تَحْتَ وَقْعِ القَسَمِ

تَحْتَ وَقْعِ القَسَمِ

14 0

لَا شَيْءَ يَبْدَأُ بِالدَّمِ...

الأُمَمُ تَتَشَكَّلُ أوّلًا مِنَ الضَّحِكِ، وَالإِخْوَةِ، وَمَوَائِدِ الْخُبْزِ الدَّافِئِ.

وَلكِنَّ الزَّمَنَ لَا يَحْفَظُ كُلَّ ذَلِكَ،

إِنَّهُ يُبْقِي فَقَط مَا يُقَاتِلُ لِلْبَقَاءِ...

وَكُنُوزُ القُلُوبِ لَيْسَتْ مِمَّا يُكْتَبُ فِي الكُتُبِ.

فِي زَاوِيَةٍ مُظْلِمَةٍ مِنَ التَّارِيخ،

انْفَصَلَ دَرْبَانِ كَانَا يَمْشِيَانِ مَعًا.

أَحَدُهُمَا اخْتَارَ العَدْلَ وَالوَاجِب،

وَالآخَرُ... اخْتَارَ أَنْ يُوَارِي جُرْحَهُ تَحْتَ التَّاجِ.

مَمْلَكَة اوسْتَارِيا-قَبْل إِثْنَانِ و عِشرِين سَنَةً

كَانَتِ السَّمَاءُ تَتَدَلَّى عَلَى الأُفُقِ كَثَوْبٍ ذَهَبِيٍّ، يَخْتَلِطُ فِيهِ نُورُ الشَّمْسِ الآفِلَةِ بِبُرُودَةِ الرِّيحِ، وَتَتَدَفَّقُ مَعَهُ أَصْوَاتُ الطُّيُورِ الْعَائِدَةِ إِلَى عُشُوشِهَا فَوْقَ أَبْرَاجِ القَصْرِ.

فِي السَّاحَةِ المُغْبَرَّةِ الَّتِي بَنَاهَا الجَدُّ الأَوَّلُ، كَانَ يُمْكِنُ سَمَاعُ صَدَى خُطُوَاتِ فَتَيَيْنِ، يَتَقَابَلَانِ فِي الوَسَطِ، وَبِيَدِ كُلٍّ مِنْهُمَا سَيْفٌ خَشَبِيٌّ.

مُورْفِيل، البِكْرُ، في السّابِعَة عَشْرة مِن عُمْرِه، شَعْرُهُ البُنِّيُّ يَنْسَابُ عَلَى جَبِينِهِ، وَعَيْنَاهُ تَلْمَعَانِ بِثِقَةٍ لَا تَخْفَى.

وَدِيمُوس، أَخُوهُ الأَصْغَرُ، فِي الخَّامِسَة و العِّشرِينَ، هَادِئُ الْمَلامِحِ، يُمْسِكُ بِسَيْفِهِ بِكِلْتَا يَدَيْهِ

مُورْفِيل (بِضَحِكَةٍ خَفِيفَة):

ــ "تَحمَّلْ، يَا دِيمُوس... لَا أُرِيدُ أَنْ تَسْقُطَ بَعْدَ ثَلَاثِ ضَرَبَاتٍ."

دِيمُوس (يَرْفَعُ حَاجِبَهُ، وَيَرُدُّ بِرَصَانَةٍ مُصْطَنَعَة):

ــ "وَأَنَا لَا أُرِيدُ لِوَجْهِكَ أَنْ يَلْتَصِقَ فِي التُّرَابِ، فَهُوَ قَصِيرُ الْقَامَةِ كِفَايَة."

تَبَادَلَا النَّظَرَ، وَفِي العُيُونِ لَمَعَةٌ قَدِيمَةٌ تُشْبِهُ لَمْعَةَ الذَّهَبِ فِي مِعْصَمِ أَبِيهِمَا، وَكَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَخْبِئُ تَحْتَ ضَحِكَتِهِ سُؤَالًا ثَقِيلًا.

مُورْفِيل (يَضْرِبُ بِسَيْفِهِ ضَرْبَةً خَفِيفَةً عَلَى كَتِفِ أَخِيهِ):

ــ "أَتَعْتَقِدُ أَنَّهُ سَيُعْلِنُ اسْمَ الوَارِثِ اللَّيْلَةَ؟"

دِيمُوس (يَتَفَادَى الضَّرْبَةَ، وَيُجَاوِبُ بِهِدُوءٍ):

ــ "قَدْ يَفْعَلُ. وَقَدْ لَا يَفْعَلُ. وَفِي الحَالَتَيْنِ... الأَمْرُ سَيَتَغَيَّرُ."

مُورْفِيل

ــ "أَنَا الأَكْبَرُ، وَالأَقْوَى... وَالْأَجْدَرُ. أَلَا تَرَى ذَلِكَ؟"

دِيمُوس (يَصْمُتُ لَحْظَةً، ثُمَّ يَرْفَعُ سَيْفَهُ نَحْوَ صَدْرِ أَخِيهِ):

ــ "تِلْكَ لَيْسَتْ أَسْبَابًا كَافِيَةً لِتَكُونَ مَلِكًا."

مُورْفِيل (يُصْدَمُ قَلِيلًا، ثُمَّ يَتَسَاءَلُ):

ــ "وَأَنْتَ؟ مَا الَّذِي تَجْعَلُهُ سَبَبًا؟"

دِيمُوس (بِصَوْتٍ هَادِئٍ، وَعَيْنَاهُ فِي عَيْنَيْ أَخِيهِ):

ــ "أَنْ تَسْتَطِيعَ أَنْ تَكُونَ أَخًا... حَتَّى بَعْدَ أَنْ تَصِيرَ مَلِكًا."

اِنْتَهَى النِّزَالُ أَخِيرًا بَعْدَ أَنْ تَبَادَلَا العَشَرَاتِ مِنَ الضَّرَبَاتِ، كُلٌّ مِنهُمَا يُجِيدُ قِرَاءَةَ الآخَرِ كَمَا لَوْ أَنَّهُ يَرَى اِنْعِكَاسَهُ فِي مِرْآةٍ صَامِتَةٍ.

سَقَطَ سَيْفُ مُورْفِيلَ الخَشَبِيُّ بَعْدَ اِنْحِرَافٍ خَفِيفٍ فِي تَوَازُنِهِ، بَيْنَمَا بَقِيَ دِيمُوسُ ثَابِتًا فِي مَكَانِهِ، يُمْسِكُ بِسِلَاحِهِ قُرْبَ صَدْرِهِ، دُونَ أَنْ يَتَقَدَّمَ خُطْوَةً وَاحِدَةً.

لَمْ تَكُنِ الهَزِيمَةُ سَاحِقَةً، بَلْ بِالكَادِ تُحْتَسَبُ، وَلَكِنَّهَا حَسَمَتْ جَوْلَةً دَامَتْ أَكْثَرَ مِمَّا ظَنَّ الحُرَّاسُ المُتَجَمِّعُونَ عَلَى أَطْرَافِ السَّاحَةِ.

تَنَفَّسَ كِلَاهُمَا بِعُمُقٍ، يَلْهَثَانِ. لَمْ تَكُنِ المُبَارَزَةُ سِوَى تَمْرِينٍ أُخَوِيٍّ، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا مَا هُوَ أَعْمَقُ مِنْ مَهَارَةٍ بِالسِّلَاحِ. كَانَتِ اخْتِبَارًا صَامِتًا، لَا يُعْلِنُ نَفْسَهُ، لِمِقْدَارِ الاسْتِعْدَادِ النَّفْسِيِّ لِكُلٍّ مِنهُمَا لِلَّيْلَةِ القَادِمَةِ.

عِنْدَمَا اِنْحَنَى مُورْفِيلُ لِيَلْتَقِطَ سَيْفَهُ، لَمْ تَكُنْ فِي عَيْنَيْهِ خَيْبَةٌ وَلَا غَضَبٌ، بَلْ بَرِيقٌ غَامِضٌ، مَزِيجٌ مِنَ الإِرْهَاقِ وَالتَّوَتُّرِ، كَمَا لَوْ أَنَّ شَيْئًا أَثْقَلَ مِنَ الخَشَبِ وَالعَرَقِ وَالسُّقُوطِ كَانَ يَثْقُلُ صَدْرَهُ.

تَفَرَّقَ الخَدَمُ بِصَمْتٍ، وَلَمْ يَبْقَ فِي الفِنَاءِ سِوَى ظِلَّيْهِمَا، كُلٌّ مِنهُمَا يَنْظُرُ إِلَى الآخَرِ لَحْظَةً أَطْوَلَ مِمَّا يَجِبُ، ثُمَّ اِنْسَحَبَا... دُونَ كَلِمَةٍ.

كُلٌّ إِلَى طَرِيقِهِ.

وَاحِدٌ يَحْمِلُ اِنْتِصَارًا صَغِيرًا، وَالآخَرُ يَحْمِلُ شَيْئًا لَا يَعْرِفُ لَهُ اسْمًا بَعْدُ.

القَاعَةُ الكُبْرَى - ٭

تَدَفَّقَ الضَّوْءُ البَاهِتُ مِنْ أَعْمِدَةِ المَشَاعِلِ المُثَبَّتَةِ عَلَى جُدْرَانِ القَاعَةِ، يَرْتَجِفُ لَهِيبُهَا وَيَرْقُصُ عَلَى الوُجُوهِ المُتَوَتِّرَةِ، وَالأَعْيُنِ المُتَرَقِّبَةِ لِهٰذِهِ اللَّيْلَةِ الَّتِي سَتُسَجَّلُ فِي الكُتُبِ.

كَانَ كُلُّ شَيْءٍ فِي تِلْكَ القَاعَةِ يَشِي بِالجَلالِ وَالمَهَابَةِ: السُّقُوفُ المُقَبَّبَةُ، وَالأَعْمِدَةُ المُزَيَّنَةُ بِرُمُوزِ العَائِلَةِ المَالِكَةِ، وَذٰلِكَ العَرْشُ العَالِي فِي وَجْهَةِ القَاعَةِ، وَرَاءَهُ رَايَةٌ قِرْمِزِيَّةٌ يَتَوَسَّطُهَا تَاجٌ ذَهَبِيٌّ تَحْتَهُ نَسْرٌ بَاسِطٌ جَنَاحَيْهِ.

تَقَدَّمَ دِيمُوسُ وَمُورْفِيلُ بَجَانِبِ بَعْضِهِمَا، وَكُلٌّ مِنهُمَا يَرْتَدِي رِدَاءَهُ الرَّسْمِيَّ: دِيمُوسُ فِي لَوْنِ النَّبَاتِ الغَامِقِ المُزَيَّنِ بِنُقُوشٍ فِضِّيَّةٍ، وَمُورْفِيلُ فِي اللَّوْنِ الكُحْلِيِّ المُطَعَّمِ بِالخُيُوطِ الذَّهَبِيَّةِ.

تَوَقَّفَا أَمَامَ الدَّرَجِ المُفْضِي إِلَى العَرْشِ، وَكُلٌّ مِنهُمَا يُخْفِي وَجْهًا مَمْلُوءًا بِالاحْتِمَالِ وَالصَّمْتِ.

الجُمُوعُ المُجْتَمِعَةُ، مِنَ الحَكَّامِ، وَالقَادَةِ، وَنُخَبِ المَمْلَكَةِ، جَلَسُوا فِي صَمْتٍ تَامٍّ، لَا يُسْمَعُ سِوَى خَفَقَاتِ القُلُوبِ، وَصَدَى القُدَمِ فِي القَاعَةِ المَكْشُوفَةِ.

وَفِي الهَامِشِ، وَرَاءَ السُّتُورِ، وَقَفَ الخُدَّامُ وَالحُرَّاسُ بِثِيَابِهِمِ السَّوْدَاءِ، يَنْظُرُونَ فِي صَمْتٍ، كَأَنَّهُمْ أَيْضًا يَفْهَمُونَ وَقْعَ مَا سَيَحْدُثُ.

عَلَى العَرْشِ، جَلَسَ المَلِكُ آلِيرُون، وَالدُهُمَا، شَيْخًا طَاعِنًا فِي السِّنِّ، وَوَجْهُهُ مَكْتُومٌ لَا يُقْرَأُ فِيهِ شَيْءٌ. عَيْنَاهُ كَانَتَا مُتَصَلِّبَتَيْنِ، تَتَأَمَّلَانِ كِلَيْهِمَا، كَأَنَّهُ يَزِنُ مَا لَا يُزَنُ بِالكَلِمَاتِ.

كَانَ مُورْفِيلُ يَظُنُّ أَنَّهُ الأَقْرَبُ، وَهُوَ الأَكْثَرُ جُرْأَةً، وَالأَفْصَحُ لِسَانًا، وَالأَشَدُّ حُبًّا لِلمَجْدِ. وَكَانَ دِيمُوسُ هَادِئًا كَعَادَتِهِ، لَا يُظْهِرُ مَا فِي قَلْبِهِ، وَلَا يَخْفِي قُوَّتَهُ.

تَقَدَّمَ المَلِكُ آلِيرُون أَزْرِيس بِخُطًى هَادِئَةٍ، تَكادُ تُسْمَعُ مَعَهَا أَصْوَاتُ العُقُودِ الَّتِي حَمَلَهَا عَلَى عَاتِقِهِ. وَقَفَ أَمَامَ العَرْشِ، وَنَظَرَ إِلَى وَلَدَيْهِ، ثُمَّ تَجَوَّلَ بِنَظَرِهِ عَلَى الوُجُوهِ المُجْتَمِعَةِ، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ جَهِيرٍ، عَالِيًا وَوَاضِحًا:

"أَيُّهَا الأَصْدِقَاءُ وَالوُزَرَاءُ، أَيُّهَا القَادَةُ وَالنُّبَلَاءُ، أَيُّهَا الشَّعْبُ الْوَفِيُّ...

جِئْتُمْ اليَوْمَ تَنْظُرُونَ، وَتَسْمَعُونَ، وَتَشْهَدُونَ، نُقْطَةَ التَّحَوُّلِ فِي سِلْسِلَةِ الحُكْمِ، وَبِدَايَةَ عَهْدٍ جَدِيدٍ، فِي مَمْلَكَتِنَا العَظِيمَةِ: أُوْسْتَارِيَا."

"مَرَّتْ عَلَيَّ سِنُونٌ كَثِيرَةٌ وَأَنَا أَحْكُمُ هٰذِهِ الأَرْضَ، وَقَدْ رَأَيْتُ فِيهَا الوِفَاقَ وَالحَرْبَ، الزُّهُوَ وَالجُرْحَ، وَكُلَّ ذٰلِكَ كَانَ بِمُؤَازَرَتِكُمْ وَثِقَتِكُمْ. وَإِنَّنِي، اليَوْمَ، أَقِفُ بَيْنَكُمْ وَفِي قَلْبِي مَا لَا يُوصَفُ."

"أَقِفُ بَيْنَ وَلَدَيَّ: دِيمُوسُ وَمُورْفِيلُ...، وَكِلَاهُمَا جَانِبٌ مِنِّي، وَكِلَاهُمَا دَمِي وَلَحْمِي. كَانَا وَلاَ زَالَا فَخْرِي وَعِزِّي، وَفِي كُلٍّ مِنهُمَا مَا يُؤَهِّلُهُ لِلمُلْكِ: الْعَقْلُ وَالقُوَّةُ، وَالْفِطْنَةُ وَالحِكْمَةُ، وَالرُّؤْيَا وَالإِخْلاَصُ."

"لَكِنَّ التَّاجَ... لَا يُقَسَّمُ."

"وَالعَرْشُ... لَا يَتَّسِعُ إِلَّا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ."

"لَقَدْ رَقَبْتُهُمَا مُنْذُ صِغَرِهِمَا، وَقِسْتُ كُلَّ خُطُوَةٍ، وَكُلَّ لَفْتَةٍ، وَكُلَّ قَرَارٍ. وَرَأَيْتُ مَا لَا تَرَوْنَ. رَأَيْتُ مَنْ يُسَاهِمُ فِي لَمْلَمَةِ الشَّعْبِ، وَمَنْ يَبْنِي فِي صَمْتٍ، وَمَنْ يَفْهَمُ الصَّبْرَ، وَيُدْرِكُ كَيْفَ تُحَافَظُ الأَرْضُ... لاَ كَيْفَ تُغْزَى."

"وَلِذٰلِكَ..."

"فَإِنِّي، أَنَا آلِيرُون بْنُ أَزْرِيس، المَلِكُ الثَّالِثُ وَالعِشْرُونَ لِهٰذِهِ المَمْلَكَةِ، أُعْلِنُ أَنَّ وَارِثَ العَرْشِ... هُوَ: دِيمُوسُ أَزْرِيس."

سَادَ صَمْتٌ فِي القَاعَةِ كَأَنَّ الوَقْتَ تَوَقَّفَ.

تَفَجَّرَ الهَمْسُ فِي أَطْرَافِ القَاعَةِ، وُجُوهٌ انْبَهَرَت، وَأُخْرَى ذُهِلَت، وَأَمَّا مُورْفِيلُ، فَكَانَ وَجْهُهُ قَاسِيًا كَصَخْرَةٍ أَسْقَطَهَا الزَّمَنُ عَلَى صَدْرِهِ.

تَحَرَّكَ الجَمِيعُ فِي القَاعَةِ، كَمَا تَتَفَتَّحُ الوُرُودُ لِأَوَّلِ نُورٍ، وَسَطَ عَاصِفَةٍ مِنَ التَّصْفِيقِ وَالهُتَافِ. وَاحِدٌ فَقَط، لَمْ يُحَرِّكْ يَدَيْهِ، وَلَا بَسَمَةً.

مُورْفِيل وَقَفَ سَاكِنًا، كَمَا لَوْ أَنَّ الوَقْتَ لَمْ يَتَفَاوَتْ عَلَيْهِ. عَيْنَاهُ تَثْبُتَانِ عَلَى أَخِيهِ، لَا تُزِيحَانِ النَّظَرَ، وَلَا تُبْدِيَانِ مَا فِي الدَّاخِلِ. كَانَ فِي نَظْرَتِهِ شَيْءٌ مَخْفِيٌّ... شَيْءٌ ثَقِيلٌ، كَأَنَّهُ يُقَلِّبُ شَيْئًا قَدِيمًا فِي نَفْسِهِ.

شَدَّ عَلَى أَصَابِعِهِ حَتَّى بَدَتْ مَفَاصِلُهُ بَارِزَةً، وَضَمَّ ذِرَاعَيْهِ إِلَى صَدْرِهِ، وَفِي عُمقِ قَلْبِهِ شَيْءٌ لَمْ يُقَلْ. لَمْ يَكُنْ فِي وَجْهِهِ سُخْطٌ، وَلَا فِي صَوْتِهِ اعْتِرَاضٌ، وَلَكِنَّ الصَّمْتَ... كَانَ أَبْلَغَ مِن كُلِّ شَيْءٍ.

عِنْدَمَا اجْتَازَ دِيمُوس بَجَانِبِهِ، أَحَنَّ رَأْسَهُ خَفْضًا، وَخَطَا خُطْوَةً إِلَى الْخَلْفِ. وَلَوْ أَنْصَتَ أَحَدٌ لِنَفَسِهِ، لَرَآهُ يُخْرِجُهُ عَلَى مَهَلٍ، كَأَنَّهُ يُقَاتِلُ رِيحًا دَاخِلِيَّةً تَجُرُّهُ.

ثُمَّ بَقِيَ فِي مَكَانِهِ... طَوِيلًا، وَكُلُّ مَا فِيهِ يُشْبِهُ رَجُلًا كَانَ يَتَوَقَّعُ شَيْئًا، وَأُعْطِيَ غَيْرَهُ.

مَرَّتِ الأَيَّامُ وَهِيَ تُرَاكِمُ فِي صُدُورِهِمَا مَا لَمْ يُقَلْ. دِيمُوس، وَهُوَ يَتَكِئُ عَلَى عَرْشِ أَبِيهِمَا، بَدَأَ يُرْتِّبُ أَسْوَارَ مَمْلَكَتِهِ وَوِلَايَاتِهَا، وَفِي كُلِّ مَجْلِسٍ، كَانَ مُورْفِيل يَجِدُ نَفْسَهُ أَبْعَدَ مِمَّا سَبَقَ، كَمَا لَوْ أَنَّهُ زَائِدٌ عَنِ الحِكْمَةِ، وَغَرِيبٌ فِي قَصْرٍ عَاشَ فِيهِ كَطِفْلٍ.

دِيمُوس لَمْ يَكُنْ قَاسِيًا، وَلَا لَاذِعًا، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى عَلَى أَخِيهِ بِالرِّفْقِ البَارِدِ، وَبِالنَّظَرَاتِ الَّتِي تَمُرُّ كَأَنَّ مَا بَيْنَهُمَا صَارَ مَاضِيًا. يُنَادِيهِ بِلَقَبِهِ، لَا بِاسْمِهِ، وَيُرْسِلُ لَهُ الأَوَامِرَ بِخَتْمٍ، لَا بِرَسُولٍ. وَكُلَّمَا دَخَلَ مُورْفِيل قَاعَةَ الحُكْمِ، وَجَدَ الكُرْسِيَّ الجَانِبِيَّ مَشْغُولًا، وَأَفْكَارَهُ مَحْشُورَةً مَعَ النِّسْيَانِ.

فِي لَيْلَةٍ شَاتِيَةٍ، كَانَ يَجْلِسُ وَحْدَهُ فِي إِحْدَى غُرَفِ القَصْرِ القَدِيمَةِ، وَالضَّوْءُ الخَافِتُ يَنْعَكِسُ عَلَى وُجُوهِ الكُتُبِ وَالخَرَائِطِ. عَلَى الرَّفِّ العَالِي، سَحَبَ لَفِيفَةً قَدِيمَةً كَانَ أَبُوهُمَا قَدْ نَسَجَهَا فِي سِفْرِ رِحَلَاتِهِ.

مَدَّهَا عَلَى المَائِدَةِ، وَنَظَرَ إِلَى الجِهَةِ الشِّمَالِيَّةِ، أَرْضِ فِيرِيلُونَا... أَرْضٌ وَعِرَةٌ، مَجْهُولَةٌ، غَيْرُ مُؤَهَّلَةٍ لِلحُكْمِ. وَلَكِنَّهَا... فَارِغَةٌ، مِثْلَهُ.

قَالَ فِي نَفْسِهِ:

"فِي الفَرَاغِ يَبْدَأُ الخَلْقُ... وَفِي الصَّمْتِ تُكْتَبُ أَقْدَارُ الجَبَابِرَةِ..."

لَمْ يَكُنْ يَحْلُمُ... بَلْ يُخَطِّط.

وَفِي قَلْبِ مُورْفِيل، كَانَتِ المَمْلَكَةُ الجَدِيدَةُ تَتَشَكَّلُ قَبْلَ أَنْ تُبْنَى.

مَمْلَكَةٌ لَا تَعْرِفُ الضُّعْفَ، وَلَا تَنْحَنِي لِلرَّحْمَةِ.

مَمْلَكَةٌ يَكُونُ فِيهَا هُوَ... الإِلَهُ وَالحَكَمُ وَالسَّيْف.

فِي اللَّيَالِي الَّتِي تَلَتْ، لَمْ يَعُدْ مُورْفِيل يَظْهَرُ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا فِي مَجَالِسِ القَصْرِ، وَلَا حَتَّى فِي مَوَائِدِ العَائِلَةِ. كَانَ يُرْسِلُ رُسُلًا بِاسْمِهِ، وَيَتَحَاشَى الظُّهُورَ، كَأَنَّهُ يَتَبَخَّرُ بِهُدُوءٍ.

وَفِي الخَفَاءِ، كَانَ يَجْتَمِعُ مَعَ رِجَالٍ لَا يُعْرَفُونَ فِي المَلَكِيَّةِ، لَا مَكَانَ لَهُمْ فِي المَجَالِسِ، وَلَا وُجُوهَهُمْ تَزُورُ صَفُوفَ الحَرَسِ. كَانُوا تَجَّارًا، وَقُدَامَى جُنُودٍ، وَشُيُوخَ قَبَائِلٍ نَسِيَهُمُ العَرْشُ.

فِي سُرَادِقٍ صَغِيرٍ فِي أَطْرَافِ العَاصِمَةِ، جَلَسَ وَهُوَ يُخَاطِبُهُمْ، وَكُلُّ كَلِمَةٍ فِي فَمِهِ كَأَنَّهَا تُطْعِمُ فِي قُلُوبِهِمْ شَيْئًا كَانَ يَجُوعُ لَهُ:

"لَا أَطْمَعُ فِي عَرْشِ أَخِي... وَلَكِنِّي أَرَفْضُ أَنْ أَكُونَ ظِلًّا فِي بِلَادٍ لَا تَرَانِي. مَنْ يَسِيرُ مَعِي، لَا يَسِيرُ تَحْتِي، بَلْ مَعِي، وَيُقَاسِمُنِي بِنَاءَ المُلْكِ، لاَ يُسَاقُ لِخِدْمَةِ غَيْرِهِ."

وَكَانُوا يَسْتَمِعُونَ، وَالعُيُونُ تَتَبَادَلُ نَظَرَاتِ الحَذَرِ، ثُمَّ الرِّضَا، ثُمَّ الوَلَاءِ

--

فِي صَبَاحٍ شَاحِبٍ، كَانَ الضَّبَابُ يَتَسَلَّلُ إِلَى غُرَفِ القَصْرِ كَأَصَابِعٍ بَارِدَةٍ تَتَحَسَّسُ المَوْتَى. فِي قَاعَةِ الوُثَائِقِ، كَانَ دِيمُوس يَجْلِسُ وَحْدَهُ، يَقْلِبُ الرُّقَعَ وَالأَخْتَامَ، بِنَظَرَةٍ سَاكِنَةٍ لَا تُبْدِي مَا فِي رَأْسِه.

مُورْفِيل دَخَلَ بِخُطًى خَفِيفَةٍ، مَتْرُوكَةٍ بِالضَّبَابِ، وَتَوَقَّفَ عَلَى بُعْدِ خُطْوَاتٍ مِنَ المَكْتَبِ.

تَفَحَّصَ دِيمُوس الخَتْمَ لِلْمَرَّةِ الأَخِيرَة، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ:

"لَمْ تَأْتِ لِمَجْرَّدِ الزِّيَارَةِ... أَلَيْسَ كَذٰلِكَ؟"

أَجَابَ مُورْفِيل، وَنَظَرُهُ يَجُوبُ أَرْكَانَ القَاعَةِ، كَمَنْ يَزُورُ مَكَانًا سَيُغَادِرُهُ طَوِيلًا:

"جِئْتُ أُخْبِرُكَ... أَنَّنِي سَأُغَادِرُ لِفَتْرَةٍ."

"لِلشِّمَالِ؟" سَأَلَ دِيمُوس، وَهَذِهِ المَرَّةُ نَظَرَ فِيهِ طَوِيلًا.

"ذٰلِكَ الْمَكَانُ الَّذِي كُنْتَ تَذْكُرُهُ فِي خَرَائِطِك... وَفِي أَحْلَامِ الطُّفُولَةِ؟"

لَمْ يُجِبْ مُورْفِيل فِي البِدَايَة. ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ، كَأَنَّهُ يُنَزِّلُ عِبْئًا عَلَى مَائِدَةٍ:

"أُرِيدُ أَنْ أَبْنِي شَيْئًا... يُشْبِهُنِي."

صَمَتَ دِيمُوس، وَفِي نَظَرَتِهِ شَيْءٌ لاَ يُفَسَّر، لَا سُخْرِيَةٌ، وَلَا قَلَقٌ، وَلَا ثِقَةٌ تَامَّةٌ.

ثُمَّ قَالَ بِلُطْفٍ صَامِتٍ:

"قَدْ كُنْتُ أَعْرِفُ... وَلَمْ أَمْنَعْكَ."

"لِمَ؟" سَأَلَ مُورْفِيل.

"لِأَنَّنَا إِخْوَةٌ، وَالإِخْوَةُ... أَحْيَانًا يُفْلِتُونَ بَعْضَهُم، لِيَجِدُوا أَنْفُسَهُم."

تَحَرَّكَ مُورْفِيل نَحْوَ البَابِ، ثُمَّ تَوَقَّفَ، وَقَالَ بِلَا نَدَمٍ:

"سَأَبْنِي مَا أُرِيدُ... وَلَا أَطْمَعُ فِيمَا لَمْ يَكُنْ لِي."

"وَإِذَا عَادَ الطَّمَعُ فِي قَلْبِكَ؟"

تَوَقَّفَ مُورْفِيل ثَانِيَةً، لَكِنَّهُ لَمْ يُجِب، فَقَطْ أَغْلَقَ البَابَ خَلْفَهُ... بِهُدُوءٍ تَحْتَهُ أَلْفُ سُؤَالٍ، وَلَا جَوَاب.

وَمُنْذُ ذٰلِكَ الحِوَارِ، لَمْ تَعُدِ الرَّوَابِطُ الَّتِي جَمَعَتْهُمَا تُشْبِهُ الأُخُوَّةَ، وَلَا حَتَّى الذِّكْرَيَاتِ. بَدَأَ كُلُّ شَيْءٍ يَتَآكَلُ فِي صَمْتٍ؛ كَتِمْثَالٍ يَبْلَغُهُ الصَّدَأُ بِلَا أَصْوَاتٍ.

أَسَّسَ مُورْفِيلُ مَمْلَكَتَهُ فِي أَقَاصِي الشِّمَالِ، وَسَمَّاهَا "فِرِيلُونَا"، وَفِي كُلِّ طُوبٍ كَانَ يُرَكِّبُهُ، كَانَ يَطْمِسُ ذِكْرَى.

وَلَمْ تَمْضِ سَنَوَاتٌ كَثِيرَةٌ، حَتَّى صَارَ يُشْنُ حُرُوبًا عَلَى كُلِّ مَنْ حَوْلَهُ، بِلَا شَفَقَةٍ، وَلَا رَحْمَةٍ. قِيلَ إِنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِحَرْقِ المَدُنِ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوهَا، وَيُطْعِمُ التُّرَابَ مِنْ لَحْمِ مَنْ يَعَارِضُهُ، وَيُسَاقِي الجُنُودَ بِالدِّمَاءِ.

وَحِينَ تُوُفِّيَ وَالِدُهُمَا، كَانَ دِيمُوس يَجْلِسُ بِجَانِبِ جُثْمَانِهِ فِي قَاعَةِ المَمْلَكَةِ، يُقَبِّلُ يَدَ الرَّجُلِ الَّذِي صَنَعَهُ مَلِكًا... فِي حِينَ لَمْ يَحْضُرْ مُورْفِيل.

بِدَلًا مِنْ ذٰلِكَ، وَصَلَ سَاعٍ فِي جُنْحِ اللَّيْلِ، وَفِي يَدِهِ صُنْدُوقٌ أَسْوَدُ، فَتَحَهُ دِيمُوس وَبَدَأَ الجُمُودُ يَتَسَلَّقُ عَيْنَيْهِ... كَانَ الدَّاخِلُ قِطْعَةَ قِمَاشٍ غَارِقَةً فِي دَمٍ لَا يَزَالُ رَطْبًا. وَرَقَةٌ صَغِيرَةٌ مُلْصَقَةٌ بِهَا كُتِبَ فِيهَا:

"فَلْتَخْتَنِقْ فِي الجَحِيمِ... يَا مَنْ سَمَّيْتُهُ أَبِي."

تِلْكَ كَانَتِ الجِنَازَةُ الَّتِي حَضَرَهَا مُورْفِيل.

وَمُنْذُ ذٰلِكَ الحِينِ، صَارَ كُلُّ مَا يَفْصِلُ دِيمُوس وَمُورْفِيل لَيْسَ حُدُودًا، بَلْ دِمَاءً.

وَفِي كُلِّ لَيْلَةٍ، حِينَ يَنْظُرُ مُورْفِيلُ إِلَى السَّمَاءِ... كَانَ يَرَى عَرْشَ أَخِيهِ مِنْ بَعِيدٍ، كَجُرْحٍ لَمْ يُلْتَأَمْ. وَيُقْسِمُ، كُلَّ مَرَّةٍ، أَنْ يَسْلُبَهُ أَحَبَّ مَا مَلَكَ.

عَوْدة للوَقتِ الحَاضِر

قَصْرُ اوسْتَارِيَا-غُرْفَةُ المَلِك دِيمُوس

فِي الغُرْفَةِ، كَانَ دِيمُوس أَزْرِيس يَرْقُدُ عَلَى سَرِيرِهِ، وَالوَهْنُ قَدْ نَخَرَ مَا بَقِيَ مِنْ جَسَدِهِ. كَانَ نَفَسُهُ يُقَاطِعُ الصَّمْتَ مَرَّةً، ثُمَّ يَغِيبُ طَوِيلًا... كَأَنَّهُ يُفَكِّرُ فِي إِذَا كَانَ لِلْبَقَاءِ مَعْنًى، وَابْنَتُهُ لَيْسَتْ فِي أَحْضَانِهِ.

إِلَى جَانِبِهِ، جَثَا الكَاهِنُ الأَعْلَى، يُرَدِّدُ أَدْعِيَةً بِصَوْتٍ خَافِتٍ، وَالخَدَمُ يُبَخِّرُونَ الزَّوَايَا كَأَنَّهُمْ يُبَخِّرُونَ رُوحًا تُغَادِرُ.

مُنْذُ أُخِذَتِ اِسْتِرْلِينَا... وَالدِّمَاءُ لَمْ تَجِفَّ عَلَى البَوَّابَاتِ.

بَعَثَ الجُنُودُ، وَفَتَّشُوا السُّهُولَ وَالْجِبَالَ، وَلَكِنْ لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ...

وَالْمَلِكُ، الَّذِي لَمْ يَخْشَ حَرْبًا، عَجَزَ أَنْ يُنْقِذَ دَمَهُ.

فِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ يَشْبَهُ الحَرْقَ... لَيْسَ أَلَمًا جَسَدِيًّا، بَلْ شَيْئًا يُشْبِهُ خَيَانَةَ الحَيَاةِ.

وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي سَكَتَ فِيهَا الكَاهِنُ، فَتَحَ دِيمُوس عَيْنَيْهِ، وَهَمَسَ بِصَوْتٍ خَشِنٍ:

"كُنْتُ أَظُنُّنِي أَقْوَى... حَتَّى خَسِرْتُهَا."

وَسَكَتَ، كَأَنَّهُ قَدْ قَالَ كُلَّ مَا بَقِيَ لَهُ.

فَتَحَ فِيدُور البَابَ بِهُدُوءٍ، وَتَقَدَّمَ نَحْوَ السَّرِيرِ، ثُمَّ انْحَنَى عَلَى رُكْبَتَيْهِ أَمَامَ دِيمُوس أَزْرِيس، الَّذِي كَانَ يُحَاوِلُ فَتْحَ عَيْنَيْهِ بِصُعُوبَةٍ.

بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ، وَمَشْحُونٍ بِالذَّنْبِ، قَالَ:

"سَيِّدِي... بَحَثْنَا فِي كُلِّ مَكَانٍ... فِي الأَوْدِيَةِ، فِي الغَابَاتِ، وَحَتَّى بَيْنَ الجُثَثِ... لَمْ نَجِدْ لَهَا أَيَّ أَثَرٍ."

صَمَتَ، كَأَنَّهُ يُمْهِلُ المَلِكَ لِيَسْتَوْعِبَ... وَلٰكِنَّ دِيمُوس لَمْ يَرُدَّ. كَانَ يُحَدِّقُ نَحْوَ الجِدَارِ، وَفِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ يَنْهَارُ بِلَا صَوْتٍ.

فِيدُور أَخَذَ نَفَسًا، ثُمَّ أَكْمَلَ:

"صَحِيحٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَحْمِلُوا شِعَارًا... كَانُوا جُنُودًا بِدُونِ أَلْوَانٍ، كَأَنَّهُمْ أَشْبَاحٌ."

"لٰكِنَّ أَحَدَ الجُنُودِ الَّذِينَ أَسَرْنَاهُمْ... نَجَحْنَا فِي جَعْلِهِ يَعْتَرِفُ."

"قَالَ... إِنَّهُمْ مِنْ جَيْشِ فِرِيلُونَا."

عِنْدَ هٰذِهِ الكَلِمَاتِ، تَشَنَّجَ جَفْنُ المَلِكِ، وَمَرَّتْ أَنْفَاسُهُ كَالسُّيُوفِ فِي صَدْرِهِ.

أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ بِبُطْءٍ... كَمَنْ يَرْفُضُ أَنْ يُصَدِّقَ، وَفِي وَقْتٍ نَفْسِهِ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَا مَفَرَّ.

تَكَلَّمَ المَلِكُ دِيمُوس، وَفِي صَوْتِهِ ذٰلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي لَا يُشْبِهُ الخَوْفَ، وَلٰكِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى ضَعْفٍ يَنْبِضُ فِي عُمْقِ صَدْرِ رَجُلٍ بَدَأَتْ الحُرُوبُ تَأْكُلُ مَا تَبَقَّى مِنْهُ.

قَالَ بِنَظَرَةٍ ثَقِيلَةٍ لَا تُجَامِل:

"فِيرْلُونَا... لَيْسَتْ مَمْلَكَةً صَغِيرَةً، يَا فِيدُور.

لَهُمْ جُيُوشٌ كَالرِّيَاحِ، وَحُصُونٌ مَا سَقَطَتْ مُنْذُ اَن قَامَ اَخِي مُورفِيل بِحُكْمِهَا.

هُمْ يَنْتَظِرُونَ زَلَّةً... وَنَحْنُ، فِي وَضْعٍ لَا يَحْتَمِلُ حَرْبًا طَوِيلَةً

قَبْلَ أَنْ تُقْبِلَ عَلَى الطَّرِيقِ، تَذَكَّرْ... أَنَّ العَدُوَّ هٰذِهِ المَرَّةَ أَقْوَى."

تَحَرَّكَ فِيدُور خُطْوَةً إِلَى الأَمَامِ، كَأَنَّ مَا سَمِعَهُ لَمْ يُرْضِ عُقُولَ دِمَائِهِ. كَانَ فِي عَيْنَيْهِ لَمَعَانٌ بَارِدٌ، وَفِي قَلْبِهِ غَضَبٌ صَامِتٌ يَتَصَاعَدُ فِي كُلِّ نَفَسٍ. لَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْمَعَ عَنْ جُيُوشٍ أَقْوَى، وَلَا حُصُونٍ أَقْدَم. وَقَالَ بِنَبْرَةٍ لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا، لٰكِنَّهَا تُطْفِئُ كُلَّ مَا حَوْلَهَا:

"سَيِّدِي... سَأُحَرِّقُ العَالَمَ حَجَرًا حَجَرًا، وَسَأَجْعَلُ أَنْفَاسَ أَعْدَائِكَ وَقُودًا لِلنَّارِ الَّتِي سَتَفْتَحُ الطَّرِيقَ نَحْوَهَا.

لَا حِصْنٌ سَيَصْمُد، لَا جَيْشٌ سَيَكْفِينِي، وَلَا حَتَّى قَدَرُ الآلِهَةِ سَيَقِفُ بَيْنِي وَبَيْنَ أَخْذِهَا.

إِنِ حَبَسُوها وَرَاءَ أَسْوَارِهِمْ... سَأُسْقِطُهَا.

وَإِنْ سَجَنُوها فِي أَعْمَاقِ البِحَارِ... سَأُجَفِّفُهَا.

لَا شَيْءَ سَيُوقِفُنِي.

لِأَنَّهَا لِي، سَيِّدِي.

وَكُلُّ ذَرَّةِ تُرَابٍ لَامَسَتْهَا... تُصْبِحُ مِلْكِي."

لَزِمَ المَلِكُ دِيمُوسُ الصَّمْتَ، وَكَلِمَاتُ فِيدُور لَمْ تَزَلْ تُشْعِلُ شَيْئًا غَائِرًا فِي صَدْرِهِ.

تَمَعَّنَ فِيهِ طَوِيلًا، كَأَنَّهُ لِوَهْلَةٍ يَرَى رَجُلًا آخَرَ يَقِفُ أَمَامَهُ، ثُمَّ تَفَجَّرَتِ البَسْمَةُ فِي زَاوِيَةِ فَمِهِ، بَسْمَةٌ تُشْبِهُ الذِّكْرَى أَكْثَرَ مِمَّا تُشْبِهُ الرِّضَا، وَقَالَ بِصَوْتٍ مُتْعَبٍ:

"صَوْتُكَ... نَبْرَتُكَ... حَتَّى طَرِيقَةُ نَظَرِكَ لِي... كُلُّهَا تُشْبِهُ أَبَاكَ.

ذٰلِكَ الوَقْتُ، فِي أَوَجِ الغَضَبِ، كَانَ يَنْطِقُ بِنَفْسِ الجُمَلِ، كَأَنَّ العَالَمَ لَا يَكْفِيهِ إِلَّا لِيَجْعَلَهُ يُحَارِبَ."

ضَحِكَ قَلِيلًا، ضَحِكَةً وَاحِدَةً خَفِيفَةً، وَقَالَ:

"وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ الرَّجُلُ الأَخِيرُ الَّذِي سَيُقَاوِمُ الأَقْدَارَ بِهٰذِهِ الحِدَّةِ... لَكِنْ يَبْدُو أَنَّكَ تَفُوقُهُ."

فِيدُور أَخْفَى ارْتِجَافًا خَفِيفًا فِي عَيْنِهِ، وَلَمْ يُجِبْ، لَكِنَّهُ تَشَدَّدَ فِي وَقْفَتِهِ كَمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَثْبُتَ، حَتَّى لَوْ تَفَتَّتَ دَاخِلًا.

عَادَ دِيمُوس لِيَتَكَلَّمَ بِنَبْرَةٍ مَلَكِيَّةٍ، أَثْقَلَ مِنَ السَّابِقَة:

"غَدًا... نَبْدَأُ التَّجْهِيزَ.

قُلْ لِوَالِدِكَ أَنْ يَجْتَمِعَ بِي قَبْلَ شُرُوقِ الشَّمْسِ.

وَأَنْتَ... كُنْ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، يَا فِيدُور.

فَإِذَا كَانُوا قَدِ اقْتَرَبُوا إِلَى هٰذَا الحَدِّ... فَلْيَتَوَقَّعُوا نَارًا لَا تَخْمُدُ."

_____

يتبع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنتِي هِي الهَّلَاك

المؤلف syreiaelora
2025/07/23 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة