جِهَادٌ صَغيرٌ

جِهَادٌ صَغيرٌ

13 0

هتَزَ جَفنهَا، وَانفَتَحَت عَينَاهَا. الضَوء فِي الغرفَةِ كَانَ مَائِلًا لِلصفرَةِ، نَاعِمًا وَثَقِيلًا فِي آنٍ واحد. لَحظَة يَقَظَةٍ كَسكونِ بَعدَ طوفَانٍ، لَا تعلِن نَفسَهَا، وَلَا تبَشِر بِشَيءٍ.

فَوقَهَا، كَانَت وجوه الخَادِمَاتِ، تَمِيل نَاحِيَتَهَا كَأَغصَانٍ نَاعِمَةٍ، بَلَا ضَجِيجٍ. عيونهنَ تخفِي شَيئًا… كَأَنَهنَ شَاهَدنَ شَيئًا لَم يَكن يَنبَغِي لَهنَ رؤيَته.

إِستِرلِينَا تَحَرَكَت… بطءٌ فِي كلِ عَضلَةٍ. جَسَدهَا لَا يشبِههَا، كَأَنَه تَابوتٌ خَالٍ تَملِكه بِالصدفَةِ. مَدَت أصبعَيهَا لِتَلمِسَ رَقَبَتَهَا… نَبضهَا تَسَارَعَ.

ثمَ تَوَقَفَت.

تَذَكَرَتِ الكابوسَ.

كلَ نَفَسٍ، كلَ أَصبعٍ عَلَى جِلدِهَا، كلَ هَمسَةٍ جَاءَت مِن نَفسِهَا الأخرَى.

نَظَرَت نَحوَ المِرآةِ المقَابِلَةِ، بَعِيدَةٌ وَصَامِتَةٌ كَشَاهِدِ قَبرٍ. عَكسهَا كَانَ ضَبَابِيًا، وَلَكِن فِي ذِقنِهَا وَفِي عنقِهَا… كَانَ هنَاكَ شَيءٌ.

أَثَرٌ. خَفِيفٌ، وَاضِحٌ، وَقَاسٍ.

تَجَمَدَ دَمهَا.

حَاوَلَت أَن تَستَدِيرَ بِنَفسِهَا عَن المِرآةِ… وَفِي نَفسِ اللَحظَةِ، انحَنَت إِحدَى الخَادِمَاتِ نَاحِيَتَهَا، وَقَالَت بِنَبرَةٍ نَاعِمَةٍ، متَرَدِدَةٍ:

"سَيِدَتِي… هَل أَنتِ بِخَير؟"

أخرَى تَلتَفِت نَحوَهَا، وَالثَالِثَة توَقِف يَدَهَا فِي الشَعرِ.

ثَانِيَةٌ صَامِتَةٌ.

ثمَ… رَفَعَت إِستِرلِينَا عَينَيهَا، وَلِوَهلَةٍ بَدَت كَأَنَهَا تَسقط فِي جَوفِهِنَ. وَقَالَت بِصَوتٍ متَصَلِبٍ:

"لَا شَيءَ. أَنَا بِخَير."

الخَادِمَات نَظَرنَ لِبَعضِهِنَ، ثمَ أَخَذنَ يجَهِزنَ الحِمَامَ.

المَاء يَتَسَاقَط عَلَى جِلدِهَا كَـ مَغفِرَةٍ لَا تجدِي. كَانَ الدِفء يغرِقهَا، وَصَمت الخَادِمَاتِ يخِيفهَا أَكثَرَ مِن أَصوَاتِ الكَوَابِيسِ.

تَنظر لِبَشَرَتِهَا، تدَقِق…

تَلمَس أَثَرَ الخَنَقِ، ثمَ تبعِد يَدَهَا.

فِي دَاخِلِهَا، صَوتٌ يهَمهِم:

"إِذًا… كَانَ حَقًا.

مَا الَذِي يَسكننِي؟ مَن أَنَا؟

وَلِمَاذَا أَخَاف مَا أَشعر بِأَنَه مِنِي؟"

كَانَت تجَهَز كَالعَادَةِ:

تجَفَف، تسرَح، تلبَس الزِيَ التَدرِيبِيَ.

وَعِندَمَا وَضَعَت الخَادِمَة حِزَامَ القَطَنِ عَلَى خَصرِهَا، سَمِعَت طَرقًا خَفِيفًا، ثمَ صَوتًا يَختَرِق الغرفَةَ:

"الآنِسَة إِيلفِيَا تَنتَظِرهَا."

تَجَمَدَت. لَم تَقل شَيئًا.

بَعدَ هنَيهَةٍ، هَزَت رَأسَهَا بِخِفَةٍ، وَتَقَدَمَت نَحوَ البَابِ.

وَخَلفَ ذَلِكَ كلِ الصَمتِ… خَلفَ تِلكَ النَظَرَةِ الهَادِئَةِ…

--------------

كَانَتِ السَاحَة الشَرقِيَة تَفور بِأَصوَاتِ الخَيلِ، وَقَرقَعَةِ السيوفِ الخَشَبِيَةِ، وَصَرَاخِ الأَوَامِرِ. وَقَفَتِ إِستِرلِينَا عَلَى الطَرَفِ، وَرِيَاح الصَبَاحِ تبَعثِر خصلَاتِ شَعرِهَا الَتِي لَم تَستَطِعِ الخَادِمَات أَن تثَبِتَهَا كلِيًا.

لَم يَكن فِي عَينَيهَا نعَاسٌ، وَلَا تَشَتتٌ… بَل شَيءٌ آخَر، كَأَنَه تَرَقبٌ خَفِيٌ، وَحَذَرٌ لَا يَعرِف مِمَ يَخَاف.

تَقَدَمَت نَحوَ بَقِيَةِ الفَارِسَاتِ، كنَ نَحوَ عَشرٍ، أَعمَارهنَ متَقَارِبَةٌ، بَعضهنَ تَبدو عَلَيهِنَ الخِبرَة، وَبَعضهنَ بَدَأنَ مؤَخَرًا، كَمِثلِهَا.

وَقَفَتِ الآنِسَة إِيلفِيَا فِي المقَدِمَةِ، بَدلَتهَا الجِلدِيَة السَودَاء كَانَت تَلمَع فِي الضَوءِ، وَعَينَاهَا بَارِدَتَانِ كَحَجَرٍ أَسوَدَ، صَوتهَا صَلبٌ وَهَادِئٌ:

"اِصغَينَ. مَا نَفعَله هنَا لَيسَ لِلتَسلِيَةِ، وَلَا لِإِثبَاتِ مَن هِيَ أَجمَل. سَاحَة التَدرِيبِ لَا تَرحَم، وَسَاحَة الحَربِ أَقسَى."

صَمتٌ.

"نَبدَأ بِتَدرِيبِ التَحَملِ."

اِصطَفَتِ الفَارِسَات، وَبَدَأنَ فِي جَريٍ دَائِرِيٍ حَولَ السَاحَةِ، أَرضهَا مَغبَرَةٌ، ممتَلِئَةٌ بِبقَعِ طِينٍ وَحَجَرٍ، وَمَعَ كلِ خطوَةٍ، كَانَت صَدر إِستِرلِينَا يَرتَجِف بِشَيءٍ مِن برودَةٍ.

بَعدَ لَفَتَينِ، تَبَدَأ المَعَانَاة. رِئَتَاهَا تَحتَرِقَانِ، وَأَعضَل فَخِذَيهَا تَشتَعِل. الأخرَيَات كنَ يَتَنَفَسنَ بِنِظَامٍ، وَبَعضهنَ يَضحَكنَ فِي الهَمسِ.

"كَيفَ تَصنَع أَجسَادهنَ كلَ هَذَا؟"  سَأَلَت نَفسَهَا، وَشَعَرَت أَنَهَا تجبَر عَلَى الإِستِمرَارِ بِقوَةٍ لَا تَدرِي مَا هِيَ.

عِندَ انتِهَاءِ الجَري، سَقَطَت إِحدَاهنَ، وَضَحِكَت فَارِسَةٌ ذَات جِدَائِلَ بنِيَةٍ:

"تَصَوَرت أَنَه دَور البَدَايَةِ فَقَط!"

إِيلفِيَا تَقَدَمَت، وَأَشَارَت بِصَوتٍ حَادٍ:

"الصمود هوَ السِلَاح الأَوَل، وَالضَحِك هوَ عَدو التَرَكِيزِ. نَنتَقِل لِلتَوَازنِ."

جِيَادٌ صَغِيرَةٌ أحضِرَت، وَصنِعَت حَوَاجِز خَشَبِيَةٌ تشبِه أَسوَارًا، وَبسِطَت أَلوَاحٌ رَقِيقَةٌ عَلَى أَعمِدَةٍ.

كل فَارِسَةٍ وَقَفَت عَلَى اللَوحِ وَهِيَ تَحمِل عَصًا خَشَبِيَةً لِلتَوَازنِ.

عِندَ دَورِ إِستِرلِينَا، أَرجَحَتِ الرِيح قَدَمَيهَا. سَقَطَت مَرَةً، فَسَمِعَت تَزَمجمَةَ إِيلفِيَا:

"مَن يَسقط هنَا… يَسقط فِي سَاحَةِ القِتَالِ."

عَادَت، وَوَقَفَت مَرَةً أخرَى، تَتَنَفَس بِنَظمٍ، وَتثَبِت نَفسَهَا.

كَانَت تقَاتِل خَوفًا لَا تَستَطِيع تَسمِيَتَه.

ثمَ جَاءَ تَدرِيب المنَاوَرَاتِ بِالسَيفِ.

سيوفٌ خَشَبِيَةٌ طَوِيلَةٌ، وَكل فَارِسَةٍ وَضِعَت أَمَامَ أخرَى.

إِستِرلِينَا وَقَفَت أَمَامَ فَارِسَةٍ شقَراءَ، بَدَا عَلَيهَا الفَخر وَالخِبرَة.

"انظرِي فِي عَينَيَ." قَالَتهَا الفَارِسَة بِسخرِيَةٍ.

أَعطَتهنَ إِيلفِيَا الإِشَارَةَ. الضَربَة الأولَى… ثمَ الثَانِيَة… إِستِرلِينَا تَرتَبِك، تَرتَد، تصِيبهَا الضَرَبَات فِي كَتِفِهَا وَيَدِهَا.

وَفِي لَحظَةٍ… كَأَنَه شَيءٌ قَدِيمٌ صَحَا فِيهَا.

دَوَرَتِ السَيفَ، وَتَجَنَبَت ضَربَةً بِنعومَةٍ غَرِيبَةٍ، وَبَعدَ ثَانِيَةٍ، أَصَابَت زِنَارَ الفَارِسَةِ، وَتَوَقَفَتِ المبَارَزَة.

الصَمت.

نَظَرَت إِيلفِيَا إِلَيهَا طَوِيلًا، ثمَ قَالَت:

"مفَاجِئَةٌ… "

إِستِرلِينَا لَم تجِب. وَفِي عَينَيهَا لَمَعَ شَيءٌ… كَأَنَه رعبٌ مِن قوَةٍ لَا تَعرِفهَا.

بَعدَ تَدرِيبِ السيوفِ، لَم يؤذَن لَهنَ بِالجلوسِ، بَل تَقَدَمَت إِيلفِيَا خطوَةً، وَأَشَارَت بِيَدِهَا نَحوَ الركنِ اليَمِينِيِ مِنَ السَاحَةِ، حَيث اصطفَت عَارِضَاتٌ خَشَبِيَةٌ طَوِيلَةٌ، تشبِه أَجسَادًا بَشَرِيَةً، وَأَمَامَ كلٍ مِنهَا دِرعٌ دَائِرِيٌ وَخوَذَةٌ فولَاذِيَةٌ.

قَالَت إِيلفِيَا بِنَبرَةٍ مَسحوبَةٍ فِيهَا صَبرٌ وَخبثٌ دَفِين:

"لَا تجِيد الفَارِسَة فَقَط الضَربَ، بَل تَجِيد كَيفَ تسقِط مَن أَمَامَهَا دونَ أَن تَكشِفَ نَفسَهَا. القوَة الصَامِتَة… أَكثَر فَاعِلِيَةً."

وَبِإِيمَاءَةٍ وَاحِدَةٍ، تَقَدَمَتِ الفَارِسَات نَحوَ مَوَاقِعِهِنَ.

وَقَفَت إِستِرلِينَا أَمَامَ إِحدَى العَارِضَاتِ، وَبِيَدِهَا هِرَاوَةٌ مِنَ الخَشَبِ الثَقِيلِ، تَشدهَا فِي كلِ تَفَاصِيلِهَا. كَانَ عَلَيهِنَ أَن يوَجِهنَ ضَرَبَاتٍ مَحسوبَةٍ تَستَهدِف نقَاطَ الضَعفِ فِي الجِسمِ: عِندَ الرَقَبَةِ، خَلفَ الركبَةِ، وَفِي الجَانِبِ الأَيسَرِ تَحتَ الضِلعِ.

الضَرَبَة الأولَى مِن إِستِرلِينَا كَانَت مرتَبِكَةً، أَصَابَت حَافَةَ الدِرعِ، وَرَتَدَتِ الهَرَاوَة. سَمِعَت فَارِسَةً تَهمِس خَلفَهَا:

"يَبدو أَنَ أَصَابِعَهَا لَا تطِيعهَا."

قَضَمَت إِستِرلِينَا عَلَى نَفسِهَا، ثمَ عَادَت بِضَربَةٍ ثَانِيَةٍ… وَثَالِثَةٍ… كل وَاحِدَةٍ أَكثَر ثِقَلًا وَتَركِيزًا، حَتَى سمِعَ صَدًى خَشِنٌ يَتَرَدَد فِي الخَشَبِ.

صَوت إِيلفِيَا، وَهوَ يَمر مِن خَلفِهَا، قَالَ بِهدوءٍ:

"هَكَذَا… دَعِي عَضَلَاتِكِ تَتَكَلَم عَنكِ."

تَلَاه تَدرِيب القِتَالِ القَرِيبِ، بِلَا سيوفٍ، بِلَا دروعٍ

جَلَسَت إِيلفِيَا عَلَى الصَخرَةِ بِجَانِبِ إِستِرلِينَا، وَبِيَدِهَا قِربَة مَاءِ صَغِيرَة، قَدَمَتهَا لَهَا وَقَالَت بِنَبرَةٍ تَختَلِط فِيهَا الفَخر بِالحَنِينِ:

"آهٍ، لَو رَآنِي أَبِي اليَومَ، وَأَنَا أدَرِب فَتَاةً نَحِيلَةً بِمِثلِ هَذِهِ العَزِيمَةِ… لَقَالَ: إِيلفِيَا، هَذِهِ شَبِيهَتكِ وَأَنتِ فِي صِبَاكِ."

أَخَذَت إِستِرلِينَا القِربَةَ، وَرَشَفَت مِنهَا رَشفَةً، ثمَ نَظَرَت إِلَيهَا وَعَينَاهَا تَلمَعَانِ بِالضَحِكِ:

"تَتَكَلَمِينَ كَأَنَكِ عَجوزٌ فِي السَبعِينَ، تجَالِس الأَطفَالَ وَتسمِعهم حِكَمَهَا!"

ضَحِكَت إِيلفِيَا، وَقَالَت وَهِيَ تَمد قَدَمَيهَا أَمَامَهَا بِتَصَنعِ التَعَبِ:

"هَه، عَجوزٌ؟ يَا وَيلَكِ! أَنَا فِي الرَابِعَةِ وَالأَربَعِينَ فَقَط… وَكَأَنِي فِي نِهَايَةِ الزَهرِ!"

"الرَابِعَةِ وَالأَربَعِينَ؟" – قَالَتهَا إِستِرلِينَا وَهِيَ تَتَمَالَك ضِحكَتَهَا – "لَا أَعلَم لِمَاذَا كنت أَظنكِ أَصغَرَ… أَو أَكبَرَ… لَا أَعرِف!"

"أَنَا أَصغَر مِمَا أرِيد، وَأَكبَر مِمَا يَظنه النَاس." – هَكَذَا قَالَتهَا إِيلفِيَا، ثمَ أَضَافَت بِمِزَاحٍ لَطِيفٍ – "وَبِالرغمِ مِن ذَلِكَ… أسقِط فَارِسَتَينِ فِي ضَربَةٍ وَاحِدَةٍ، فَانتَبِهِي."

"حَاضِرٌ، يَا سَيِدَةَ العَجَائِزِ!"

"إِيَاكِ أَن تكَرِرِي ذَلِكَ، وَإِلَا جَعَلتكِ تَتَدَرَبِينَ يَومَ الرَاحَةِ!"

انفَجَرَتِ الضَحِكَة بَينَهمَا، صَافِيَةً وَنَادِرَةً، كَأَنَهَا نَبضٌ فِي آخِرِ النَهَارِ، وَكل وَاحِدَةٍ فِيهِنَ تَذَكَرَت شَيئًا جَمِيلًا، وَلَو لَم تَعِ مَا هوَ.

لَاشَتِ الضَحِكَة، كَأَنَهَا نقطَة نورٍ سَقَطَت فِي بِئرٍ عَمِيقٍ، ثمَ سَادَت لَحظَةٌ صَامِتَةٌ، لَم تَكن محرِجَةً، بَل مرتَبِكَةً… كَأَنَ الجَوَ أَدرَكَ فَجأَةً أَنَ عَلَيهِ أَن يَعودَ لِلهدوءِ.

وَبِدونِ مقَدِمَاتٍ، نَهَضَت إِيلفِيَا وَنَفَضَت ترَابًا خَيَالِيًا عَن ركبَتَيهَا، ثمَ قَالَت بِنَبرَةٍ خَفِيفَةٍ، كَأَنَهَا تجَاهِد لِتخفِي شَيئًا:

"يَجِب أَن أَتَفَقَدَ المَخَازِنَ"

وَضَعَت يَدَهَا عَلَى كَتِفِ إِستِرلِينَا، وَرَبَتَت عَلَيهِ بِلطفٍ:

"كنتِ بَطَلَةً اليَومَ… وَسَتَكونِينَ أَكثَرَ مِن ذَلِكَ، مَعَ الوَقتِ."

ثمَ استَدَارَت، وَمَضَت خطوَاتِهَا بِثِقَةٍ هَادِئَةٍ كَكلِ مَا تَفعَل

ظَلَت إِستِرلِينَا جَالِسَةً فِي مَكَانِهَا، وَتَتبَعهَا بِعَينَيهَا حَتَى اختَفَت خَلفَ السورِ الجَانِبِيِ، ثمَ نَظَرَت أَمَامَهَا، وَفِي دَاخِلِهَا شَيءٌ يَنغَزهَا كَإِبرَةٍ بَارِدَة.

"لِمَاذَا أَشعر… أَنَنِي متَعَلِقَةٌ بِهَا؟"

لَم تَعرِفِ السَبَبَ، فَهِيَ لَا تَعرِف تَارِيخَهَا، وَلَا ذَاكِرَتَهَا، وَلَا هوِيَتَهَا الكبرَى، وَمَعَ ذَلِكَ… وَفِي ظِلِ كلِ ذَلِكَ… قَلبهَا يَرتَاح عِندَ صَوتِ إِيلفِيَا، وَيَرتَبِك إِذَا غَابَ.

ربَمَا لِأَنَهَا أولَى مَن آمَنَت بِهَا… أَو ربَمَا لِأَنَهَا تذَكِرهَا بِشَيءٍ كَانَ مَوجودًا… وَضَاع.

كَانَ المَمَر هَادِئًا، تقَبِله أَشِعَة نورٍ خَافِتٍ تَتَسَلَل مِن نَوَافِذِهِ العَالِيَةِ، وَخَطَوَات إِستِرلِينَا كَانَت بَطِيئَةً بَعدَ يَومٍ طَوِيلٍ فِي التَدرِيبِ. وَمَا إِن دَخَلَتِ المَمَرَ الطَوِيلَ المفرَدَ حَتَى تَوَقَفَت… لِأَنَه كَانَ هنَاكَ.

وَاقِفًا بِظِلِ عَامودٍ رخَامِيٍ، كَأَنَه لَم يغَادِرِ المَكَانَ، كَأَنَه يَنتَظِرهَا، كَأَنَه… يَعرِف كَيفَ يَجِدهَا فِي كلِ مَرَةٍ.

"مَسَاء الخَيرِ، فَارِسَتِي."

صَوته كَانَ خَافِتًا وَعَذبًا، يشبِه طَرِيقَةَ النبَلَاءِ فِي الحَدِيثِ. وَفِي نَبرَتِهِ… ذَرَة دفءٍ تربِك مَن لَا يَعرِف النَوَايَا.

نَظَرَت إِلَيهِ، لَا تَعرِف كَيفَ تَرد. فَقَد رَأَته مَرَةً مِن قَبل، وَكَانَ شَيئٌ فِيهِ يقلِقهَا… وَلَكِنَه الآنَ يَبتَسِم، وَيَنظر إِلَيهَا كَمَن يقَدِرهَا بِصِدق.

"أَلَا تَجِدِينَ نَفسَكِ أَكثَرَ جَمَالًا عِندَمَا تَتَعَبِينَ؟" – قَالَهَا وَهوَ يقَرِب خطوَاتِهِ، وَفِي عَينَيهِ لَمعَةٌ كَالسهوِ، لَا تَدرِي أَهِيَ خدعَةٌ أَم إِعجَابٌ حَقِيقِيٌ.

------------

يتبع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنتِي هِي الهَّلَاك

المؤلف syreiaelora
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة