بَعْد كَلِمَات دِيمُوس لَم يَمْضِي لَحَظَات إِلَا وَ قَد كَانَتِ الْأَرْضُ تَرْتَجُّ مِنْ وَقْعِ الْأَقْدَامِ. وَقَدِ انْتَصَبَ صَفٌّ طَوِيلٌ مِنَ الْفُرْسَانِ، كُلٌّ بِزِيِّهِ الْفِرْسَانِيِّ، وَالسُّيُوفُ تَلْمَعُ عَلَى خُصُورِهِمْ كَأَنَّهَا شُهُبٌ مُشْتَعِلَةٌ.
صَوْتُ النَّفَسِ الثَّقِيلِ، وَقَعْقَعَةُ الدُّرُوعِ، وَصَرِيرُ السُّيُوفِ عِنْدَ سَحْبِهَا، كَانَتْ تَكْتُبُ سِيمْفُونِيَّةَ.
كَانَ الصَّمْتُ فِي الْبِدَايَةِ كَالطَّبْقِ الْمَشْدُودِ، يَسْبِقُ ضَرْبَةَ الْقَائِمَةِ الْكُبْرَى.
صَرَاخٌ، وَأَصْوَاتُ قَفَزَاتٍ، وَحَرَكَاتٌ مُتَتَالِيَةٌ كَالْمَوْجِ الْغَاضِبِ. انْطَلَقَتِ التَّدْرِيبَاتُ بِعُنْفٍ، دُونَ رَأْفَةٍ.
كُلُّ فَارِسٍ أَمَامَ آخَرَ، سَيْفٌ يُقَابِلُ سَيْفًا، وَالدِّرْعُ يَتَصَدَّى، وَالأَكُفُّ تَتَزَلْزَلُ تَحْتَ وَقْعِ الضَّرَبَاتِ.
عَلَى الجَانِبِ الْأَيْمَنِ، تَدْرِيبُ الْمُبَارَزَاتِ الْحُرَّةِ. وُقُوفٌ مُتَقَارِبٌ، وَمَنْ يَسْقُطُ، يُسْحَبُ خَارِجَ الدَّائِرَةِ لِيُعِيدَ كُلَّ خَطْوَةٍ، مِنَ البِدَايَةِ، وَبِثِقْلٍ أَشَدَّ.
صَرْخَاتٌ تَخْتَلِطُ بِالْعَرَقِ. خُطُوطُ الْجِبَاهِ مَشْدُودَةٌ، وَالْعُيُونُ مُتَسَمِّرَةٌ، تُطَارِدُ خَصْمَهَا بِهَوَسٍ.
بِجَانِبِ السَّاحَةِ، بَدَأَ تَدْرِيبُ الْقَفْزِ الْهُجُومِيِّ الْفُرْسَانُ يَجْرُونَ نَحْوَ جِدَارٍ خَشَبِيٍّ، يَقْفِزُونَ، يُوَجِّهُونَ الضَّرْبَةَ وَهُمْ فِي الْهَوَاءِ، ثُمَّ يَتَدَحْرَجُونَ فِي الأَرْضِ، وَيَقِفُونَ فِي وَضْعِ التَّصَدِّي.
وَاحِدٌ سَقَطَ عَلَى كَتِفِهِ. وَآخَرُ لَمْ يُسَيْطِرْ عَلَى اتِّجَاهِه. وَلَكِنْ لَا أَحَدَ تَوَقَّفَ. الْأَمْرُ كَانَ أَشْبَهَ بِصِرَاعٍ ضِدَّ ضُعْفِ النَّفْسِ.
وَفِي الوَسَطِ، تَدْرِيبٌ أَخَرُ يُدْعَى الْجِسْرُ الْمُسَلَّحُ طَرِيقٌ طَوِيلٌ مِنَ الْأَسْطُوَانَاتِ الْخَشَبِيَّةِ تَتَدَحْرَجُ تَحْتَ الْأَقْدَامِ، وَالفَارِسُ يَمْشِي عَلَيْهَا وَيَتَصَدَّى لِسِتِّ هَجَمَاتٍ وَهُوَ فِي وَضْعِ تَوَازُنٍ دَقِيقٍ.
سُقُوطٌ… لُطْخَاتُ طِينٍ… ضَرْبَاتٌ تَأْدِيبِيَّةٌ عَلَى السَّاقِ، كُلُّهَا جُزْءٌ مِنَ التَّعَلُّمِ..
وَفِي آخِرِ السَّاحَةِ، خُصِّصَ رُكْنٌ لِتَدْرِيبِ الْقُبَّةِ الْمُغْلَقَةِ سِجْنٌ خَشَبِيٌّ مُدَوَّرٌ، يُزَجُّ فِيهِ فَارِسَانِ، وَعَلَيْهِمَا أَنْ يُقَاتِلَا حَتَّى يَسْقُطَ أَحَدُهُمَا.
خَارِجَ التَّدْرِيبِ، كَانَ بَعْضُ الْفُرْسَانِ يُعَاقَبُونَ يَجُرُّونَ صُخُورًا ثَقِيلَةً بِحِبَالٍ عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَيَتَسَلَّقُونَ تَلًّا طِينِيًّا تَحْتَ مَرَاقَبَةِ صَامِتَةٍ مِنَ الْجُنُودِ.
اللَّيْلُ كَادَ يَحِلُّ، وَلَكِنَّ أَحَدًا لَمْ يَتَوَقَّفْ. وَالْأَرْضُ، كَأَنَّهَا أَخَذَتْ تَشْرَبُ مِنْ عَرَقِ الرِّجَالِ، وَتَتَغَذَّى مِنْ أَلَمِ أَكْتَافِهِمْ.
فِيدُورُ، فِي وَسَطِ هٰذَا الجُحِيمِ، كَانَ يُقَاتِلُ نَفْسَهُ أَكْثَرَ مِمَّا يُقَاتِلُ خَصْمًا. كَانَ يَرْكُضُ، يَصْرُخُ، يُوَجِّهُ سَيْفَهُ لِلْهَوَاءِ، كَأَنَّهُ يُطَارِدُ خَيَالًا. وَكُلَّمَا سَقَطَ… نَهَضَ. وَكُلَّمَا تَلَوَّثَ… تَبَسَّمَ بِغُصَّةٍ.
وفَجأَة...
شَقَّ السَّاحةَ رَجُلٌ غَرِيبٌ، يَرتَدي سِترَةً سَودَاءَ لا تُظهِرُ مِن جَسَدِه إلَّا كَفَّيهِ المغلَوفَتَينِ بِقِفَّازَينِ غَليظَينِ، وتَخفي ملامِحَ وجهِه تَحتَ قِناعٍ داكِنٍ تَوقَّفَ عِندَ إحدَى الفارِساتِ الجَانِبيَّات، وبِصَمتٍ غَيرِ مألوف، سَلَّمَها صُندُوقًا صَغِيرًا، مُستَطيلَ الشَّكلِ
رَفَعَتِ الفَارِسَةُ عَينَيها نَحوَه، تُحاوِلُ أن تَفهمَ، لكنَّهُ لَم يَتَكلَّم. وَبِهُدوءٍ كَمَن أتمَّ واجبًا قَدَرِيًّا، اسْتَدارَ وغَابَ خَلفَ جُدرانِ القَصرِ كَشَبَحٍ ظَهَرَ في غَلَطَةِ زَمنٍ، وانمَحى قَبلَ أن يُسَجِّلَهُ التَّاريخُ.
رَصَدَ فِيدور المَشهَدَ مِن بَعيدٍ، فَتَجمَّدَ نَظرُهُ على الصُّندُوق. شَعَرَ بِشَيءٍ ما يُخَبِّئُهُ الهواء، كَأنَّ جِلدَهُ يَنبِّهُه، كأنَّ رُكبَتَيهِ تَرفُضانِ تَقدُّمَ الدَّقائقِ دونَ فَحصٍ. وَبِسُرعَةٍ خاطِفَةٍ، اندَفَعَ نَحوَ الفَارِسَةِ الَّتي وَقَفَتْ مُتَلَبِّكَةً، لا تَعرِفُ إن كَانَ عَليها أن تَفتَحَ أو تَنتَظِرَ أمراً.
"مَا هَذَا؟" سَألهَا فِيدور بِصَوتٍ خَشِنٍ ، وقد تَوسَّعَ بَؤبُؤُ عَينَيهِ حَتَّى لَم يَعُد يَرَى سِوى ذلِكَ الصُّندُوقِ البَاهِتِ اللَّون.
قَالَتِ الفَارِسَةُ وَهيَ تَتَنفَّسُ بِثِقَل:
"حَتَّى أنا... لا أدرِي. جَاءَ وسَلَّمَهُ ثُمَّ غَاب. هل ربَّما يكونُ كَمِينًا؟"
نَظَرَ فِيدور إِلى يَديها، تَرتَجِفانِ كما يَرتَجِفُ حِصَانٌ جَريح، ثُمَّ انحَنَى، وبِدُونِ تَرَدُّدٍ، وَضَعَ يَدَهُ عَلى غِطاءِ الصُّندُوق، وَفَتَحَه.
ثَانِيَةٌ وَاحِدَة...
ثُمَّ تَوقَّفَ الوَقت.
رَأسٌ بَشَرِيّ، مَقطُوعٌ، مُتَفَحِّمٌ، تَنبَعِثُ مِنهُ رَائِحَةُ لَحمٍ مَشوِيٍّ ومَوْتٍ.
كَانَ مُلتَفًّا بِقِطْعَةِ قِماشٍ نِصفِ مَحروقةٍ، وَتَحتَها رِقعَةٌ دَاخِلِهَا خَيطٌ ذَهَبِيٌّ كَانَ يَلفُّ شَعرًا بُنِّيًّا غَليظًا...
رَغِمَ اسوِدَادِ الوَجهِ وتَشَوُّهِ المَلامِح، تَجمَّدَتِ العَينَانِ على تَفصِيلٍ واحِدٍ لا يُخطِئُهُ قلبُه: ذَلكَ الجُرحُ الصَّغِيرُ الَّذي يَمرُّ فوقَ الحَاجِبِ الأيمَنِ.
شَهَقَ فِيدور...
ثُمَّ تَكَرَّرَتِ الشَّهقَة، وكأنَّهُ نَسِيَ كَيفَ يَتنَفَّس.
تَراجَعَ خُطوَةً، ثُمَّ أُخرَى، وَهُو يُحدِّقُ فِي الرَّأسِ كَأنَّهُ سَيُبَدِّلُهُ بِالنَّظَرِ فقط.
"إيـفـلـيـا..." هَمَسَ بِصَوتٍ مَخنُوق.
لَو كَانَ قَلبُهُ يَملِكُ يَدَينِ، لَمزَّقَ صدرَهُ حَينَهَا.
لكنَّهُ نَظَرَ، وَرَكَّزَ، وَخَشِيَ أن يُصَدِّق، فَفَرَكَ عَينَيهِ، ثُمَّ أغمَضَهما، ثُمَّ فَتَحَهما مُجدَّدًا...
وَما زَالَتِ الرُّؤيَا وَاحِدَة.
بَدأَت يَداهُ تَرتَجِفَانِ، كَأنَّ العَظَامَ فيهِمَا تَفكَّكَت، وَلم يَعُد لِجِسْمِه تَوازُن.
وَقَفَت الفارِساتُ يَتَطلَّعنَ مِن بَعيد، تَجَمَّعَتِ الهَمَسات، ثُمَّ الصَّمتُ، ثُمَّ الشُّعُورُ المُرعِبُ بِأنَّ سِحرًا شَيطَانِيًّا تَسَلَّلَ إلى قَلْبِ المَمْلَكَة.
انحَنَى فِيدور فجأَةً على الأرض، وَضَغطَ يَدَهُ على وَجهِه كَأنَّهُ يُريدُ خَلعَ قِشْرَةِ الواقِع.
أَسنَانُهُ تَطَرِقُ بَعضَها، وَلِلحَظَةٍ بَدَا كَمَن سَيَنهَار، سَيَصرُخ، سَيَبكِي...
لكنَّهُ لَم يَفعَل.
بَدَلًا مِن ذلِكَ، وَقَفَ بِبُطءٍ، وَأَخذَ نَفسًا عَميقًا، كَمن يَبلَعُ شَمسًا سوداءَ.
نَظَرَ إلى الصُّندُوقِ ثَانيةً، ثُمَّ أَغلقَه بِصَمتٍ.
التَفَتَ نَحوَ الفَارِسَةِ قَائِلًا بِصَوتٍ خَافِت، يَجتَرِحُ الحُنجُرَةَ:
"خُذِيهِ إلى قَاعةِ المَجلِس. لا تَلمَسِي الرَّأس... أخبِري أبي أن يَأتي."
تَرَكَهُم وَمَضَى، كَمن يَحمِلُ عَالمًا منَ الجَحِيمِ عَلَى كَتفَيه.
كَانَ يُجرُّ خُطوَاتِه كأنَّ الأرْضَ تَأبَى أن تَحمِلَ مَا فيهِ مِن وَجَع.
وَفي العُمقِ... في الدَّاخِلِ... في مَكانٍ لا يَصِلُهُ الأُكسِجين،
صَرخَ قلبُهُ صَرخَةً لَم يَسمَعها أحد.
جَلَسَ فِيدُورُ بِجَانِبِ إِحْدَى الصُّخُورِ، وَظَهْرُهُ مُنْحَنٍ كَمَنْ يَحْمِلُ وَزْنَ الْعَالَمِ كُلِّهِ عَلَى كَتِفَيْهِ. كَانَتْ السَّمَاءُ فَوْقَهُ مَكْفَهِرَّةً، وَالضَّبَابُ يَتَزَاحَمُ فِي أُفُقِ الْغَابَةِ كَأَنَّهُ حِجَابٌ يَفْصِلُهُ عَنِ الْوَاقِعِ. وَجْهُهُ شَاحِبٌ، وَعَيْنَاهُ مُحَمَّرَتَانِ، لَمْ يَكُنْ فِي عَيْنَيْهِ نُدُوبُ البُكَاءِ، بَلْ فُجُورُ النَّدَمِ وَسُخْرِيَّةُ الْقَدَرِ.
ضَمَّ رُكْبَتَيْهِ إِلَى صَدْرِهِ، وَغَرَزَ أَظَافِرَهُ فِي قُمَاشِ سِرْوَالِهِ كَمَنْ يُعَاقِبُ نَفْسَهُ بِكُلِّ الطُّرُقِ الَّتِي لَمْ يَجِدْ فِيهَا كِفَايَةً لِكِرَاهِيَتِهِ لِذَاتِهِ.كَيْفَ يُوَاجِهُ نَفْسَهُ وَهُوَ السَّبَبُ فِي أَنْ تُقْطَعَ رَأْسُهَا؟ لَقَدْ عَرَفَ ذَلِكَ، لَمْ يَحْتَجْ أَحَدٌ أَنْ يُخْبِرَهُ. مَا إِنْ بَلَغَتْهُ الْأَخْبَارُ حَتَّى شَعَرَ بِخَدْرٍ يَسْرِي فِي أَطْرَافِهِ، وَبِرِيحٍ بَارِدَةٍ تَلْطُمُ جِلْدَهُ مِنَ الدَّاخِلِ.
كُلُّ شَيْءٍ انْهَارَ فِي لَحْظَةٍ. رَغْبَتُهُ الْغَبِيَّةُ فِي رُؤْيَةِ
اسْتِرْلِينَا، تِلْكَ اللَّحْظَةُ الْوَاحِدَةُ الَّتِي لَمْ يَسْتَطِعْ فِيهَا أَنْ يَصْبِرَ، هِيَ مَا كَانَتْ كَافِيَةً لِيُكْتَبَ فَصْلُ الدَّمِ. لَوْ أَنَّهُ انْتَظَرَ… لَوْ أَنَّهُ سَكَتَ… لَوْ أَنَّهُ لَمْ ي لِإِيلْفْيَا
بِكَلِمَاتِهِ الْمُرْتَبِكَةِ… كَانَتْ لَازِلَتْ حَيَّةً. أَخَذَ يَضْرِبُ جَبْهَتَهُ بِكَفِّهِ الْيُمْنَى، مَرَّةً، وَثَانِيَةً، حَتَّى اسْتَقَرَّتْ عَلَى مَا يُشْبِهُ الْهَمْسَ لَا… لَا… لَا…
نَهَضَ فِيدُورُ دُونَ أَنْ يُدْرِكَ، كَانَ يَجْرِي. لَا يَدْرِي إِلَى أَيْنَ، لَكِنَّ قَدَمَيْهِ كَانَتَا تَسْبِقَانِ عَقْلَهُ. اخْتَرَقَ أَفْنِيَةَ الْقَصْرِ، حَتَّى وَقَفَ أَمَامَ ذَلِكَ الْبَابِ الْمَفْتُوحِ، وَمِنْهُ انْبَعَثَ صَوْتُ أُخْتِهِ كَارْلَا…
"كَيْفَ فَعَلُوا هَذَا لَهَا؟!…"
صَوْتُهَا كَانَ مَخْنُوقًا، مُمْتَلِئًا بِبُحَّةِ الْبُكَاءِ. تَرْتَجِفُ، كَأَنَّ بَرْدَ الشِّتَاءِ اسْتَقَرَّ فِي عِظَامِهَا، وَدُمُوعُهَا تَنْهَمِرُ بِلَا انْقِطَاعٍ.
"أَبِي… أَنَا فِي كَابُوسٍ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ قُلْ لِي إِنَّهُ حُلْمٌ، وَأَنَّنِي سَأَصْحُو…"
كَانَ وَالِدُه كَاسيوس وَاقِفًا وَجْهُهُ مُتَجَمِّدٌ، يُحَاوِلُ أَنْ يُمْسِكَ بِيَدِهَا، وَلَكِنَّهَا أَبَتْ أَنْ تَهْدَأَ. وَقَفَ فِيدُورُ فِي الْعَتَبَةِ كَأَنَّهُ شَبَحٌ، نَظَرَ إِلَى أَبِيهِ، فَتَلَاقَتِ الْعُيُونُ، وَفِي نَظَرَةِ الْمَلِكِ مَزِيجٌ مِنَ الْخِذْلَانِ وَالْإِدْرَاكِ… وَشَيْءٍ مِنَ اللَّوْمِ الْخَفِيِّ الَّذِي لَمْ يُقَلْ.
كَمْ كَانَ يُرِيدُ فِيدُورُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَنْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَصْرُخَ. أَنْ يَضْرِبَ الْجُدْرَانَ، أَنْ يَقْطع أَصَابِعَهُ حَتَّى تَنْزِفَ، أَنْ يَصْرُخَ أَنَا… أَنَا السَّبَبُ… وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا. لَمْ يَكُنْ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ.
أَخَذَ يَتَأَمَّلُ أُخْتَهُ، صَغِيرَتَهُ، وَهِيَ تَتَحَطَّمُ، وَتَذْكُرُ لَحَظَاتِهَا مَعَ عَمَّتِهَا. هِيَ لَمْ تَعْرِفْ بَعْدُ مَا رَآهُ هُوَ، وَلَا الصُّورَةَ الَّتِي تَسْتَقِرُّ فِي خَيَالِهِ عَنْ رَأْسٍ قُطِعَ وَجَسَدٍ مَطْرُوحٍ عَلَى الْأَرْضِ… وَأَعْيُنٍ تُحَدِّقُ فِي الْفَرَاغِ… كَانَتْ كَارْلَا تَبْكِي، وَكَانَ هُوَ يَخْتَنِقُ…
وَبَيْنَمَا كَانَتِ الدُّمُوعُ تَغْسِلُ وَجْهَ أُخْتِهِ، وَالْكَلِمَاتُ تَخْرُجُ مِنهَا كَنَشِيجٍ، أَدَارَ فِيدُورُ ظَهْرَهُ بِبُطْءٍ، وَخَرَجَ مِنَ الْغُرْفَةِ دُونَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَةً وَاحِدَةً. دُونَ أَنْ يَعْتَذِرَ. دُونَ أَنْ يُفَسِّرَ، دُونَ أَنْ يَبْكِي.
لِأَنَّهُ عَلِمَ… أَنَّ كُلَّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ… قَدْ تَأَخَّرَ جِدًّا عَنْ وَقْتِهِ.
--------
يتبع
syreiaelora