"أَنْتَ حَنُونٌ جِدًّا عِنْدَمَا يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِالنِّسَاءِ."

فَأَجَابَ بِبَسَاطَةٍ:

"وَلِمَ لَا أَكُونُ حَنُونًا، وَأُمِّي اِمْرَأَةٌ عَظِيمَة، وَأُخْتِي فَتَاةٌ طَائِشَة؟"

تَظَاهَرَتْ بِالغَضَبِ، وَأَمْسَكَتْ أَقْرَبَ وَسَادَةٍ، وَبَدَأَتْ تَضْرِبُهُ بِهَا كَمَا كَانَا يَفْعَلَانِ وَهُمَا صِغَار، وَتَعَالَتْ ضَحِكَاتُهُمَا حَتَّى امْتَلَأَ الجَنَاحُ بِهَا. بَعْدَ لَحَظَاتٍ، هَدَأَا أَخِيرًا، وَبَقِيَ نَفَسَاهُمَا مُتَقَارِبَيْنِ.

"كَارْلَا…"

"نَعَم؟"

"الحَرْبُ عَلَى الأَبْوَابِ… تَبَقَّتْ أَيَّامٌ مَعْدُودَة… سَأَكُونُ فِي الجَبْهَةِ الأَمَامِيَّة… اِعْتَنِي بِنَفْسِكِ، حَسَنًا؟"

وَضَعَتْ كَفَّهَا عَلَى شَعْرِهِ، تُمَرِّرُ أَصَابِعَهَا فِيهِ بِحَنَانٍ:

"البَارِحَةَ فَقَطْ كُنْتَ فَتًى صَغِيرًا أُلَاعِبُكَ، وَالآن أَنْتَ رَجُلٌ يُقَاتِلُ بِسَيْفِهِ… أَنَا فَخُورَةٌ بِكَ يَا أَخِي. اِعْتَنِ بِنَفْسِكَ، وَاحْرِصْ عَلَى اِسْتِرْجَاعِ إِسْتِرْلِينَا."

اِمْتَلَأَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ، وَهُوَ يَهْمِسُ:

"هَلِ الحُبُّ مُؤْلِم؟ "

"أَجَلْ…"

اِسْتَقَامَ فِيدُورُ عَلى سَرِيرِهِ بِسُرْعَةٍ، وَقَلْبُهُ يَنْبِضُ بِحِدَّةٍ.

"هَاه؟! مَنْ؟! مَنْ تُحِبِّينَ؟! وَلِمَ لَمْ تُخْبِرِينِي؟!"

اِبْتَسَمَت كَارْلَا بِحَرَجٍ، وَقَالَتْ:

"أُمم... هَلْ أَقُولُ لَكَ؟"

نَظَرَ لَهَا فِيدُورُ، وَدُمُوعُهُ الَّتِي كَانَتْ تَلْمَعُ فِي عَيْنَيْهِ رَجَعَتْ لِمَكَانِهَا بِسُرْعَةٍ.

"أَخْبِرِينِي!!"

قَالَتْ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ:

"صَدِيقُكَ... صَدِيقُكَ كِيرَا..."

اِنْصَدَمَ فِيدُورُ وَتَجَمَّدَ مَكَانَهُ.

"دَائِمًا مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُ: لَا يُوجَدُ فَتَاةٌ سَتُحِبُّكَ... وَالآن أَرَى أُخْتِي وَاقِعَةً فِي حُبِّهِ..."

اِنْفَجَرَتْ كَارْلَا ضَاحِكَةً مِنْ رَدَّةِ فِعْلِهِ، وَاسْتَمَرَّا فِي الْحَدِيثِ حَتَّى حَلَّ اللَّيْلُ.

"حَسَنًا، كَارْلَا، نَامِي جَيِّدًا، حَسَنًا؟"

"لَا، أُرِيدُ أَنْ أَسْهَرَ قَلِيلًا الْيَوْمَ."

تَنَهَّدَ فِيدُورُ وَأَوْمَأَ لَهَا، وَلَمَّا خَرَجَتْ، نَزَعَ قَمِيصَهُ وَجَلَسَ عَارِيَ الصَّدْرِ عَلَى سَرِيرِهِ، ثُمَّ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ مُحَاوِلًا النَّوْمَ.

لَكِنَّهُ سَمِعَ خَرْمَشَاتٍ خَفِيفَةً عَلَى الْبَابِ.

فَتَحَ، فَوَجَدَ تِلْكَ الْقِطَّةَ الصَّغِيرَةَ تَدْخُلُ وَتَتَسَلَّقُ سَرِيرَهُ.

"أَنْتِ بِالفِعْلِ مُزْعِجَةٌ مِثْلُ إِسْتِرْلِينَا تَمَامًا..."

جَلَسَتِ الْقِطَّةُ بِجَانِبِهِ، وَهُوَ يَسْتَلْقِي وَيَغْطِي نَفْسَهُ.

وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ، حَتَّى غَرِقَ فِي أَحْلَامِهِ... أَوْ لِنَقُلْ كَوَابِيسِهِ.

اِنْفَتَحَتْ عَيْنَاهُ فِي عَالَمٍ مُظْلِمٍ، ضَبَابٌ أَسْوَدُ يَلُفُّ كُلَّ شَيْءٍ، وَالأَرْضُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ زَلِقَةٌ، دَافِئَةٌ، كَأَنَّهَا مُشْبَعَةٌ بِدِمَاءٍ طَازَجَةٍ.

كَانَ صَوْتُ الرِّيَاحِ مُرْتَفِعًا، يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ صَرَخَاتٍ بَعِيدَةً وَمَأْلُوفَةً، أَصْوَاتَ مَوْتَى وَأَحِبَّةٍ، أَصْوَاتَ عَمَّتِهِ، وَأَصْدِقَائِهِ، وَصَرَخَاتِ اسْتِرْلِينَا نَفْسِهَا.

اِلْتَفَتَ حَوْلَهُ، فَشَاهَدَ أَشْخَاصًا مُشَوَّهِينَ يَزْحَفُونَ نَحْوَهُ، وُجُوهُهُمْ مَسْلُوخَةٌ، أَعْيُنُهُمْ جَاحِظَةٌ، وَأَفْوَاهُهُمْ تَتَمْتِمُ بِكَلِمَاتٍ غَيْرِ مَفْهُومَةٍ.

فَجْأَةً، انْشَقَّ الضَّبَابُ أَمَامَهُ، وَظَهَرَتْ إِسْتِرْلِينَا، تَقِفُ فِي وَسَطِ بُحَيْرَةِ دَمٍ، وَعَيْنَاهَا بَارِدَتَانِ كَالْجَلِيدِ.

كَانَتْ تُمْسِكُ سَيْفًا لَمَعَ بِنُورٍ أَحْمَرَ كَأَنَّهُ قُدَّ مِنْ جَحِيمٍ، وَقَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، اِنْدَفَعَتْ نَحْوَهُ وَغَرَزَتِ السَّيْفَ فِي صَدْرِهِ.

شَعَرَ بِالْحَدِيدِ يَخْتَرِقُ لَحْمَهُ وَيَشُقُّ قَلْبَهُ، وَالْحَرَارَةُ تَتَصَاعَدُ فِي جَسَدِهِ، وَدَمُهُ يَتَدَفَّقُ كَسَيَلٍ أَحْمَرَ.

سَعَلَ بِعُنْفٍ، وَكُلَّمَا سَعَلَ، تَحَوَّلَ هَوَاءُ رِئَتَيْهِ إِلَى دَمٍ دَافِئٍ يَمْلَأُ فَمَهُ.

"فِيدُور... فِيدُور... لَا... لَا!"

كَانَتْ تَبْكِي، وَلَكِنَّ زَاوِيَةَ شَفَتَيْهَا كَانَتْ تَرْتَسِمُ عَلَيْهَا ابْتِسَامَةٌ بَارِدَةٌ.

حَاوَلَ أَنْ يَتَحَرَّكَ، وَلَكِنَّ يَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ اِلْتَفَّتْ حَوْلَهَا أسلاكٌ سَوْدَاءُ دَبِقَةٌ تَشُدُّهُ لِلْأَرْضِ، وَأَصْوَاتُ الْهَمْهَمَاتِ مِنْ حَوْلِهِ تَتَحَوَّلُ إِلَى ضَحِكَةٍ جَمَاعِيَّةٍ مُرْعِبَةٍ.

صَاحَ، وَلَكِنَّ صَوْتَهُ خَرَجَ مَخْنُوقًا، كَأَنَّ هُوَاءَ الْعَالَمِ كُلِّهِ قَدْ نُزِعَ.

رَأَى عَيْنَيْ إِسْتِرْلِينَا تَتَحَوَّلَانِ إِلَى سَوَادٍ دَامٍ، وَالظَّلَامُ يَلْتَهِمُ كُلَّ شَيْءٍ حَوْلَهُ

اِسْتَيْقَظَ فِيدُورُ وَهُوَ يَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهُ بِصُعُوبَةٍ، وَجَسَدُهُ مُغْرَقٌ بِالْعَرَقِ الْبَارِدِ، وَعَيْنَاهُ تَتَّسِعَانِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى الْقِطَّةِ الَّتِي تُحَدِّقُ فِيهِ، كَأَنَّهَا تَعْلَمُ مَا رَآهُ.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنتِي هِي الهَّلَاك

المؤلف syreiaelora
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة