فَارِسَةً

فَارِسَةً

13 0

كَانَ يقَرِبهَا مِن حَقِيقَةٍ لَا تَعلَمهَا، وَيبعِدهَا عَن حَقِيقَتِهَا الَتِي سلِبَت مِنهَا.

     تَقَدَمَ إِيفَان نَحوَهَا بِخطًى بَطِيئَةٍ، كَأَنَه يَخشَى كَسرَ تِلكَ اللَحظَةِ الهَشَةِ الَتِي انبَسَطَت بَينَهمَا.

كَانَت إِستِرلِينَا تَقِف وَسَطَ سَاحَةِ التَدرِيبِ، وَالرِيح تلَاعِب خصَلَ شَعرِهَا، وَالثَلج يَذوب تَحتَ أَقدَامِهَا كَمَا تَذوب صَبرهَا.

صَوتهَا كَانَ خَافِتًا... وَلَكِنَه قَطَعَ كلَ أَصوَاتِ السيوفِ وَالحِصَانَاتِ فِي الخَلفِيَةِ:

"هَل أَستَطِيع... أَن أَنضَمَ إِلَى الفَارِسَاتِ هنَا؟

أرِيد أَن أصبِحَ فَارِسَةً... فَقَد مَلِلت مِنَ الجلوسِ فِي غرفَتِي."

تَوَقَفَ إِيفَان فِي مَكَانِهِ، كَأَنَ الأَرضَ شلَت تَحتَ قَدَمَيهِ.

عَينَاه اتَسَعَتَا… وَمَشَاعِر الدَهشَةِ تَرَاجَفَت عَلَى وَجهِهِ كَرَجفَةِ رِيحٍ تقَلِب وَرَقَةً خَرِيفِيَةً فِي قَلبِ الرَبِيعِ.

ثمَ… بَبطءٍ، تَسَلَلَتِ ابتِسَامَةٌ خَفِيفَةٌ عَلَى ثَغرِهِ.

ابتِسَامَة مَن رَبِحَ دَورًا فِي لعبَةٍ طَوِيلَةٍ، كَانَ يدِيرهَا مِن وَرَاءِ السِتَارِ.

أَلَا وَقَد كَانَ "دورِيلَان"… السَاحِر الَذِي سَرَقَ ذَاكِرَتَهَا، يزهِر الآنَ فِي عَقلِهَا كَزرَيعَةٍ غَرَسَهَا بِحِرفِيَةٍ، وَأَصبَحَت تنبِت رَغَبَاتٍ لَيسَت لَهَا.

وَلَم تَكن إِستِرلِينَا تَعلَم سَبَبَ تِلكَ الابتِسَامَةِ الَتِي كَانَت تزَيِن زَاوِيَةَ فَمِ إِيفَان.

هَل كَانَ يوَافِقهَا؟ أَم يَستَهزِئ مِن رَغبَتِهَا الغَرِيبَةِ؟

لَا تَدرِي.

وَمَعَ ذَلِكَ، شَعَرَت فِي دَاخِلِهَا بِرِضًا غَامِضٍ… كَأَنَ مَا طَلَبَته لَم يَكن لَهَا، وَلَكِن لِكَونٍ آخَرَ فِي دَاخِلِهَا، يرِيد أَن يَسِيرَ فِي طَرِيقٍ مَجهولٍ.

      تَفَاعَلَ الهَوَاء حَولَهمَا، وَتَدَافَعَت رِيح الرَبِيعِ عَلَى استِحيَاءِ، تبَرِد وَجنَتَي إِستِرلِينَا وَتَحمِل صَوتَهَا كَمَا يحمَل الرفَات فِي تَابوتِ ذِكرَى.

أَمَا إِيفَان، فَظَلَ يحَدِق فِيهَا، وَفِي عَينَيهِ ذَلِكَ اللَمَعَان الغَامِض… لَيسَ لَمَعَانَ دَهشَةٍ وَإِعجَابٍ، بَل ذَاكَ اللَمَعَان الَذِي يشبِه النَبضَاتِ الخَفِيَةَ لِفَخٍ يَكتَمِل.

تَقَدَمَ خطوَةً أخرَى، ثمَ تَوَقَفَ، وَأَخَذَ نَفَسًا طَوِيلًا، كَأَنَه يقَدِر مَا سَيَقوله:

"إِذَن… ترِيدِينَ أَن تصبِحِي فَارِسَةً؟"

أَومَأَت بِلطفٍ، وَفِي عَينَيهَا بَصِيصٌ مِنَ الحَمَاسِ الَذِي لَا تَفهَم سَبَبَه.

"أَجَل، أرِيد أَن أَفعَلَ شَيئًا… أَيَ شَيءٍ. قَد يَكون ذَلِكَ مفِيدًا لِي."

وَفِي دَاخِلِهَا… كَانَ صَوتٌ ضَعِيفٌ يهَمهِم، يَسأَلهَا:

"لِمَاذَا؟ هَل هَذَا صَحِيحٌ؟ هَل هِيَ إِستِرلِينَا تَرِيد أَن تَصِيرَ جندِيَةً؟ أَم أَنَ شَيئًا فِيهَا يدَفَع؟"

صَوت "إِيفَان" قَطَعَ كلَ ذَلِكَ:

"لَا أَظن أَنَ الأَمرَ سَيَكون سَهلًا… التَدرِيب قَاسٍ، وَسَاحَة القِتَالِ لَا تَرحَم."

"وَلَا أرِيدهَا أَن تَرحَمَ…"

قَالَتهَا بِلَهجَةٍ كَانَ فِيهَا مَا يفَاجِئهَا أَكثَرَ مِمَا يفَاجِئه.

هَل هَذِهِ كَلِمَاتهَا؟ أَم أَنَهَا صَدًى لِصَوتٍ آخَرَ يَتَكَلَم بِفَمِهَا؟

ضَحِكَ "إِيفَان" ضَحكَةً خَفِيفَةً، ثمَ قَالَ وَهوَ يلَامِس ذَقنَه:

"إِذَن، فَلنَختَبِر عَزِيمَتَكِ."

أَدَارَ ظَهرَه، وَأَشَارَ لَهَا بِاتِبَاعِهِ، فَتَبِعَته بِلَا تَرَددٍ.خَطَوَا مَعًا عَلَى بِلَاطِ السَاحَةِ، وَمَروا بِجَمَاعَةٍ مِنَ الفَارِسَاتِ كنَ يَتَدَرَبنَ عَلَى التَصدِي بِالدروعِ. وَقَد رَفَعَ بَعضهنَ أَبصَارَهنَ نَحوَهَا، وَهنَ يحدِقنَ بِغَرَابَةٍ.

شَعَرَت بِالنَظَرَاتِ تثقِل خطَاهَا، لَكِنَهَا تَمَاسَكَت.

تَمَاسَكَت، لِأَنَ شَيئًا مَا… أَعمَقَ مِنَ الرَغبَةِ، أَغرَقَهَا.

وَصَلوا إِلَى زَاوِيَةٍ خَالِيَةٍ مِنَ السَاحَةِ، وَكَانَ هنَاكَ فَارِسٌ يشرِف عَلَى التَدرِيبِ، فَنَادَاه "إِيفَان":

"إِيرون، أَرِهِم كَيفَ نقَدِم دَرسًا سَرِيعًا."

نَظَرَ "إِيرون" لَهمَا بِاستِغرَابٍ، وَقَالَ:

"أَمِيرَة القَصرِ ترِيد أَن تصبِحَ فَارِسَةً؟"

ضَحَكَ "إِيفَان":

"وَلِمَ لَا؟ هِيَ أَقوَى مِمَا تَبدو عَلَيهِ."

    تَقَدَمَ "إِيرون" خطوَةً نَحوَ أَستِرلِينَا، وَكَانَ رَجلًا فِي منتَصَفِ الأَربَعِينَ، عَرِيضَ المَنكِبَينِ، وَفِي وَجهِهِ خطوطٌ قَد خَطَهَا السَيف أَكثَرَ مِمَا خَطَهَا الزَمَن. كَانَت نَظرَته صَارِمَةً، لَكِنَهَا خَالِيَةٌ مِنَ العدوَانِيَةِ.

وَقَفَ أَمَامَهَا، ثمَ وَضَعَ يَدَه عَلَى صَدرِهِ وَانحَنَى انحِنَاءً خَفِيفًا، وَقَالَ:

"إِيرون فَالِك، قَائِد سَرَايَا التَدرِيبِ فِي القَصرِ الشَمَالِيِ، وَمشرِف التَكوِينِ العَسكَرِيِ لِلمجَنَدِينَ وَالمجَنَدَاتِ. سَأَكون مستَشَارَكِ الأَعلَى فِي هَذَا الطَرِيقِ، وَصَخرَتَكِ الَتِي تَستَنِدِينَ إِلَيهَا فِي وَقتِ السقوطِ."

اِستَمَعَت إِستِرلِينَا بِصَمتٍ، وَكل جزءٍ فِيهَا يَتَمَنَى أَن يَسأَلَ: "هَل يمكِننِي التَرَاجع؟"

لَكِنَهَا لَم تَقل شَيئًا.

رَفَعَ "إِيرون" يَدَه وَصَفَقَ مَرَتَينِ، فَانفَتَحَ بَابٌ جَانِبِيٌ فِي السَاحَةِ، وَخَرَجَت مِنه شَابَةٌ بالرغم من الشيب الذي يكتسي بعض خصلات شعرها طَوِيلَة القَامَةِ، شَعرهَا مَجدولٌ إِلَى ظَهرِهَا، وَتَحمِل فِي يَدِهَا خوذَةً جلدِيَةً وَدِرعًا نِصفِيًا.

نَظَرَ "إِيرون" نَحوَهَا، وَقَالَ بِنَبرَةٍ آمِرَةٍ:

"إِيلفِيَا، تَقَدَمِي."

تَقَدَمَتِ الفَارِسَة إِلَيهِمَا، وَوَقَفَت جَانِبَ "إِيرون" بِثِقَةٍ.

"هَذِهِ إِيلفِيَا هاركورت، مِن أَقوَى الفَارِسَاتِ فِي القَصرِ. هِيَ الَتِي سَتشرِف عَلَى تَدرِيبِكِ الأَوَلِيِ، وَسَتَكون رَقِيبَتَكِ فِي كلِ خطوَةٍ."

تَفَاجَأَت إِستِرلِينَا، وَقَالَت بِصَوتٍ متَلَاعِبٍ بَينَ الشَكِ وَالحَيَاء:

"مِنَ الغَدِ…؟"

هَزَ "إِيرون" رَأسَه، وَقَالَ:

"بَل عِندَ شروقِ الشَمسِ، وَيفَضَل أَن تَكونِي فِي السَاحَةِ قَبلَ ذَلِكَ. لَا تَأتِي وَأَنتِ تفَكِرِينَ فِي الزهورِ، فَالسِيف لَا يَزهو فِي المَرجِ، بَل يشهَر فِي الدَمِ."

صَمَتَت إِستِرلِينَا، وَأَومَأَت بِلطفٍ… وَهِيَ تخَفِي عَن قَلبِهَا نَبضَةَ خَوفٍ خَفِيَةً.

هَل هِيَ مستَعِدَةٌ لِهَذَا العَالَمِ؟ أَم أَنَه هوَ القَادِم لِيَستَهلِكَهَا؟      

        

نَظَرَت إِستِرلِينَا إِلَى إِيلِفيَا وَإِلَى إِيرون بِتَمَعنٍ، كَأَنَهَا تقَيِم كلَ خَطٍ فِي مَلَامِحِهِمَا، كلَ هَمسَةٍ فِي نَبرَاتِهِمَا. وَعِندَمَا تَأَكَدَت أَنَ كلَ شَيءٍ مرَتَبٌ لِيَومِ الغَدِ، عَادَت بِخطًى هَادِئَةٍ إِلَى القَصرِ، تَسحَب مَعَهَا نَفَسًا طَوِيلًا ممتَلِئًا بِالتَرَقبِ.

فِي غرفَتِهَا، وَضَعَت رَأسَهَا عَلَى الوِسَادَةِ وَعَينَاهَا تحَدِقَانِ فِي السَقفِ المزَخرَفِ، كَأَنَهمَا تَبحَثَانِ فِيهِ عَن إِجَابَاتٍ غَائِبَةٍ. كَانَ القَلَق يدَغدِغ صَدرَهَا، لَكِنَ حَمَاسَهَا لِليَومِ الجَدِيدِ كَانَ أَقوَى، فَاستَسلَمَت لِلنَومِ وَعَقلهَا ممتَلِئٌ بِالصوَرِ وَالتَسَاؤلَاتِ.

لَكِنَ اللَيلَ لَم يَكن رَحِيمًا كعادته

رَأَت نَفسَهَا مَجَدَدًا… فِي تِلكَ الغرفَةِ الغَرِيبَةِ،

المظلِمَةِ، الَتِي لَا نَافِذَةَ فِيهَا وَلَا ضَوءَ. وَكَانَ الهَوَاء فِيهَا يَختَنِق، كَأَنَه يقَاوِم أَنفَاسَهَا.

وَهنَاكَ… فِي زَاوِيَةِ الغرفَةِ، وَقَفَت تِلكَ المَرأَة.

مَرأَةٌ عَارِيَةٌ تَمَامًا، لَا تغَطِي جَسَدَهَا وَرَقَةٌ، وَلَا خَيط قِطنٍ… لَكِنَ الفَظِيعَ هوَ أَنَ جَسَدَهَا لَم يَكن بَشَرِيًا.

فَقَد كَانَت عَلَى كلِ بقعَةٍ فِيهِ أَفوَاهٌ… نَعَم، أَفوَاهٌ كَثِيرَةٌ. فِي بَطنِهَا… فِي صَدرِهَا… فِي رَقَبَتِهَا… وَفِي ركَبَتَيهَا. كل فَمٍ كَانَ يفَتِح شَفَتَيهِ بِبطءٍ كَأَنَه يهَيِئ نَفسَه لِلتِهَامِ شَيءٍ، وَأَسنَانه… أَسنَانه كَانَت تشبِه المَسَامِيرَ.

تَقَدَمَتِ المَرأَة نَحوَهَا، وَكل خطوَةٍ ترَافِقهَا هَمَسَاتٌ بِلغَةٍ غَرِيبَةٍ… كَلِمَاتٌ لَا تَفهَمهَا إِستِرلِينَا، وَلَكِنَهَا كَانَت تخِيفهَا. كَانَتِ الصَوت يَخرج مِن أَفوَاهٍ عِدَةٍ… وَصَدَاه كَانَ يَخدش أَذنَيهَا كَمِبرَدٍ خَشِنٍ.

وَبِحرقَةٍ، رَفَعَت يَدَهَا لِتَصدَهَا… لَكِنَ جَسَدَهَا جَمدَ.

تَقَدَمَتِ المَرأَة حَتَى لَامَسَتهَا…

وَعِندَهَا…

صَرَخَت إِستِرلِينَا.

صَرخَةٌ قَطَعَتِ الظَلَامَ كَسَيفٍ. وَفَجأَةً… فَتَحَت عَينَيهَا، وَهِيَ تَشهَق، تَلتَقِط أَنفَاسَهَا كَأَنَهَا غَرِقَت فِي بَحرٍ مظلِمٍ.

وَأَمَامَهَا… وجوهٌ.

وَجه إِيفَان، وَوجوه الخَادِمَاتِ، كلهم يَنظرونَ إِلَيهَا.وَلِلحَظَةٍ، بَدَت وجوههم… كَأَنَهَا نسَخٌ مِن كَابوسِهَا. نَفَسهَا تَقَطَعَ، وَقَلبهَا كَادَ يَنفَجِر، وَكَأَنَهَا… لَا تَزَال نَائِمَةً.

------

يتبع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنتِي هِي الهَّلَاك

المؤلف syreiaelora
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة